يستعرض أحمد منصور، مع أحد قادة جيش التحرير المغربي، محمد بن سعيد آيت إيدر ج5 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر الذي جرى بثه في 9 مايو 2010، حقيقة دعم الجزائر للمعارضه المغربية، وكشفه أهوال تزمامارت تحت قبة البرلمان، ورفضه تقبيل يد الملك، ومدى غضب الحسن الثاني منه على إثر ذلك؟
نص حوار محمد بن سعيد آيت إيدر ج5:
دعم الجزائر للمعارضه المغربية وكشفه أهوال تزمامارت ورفضه تقبيل يد الملك
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر. نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد بن سعيد آيت إدر، أحد قادة جيش التحرير المغربي وأحد مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. أستاذ محمد، مرحبًا بك.
محمد بن سعيد آيت إدر:
أهلًا وسهلًا.
محاكمات يوليو 1963 واتهامات التآمر
أحمد منصور:
توقفنا في الحلقة الماضية عند ما عُرف بمؤامرة يوليو/تموز 1963 ضد الحسن الثاني. وُجّهت الاتهامات إلى المهدي بن بركة بالتخطيط من الخارج، وإلى الفقيه البصري بالتنفيذ من الداخل. جرى اعتقال أكثر من مئة من قيادات الحزب، وما يقارب خمسة آلاف من أطره في مختلف أنحاء المغرب، وبدأت المحاكمات في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1963.
قبل الدخول في تفاصيل المحاكمات، وباعتبارك كنت المسؤول العسكري في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حين غادرت إلى الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 1962 إثر محاولة اغتيالك، هل كانت الجزائر تدعمكم للإطاحة بالحسن الثاني؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
يمكن القول إن نوعًا من شبه التحالف كان قائمًا بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وجزء من جبهة التحرير الجزائرية، وذلك بعد الإفراج عن المعتقلين، ومع وصول أحمد بن بيلا إلى الحكم متحالفًا مع الجيش.
أحمد منصور:
هل كانت لديكم رؤية لإقامة نظام جمهوري مثلًا؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، إطلاقًا. لم يكن مطروحًا أي مشروع لنظام جديد. ما كان يجري التحضير له داخل أوساط المقاومة في الاتحاد لم يتجاوز كونه ردود فعل على ممارسات النظام، مع وجود تصورات متباينة.
أحمد منصور:
لكن لم يكن هناك تخطيط لانقلاب أو لإقامة جمهورية؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت هناك رؤى مختلفة: من يتحدث عن إسقاط النظام، ومن يرى الاكتفاء بالضغط عليه للتراجع.
أحمد منصور:
ومن كان يعمل على إسقاط النظام؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
بعض العناصر المنحدرة من صفوف المقاومة.
أحمد منصور:
هل كانوا من قيادات الاتحاد؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
ينتمون تنظيميًا إلى الاتحاد، لكن دون تعليمات من القيادة.
أحمد منصور:
وقعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر في أكتوبر/تشرين الأول 1963، هل لعبتم أي دور فيها؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
أبدًا. كانت هناك روايتان: المغرب يرى أن الجزائر احتلت مواقع في الصحراء، والجزائر ترى أن المغرب هو من بدأ الهجوم. عسكريًا، كان التفوق آنذاك لصالح الجيش المغربي.
أحمد منصور:
حين كنت في الجزائر نهاية 1962، هل أسست معسكرات لتدريب المغاربة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، لم يحدث ذلك في تلك المرحلة. بعد عودتي إلى الجزائر في مارس/آذار 1964، وجدت معسكرًا مهيأً في ضواحي بشار، وكان الهدف منه تنفيذ عمليات داخل المغرب.
