يستعرض أحمد منصور مع –وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق– الطاهر بلخوجة ج4 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، النظام التعاضدي في تونس.
تحدث بلخوجة في الحوار الذي جرى بثه في 16 يونيو 2002، عن نشأة النظام التعاضدي في تونس الذي قاده “أحمد بن صالح” والذي كان يثق فيه “بورقيبة” ثقة كبيرة حتى أنه اعترض في الديوان السياسي للحزب الدستوري على عدم اختياره في انتخابات الحزب التي أقيمت في مؤتمره الذي عقد في “سوسة” عام 1959م وسمي “مؤتمر النصر”.
وأضاف “بلخوجة” أن ثقة “بورقيبة” في “بن صالح” أعطت له نفوذاً واسعاً في تونس حيث سمحت له بتولي ست وزارات دفعة واحدة وكان يعين من يشاء ويعزل من يشاء.
وأوضح “بلخوجة” أن النظام التعاضدي تم تنفيذه بشكل خاطئ في تونس، مما أدى لغضب واسع في الشارع التونسي، وقام “بورقيبة” بإلغائه والقبض على “بن صالح” الذي الذي استطاع الهرب إلى الجزائر ومنها إلى روما. وتحدث عن وضعه في هذه الفترة حيث كان سفيراً لتونس في عدة دول إفريقية ورتب زيارات إفريقية عديدة لـ “بورقيبة”، ثم عاد إلى تونس ليكون رئيساً للديوان في أواخر عصر “بن صالح”
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج “شاهد على العصر”، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق، الطاهر بلخوجة. مرحباً معالي الوزير.
الطاهر بلخوجة: شكراً.
تجربة تونس الاقتصادية الاشتراكية في الستينيات
أحمد منصور: في بداية الستينيات، دخلت تونس تجربة اقتصادية اشتراكية استمرت حتى نهاية الستينيات تقريباً.
الطاهر بلخوجة: نعم، تقريباً.
أحمد منصور: كانت هناك أزمات طاحنة في البلاد في تلك الفترة. كان أحمد بن صالح في نهاية الخمسينيات وزيراً للصحة، ثم أصبح من المقربين جداً من بورقيبة، حيث طرح مشروعه للإصلاح الاقتصادي، فدعمه بورقيبة، ولاَّه في البداية وزارة، ثم وزارتين، ثم ثلاث وزارات، ثم خمس وزارات دفعة واحدة. أصبح كما كان يُطلق عليه “الوزير السوبرمان”، مسؤولاً عن كل شيء من التربية الوطنية إلى الاقتصاد والتخطيط. أنت عُينت مديراً لمكتبه في عام 1967، وفي 7 يونيو 1967، أصبحت مديراً عاماً للأمن الوطني. كيف كانت شهادتك على تلك المرحلة؟ كيف بدأت فكرة التعاضديات أو التعاونيات كما تُسمى بالتونسية، والتجربة الاشتراكية، وعملية التأميم التي تمت في بداية الستينيات؟
الطاهر بلخوجة: شوف يا سيدي، في الستينيات كان التخطيط هو الموضة العالمية، حتى في البلدان الغربية. كان يُعتقد أن التخطيط هو الحل الأساسي لجميع مشاكل هذه البلدان، وخاصةً بالنسبة لتونس، التي كانت قد استقلت عام 1956 وكانت ما تزال في مرحلة بناء الدولة.
أحمد منصور: طبعاً، هناك فوارق كبيرة بين ما يخطط الآخرون وبين ما كان يُخطط في الدول العربية.
الطاهر بلخوجة: نعم، هناك فوارق أساسية. لكن بالنسبة لتونس، كانت محاولة للالتحاق بالتجارب التي كانت تفرض نفسها في تلك المرحلة، خاصةً في ظل وضعنا كدولة حديثة الاستقلال.
أحمد منصور: كيف كان الوضع الاقتصادي في تونس في تلك المرحلة؟
الطاهر بلخوجة: في الواقع، كان هذا المشروع الاقتصادي الاشتراكي أكثر مرتبطاً بالجوانب السياسية والسلطوية أكثر من كونه مشروعاً اقتصادياً بحتاً.
الصراع بين صالح بن يوسف وبورقيبة وأزمة 1955
أحمد منصور: كيف بدأت الأزمة بين بورقيبة وصالح بن يوسف؟ وكيف تأثرت بها تونس؟
الطاهر بلخوجة: في نوفمبر 1955، كانت الأزمة اليوسفية في أوجها، حيث بدأ الصراع بين بورقيبة وصالح بن يوسف. كانت هناك انقسامات في الحزب الحاكم، وكان بن صالح قد أصبح أحد المقربين لبورقيبة بعد أن دعم مشروعه الاشتراكي.
أحمد منصور: هل كان الصراع بين الجناحين السياسية الحاكمة – الحزب، الاتحاد التونسي العام للشغل، وأجهزة الدولة؟
الطاهر بلخوجة: نعم، كان هناك ثلاثة أجنحة رئيسية: جناح الحزب الحاكم، اتحاد الشغل، والحزب الحاكم نفسه.
تعيين أحمد بن صالح وزيراً لـ 6 وزارات
أحمد منصور: بورقيبة كلف أحمد بن صالح بتولي ست وزارات في وقت واحد. كيف تمت هذه التعيينات؟
الطاهر بلخوجة: في بداية الستينات، تم تعيين بن صالح وزيراً لست وزارات: التخطيط، والمالية، والاقتصاد، والتجارة، والفلاحة، والتربية الوطنية. كان الهدف من ذلك هو إعطاءه كل الصلاحيات لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية. لكن هذا التعيين لم يكن ناجحاً كما كان يُأمل، فقد فشل بن صالح في تحقيق الكثير من أهداف هذه الوزارات بسبب كثرة المسؤوليات الموكلة إليه.
أحمد منصور: هل كان لتعيين بن صالح هذا تأثير سلبي على أداء الحكومة؟
الطاهر بلخوجة: نعم، لأن كل وزارة من هذه الوزارات كانت بحاجة إلى شخص متمكن لإدارتها بشكل فعّال. هذا التراكم في المسؤوليات جعل من الصعب على بن صالح التركيز على كل جانب من جوانب الاقتصاد والإصلاح.
أحمد منصور: كنت قد تحدثت في كتابك عن دور “وسيلة” زوجة بورقيبة، وقلت إنها كانت في ظله ولكن في بعض الأحيان كانت تسبقه. كيف ترى دورها في السياسة التونسية والعربية؟
الطاهر بلخوجة: وسيلة كانت امرأة ذكية ولها دور محوري في السياسة التونسية. لم تكن مجرد زوجة للرئيس، بل كانت جزءاً من النظام السياسي التونسي، وقد أدت دوراً مهماً في الدعم السياسي لبورقيبة وتوجيه سياساته.
أحمد منصور: أعود الآن إلى بن صالح وإلى تجربته في الوزارات الست التي كان يتولاها.
الطاهر بلخوجة: يا سيدي، كان يتولى الـ 6 وزارات، ولكن لم يقتصر على ذلك.
أحمد منصور: كمان.
الطاهر بلخوجة: أنا حينها، ذهبت إلى…
محاولات بورقيبة لتزعم الدول الأفريقية
أحمد منصور: ننتقل إلى فترة عملك كسفير لتونس في داكار بين عامي 1961 و1966، حيث كنت مسؤولاً عن المنطقة الإفريقية الغربية. كان لبورقيبة طموحات بالزعامة في إفريقيا في تلك الفترة. هل كان يحاول أن يكون له امتداد في إفريقيا؟
الطاهر بلخوجة: نعم، بورقيبة كان يطمح إلى لعب دور أكبر في إفريقيا بعد أن فقد الأمل في المشرق العربي بسبب هيمنة عبد الناصر. كان يحاول تعزيز مكانة تونس في إفريقيا، وكان لديك دور في ترتيب جولة لبورقيبة في عدة دول إفريقية في عام 1965. كانت هذه محاولة منه لتوسيع نفوذه في القارة.
أحمد منصور: هل كان هدفه أن يكون زعيماً للمغرب الإفريقي؟
الطاهر بلخوجة: لم يكن يسعى لأن يكون “زعيم” إفريقيا بالمعنى التقليدي، لكنه كان يطمح إلى أن يكون له نفوذ واحترام في القارة، خاصة في ظل التحديات التي كانت تواجهها الدول الإفريقية الحديثة.
أحمد منصور: كان بورقيبة يشعر أن تونس صغيرة بالنسبة له، وكان يريد أن يكون زعيماً للعالم العربي.
الطاهر بلخوجة: نعم، كان يشعر بذلك وكان يريد أن يخرج من هذه الوحدة الضيقة.
أحمد منصور: وعبد الناصر كان يهيمن على الشرق؟
الطاهر بلخوجة: نعم، عبد الناصر كان له دور كبير في الشرق.
أحمد منصور: بورقيبة أدرك صعوبة الوضع في الشرق وركز على إفريقيا؟
العلاقات التونسية الإفريقية
أحمد منصور: في عام 1965، قمت بترتيب جولة لبورقيبة في العديد من الدول الإفريقية لتعزيز نفوذه.
الطاهر بلخوجة: نعم، كانت زيارة رسمية، شهراً كاملاً من موريتانيا إلى النيجر.
أحمد منصور: كانت هذه الزيارة مهمة لإفريقيا، حيث استطاع بورقيبة بناء صداقات قوية مع الدول الإفريقية المعتدلة.
التحديات الاقتصادية والثقافية في إفريقيا
أحمد منصور: كيف كانت تجربة سفيرك في إفريقيا؟
الطاهر بلخوجة: كانت تجربة غنية، فهم مسلمين ملتزمين رغم 100 عام من الاستعمار الفرنسي.
أحمد منصور: كيف كان يعامل الرئيس السنغالي سانجور المسلمين رغم أنه مسيحي؟
الطاهر بلخوجة: كان يحترم المسلمين، وكان يترقب عودتنا من الصلاة.
الصراع مع إسرائيل وتأثيرها في إفريقيا
أحمد منصور: كيف كانت علاقات إسرائيل في داكار؟
الطاهر بلخوجة: السفير الإسرائيلي حول سفارته إلى معبد يهودي، وكانت هناك علاقة متوترة بين اليهود والمسلمين.
أحمد منصور: هناك تساؤلات حول الزعماء الأفارقة الذين جاءوا بعد الاستقلال، حيث كان البعض منهم صنيعة الاستعمار.
الطاهر بلخوجة: نعم، كان الاستعمار قد قسم البلدان، وكانت السياسة الفرنسية تقسم القارة وتضعفها.
فشل المخطط الاقتصادي
أحمد منصور: في 1963، أعلن أحمد بن صالح عن المخطط العشري لإخراج تونس من الفقر والتخلف.
الطاهر بلخوجة: صحيح، ولكن هذا المخطط لم يحقق النجاح المطلوب، حيث فشلنا في فرضه على الشعب، بينما لم يمس الطبقات الكبيرة.
بن صالح وهيمنته على السياسة التونسية
أحمد منصور: في 1965، بعد أن تولى بن صالح 6 وزارات، أصبح هو المسيطر على السلطة.
الطاهر بلخوجة: بن صالح كان يتحكم في كل شيء، وكانت وزاراته وسيلة لفرض نفوذه.
أزمة تأميم ممتلكات عائلة وسيلة
أحمد منصور: كيف كانت علاقة وسيلة ببن صالح بعد محاولة تأميم ممتلكات عائلاتها؟
الطاهر بلخوجة: لا يمكن القول إن بن صالح قام بتأميم ممتلكات عائلة وسيلة بشكل مباشر، ولكن هناك ضغوط كانت تُمارس.
أحمد منصور:
كانت لها أملاك، وهي من عائلة ثرية بورجوازية.
الطاهر بلخوجة:
يا سيدي، المشكلة تكمن في أن ما فرضناه على الشعب لم نفرضه على الكبار. في عام 1963 بدأنا في الإصلاح التجاري، وقبل أن أتحدث عن هذا الإصلاح، سأوضح لك كيف كان الوضع حينذاك.
أحمد منصور:
لكن، هل يمكن أن تشرح لنا الإصلاحات التي تمت في هذا المجال؟
الطاهر بلخوجة:
في عام 1963، بدأنا في إصلاحات تجارية كبيرة، وكان أساس الإصلاح يتمثل في تحويل التجارة الصغيرة إلى تعاونية تجارية. التاجر الصغير كان يعمل في دكانه، يبيع بالكميات الصغيرة، وكان وضعه المالي ضعيفاً. فقررنا أن ندمج هؤلاء التجار في تعاونيات تجارية، وبالتالي القضاء على التجارة الفردية. هذا التغيير أحدث حالة من الفوضى، فقد ضاع مصدر رزق هؤلاء التجار.
