عبد الناصر عيسى ج8: محاولة الهروب من سجن عسقلان واللقاء بالسنوار وقادة حماس والقسام

في الحلقة الثامنة من شهادته على العصر، يواصل أحمد منصور، الاستماع لشهادة الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث قضى هناك أربعة وثلاثين عامًا، وأحد مؤسسي كتائب القسام، واستعرضا خلالها كواليس محاولة الهروب من سجن عسقلان، وعلاقته بقادة حماس و القسام إسماعيل أبو شنب وصلاح شحادة، وقضائه أشهر من العزل بصحبة الشهيد يحيى السنوار
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

في الحلقة الثامنة من شهادته على العصر، التي جرى بثها في 21 مايو 2026، يواصل أحمد منصور، الاستماع لشهادة الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث قضى هناك أربعة وثلاثين عامًا، وأفرج عنه في الثامن والعشرين من فبراير عام ألفين وخمسة وعشرين، وأحد مؤسسي كتائب القسام، واستعرضا خلالها كواليس محاولة الهروب من سجن عسقلان، وعلاقته بقادة حماس و القسام إسماعيل أبو شنب وصلاح شحادة.

رابط الحلقة على الجزيرة 360

وجرت محاولة الهروب من سجن عسقلان في عام 1997، وخطط لها القيادي في حركة (حماس) محمود عيسى، بمشاركة عبد الناصر عيسى، واستغرقت العملية نحو 50 يوما قبل أن يتم كشفها من جانب سلطات الاحتلال، بسبب العثور على رمال من مخلفات الحفر.

وشارك في هذه العملية 14 أسيرا محكوما بالمؤبد، عدد محدود من المعتقلين اعترفوا بمسؤوليتهم عنها.

وتقوم الفكرة على حفر نفق من داخل الزنزانة وصولا إلى السور الرئيسي للسجن على مسافة 40 مترا تقريبا، وبالفعل تمكنوا من حفر نحو 9 أمتار بملاعق الطعام، حسب ما قاله عيسى، قبل إحباط العملية.

كما حاول عبد الناصر عيسى وآخرون الهروب عبر ترتيب هجوم على سيارة الترحيلات التي كانت تنقلهم للمحكمة، لكن الإسرائيليين عثروا على ورقة بتفاصيل العملية خلال اعتقالهم أحد المطاردين ..

وخلال شهادته على العصر، تحدث عميد أسرى حماس المحررين عن عدد من قادة حماس منهم الشهداء: صلاح شحادة ويحيى السنوار وصالح العاروري، ومحمود أبو هنود.

وفي حديثه عن صلاح شحادة، قال عيسى إنه كان صاحب فكرة تطوير كتائب القسام، وأنه لعب دورا كبيرا في بناء إستراتيجية الحركة العسكرية، وعلى يديه ولد صاروخ “القسام 1″، الذي تم إطلاقه على مستوطنة سديروت في 26 أكتوبر 2001، وقد اغتالته إسرائيل في 23 يوليو 2002 بصاروخ دمر مربعا سكنياً بأكمله، ما أسفر عن مقتل وإصابة 140شخصاً بينهم زوجته وابنته وحارسه الشخصي.

أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

نص حوار عبد الناصر عيسى ج8:

محاولة الهروب من سجن عسقلان واللقاء بالسنوار وقادة حماس والقسام

أحمد منصور

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، الذي قضى أربعة وثلاثين عاما في سجون الاحتلال، وأفرج عنه في الثامن والعشرين من فبراير عام ألفين وخمسة وعشرين، كما أنه أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام. أبو حذيفة. مرحبا بك.

عبد الناصر عيسى:
حياكم الله.

عبد الناصر عيسى ومحمود عيسى

خطة الهروب من سجن عسقلان

أحمد منصور:
حُكم عليك بالسجن مئتي عام بعدما قُبض عليك في أغسطس عام 1995. وبين أغسطس 1995 وعام 1997 كنتَ تُنظّم العمل العسكري من داخل سجون الاحتلال مع بعض المجموعات في الخارج، مثل معاذ سعيد بلال وغيره. لكنك أيضًا كنت تفكر في الهرب. كان الهدف الأساسي من وراء تنظيم المجموعات هو اختطاف جنود أو القيام بعمليات من أجل الإفراج عن الأسرى. لكنكم أيضًا في السجن كنتم تفكرون في الهرب. قبل أن تروي لنا قصة محاولة الهروب عام 1997 من سجن عسقلان، هل يمكن أن تصف لي حالة السجن في هذين العامين؛ من عام 1995 وقت القبض عليك حتى عام 1997 عندما وضعتم خطة الهروب من السجن؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، بالطبع. كانت بداية الاعتقال ــ بالعادة ــ صعبة جدًا على الأسير؛ إذ لا يستوعب أنه معتقل. أنا كنت إنسانًا حرًا أقاوم، أفعل ما أريد ومتى أريد، وهكذا. وتحديدًا في حالتي، كنت أصلًا هاربًا ومطاردًا حتى لا أُعتقل يومًا واحدًا. كانت هناك عروض في البداية أن أمكث في السجن فترة بسيطة ثم أخرج، لكنني رفضت حتى يومًا واحدًا في السجن، لذلك كان السجن صعبًا جدًا علينا.