أحمد منصور (مقاطعًا):
سنعود إلى ذلك لاحقًا. لنعد إلى المحاكمات. تعرّض مؤمن الديوري لتعذيب شديد على يد أوفقير في دار المقري، واعترف تحت التعذيب، ثم فضح كل شيء أمام المحكمة. كيف تابعتَ هذه التطورات؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
تابعتُ الاستنطاقات من داخل المغرب. اعتُقل مؤمن الديوري أثناء البحث عن السلاح، واعترف باتصالاته مع المهدي بن بركة، وبعمله مع شيخ العرب في تنظيمات سرية. لم أطلع على تفاصيل اعترافاته بدقة.
أحمد منصور:
لكن اعترافاته شكّلت محور القضية.
محمد بن سعيد آيت إدر:
صحيح، واستغل النظام ذلك لاعتقال قيادات الاتحاد أثناء اجتماعهم لتحديد موقفهم من الانتخابات البلدية.
أحمد منصور:
أين كنت حينها؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت مختفيًا في الدار البيضاء، في أحد البيوت.
أحمد منصور:
هل كنت تدير أعمالًا عسكرية سرية؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت أجري اتصالات مع عناصر من المقاومة، ومن جيش التحرير، وبعض الضباط في الجيش الملكي، في إطار البحث عن إمكانيات العمل. لم تكن هناك رؤية واضحة، بل مجرد تحضيرات عامة.
أحمد منصور:
قال مؤمن الديوري أمام المحكمة: «لا وجود لمؤامرة ضد جلالة الملك، بل هي مؤامرة السلطة ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية».
محمد بن سعيد آيت إدر:
هذا غير دقيق تمامًا. كانت هناك محاولات، لكنها لم تتبلور كمخطط لإسقاط النظام أو إقامة نظام بديل.
أحمد منصور:
إذن يمكن القول إنها نوايا لا أفعال؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، نوايا فقط.
أحمد منصور:
نوايا ضد أمير المؤمنين؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم.
أحمد منصور:
ومن ينوي الشر لأمير المؤمنين؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
يُعاقَب بأشد العقوبات.
أحمد منصور:
كان من بين المتهمين المهدي بن بركة، الفقيه البصري، عمر بن جلون، عبد الرحمن اليوسفي، محمد بن سعيد آيت إدر، مؤمن الديوري، شيخ العرب، وغيرهم، وترأس هيئة الدفاع عبد الرحيم بوعبيد.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، وصدرت الأحكام.
أحمد منصور:
كيف تابعت المحاكمة وأنت هارب ومطلوب؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
تابعتها لأن الفقيه البصري اعتُقل بعد اقتحام مقر الاتحاد في 16 يوليو، وتعرض لتعذيب شديد أدى إلى انتزاع اعترافات نُشرت عبر الإعلام الرسمي.
أحمد منصور:
هل كنت خائفًا؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
ما تعرض له الفقيه البصري كان مؤلمًا جدًا. أُرغم على الاعتراف باتصالاته مع الجنرال المدبوح، ومع مؤمن الديوري، وبعض الضباط الذين أُعدموا لاحقًا.
أحمد منصور:
أُعدموا؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، اختفوا بعد اعتقالهم.
أحمد منصور:
إذًا كل من اشتُبه في تآمره على أمير المؤمنين كان يختفي؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان يختفي.
الهروب إلى الجزائر ومراجعة خيار العمل المسلح
أحمد منصور:
ولا يزال هناك مئات المختفين حتى الآن.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، بالفعل.
أحمد منصور:
لا أحد يعلم عنهم شيئًا.
محمد بن سعيد آيت إدر:
أبدًا.
أحمد منصور:
هي ما سُمّيت في المغرب بـ«سنوات الرصاص».
محمد بن سعيد آيت إدر:
شهدت تلك المرحلة اختطاف عدد كبير من المقاومين، خصوصًا خلال أعوام 1961 و1962 و1963 و1964، بتهم تتعلق بحمل السلاح أو الانتماء إلى الحركة المقاومة. من بينهم مدني العوار، وآخرون مثل بو لحية القادم من مصر، ممن نُسبت إليهم أعمال مقاومة.
أحمد منصور:
وأين كان مصيرهم؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
أُدخلوا إلى دار المقري، ثم اختفوا.
