قدم القياديان في حركة حماس، محمود مرداوي وجاسر البرغوثي، خلال حوارهما في برنامج “شاهد على العصر”، تحليلًا استراتيجيًا للملامح القيادية لأحمد الجعبري، نائب القائد العام لكتائب القسام، الذي عُرف بلقبي “الشبح” و”قائد حماس الفولاذي”، والذي تصدر قائمة المطلوبين لإسرائيل، من خلال شهادات ميدانية، وعبر استقراء آليات صنع القرار لديه وتأثيره الاستراتيجي.
تُلخص عقيدة الجعبري القتالية التي شكلت مسيرته مقولته الشهيرة:”ما دام الصهاينة يحتلون أرضنا الفلسطينية فليس لهم سوى الموت أو الرحيل عنها”.
التقرير التالي يرصد السمات الجوهرية التي شكلت هذه الشخصية القيادية، ويدرس تجليات إرادته في مواقف حاسمة، ويقيّم الإرث الذي تركه بعد اغتياله.
السمات الجوهرية: تحليل الشخصية “الفولاذية”
في العقيدة العسكرية والاستراتيجية، لا يمكن فصل شخصية القائد عن بصمته الميدانية، فالسمات الجوهرية هي التي تشكل بوصلته في إدارة الصراع وتحديد مساراته، واستنادًا إلى الشهادات الواردة، يمكن تحديد الملامح الأساسية لشخصية أحمد الجعبري على النحو التالي:
شخصية فولاذية قوية
وُصف بأنه يمتلك حضورًا طاغيًا يفرض نفسه على محيطه؛ فبمجرد الجلوس معه، كان جليسه يشعر بأنه أمام “رئيس دولة”، مما يعكس ثقة مطلقة بالنفس وقدرة على الهيمنة.
نفسٌ متوقدة وطموح لا محدود
تميز بروح لا تعرف المستحيل. وُصف بأنه “كان لديه في جسده نفسٌ متوقدة لتحقيق كل شيء”، بحيث لا يحد من قدراته وطموحاته أي عائق.
قائد عملياتي وميداني
لم يكن قائدًا نظريًا، بل كان رجل ميدان من الطراز الأول، يجيد التخطيط والتنفيذ المباشر، مما أكسبه مصداقية مطلقة بين مقاتليه.
وعي سياسي ورؤية استراتيجية
امتلك رؤية تتجاوز البعد العسكري الضيق، حيث يُنسب إليه الفضل في وضع أسس التنسيق بين الجناحين السياسي والعسكري لحماس، كما كان يسعى لبناء تحالفات استراتيجية إقليمية تتجاوز حدود فلسطين.
شخصية أبوية
رغم صلابته الظاهرة، كان يُنظر إليه كأب من قبل عناصر القسام والأسرى المحررين، فبعد اغتياله، ساد بين رجاله شعور بأنهم “شعروا باليتم”، وهو ما يدل على عمق الرابط الإنساني الذي بناه معهم.
هذا المزيج النادر من السمات الشخصية هو ما مكّنه من فرض إرادته في مواقف كانت تبدو غير قابلة للحل، وهو ما يتجلى بوضوح في دراسات الحالة التالية.
القيادة والإرادة
تتجلى قوة القائد الحقيقي في قدرته على حسم المواقف المصيرية، نستعرض هنا حالتين محوريتين من مسيرة الجعبري، تبرزان صلابته الاستثنائية وقدرته على فرض إرادته على الخصم.
فرض الإرادة في صفقة “وفاء الأحرار”
تُعد واقعة صفقة تبادل الأسرى، المعروفة باسم “وفاء الأحرار”، مثالًا بارزًا على إصرار الجعبري. خلال المفاوضات، تعهد للأسير القيادي “أبو أحمد العامودي” بالإفراج عنه، رغم الرفض القاطع من رئيس الشاباك آنذاك، يورام كوهين، الذي كان له دافع شخصي لمنع ذلك، حيث كان العامودي متهمًا بقتل صديق مقرب لكوهين.
في حوار هاتفي مباشر مع العامودي وهو داخل السجن، كانت كلمات الجعبري حاسمة وثابتة، حيث قال له بوضوح ليسمعه هو ومراقبو المكالمة الإسرائيليون:
“ما يروح شاليط وأنت مش مروح، وتوكل على الله”.