إضافة إلى ذلك، فإن الإنسان يذوق ــ إن صح التعبير ــ لذة الجهاد في سبيل الله والمقاومة. صحيح أنك تكون متعبًا، لكنك تشعر بلذة خاصة وأنت تقاوم الاحتلال، وأنت قد بعت الدنيا كلها ولا ترى أحدًا أمامك. كان الواحد يحمل مسدسًا ويظن أنه سيحرر فلسطين بهذا المسدس. فكان عندنا شعور هائل جدًا بالقوة والحيوية، وكأننا في السماء، كما يُقال.

أحمد منصور:
هناك نقطة هنا.

عبد الناصر عيسى:
عندما اعتُقلت، كان الشعور معاكسًا تمامًا، وهنا كانت الفجوة الهائلة.

لذة الجهاد

أحمد منصور:
وضحها لي؛ لأنني أيضًا، في دراستي لبعض السير الذاتية لشخصيات انغمست في الجهاد، وجدت أن هناك لذة للانغماس في الطاعة، ولذة للانغماس في الجهاد.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
أنت عشت هذه اللذة؟

عبد الناصر عيسى:
هذا ما أقوله. أنت تخرج وأنت ترى نفسك في قمة العزة؛ إنسان عزيز يفعل ما يمليه عليه ضميره تمامًا. لا تخاف، ولا تشعر أنك مقصر، بل على العكس، تشعر أنك تؤدي واجبك كاملًا، وتطبق كل مبادئك وأفكارك، لا أنها مجرد شعارات.

أحمد منصور:
أنت هنا إنسان مختلف عن بقية الناس الذين يعيشون حياتهم العادية؛ الناس الذين يفكرون في الدراسة، والمستقبل، والوظيفة، والزواج، والدخل، والسيارة، والبيت.

عبد الناصر عيسى:
وهذا حق الناس، ولا نقول إن ذلك خطأ.

أحمد منصور:
نعم، لكننا هنا أمام حالة أخرى؛ شخص لا يفكر في هذه الأشياء.

عبد الناصر عيسى:
لذلك، إذا قام بعض الناس بهذا الواجب، سقط عن الآخرين. نحن قمنا بهذا الواجب، فسقط عن الآخرين. لكن في لحظات معينة، مثل هذه الأيام، لا يسقط عن الآخرين؛ لأن الواجب لم يُؤدَّ بعد. نحن كنا نرى أن الواجب قد تم بنا، فكنا نقوم به نيابة عن الأمة كلها، دفاعًا عن المسجد الأقصى ومقدسات المسلمين في العالم كله.

أحمد منصور:
جاءت لحظة، وكل ما كنت تعيشه من لذة ضاع.

عبد الناصر عيسى:
نعم، دخلت السجن.

أحمد منصور:
وتحولت إلى حالة أخرى.

عبد الناصر عيسى:
إلى إنسان مقيد، لا يستطيع أن يتكلم ولا أن يفعل شيئًا. حريتك الوحيدة تكون في فكرك وإيمانك وداخلك فقط. فكانت فترة صعبة جدًا. لذلك قلنا: كيف نعود؟ كيف نقاوم؟ هل انتهى الأمر؟ لا، لم ينتهِ. فكنا نفكر في الهروب من السجن، والخروج لاستكمال مسيرة النضال.

طبعًا، إذا خرجت من السجن هاربًا، فمن المستحيل أن تعيش حياة طبيعية؛ ستكون مطاردًا إذا أردت أن تكون مقاتلًا، وهذا أمر معروف. وكذلك إذا خرجت في صفقة تبادل أسرى، فغالبًا ستخرج لتستكمل مسيرتك، وإن كان بطرق مختلفة ومتنوعة.