أحمد منصور:
ودار المقري كانت المكان الذي تعرّض فيه الناس لأشد أنواع التعذيب.
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت مقرًا للاستنطاق، ومكانًا للتعذيب، ومركزًا للاختفاء القسري.
أحمد منصور:
صدر الحكم بالإعدام حضورياً على الفقيه البصري، ومؤمن الديوري، وعمر بن جلون، وغيابيًا على المهدي بن بركة، وشيخ العرب، ومحمد بن سعيد آيت إدر، وستة آخرين. ما شعورك حين صدر الحكم بالإعدام عليك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت أتوقع مثل هذه الأحكام، ولم تكن لتثنيني عن موقفي.
أحمد منصور:
أنت بقيت في المغرب، والأحكام صدرت في 14 مارس/آذار 1964.
محمد بن سعيد آيت إدر:
في تلك الفترة، التحقت بالجزائر، في شهر مارس على الأرجح.
أحمد منصور:
أي قبل صدور الأحكام؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
في الغالب نعم، لأنني كنت أتوقع الحكم.
أحمد منصور:
كنت تتوقع صدور حكم بالإعدام؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
بالتأكيد. كان القضاء آنذاك خاضعًا للتوجيهات، والاعتقالات تمت بشكل جماعي دون قرائن حقيقية. أغلب المعتقلين لم تكن لهم علاقة فعلية بما سُمّي مؤامرة، وكان الهدف هو ضرب الحزب ككل، لا محاسبة أفراد بعينهم.
أحمد منصور:
هل كان هذا الحكم بمثابة إعدام سياسي للمهدي بن بركة قبل اغتياله عام 1965؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، لم يكن كذلك. الأحكام طالت كل المنتمين أو المتعاطفين مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
أحمد منصور:
ألم يكن حكمًا بالإعدام السياسي على الحزب نفسه؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
سياسيًا لا، لكنه شكّل ضربة بشرية وتنظيمية قوية لقواعد الحزب، وأسهم في إضعافه جماهيريًا، خاصة أن غالبية أنصاره لم يكونوا على دراية بما يجري خلف الكواليس.
أحمد منصور:
في 19 مايو/أيار 1964 أيدت المحكمة العليا أحكام الإعدام، ثم صدر عفو عن المحكومين حضورياً، وبقي الحكم عليكم أنتم غيابيًا. وبعد أحداث الدار البيضاء في مارس/آذار 1965، أُفرج عن المعتقلين. خرج الناس إلى الشوارع غاضبين.
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت انتفاضة 1965 محطة فارقة، شارك فيها بقوة طلبة وشبيبة الاتحاد الوطني، وعبرت عن سخط شعبي واسع، لكنها وُوجهت بقمع شديد، قُتل فيه المئات، واكتُشفت لاحقًا مقابر جماعية في الدار البيضاء.
أحمد منصور:
العفو الذي أعلنه الحسن الثاني قال فيه إنه كان يتمنى أن يشمل عفوه الجميع لولا أنهم فرّوا إلى الخارج، في إشارة إليكم وإلى بن بركة. أنت لجأت إلى الجزائر في مارس 1964، ماذا فعلت هناك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
وجدت معسكرًا مُعدًّا لاستقبالنا.
أحمد منصور:
من الذي أعدّه؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
مجموعة من المقاومين اللاجئين، بتوجيه ودعم من أجهزة في الجيش الجزائري.
أحمد منصور:
أي أن الجزائر كانت تستخدمكم لتقويض النظام في المغرب؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان هذا التوجه قائمًا، لكنني رفضته. ناقشت الأمر مع رفيقي عبد السلام الجديد، واعتبرنا أن تجربة 16 يوليو فاشلة، ولا ينبغي تكرارها. سعينا إلى حلّ المعسكر، وواجهتُ بسبب ذلك صعوبات وإهانات.
أحمد منصور:
إذًا رفضتَ أن تكونوا أداة بيد الأجهزة الجزائرية؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم. كنا نعتبر علاقتنا بالجزائر علاقة رفاق نضال ضد الاستعمار، لا علاقة توظيف سياسي في صراعات داخلية.
أحمد منصور:
لكن هذا أدى إلى توتر مع الجزائريين؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، خصوصًا في ما يتعلق بالقضية الوطنية المغربية.
أحمد منصور:
الفقيه البصري نال عفوًا عام 1965، ثم خرج من المغرب والتحق بكم في الجزائر. ماذا حدث بعد ذلك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
بقينا على اتصال به، وحاولنا إقناعه بالتخلي عن خيار العمل المسلح، والتركيز على بناء حزب سياسي واضح الرؤية. كنا نرفض ازدواجية جناح سياسي وجناح عسكري، يتحمل الأول تبعات الثاني. لكنه لم يقتنع.
أحمد منصور:
وكان مصراً على العنف؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، ولذلك افترقنا عنه.
أحمد منصور:
افترقتم في الجزائر؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، عام 1964.
أحمد منصور:
حين كنت في الجزائر وبن بركة في باريس، كيف كانت علاقتك به؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت علاقته قوية بالجزائر وببن بيلا، وكان مستشارًا له في شؤون إفريقيا وآسيا، ورئيسًا لمنظمة التضامن الإفريقي الآسيوي. لعب دورًا دوليًا مهمًا في دعم حركات التحرر، وكنا نسانده في ذلك. وبعد انتقالي إلى فرنسا، تواصلنا وأطلعناه على تطورات الوضع في الجزائر والانقلاب هناك، كما نقل لنا صورة عن اتصالاته وتحركاته الدولية.
العودة من المنفى بباريس بعفو ملكي
أحمد منصور:
متى التقيتَ المهدي بن بركة؟ هو اختُطف في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1965.
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان ذلك بعد الانقلاب في الجزائر، في العام نفسه.
أحمد منصور:
في يوليو أم أغسطس؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
في السنة نفسها. كنا حينها نمثل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الجزائر، وكان الانقلاب قد خلق ردود فعل متباينة؛ المهدي بن بركة واصل مساندة النظام الجزائري، في حين اتخذ الاتحاد في المغرب موقفًا مناهضًا للانقلاب.
أحمد منصور:
ماذا كان يخطط المهدي بن بركة في تلك المرحلة؟ ماذا كان يريد؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان يرى أن الحل يكمن في التفاوض، وأن يشارك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الحكم.
أحمد منصور:
مفاوضات مع الملك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، مع الملك.
أحمد منصور:
على أساس أن يعود إلى المغرب؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
العودة والمشاركة معًا.
أحمد منصور:
مصادر كثيرة تحدثت عن مفاوضات فعلية، والملك نفسه ذكر في كتابه ذاكرة ملك أنه أرسل سفيره مولاي علي إلى باريس، والتقى بالمهدي بن بركة في بون بتاريخ 25 أبريل/نيسان 1965. هل حدثك بن بركة عن هذا اللقاء؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، حدثني عن محادثات تتعلق بالمشاركة في الحكم.
أحمد منصور:
مشاركة في الحكم، وليس مجرد العودة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
الاثنان معًا.
أحمد منصور:
ما شكل هذه المشاركة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان الملك مستعدًا لمنح الاتحاد وزارة مهمة جدًا، وكانت الأمور في إطار حوار ومفاوضات، شبيهة بما كان يجري آنذاك مع حزب الاستقلال، بهدف إشراك الحزبين في الحكومة.
أحمد منصور:
لكن في 20 أغسطس/آب 1965، ألقى الملك خطابًا وصفكم فيه أنتم وبن بركة بـ«الهاربين»، وقال إن الأمة تبرأت منكم. كيف فُهم هذا الخطاب؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
في تلك المرحلة لم نعد معنيين بتلك الرسائل، لأننا كنا قد غادرنا هذا المسار السياسي عمليًا.
أحمد منصور:
اختُطف المهدي بن بركة في باريس في أكتوبر 1965. متى التقيته آخر مرة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
التقيته قبل ذلك، في لقاء جرى في منزله بجنوب فرنسا، رفقة محمد اليزعي، بعد انتقالنا من باريس إليه.
أحمد منصور:
ما معلوماتك عن اغتياله؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كل ما نُشر عن اختطافه ومتابعته من قبل أجهزة الأمن المغربية كان صحيحًا، بما في ذلك تعقبه في القاهرة وسويسرا. كما صدرت اعترافات من أحد المشاركين في العملية، نُشرت في مجلة الإكسبريس، وأكدت تورط جهات رسمية.
أحمد منصور:
الجنرال ديغول وجه اتهامًا مباشرًا للملك الحسن الثاني.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، وهذا صحيح. فقد جرى اتصال هاتفي بين ديغول والملك يوم اختطاف المهدي، وأُبلغ خلاله بأن العملية قد نُفذت، ونشر ذلك صحفي فرنسي آنذاك.
أحمد منصور:
بعد خلافك مع الفقيه البصري، قررت مغادرة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والتوجه إلى باريس.
محمد بن سعيد آيت إدر:
الخلاف كان حول أسلوب العمل، خصوصًا خيار العنف. رأينا أن العمل السري المعزول عن الجماهير أدى إلى ضرب الحركة الشعبية، وأن المطلوب هو عمل سياسي شرعي تشارك فيه الجماهير، خاصة وأن المؤسسة الملكية كانت لا تزال تملك رصيدًا شعبيًا واسعًا.
أحمد منصور:
لماذا اخترت باريس؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
بعد انقلاب 19 يونيو في الجزائر، تغيرت التحالفات، كما كنت أعاني إرهاقًا نفسيًا شديدًا نتيجة الفشل والخلافات، خصوصًا مع الفقيه البصري الذي كانت تجمعني به علاقة رفاقية عميقة. كل ذلك دفعني إلى المغادرة، ومررت بحالة نفسية صعبة استلزمت العلاج والدراسة.
أحمد منصور:
ذهبت إلى باريس عام 1967 وبقيت حتى 1981؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، وخضعت للعلاج النفسي، رغم أنني كنت سليمًا جسديًا.
أحمد منصور:
لكنك واصلت النشاط السياسي؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، ضمن الشبيبة اليسارية المغربية في فرنسا.
أحمد منصور:
عدت إلى المغرب في 8 مارس/آذار 1981 بعفو ملكي، كيف تم ذلك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
في سياق طرح قضية الصحراء عام 1974، فُتحت قنوات اتصال، وتواصل معنا الكولونيل بن عتمان، وسلمنا رقم هاتف الملك مباشرة، وعُرض علينا العفو.
أحمد منصور:
أنتم لم تطلبوا الاتصال؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
أبدًا، المبادرة جاءت من القصر.
أحمد منصور:
وصدر العفو الملكي عام 1980؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، في إطار انفراج سياسي بدأ بعد قرارات 23 مارس 1975، وسمح لاحقًا بمشاركة الاتحاد في انتخابات 1977، وقررنا العودة إلى العمل الشرعي.
أحمد منصور:
كيف كان استقبالكم عند العودة إلى المغرب عام 1981؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان استقبالًا حافلًا شاركت فيه أغلب القوى السياسية، من الاتحاد الاشتراكي إلى حزب الاستقلال وهيئات المقاومين. ورغم بعض الانفراج، بقيت الأجهزة الأمنية تراقب تحركاتي حتى دخولي البرلمان عام 1984.
كشف أهوال سجن تزمامارت
أحمد منصور:
دخلتَ البرلمان عام 1984، وبدأت نشاطك السياسي من جديد. وهناك حادثة شهيرة ارتبطت باسمك، إذ كنت أول من كشف عن سجن تزمامارت داخل البرلمان المغربي، في وقت كان الجميع يتهيب الحديث عنه، بينما كان الملك يؤكد أن تزمامارت مجرد أكذوبة وخيال. كيف وصلتك المعلومات؟ وكيف امتلكت الجرأة لطرح هذا الملف؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان ذلك جزءًا من سياسة ممنهجة انتهجناها منذ عودتنا إلى المغرب، بل حتى قبلها. فقد حملت جريدة أنوار مشروع الدفاع عن المعتقلين السياسيين، والدعوة إلى طي صفحة الاعتقال السياسي، وكشف أسماء المختطفين والذين قُتلوا في تلك المرحلة. كان هذا توجهًا جديدًا وغير مسبوق في المغرب آنذاك. وعندما دخلت البرلمان، كان دخولي على هذا الأساس: طرح جميع القضايا المسكوت عنها، بما فيها القضايا التي تمس رأس الدولة، في وقت كان فيه الصراع السياسي محصورًا داخل هامش ضيق، لأن المؤسسة الملكية كانت تُعدّ مقدسة.
أحمد منصور:
جيل بيرو، بطبيعة الحال، عندما صدر كتابه عام 1991، هزّ العرش الملكي المغربي.
محمد بن سعيد آيت إدر:
أحدث الكتاب ضجة واسعة داخل المغرب، سواء على مستوى أجهزة الحكم أو على مستوى الرأي العام، حيث أُرسلت برقيات احتجاج من عدة مناطق. على إثر ذلك، استدعانا الملك، نحن الأمناء العامين للأحزاب الممثلة في البرلمان، لعقد جلسة استثنائية لإدانة ما ورد في الكتاب. وخلال هذا اللقاء، تحدث الملك عن ضرورة ألا يعتمد المغرب على فرنسا وحدها، وأن ينسج علاقات مع إسبانيا وإيطاليا، حتى يتحرر من التبعية. فقلت له: “يا صاحب الجلالة، هذا موقف إيجابي، لكن ما يقوله هؤلاء لا ينبغي أن يظل دون معالجة”. وأضاف الملك أن مجموعة “أفريج” أُفرج عنها لأنها عبّرت عن موقفها من القضية الوطنية، بينما إبراهيم السرفتي رفض ذلك. وكان لديّ ردٌّ جاهز، قلت فيه إن شعار “الوطن غفور رحيم” استفاد منه من حملوا السلاح ضمن البوليساريو، بينما السرفتي عبّر عن رأي سياسي، وهذا الرأي نقوله أمام الشعب المغربي.
أحمد منصور:
إبراهيم السرفتي كان يهوديًا ومناهضًا للملك.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، كان معارضًا للملك. وفي قضية عبد الرحيم بوعبيد لم أردّ حينها. في تلك اللحظة طُلب منا الاتفاق على عقد جلسة برلمانية، وبعدها بعث إليّ وزير الداخلية.
أحمد منصور:
من كان وزير الداخلية آنذاك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
إدريس البصري.
أحمد منصور:
إدريس البصري!
محمد بن سعيد آيت إدر:
قال لي: “لا تثر قضية السجناء في البرلمان”. فقلت له: لماذا؟ نحن في نظام يدّعي الديمقراطية، ومن الأفضل للملك أن أعبّر أنا عن هذا الأمر داخليًا بدل أن يُقال في الخارج. هذا هو معنى الديمقراطية. فقال لي: “أوقف هذا الأمر”. فقلت له: لا أستطيع. وعندما انعقدت الجلسة البرلمانية، أخذت الكلمة وطرحت مسألة طي ملف السجن السياسي. فقاطعني أحمد العلوي، وزير الدولة، وقال: “هذا ليس في جدول الأعمال”. فأجبته: “إن كان لك رأي، فاطلب الكلمة من رئيس الجلسة، ولا يحق لك مقاطعتي”.
أحمد منصور:
وقاطعك مرة أخرى؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، قاطعني مجددًا، وارتفعت الأصوات داخل القاعة. ثم قاطعني للمرة الثالثة، فقلت له: “يا مولاي أحمد، إن لم تصمت، فلي ما أقوله عنك”.