أجبر هذا الإصرار الذي لا يلين المفاوضين الإسرائيليين، عبر الوسيط المصري، على الرضوخ وإدراج اسم العامودي في الصفقة.
توضح هذه الحادثة أن كلمته لم تكن مجرد وعد، بل كانت قرارًا استراتيجيًا مُلزمًا لجميع الأطراف، بما في ذلك الخصم.
الصلابة الأسطورية في السجن
يروي محمود مرداوي قصة سمعها مباشرة من ضابط سجن إسرائيلي من أصل عراقي، تجسد عناد الجعبري الفائق.
قاد الجعبري إضرابًا عن الوقوف للعدّ اليومي، وهو إجراء روتيني مهين، واستمر الإضراب لمدة ستة أشهر متواصلة، كانت خلالها قوات السجن ترشهم بالغاز يوميًا لإجبارهم على الوقوف، لكن دون جدوى.
وبعد أن عجزت إدارة السجن عن كسر إرادتهم، اقترح مدير السجن عليهم رفع شكوى للمحكمة كحل وسط للخروج من المأزق، فوافقوا على ذلك. وعندما تم استدعاء الجعبري للمحكمة، طلب منه القاضي الوقوف، فجاء رده تحديًا مباشرًا لمنظومة القمع بأكملها:
“أنا ستة أشهر بأترش غاز في السجن، بدك أوقف لك مش موقف؟”.
تُظهر هذه الرواية شخصية لا تنكسر تحت أقصى درجات الضغط، وهي السمة ذاتها التي جعلته الهدف الأول على قائمة الاغتيالات الإسرائيلية.
الاغتيال والرد الذي هز تل أبيب
إن اغتيال القادة المؤثرين غالبًا ما يكون نقطة تحول استراتيجية، لا نهاية لتأثيرهم، في منتصف نوفمبر 2012، اغتالت إسرائيل أحمد الجعبري في غارة جوية استهدفت سيارته بمدينة غزة، معتقدة أنها بذلك تحيّد رأس القيادة العسكرية لحماس، إلا أن اغتياله لم يكن سوى شرارة لرد فعل غيّر وجه الصراع.
كان الأثر المباشر لعملية الاغتيال هو اتخاذ كتائب القسام قرارًا تاريخيًا، بقصف تل أبيب بالصواريخ لأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية.
لم يكن هذا الرد مجرد عملية عسكرية، بل كان إعلانًا استراتيجيًا بأن قيمة الجعبري في المنظومة العسكرية للقسام توازي كسر إحدى أكبر المحرمات في قواعد الاشتباك، وهو استهداف العمق الإسرائيلي..
ولعل الشهادة الأكثر دلالة على ثقله الاستراتيجي جاءت من الخصم نفسه. فكما أشار جاسر البرغوثي، اعترف الإسرائيليون بعد اغتياله بالمفارقة المريرة، حيث قالوا: “نحن قتلنا الذي نقدر أن نتفق معه”، معتبرينه ” قمة الرجولة”.
هذا الاعتراف هو أبلغ شهادة على أن الجعبري كان شخصية ذات وزن استراتيجي فرض احترامه حتى على أعدائه.
تقييم شامل لشخصية أحمد الجعبري
تكشف شهادات المقربين منه أن أحمد الجعبري كان شخصية قيادية مركّبة، تجمع بين:
-الصلابة الفولاذية.
-الحنكة السياسية.
-الرؤية الاستراتيجية.
-الجانب الأبوي .
لقد نجح في تحويل كتائب القسام من مجموعات قتالية إلى قوة منظمة أشبه بالجيش النظامي، قادرة على فرض معادلات جديدة، ووفقًا للشهادات المقدمة، فإن إرث أحمد الجعبري يتجاوز كونه قائدًا عسكريًا إلى كونه مهندسًا لمرحلة جديدة في الصراع.
لقد نجح في مأسسة عقيدة الإرادة الفولاذية داخل هيكل القسام، وهي العقيدة التي تجلت بأوضح صورها في الرد على اغتياله؛ بذلك، لم يترك الجعبري بصمة فحسب، بل ترك قواعد اشتباك جديدة لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم.