تقدم هذه المقاطع المقتضبة من شهادات كلاً من اللواء جمال حماد، واللواء حسين الشافعي، والأمير الوليد بن طلال، رؤية لبدايات الصراع الذي نشأ داخل مجلس قيادة ثورة يوليو 1952، وتكشف عن البوادر الأولى للشقاق الذي أفضى في نهاية المطاف إلى الانقلاب على اللواء محمد نجيب وإقصائه وتغيير مسار الثورة، التغيير الذي أطاح بفكرة الخيار للشعب إلى ترسيخ دائم ومستمر لحكم العسكر…
انقلاب جمال عبد الناصر على محمد نجيب، كما تظهره المصادر، لم يكن مجرد صراع بين شخصين، بل كان تأسيسًا منهجياً لسلطة تستند إلى تصفية المعارضين، وإقصاء حتى “الذين حموا الثورة ووقفوا إلى جوارها من أول يوم”، وبناء نظام يحكم عبر السيطرة على مفاصل الدولة، وهو ما يمثل النقطة التي تحولت فيها الثورة إلى أساس لحكم…
الصراع على السلطة وإقصاء محمد نجيب
تُعد الفترة التي أعقبت نجاح ثورة 23يوليو 1952 مباشرةً مرحلة حاسمة في تاريخ مصر الحديث. فخلف الوحدة الظاهرية التي جمعت الضباط الأحرار، والاحتفالات الشعبية برحيل الملك، كانت بذور صراع عميق على السلطة قد بدأت بالنمو في صمت. تكشف الشهادة التي أدلى بها اللواء جمال حماد عن التصدعات المبكرة التي سرعان ما تحولت إلى خلاف هائل داخل مجلس قيادة الثورة. فمع عودة اللواء نجيب إلى القاهرة، لم يكن الصراع “مكشوفاً في بادئ الأمر”، لكن الكواليس كانت تشهد تحركات دؤوبة لتغيير موازين القوى، وهو ما رصده المقربون من الرئيس، لتبدأ بذلك قصة هيمنة ستحدد وجه مصر لعقود قادمة.
انقلاب جمال عبد الناصر على محمد نجيب، كما تظهره المصادر، لم يكن مجرد صراع بين شخصين، بل كان تأسيسًا منهجياً لسلطة تستند إلى تصفية المعارضين، وإقصاء حتى “الذين حموا الثورة ووقفوا إلى جوارها من أول يوم”، وبناء نظام يحكم عبر السيطرة على مفاصل الدولة، وهو ما يمثل النقطة التي تحولت فيها الثورة إلى أساس لحكم عسكري مستمر.
بذور الشقاق: المنافسة الخفية في أروقة القيادة
كان التنافس على المناصب والنفوذ أول مظاهر الصراع الداخلي وأكثرها دلالة. ففي أي نظام سياسي ناشئ، لا تكون التعيينات في المراكز الحساسة مجرد قرارات إدارية، بل هي أدوات استراتيجية لترسيخ السلطة وبناء شبكات الولاء. وتوضح شهادة حماد أن هذه المنافسات بدأت مبكراً جداً داخل مجلس قيادة الثورة، حيث كان بعض الأعضاء يسعون إلى “وضع رجالهم في أماكن مهمة”.
هذه التحركات، التي قد تبدو طبيعية في سياق بناء دولة جديدة، كانت في حقيقتها جزءاً من استراتيجية أوسع يقودها جمال عبد الناصر وداعموه لبناء قاعدة نفوذ موازية لسلطة محمد نجيب، القائد العام للثورة. وقد تم رصد هذه التحركات مبكراً من قبل حماد، الذي كان بحكم منصبه مطلعاً على “جميع الأوراق التي تصدر عن القائد العام”، مما منحه رؤية لشبكة التعيينات التي كانت تُنسج بعيداً عن أعين العامة. لقد كانت هذه المنافسات المبكرة بمثابة تمهيد محسوب للحظة المواجهة الحاسمة التي أصبحت وشيكة.
الخنجر الذي استقر في ظهر الرئيس
شكلت أحداث 1954، التي رواها الأمير طلال بن عبد العزيز، نقطة تحول كشفت بوضوح مطلق عن نوايا إقصاء محمد نجيب، محولةً الشكوك التي كانت تراوده إلى يقين مؤلم. ففي لقاء جمعه بالأمير طلال والقائم بالأعمال السعودي، استخدم الرئيس نجيب عبارة مجازية بالغة القوة لوصف حالته: “كان الخنجر في ظهري“.
هذه العبارة لم تكن مجرد شكوى، بل كانت تعبيراً عن إحساس عميق بالغدر والخيانة من رفاق السلاح الذين يفترض أنهم شركاؤه في قيادة الوطن. لقد استوعب نجيب في تلك اللحظة أن الصراع لم يعد مجرد تنافس على النفوذ، بل تحول إلى مؤامرة مكتملة الأركان. وكما أوضح لاحقاً فقد توصل إلى قناعة نهائية بأن “جماعة عبد الناصر… يريدون إزالته من هذا الكرسي بأي شكل ووسيلة”. هذا الإدراك المرير شكل فهمه النهائي لطبيعة الصراع، وأوضح له أن أيامه في السلطة باتت معدودة، وأن خصومه لن يتورعوا عن استخدام أي أداة لتحقيق هدفهم.
مأزق الثورة: بين الانتهازية السياسية والقمع السلطوي
في المقابل تكشف شهادة حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية الأسبق، عن رؤية مركبة لمأزق السلطة في عام 1954، حيث ينتقد صاحبها لقوى المدنية المطالبة بالديمقراطية، قبل ترتيب البيت الداخلي…
فهو يشكك في النوايا، ويرى أن دعاة الديمقراطية لم يكونوا مدفوعين بمبادئ خالصة، بل كانوا يسعون لاستغلال الموقف “لإيجاد منفذ للوصول إلى السلطة”. من منظوره، كانت دعوتهم لعودة الحياة النيابية قبل “تنظيم البيت” الداخلي للثورة بمثابة محاولة انتهازية تهدف في المقام الأول إلى “القضاء على الثورة” نفسها، ومن ثم تصفية الحسابات السياسية فيما بينهم.
وبرر تنحية الآخرين معتبراً ذلك أمراً متعارف عليه في كل الثورات!!!!!
لكنه سرعان ما انتقل المحاور من هذه الرؤية إلى توجيه نقد أكثر حدة للسلطة، معتبراً أن “المأخذ” الحقيقي والجوهري كان في الأساليب التي اتبعها مجلس قيادة الثورة لفرض هيمنته، و حدد آليتين دمويتين وإقصائيتين شكلتا جوهر الانحراف عن مسار الثورة:
إسالة الدماء: ابتداءً من إعدام العاملين خميس والبقري”، والتي كانت نقطة تحول عنيفة، دشنت نهجاً قائماً على القمع الجسدي لترهيب أي معارضة، مهما كان حجمها.
الإقصاء الممنهج: وأوضح كيف تحولت “عملية الاستبعاد والإقصاء” إلى سياسة ثابتة ومباشرة ضد كل من “يبدي رأياً ومعارضة لمجلس قيادة الثورة”. والأخطر في هذا النهج أنه لم يستثنِ أحداً، حتى أولئك “الذين حموا الثورة ووقفوا إلى جوارها من أول يوم”، مما كشف عن رغبة جامحة في احتكار السلطة المطلقة.
قبل أن يطالبه الشافعي بفعل ما ينادي به حينما يقوم بثورة !!!
انقلاب دائم
تلخص هذه الشهادة بشكل مأساوي كيف تحول الصراع على السلطة بعد ثورة يوليو من تنافس خفي في أروقة الحكم إلى انقلاب كامل أطاح بأول رئيس للجمهورية. كما تكشف عن المنظور الشخصي لمحمد نجيب وحجم الشعور بالخيانة الذي عاشه، وتشكك كبار الضباط الأحرار في نوايا القوى المدنية بمحاولة الاستيلاء على الحكم !! والشهادات تجسد التعقيدات التي واجهت مصر في تلك الفترة، وتظل مصدراً تاريخياً لا يقدر بثمن لفهم أحد أكثر المنعطفات حساسية وتأثيراً في تاريخ مصر الحديث، وهو المنعطف الذي حدد مسار الدولة المصرية لعقود طويلة تالية، لازالت مستمرة حتى اللحظة ..