تعد دراسة شخصية القائد في كتائب القسام، محمود أبو هنود، الذي استشهد في 23 نوفمبر 2001، مدخلاً أساسيًا لتحليل كيفية بناء سرديات المقاومة وتشكّل الأساطير في الوعي الجمعي الفلسطيني.
فمن خلال شهادة خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، يمكن تفكيك “أسطورة أبو هنود” لفهم العناصر التي حولت مقاتلاً فرديًا إلى رمزاً للصمود في مواجهة تفوق عسكري ساحق، في معركة وصفها مشعل بأنها كانت “بين بطل وبين فرقة عسكرية”.. 500 جندي، و5 طائرات هليكوبتر، فعل بهم أبو هنود الأفاعيل، قتل 3 من المهاجمين في معركة أسطورية وأستطاع أن يفر….
محمود أبو هنود “ذو الأرواح السبعة”
محمود أبو هنود، الذي طاردته قوات الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية على حد سواء منذ عام 1994، كان يعيش في حالة مطاردة مستمرة لست سنوات قبل المعركة التي رسخت مكانته.
خلال هذه الفترة، اكتسب ألقابًا متعددة تعكس حجم التحدي الذي مثله لخصومه. فقد أطلقت عليه الصحافة الإسرائيلية لقب “قائد القسام ذو الأرواح السبعة” لنجاته المتكررة من محاولات الاغتيال، كما وصفته بألقاب مثل “أبو الموت” و “روبن هود الفلسطيني”. هذه التسميات ليست مجرد سرديات صحفية؛ بل هي تعكس تصور المؤسسة الأمنية الإسرائيلية له كتهديد مستمر، مما رفعه من مرتبة المقاتل إلى شخصية أسطورية. ومن خلال تفاصيل معركة عصيرة الشمالية، تتضح معالم هذه الأسطورة وكيفية تشكلها في ميدان المواجهة.
تحليل تكتيكي لمواجهة غير متكافئة
تجسد معركة عصيرة الشمالية في 26 أغسطس من العام 2000، نموذجًا فريدًا في تاريخ الصراع، حيث تكشف عن ديناميكية المواجهة بين مقاتل فردي وقوة عسكرية منظمة ومتفوقة. لم تكن مجرد اشتباك مسلح، بل كانت، كما يرويها خالد مشعل، “معركة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، استطاع فيها أبو هنود تحويل كمين استهدف تصفيته إلى هزيمة تكتيكية ومعنوية لقوات النخبة الإسرائيلية.
أبو هنود يواجه الكمين الإسرائيلي
بدأت العملية الإسرائيلية بهدوء، معتمدة على قوات المستعربين من وحدة النخبة “دوفدفان”. والمستعربون، كما يوضحهم مشعل، هم جنود يتنكرون في زي مدني عربي ويندسون بين الفلسطينيين لتنفيذ عمليات مباغتة.
تسللت هذه القوة إلى قرية عصيرة الشمالية بناءً على معلومات استخباراتية تفيد بوجود أبو هنود في محيط أحد المنازل.
تكمن العبقرية التكتيكية لأبو هنود في استيعابه الفوري للموقف وامتلاكه زمام المبادرة. فبدلاً من محاولة الهرب، اتخذ موقعًا تحت شجرة وراقب تسلل الجنود إلى سطح منزل مجاور. في خطوة جريئة، بادر بإطلاق النار عليهم، محولاً نفسه من طريدة إلى صياد.
أسفر هجومه المباغت عن مقتل جنديين على الفور. بعد ذلك، انسحب تكتيكيًا لمسافة قصيرة واتخذ موقعًا جديدًا واصل منه إطلاق النار، ليقتل جنديًا ثالثًا.
هذه المبادرة الهجومية المدروسة، بحسب شهادة مشعل، تدحض الرواية الإسرائيلية التي زعمت أن القتلى سقطوا بنيران صديقة، فمن غير المنطقي أن يخطئ الجنود في إصابة بعضهم البعض قبل بدء الاشتباك الفعلي.
حجم القوة الإسرائيلية ورد الفعل الشعبي
بعد فشل الكمين الأولي، تحولت المنطقة إلى مسرح عمليات عسكري واسع، حيث حشد جيش الاحتلال قوة ضخمة لمحاصرة رجل واحد، مما يعكس حجم الصدمة والارتباك في صفوفه. يتضح حجم القوة من خلال الأرقام التي أوردها خالد مشعل:
• الجنود: 500 جندي إسرائيلي.
• الطائرات: 5 طائرات هليكوبتر (أربع منها للاستطلاع والمراقبة).
• الإضاءة: جرى إطلاق حوالي 500 قنبلة ضوئية حولت ليل المنطقة إلى نهار.
في خضم هذه المواجهة، عمل رد الفعل الشعبي كشكل من أشكال الحرب غير التقليدية، حيث خلق حالة من الفوضى التي أربكت التماسك العملياتي للقوات الإسرائيلية. فقد ساهم أهالي عصيرة الشمالية بإشعال الإطارات وسد الشوارع لمنع تقدم الآليات، بينما انطلقت الهتافات والتكبيرات من مآذن المساجد، مما وفر غطاءً معنويًا وشعبيًا لأبو هنود وأظهر تلاحمًا عميقًا بين المقاومة وحاضنتها الشعبية.
الانسحاب التكتيكي: من المعركة إلى قبضة السلطة
لم ينسحب أبو هنود من المعركة إلا بعد أن أصبح استمرار القتال مستحيلاً. جاءت نقطة التحول عندما أصيب برصاصة “دم دم” المتفجرة في مفصل ذراعه الأيمن، وهي إصابة حاسمة أفقدته القدرة على استخدام سلاحه بفعالية. وصف أبو هنود لأخيه شعوره قائلاً: “شعرت أن ذراعي فقدتها في المعركة”.
بعد هذه الإصابة، بدأ رحلة انسحاب شاقة قطع خلالها مسافة تتراوح بين 2 إلى 3 كيلومترات وهو ينزف بشدة، في رحلة استغرقت أربع ساعات. كان هدفه الوصول إلى “المنطقة أ” الخاضعة للسيطرة الأمنية الفلسطينية في أطراف نابلس. وصل إلى بيت مهجور حيث انهار من الإرهاق، قبل أن يلاحظه مواطنون نقلته سيارة إسعاف إلى المستشفى، ليجد نفسه في قبضة السلطة الفلسطينية. وهكذا، انتهت فصول المعركة الميدانية، لتُفتح جبهة جديدة، سياسية هذه المرة، تضع مكانة أبو هنود البطولية في مواجهة الحسابات الباردة للاتفاقيات الأمنية للسلطة الفلسطينية.
ويتلخص حجم فشل العملية فيما قاله عنها وزير خارجية إسرائيل شيمون بيريز :”إن عملية عصيرة عار على إسرائيل”.
دوافع الصمود: أسباب تميز المقاومين
تتجاوز قصة صمود محمود أبو هنود حدود البطولة الفردية لتصبح نموذجًا ملهمًا في ثقافة المقاومة. فالقدرة على مواجهة قوة عسكرية جرارة لساعات لا يمكن تفسيرها بالأبعاد المادية فقط. يكشف خطاب خالد مشعل عن عاملين رئيسيين يمثلان جوهر هذه القدرة على الصمود الاستثنائي.
1. العقيدة القتالية للمجاهد: يميز خالد مشعل بوضوح بين مفهومي “الفرار” و”الانسحاب”. فبحسب هذه العقيدة، “المجاهدون لا يفرون من أرض المعركة، وإنما يقاتلون حتى الرمق الأخير”. لم ينسحب أبو هنود إلا بعد إصابته البالغة التي منعته جسديًا من المواصلة، مما يعكس تمسكًا بالمواجهة حتى استحالة استمرارها. هذا المبدأ يحول القتال من مجرد عمل عسكري إلى واجب عقائدي يمنح المقاتل صلابة نفسية تتجاوز حسابات القوة المادية.
2. الاعتزاز بالمقاومة: هذا الدافع الداخلي، القائم على العقيدة، يتم دعمه من خلال القيادة السياسية للحركة. يؤكد خالد مشعل على التقدير العميق الذي يكنه الجناح السياسي للجناح العسكري، واصفًا المقاتلين بأنهم “أساتذة” و “تاج على الرؤوس”. هذا ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو انعكاس لقيمة الجهاد كمصدر شرف وإلهام للحركة بأكملها، مما يعزز معنويات المقاتلين في الميدان ويدفعهم لتقديم تضحيات استثنائية.
لكن هذا الصمود البطولي، رغم رمزيته العالية، يأتي بثمن باهظ لا يقتصر على التضحيات الجسدية، بل يمتد ليشمل تحديات سياسية معقدة.
إن تكلفة المقاومة لا تُقاس فقط بالخسائر في المواجهات المباشرة، بل تمتد لتشمل تحديات جسدية وسياسية معقدة، وهو ما تكشفه قضية أبو هنود بوضوح. فبعد انتهاء المعركة، بدأ فصل جديد من المعاناة يكشف عن الثمن الباهظ الذي يدفعه المقاومون، فبدلاً من تكريمه اعتقل وأحيل للمحاكمة!!.
تضع قضية أبو هنود السلطة الفلسطينية أمام معضلة عميقة؛ فهي ليست مجرد خيار بين بديلين، بل هي صراع بين التزامها التأسيسي بالتنسيق الأمني مع إسرائيل (بموجب اتفاقيات أوسلو وواي ريفر) وبين ادعائها تمثيل الإرادة الوطنية الفلسطينية التي تمجد رموز المقاومة مثل أبو هنود. هذا التناقض يلخصه مشعل بالقول إن هذه الاتفاقيات “جعلت مهمة كثيرًا من أجهزة الأمن الفلسطينية ملاحقة المجاهدين وحماية أمن إسرائيل”. فبدلاً من تكريمه، وجد أبو هنود نفسه قيد المحاكمة من قبل أبناء شعبه، ليس لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه مطلوب إسرائيليًا. هذا الوضع، الذي تحذر منه حماس مستشهدة بسابقة تسليم “خلية صوريف”، يلخص التحدي المزدوج الذي يواجه المقاومين: مواجهة عدو خارجي، والتعامل مع واقع سياسي داخلي معقد.
رمزية أبو هنود وإرث المقاومة المستمرة
في نهاية المطاف، تحول محمود أبو هنود من مقاتل مطارد إلى “أسطورة” حية. لقد اكتمل بناء هذه الأسطورة من خلال تضافر عناصر متعددة: الشجاعة الفردية والبراعة التكتيكية في الميدان، والدعم الشعبي الذي وفر له غطاءً معنويًا، والمفارقة المأساوية المتمثلة في وقوعه في قبضة السلطة الفلسطينية.
إن قضيته لا تكشف فقط عن بطولات المقاومة، بل تسلط الضوء بشكل مؤلم على التناقضات الداخلية التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني. فوجوده في سجون السلطة يجسد الصراع بين منطق المقاومة ومنطق الالتزامات الأمنية. وهكذا، يبقى إرث محمود أبو هنود مستمرًا، ليس فقط في سجل العمليات العسكرية، بل كنموذج للمقاومة التي تستمد قوتها من عقيدتها وحاضنتها الشعبية، مقدمًا مصدر إلهام لأجيال جديدة رغم كل التكاليف والتحديات.