كان هذا الشعور صعبًا جدًا، لذلك عملنا بكل قوتنا من أجل إطلاق سراح الأسرى، خاصة أن هناك شبابًا أمضوا عشرة أعوام، أو خمسة عشر عامًا، أو عشرين عامًا في السجون آنذاك. أظن أن أكثرهم كان قد أمضى نحو أربعٍ وعشرين سنة، وهو ما كان يُعد رقمًا كبيرًا في تلك الفترة، مقارنة بما نراه اليوم من أحكام أشد.

أحمد منصور:
من أشهر هؤلاء الأسرى في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى:
كان من أشهرهم أبو السكر، وهو أحد إخواننا في حركة فتح، رجل كبير في السن ومحترم، رحمه الله، فقد توفي. كان من أبرز الأسرى في ذلك الوقت.

أحمد منصور:
من الأسرى في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، أبو السكر من رام الله.

أحمد منصور:
ومن أسرى آخرين تذكرهم؟

عبد الناصر عيسى:
من الشخصيات الكبيرة التي أتذكرها…

أحمد منصور:
نحن هنا نتحدث عن الفترة من 1995 إلى 1997.

عبد الناصر عيسى:
نعم. أول ما التقيت، استقبلني أخونا إسماعيل أبو شنب، رحمه الله، والقائد الكبير صلاح شحادة. هما اللذان استقبلاني في السجن. جلست معهما وتحدثنا، وشرحت لهما القضية، وسألاني أسئلة؛ لأن قيادة السجن كانت تريد أن تعرف ما الذي جرى مع الأسير. فوضعتهم في الصورة، وتناقشنا وتشاورنا.

عبد الناصر عيسى وصلاح شحادة

القيادي المؤسس صلاح شحادة

أحمد منصور:
أريد أن أسألك عن صلاح شحادة؛ لأنه من الشخصيات المميزة في تاريخ حركة حماس، ومن مؤسسيها. وبما أنك ذكرته الآن، فهو وُلد في 24 فبراير 1953 في مخيم الشاطئ للاجئين في غزة. كان متفوقًا، وحصل على قبول للدراسة في الخارج، لكن ظروفه المادية لم تسمح، فدرس في المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالإسكندرية في مصر. ثم عاد، وكان من مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام ومن أبرز قادتها. حدثنا، من خلال معرفتك به في السجن، عن شخصيته.

عبد الناصر عيسى:
الشيخ صلاح، ما شاء الله، كان رجلًا بمعنى الكلمة، والرجال قليل. كان أستاذنا وقائدنا، وكنا ننظر إليه كمعلم، خاصة في المجال العسكري والنضالي والكفاحي.

كان طويل القامة، قوي البنية، قوي القلب والعقل أيضًا. وكان عادةً مسؤول السجون هو وإسماعيل هنية. رحمه الله على إسماعيل هنية، وكذلك إسماعيل أبو شنب.

أحمد منصور:
أبو شنب.

عبد الناصر عيسى:
نعم، إسماعيل أبو شنب.

أحمد منصور:
سنتحدث عنه أيضًا.

عبد الناصر عيسى:
نعم. كان يكون أميرنا، ويكون الشيخ صلاح نائبه، أو أحيانًا يكون الشيخ صلاح هو الأمير. تعلمنا منهم الكثير. كان رجلًا عسكريًا وأمنيًا، وتولى مسؤولية الأمن في السجون فترة من الفترات. وكان له دور في إعادة تقييم العمل الأمني داخل السجون.

وبعد أن أُطلق سراحه، تواصلنا معه عبر الاتصالات العسكرية، وكان يوفر لنا كل ما نحتاج إليه من أجل تنفيذ أعمال عسكرية خارج السجون.

العمل الأمني داخل السجون

أحمد منصور:
ما طبيعة العمل الأمني داخل السجون؟

عبد الناصر عيسى:
العمل الأمني داخل السجون تجربة مُرّة وصعبة للغاية. كان الهدف الأساسي لأجهزة الأمن داخل السجون هو مقاومة العملاء الذين يزرعهم الشاباك الإسرائيلي. ولا شك أن العملاء موجودون، وكانوا يقومون بأدوار خطيرة، لكن أدوارهم خارج السجون أخطر من داخلها.

غالبًا ما يُجنَّد الفلسطيني ليقوم بدور خارج السجن. أما العملاء الذين يعملون داخل السجون، فغالبًا ما تكون أدوارهم محدودة وبسيطة. أما القضايا الكبيرة، فعادة ما يُبقيهم الاحتلال خارج السجن.

وكان من أبرز العاملين في هذا المجال الشيخ صلاح شحادة، وبعده الشيخ أبو إبراهيم السنوار، رحمه الله.

أحمد منصور:
يحيى السنوار.