أحمد منصور:
وما الذي كنت ستقوله؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت سأقول إن أحمد العلوي، في 20 أغسطس، بعث برقية مساندة إلى بن عرفة بعد أن اتصل به الملك.
أحمد منصور:
وكان يُعدّ ظلّ الحسن الثاني.
محمد بن سعيد آيت إدر:
ثم توجهت إلى رئيس البرلمان أحمد عثمان، وقلت له: “أنت الرئيس”.
أحمد منصور:
وأحمد عثمان كان صهر الملك أيضًا.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، وكان صهر الملك. وفي تلك الجلسة وقعت هذه الحادثة.
أحمد منصور:
وتحدثتَ عن تزمامارت.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، تحدثت.
أحمد منصور:
كأنك ألقيتَ قنبلة.
محمد بن سعيد آيت إدر:
تحدثت عن الاعتقال السياسي عمومًا، ثم عن تزمامارت. وبعد ذلك جاءتني زوجتان لضابطين معتقلين، إحداهما تُدعى عايدة.
أحمد منصور:
زوجة الطيار صالح حشاد.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، زوجته. وطلبتا مني التدخل في البرلمان. وعدتهما بذلك، وطلبت منهما إثارة الموضوع لدى رؤساء الفرق البرلمانية. عرضت القضية على رئيس الفريق الاتحادي، فقال إن الوقت لم يحن بعد، وكذلك باقي الفرق لم تُبدِ استعدادًا. عندها قررت أن أطرح القضية وحدي.
أحمد منصور:
وطرحتها وحدك.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، طرحتها وحدي.
أحمد منصور:
قنبلة سياسية.
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان هناك كثيرون يعرفون ما يجري في الساحة السياسية، لكن لم تصدر أي ردود فعل مباشرة من الملك الحسن الثاني.
أحمد منصور:
هل غضب منك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان يتجنب أي صدام معي.
أحمد منصور:
كان يتجنب الصدام معك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، لأنه يعرفني منذ زمن، ويعرف مواقفي، وكان يرى أن أي مواجهة مباشرة قد تتحول إلى استفزاز يفضي إلى ردود فعل ليست في مصلحته.
أحمد منصور:
هل التقى بك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، التقيت به في مناسبات رسمية للدولة.
أحمد منصور:
وهل ناقشك في إثارتك لهذه القضايا داخل البرلمان؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
أبدًا. لكن كانت هناك مواقف ذات دلالة. ففي عام 1984، قبيل سفر وفد رسمي إلى أديس أبابا، جرى لقاء وداعي في فاس. كان الجميع يقبل يد الملك، أما أنا فوضعـتُ يدي على كتفه. سألني: من أنت؟ رغم أنه يعرفني. قلت له: بن سعيد. كان اللقاء جافًا.
أحمد منصور:
تقبيل يد الملك في المغرب له طقوس خاصة، وأنت رفضت ذلك.
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت أعتبر أن تقبيل اليد يتم بالإكراه الرمزي. قناعتي أن أمير المؤمنين إنسان مثل غيره، وليس شخصًا مقدسًا. كرامتي وإنسانيتي لا تسمحان لي أن أقبل يد إنسان خوفًا أو خضوعًا.
أحمد منصور:
هل غضب منك بسبب ذلك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان وزير الداخلية يلحّ عليّ قائلاً: “قبّل يد سيدنا”. فقلت له: هذا شأنكم أنتم. استُدعيت فأتيت، وإن لم أُستدعَ فلن آتي. وبعد مدة أُلغي هذا الأسلوب لأنه بدا إكراهًا أمام الناس.
أحمد منصور:
بعد هذه المسيرة الطويلة في الكفاح العسكري والسياسي، كيف تقيّم تجربتك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
هي مسيرة شهدت مدًّا وجزرًا في تاريخ الحركة الوطنية المغربية. وحتى اليوم، لم نصل إلى رؤية سليمة مكتملة، وأعزو ذلك أساسًا إلى غياب الديمقراطية الحقيقية.