أفكار بن صالح الاقتصادية وتطبيقاتها
أحمد منصور:
بصفته مدير مكتب أحمد بن صالح، كيف كان التطبيق الفعلي لهذه الأفكار الاقتصادية؟
الطاهر بلخوجة:
لقد تم تأميم التجارة بشكل كامل، بحيث لم يعد بإمكان أي شخص أن يمتلك شركة تجارية خاصة. كما تم تأميم جميع التعاونيات، وتم منع الاستيراد. هذه السياسات أدت إلى عواقب وخيمة، أبرزها هروب رؤوس الأموال الغربية والشركات الدولية من تونس، مما ترك البلاد في حالة اقتصادية صعبة.
تأميم الفلاحة والقطاع الزراعي
أحمد منصور:
ماذا عن تأميم الفلاحة؟
الطاهر بلخوجة:
في عام 1964، تم تأميم الأراضي الزراعية. كانت الأراضي التي يمتلكها الفلاحون الفرنسيون قد تم استعادتها من قبل الدولة، وفرضنا على الفلاحين التونسيين الانضمام إلى التعاونيات الزراعية. كان ذلك بداية النهاية للفلاحة الصغيرة. في تلك الفترة، حدثت العديد من الاحتجاجات الشعبية، مثل انتفاضة مساكن عندما قررنا قلع أشجار الزيتون القديمة واستبدالها بأشجار مثمرة أخرى.
مواقف بورقيبة والباهي الأدغم
أحمد منصور:
هل كان بورقيبة يتفق مع هذه السياسات؟
الطاهر بلخوجة:
بعد أحداث 1964، أدرك بورقيبة خطورة الوضع، وقال إنهم لا يسعون إلى إنهاء الملكية، بل يريدون تحقيق الثورية بشكل تدريجي. وفي هذا السياق، قام الباهي الأدغم بإلقاء خطاب في مجلس الأمة في عام 1964، حيث أكد على ضرورة التدرج في تطبيق هذه السياسات.
أحمد منصور:
كان الباهي الأدغم معروفاً بمواقفه الوسطية، حيث كان يحاول تجنب التصادم مع بن صالح أو بورقيبة. كيف ترى ذلك؟
الطاهر بلخوجة:
نعم، كان الباهي الأدغم يحاول دائماً الحفاظ على توازن، دون أن يتصادم مع أي طرف. كان ذلك أسلوبه في الحكم. وبالرغم من أنه كان رئيساً للوزراء، إلا أنه كان ينتهج سياسة تجنب الصراع، وهو ما جعله يبدو أحياناً كموظف، لا كقائد حاسم.
الانتقادات والواقع المأساوي
أحمد منصور:
هل كانت هناك مشاكل في إدارة الأمور في تلك الفترة؟
الطاهر بلخوجة:
نعم، كان هناك العديد من المشاكل. بعد عام 1961، تورطنا جميعاً في هذه السياسات، وكان ذلك جزءاً من مسئولياتنا نحن، وزراء، وحزب، ورئيس الدولة. كان من بين أكبر المشاكل هو استسلام وزارة الداخلية، حيث كانت تكذب وتخفي الحقائق، بل كان كل رئيس حين يزور المناطق يُظهر صوراً مزخرفة كأنها تحقق النجاح، ولكن في الواقع كان الوضع كارثياً.
أحمد منصور:
هل كانت تلك السياسات مؤثرة على التجارة الصغيرة والفلاحة؟
الطاهر بلخوجة:
نعم، تم تدمير التجارة الصغيرة والفلاحة. في البداية، كان لدينا بعض الصناعات البدائية، مثل صناعة الحلفا في القصرين، وكذلك بعض الصناعات السياحية. ولكن بعد عام 1970، اكتشفنا أن هذه الصناعات كانت فاشلة، مثل صناعة الفوسفات في صفاقس وقابس، التي كانت في البداية واعدة.
أحمد منصور:
هل كان هناك خطط اقتصادية أعدتها جهات خارجية؟
الطاهر بلخوجة:
نعم، في عام 1960، مع تولي بن صالح الوزارة، كان لدينا مكتب فرنسي مختص في إعداد الخطط الاقتصادية، وكان يديره أساتذة من جامعة ليون. ولكن للأسف، تبين لاحقاً أن هذه الخطط كانت تساهم في تعزيز التبعية الاقتصادية لتونس.
صراعات في مكتب بن صالح
أحمد منصور:
كيف كانت علاقتك مع بن صالح عندما كنت مديراً لمكتبه في 1967؟
الطاهر بلخوجة:
علاقتي ببن صالح كانت طيبة، وكان دائماً يستمع إلى آرائي. لكنني كنت أشعر أنني دخيل عليه، لأنني جئت بناءً على توصية من بورقيبة. كنت في موقع صعب، وكان بيننا نوع من الحذر. ورغم ذلك، حاولت فرض نفسي كمدير ديوان، وأشرفت على العديد من المراسلات الهامة، حتى تدخلت أحداث أخرى في عام 1967، مثل الهزيمة في حرب يونيو، التي أوقفت بعض الصراعات.
أحمد منصور:
هل يمكننا القول إن الفترة التي قضيتها في منصب مدير ديوان بن صالح كانت مليئة بالصراعات؟
الطاهر بلخوجة:
نعم، كانت فترة مليئة بالصراعات بيننا وبين من سبقونا، وأعتقد أن هذه الصراعات ساهمت في تفاقم الوضع الاقتصادي في البلاد. عندما كنت في هذا المنصب، كان من الواضح أن هناك تضارباً في المصالح داخل الدولة، مما أدى إلى العديد من الانتكاسات في الاقتصاد الوطني.
أحمد منصور: كيف كانت علاقتك ببن صالح؟
الطاهر بلخوجة: كانت علاقة طيبة، حيث كنت أشرح له حقيقة الأمور بشكل عام، وكان هو دائمًا يحتفظ باحتياطاته، لأنه كان يشعر أنني دخيل عليه.
أحمد منصور: هل كان يشعر أنك دخيل عليه من الرئيس؟
الطاهر بلخوجة: نعم، كان هو وجماعته يشعرون أنني دخيل.
أحمد منصور: هل عزلوك؟
الطاهر بلخوجة: لا، لم يعزلوني، لأنني فرضت نفسي في المنصب. كنت ملحقًا بالديوان في البداية، وعندما توليت منصب مدير الديوان، فرضت أن كل المراسلات تمر من خلالي قبل أن تصل إلى الوزير.
أحمد منصور: هل حاولوا أن يعزلوك؟
الطاهر بلخوجة: نعم، حاولوا ذلك. لكنني كنت ملحقًا بالديوان منذ البداية، ولم يستطيعوا عزلي بسهولة. كانت لي مشاكل مع بعضهم، لكنني تمكنت من الصمود.
أحمد منصور: يعني جئت بالبراشوت من عند الرئيس؟
الطاهر بلخوجة: نعم، جئت بالبراشوت من الرئيس، كنت ملحقًا بالديوان، وعندما توليت منصب مدير الديوان، كنت أصر على أن تمر المراسلات من خلالي أولاً، ثم بدأت المشاكل.
أحمد منصور: كيف انتهت الأمور؟
الطاهر بلخوجة: إلى أن جاءت الحرب الإسرائيلية في يونيو 67، التي غيرت الكثير من الوضع السياسي.
تقييم تجربة بن صالح
أحمد منصور: في عام 1967، عندما كنت رئيسًا لديوان بن صالح، هل شعرت أن الدولة كانت تتجه نحو الانهيار؟
الطاهر بلخوجة: نعم، شعرت بذلك. في كتابي ذكرت أنني كنت على علاقة طيبة مع وزير المالية وبعض المسؤولين الآخرين الذين كانوا يشعرون بالتذمر من الوضع. الوضع كان يتدهور بسرعة، وكان هناك انقسام في الحكومة.
أحمد منصور: استمر بن صالح في تنفيذ منهجه، ولكن كانت الدولة تواصل الانهيار. ثم تم تعيينك مديرًا للأمن الوطني في 7 يونيو 1967.
الطاهر بلخوجة: نعم، تم تعييني في هذا المنصب بعد أن كانت البلاد تمر بمرحلة صعبة، وكان بورقيبة قد قرر أنه لا فائدة من التعاضد الاقتصادي، وأن الوضع الأمني في البلاد يحتاج إلى شخص ليتولى هذا الملف.
أحداث 26 يناير 1969
أحمد منصور: في 26 يناير 1969، أطلقت الشرطة النيران على الفلاحين في قرية الوردانيين بعدما رفضوا التنازل عن أراضيهم. ماذا حدث حينها؟
الطاهر بلخوجة: هذا صحيح. كان بورقيبة في سويسرا، وأبلغه عبد الله فرحات، عضو المكتب السياسي، بما جرى. عندها انتفض بورقيبة وأدرك أن التجربة الاشتراكية التي دعمه فيها بن صالح قد تسببت في تدمير البلاد.