أحمد منصور:
ما الرسالة التي توجهها إلى الأجيال القادمة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
أدعو إلى بناء نظام ديمقراطي حداثي يفتح آفاقًا جديدة، ويستثمر الثروات والإمكانات المتاحة لخدمة المجتمع المغربي والعربي، بل ومجتمعات العالم الثالث عمومًا.
أحمد منصور:
المناضل المغربي الكبير الأستاذ محمد بن سعيد آيت إدر، أشكرك جزيل الشكر على هذه الشهادة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. إلى لقاء قادم مع شاهد جديد على العصر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
00:00 مقدمة
00:50 هل دعمت الجزائر الاتحاد الوطني للإطاحة بالحسن الثاني؟
03:18 هل لعب الاتحاد الوطني دور في حرب الرمال التي وقعت بين الجزائر والمغرب عام 1963 ؟
03:53 معسكرات في الجزائر لتدريب المغاربه
04:28 المحاكمات واعتراف مؤمن ديوري تحت التعذيب علي يد أوفقير
06:26 تحركات واتصالات بين إيدر وعناصر المقاومة وجيش التحرير والجيش الملكي
07:06 نفي مؤمن ديوري وجود مؤامرة علي الملك في المحكمة إلا أن الحقيقه كانت غير ذلك
08:10 متابعته للمحاكمة وكونه من كبار المتهمين رغم هروبه
09:50 لماذا لم يتعرض الملك للجنرال المدبوح مدير أمنه رغم اعترافات البصري عليه؟
11:10 معلوماته عن إعدام ضباط آخرين
12:23 صدور أحكام بالإعدام وشعوره بعد الحكم عليه وأثر الحكم سياسيًا
15:26 المحكمة العليا أيدت الحكم بالإعدام وصدور عفو عقب ضغوط فرنسية
16:02 أحداث الدار البيضاء 1965 وتأثيرها
17:05 العفو الذي أصدره الحسن الثاني لم يشمله هو وبن بركة لهروبهم ومافعله بالجزائر بعد هروبه
18:05 الجزائريين يستخدمونهم كأداة لتقويض النظام بالمغرب
19:01 رفضه لما سعت له الأجهزة الجزائرية من استخدامه لأداه لتقويض النظام بالمغرب
19:45 نيل الفقيه البصري عفواً وخروجه من السجن وذهابه للجزائر 21:45 مقتل شيخ العرب علي يد أوفقير وتصفيات للضباط وعلاقته مع بن بركة
24:15 مفاوضات بين الملك وبن بركة والعوده للمغرب والمشاركة في الحكم وتبرأ خطاب الملك منه
26:03 اختطاف المهدي بن بركة في باريس ومعلوماته عن مقتل بن بركة
27:30 الجنرال ديجول قال إن الملك متواطئ دون شك
28:08 الاختلاف مع الفقيه البصري وقراره الخروج من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وذهابه إلى باريس
30:01 سبب لجوئه لباريس
32:56 الحصول على عفو ملكي وعودته للمغرب عام 1981 وكيفة حصوله علي العفو
36:40 الاستقبال في المغرب بعد عودتهم في مارس
1981 37:39 دخول البرلمان عام 84 وبدأ نشاطه السياسي مره أخري وكشفه سجن تازمامارت في البرلمان المغربي
39:08 اللقاء بالملك
42:51 صدور كتاب جيل بيرو وخلق ضجه واسعه بالمغرب
45:00 لقاء وزير الداخلية إدريس البصري وحديثه في البرلمان عن الاعتقال السياسي
47:06 الحديث عن تازمامارت بعدما جاءت له زوجتين للضباط المعتقلين ووعدهم بالتدخل
48:44 تقييم مسيرته في الكفاح والنضال العسكري والسياسي بالمغرب ؟
49:24 رسالته للأجيال القادمة في ختام هذه الشهادة