أحمد منصور: لكن هذه الحوادث كانت بداية مرحلة من الانقسام داخل الحكومة، والتي انتهت بحل وزارة الاقتصاد في 8 سبتمبر 1969 وعزل بن صالح من جميع مناصبه في 7 نوفمبر 1969.
الطاهر بلخوجة: نعم، تم عزل بن صالح وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، كما حكم على جماعته. كانت نهاية فترة حكمه بداية لمرحلة جديدة.
هروب بن صالح
أحمد منصور: هل لعبت الجزائر دورًا في تهريب بن صالح؟
الطاهر بلخوجة: الجزائر كدولة لم تتدخل، لكن وزير جزائري سابق، طالب إبراهيمي، ساعده على دخول الجزائر بشكل فردي. بعد ذلك، تم تهريبه إلى روما. الجزائر لم تكن ترغب في تصعيد الأمور مع تونس في تلك الفترة.
أحمد منصور: هروب بن صالح إلى روما كان بمثابة إحباط لبورقيبة، لأنه كان يعتبره أحد أبناءه الذين صنعهم، ثم انقلب عليه.
الطاهر بلخوجة: نعم، كان بن صالح من صنع بورقيبة. لكن هروبه كان بالنسبة لبورقيبة ارتياحًا أكثر من كونه ضربة قاتلة.
تقييم تجربة بن صالح الاقتصادية
أحمد منصور: ما هو تقييمك لتجربة بن صالح الاقتصادية؟
الطاهر بلخوجة: التجربة لم تكن مجدية، لأنها لم تأخذ في اعتبارها عقلية الشعب التونسي. وعلى الرغم من أنها كانت مدفوعة بأهداف سياسية، إلا أن التطبيق كان فاشلًا.
أحمد منصور: هل تعتقد أن الوضع الاقتصادي السيئ في تونس هو نتيجة لتلك التجربة؟
الطاهر بلخوجة: لا، التجربة انتهت في عام 1969 وبدأت الأمور تتحسن تدريجيًا. بعد السبعينات، عادت الأراضي إلى أصحابها، وعادت التجارة إلى وضعها الطبيعي.
أحمد منصور: في 7 يونيو 1967 تم تعيينك مديرًا للأمن الوطني بعد مظاهرات صاخبة. ثم توليت وزارة الداخلية في 1973. كيف ترى ملف الأمن في تونس؟
الطاهر بلخوجة: قضية الأمن في تونس كانت شديدة الأهمية، وسأتناولها في الحلقة القادمة بإذن الله.
أحمد منصور: أشكرك معالي الوزير على هذه الشهادة القيمة. سنواصل في الحلقة القادمة الاستماع إلى شهادتك عن الأمن في تونس.
الطاهر بلخوجة: حاضر، شكرًا لك.
أحمد منصور: أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. نلتقي في الحلقة القادمة مع شهادة وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة. في الختام، أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
00:00 مقدمة
01:58 في الستينات كان العالم كله يتجه إلى التخطيط
03:18 كيف تم إقرار النظام التعاضدي وهل كان الغرض منه سياسي
05:48 اندماج اتحاد الشغل والحزب الدستوري ورفض الحزب في ذلك لمصالحهم الشخصية
08:08 اسقاط أحمد بن صالح في انتخابات الحزب الدستوري عام 1959 وبورقيبة يفرضه في الديوان السياسي
10:15 بن صالح يتولى 6 وزارات مختلفة بمهامها وما دلالة ذلك 13:12 موقف وسيلة بورقيبة من النظام 14:51حلم الزعامة عند بورقيبة وترتيب بلخوجة له في أفريقيا التي كان سفيرا فيها خمس سنوات
21:21 لماذا لم تنهض الدول الافريقية بعد خلاصها من الاستعمار
25:42 بن صالح يفرض نفوذه في تونس
29:28 ما هو فكر بن صالح الاقتصادي التي تم تسميتها التعاضدية وأثرها على الصناعة والتجارة والاقتصاد
34:18 رأي بلخوجة في النظام التعاضدي والتدخل الفرنسي والدولي
36:16 تعيين بلخوجة رئيساً لديوان بن صالح 39:05 سقوط النظام التعاضدي بعد رفض الوردانيين الاستيلاء على أراضيهم
43:02 الحكم على بن صالح بالسجن وهروبه من السجن وهل للجزائر دور في هروبه وهل حاول بورقيبة اغتياله
47:43 تقييم بلخوجة لتجربة بن صالح