عبد الناصر عيسى:
يحيى السنوار من أبرز الأشخاص، وكذلك كان الشيخ صالح في فترة من الفترات.

أحمد منصور:
صالح العاروري؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، كثيرون عملوا في هذا المجال. وفي النهاية، كان العمل الأمني بالدرجة الأولى.

أحمد منصور:
العمل الأمني بالدرجة الأولى؟

عبد الناصر عيسى:
ضد العملاء.

أحمد منصور:
أي: ضد العملاء وحماية التنظيم.

عبد الناصر عيسى:
وحماية التنظيم، نعم، من الاختراقات.

السنوار

إصابة إسرائيل بالعمى

أحمد منصور:
ومن أبرز ما قام به يحيى السنوار عام 2017 القضاء على أكثر من ستين عميلاً، وهو ما أصاب إسرائيل بالعمى، ومكَّن لعملية طوفان الأقصى لاحقًا.

عبد الناصر عيسى:
وكان أحد رواد العمل الأمني أبو إبراهيم السنوار، رحمه الله، وكانت عقليته أمنية بالدرجة الأولى. لكن حدثت عندنا أخطاء لا بد أن نشير إليها، كما يحدث عادةً عند الفتحات الأمنية. وقد حدثت أخطاء لدينا وعند كل الفصائل، وكانت سببًا في إعادة تقييم العمل الأمني تقريبًا عام 2000. وكان من أشرفوا على هذا التقييم ـ وكنت أنا العبد الفقير أحدهم ـ

عبد الناصر عيسى:
داخل السجن.

أحمد منصور:
ما هذه الأخطاء؟

عبد الناصر عيسى:
أنا ومحمود عيسى ـ وما زال معتقلًا، فرّج الله عنه ـ وكان الأمير عندنا أبو فراس، رحمه الله، الدكتور أبو فراس من القدس، وقد توفي.

أحمد منصور:
من هو أبو فراس؟

عبد الناصر عيسى:
أبو فراس، هذا اسمه الحركي.

أحمد منصور:
حسنًا، أكمل حديثك عن صلاح شحادة، ثم نعود إلى الآخرين.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
قلت إن صلاح شحادة…

عبد الناصر عيسى:
كان صلاح شحادة رائدًا من هؤلاء الرواد. وقد نسّقنا معه عام 2000، وكنا نحن ما يسمّى بالمكتب التنفيذي: أنا، وأبو البراء محمود عيسى،

أحمد منصور:
داخل السجن؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، داخل السجن، ومعنا أبو فراس. وقد نسّقنا مع الشيخ صلاح شحادة من أجل إعادة تقييم العمل الأمني، وفعلاً أعدنا التقييم وأصدرنا النتائج.

أحمد منصور:
ما الأمور التي أعدتم تقييمها؟

عبد الناصر عيسى:
بعض الحالات الأمنية كانت ملفاتها ضعيفة وغير قوية.

أحمد منصور:
مثل ماذا؟ متابعة العملاء داخل السجن؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، متابعة العملاء. فقد كان هناك حكم على بعض الأشخاص بأنهم عملاء بناءً على أدلة غير قوية. لذلك، كل من لم يكن الدليل عليه قويًا ـ مع وجود بعض الشبهات عليه ـ أعدنا النظر في حالته. وكانت هناك حالة واحدة كان الدليل فيها ضعيفًا جدًا، فقمنا بتبرئة هؤلاء الأشخاص، وقلنا: إننا نُخطئ في البراءة خيرٌ من أن نُخطئ في الإدانة.

أحمد منصور:
نعم.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

صاروخ القسام الأول


أحمد منصور:
حين خرج صلاح شحادة من السجن لعب دورًا كبيرًا جدًا في صناعة صواريخ حماس، وفي تقوية العمل العسكري والرؤية الاستراتيجية العسكرية للحركة.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
ويُقال إن صاروخ القسام الأول، الذي أُطلق في 26 أكتوبر 2001 باتجاه سديروت، كان صلاح شحادة مشرفًا عليه.

عبد الناصر عيسى:
هذا ما أعلمه. كنت آنذاك في السجن، لكن هذا ما أعرفه. وهو عمليًا صاحب نظرية القسام وتطويره.

أحمد منصور:
إسرائيل، خلال فترة سجنه الثانية من 1988 إلى 2000، عرّضت صلاح شحادة لتعذيب شديد. وحين أُفرج عنه اغتالته إسرائيل في 23 يوليو 2002 بصاروخ دمّر المربع السكني بالكامل، ما أدى إلى مقتل وجرح عشرات الأشخاص، نحو 140 بين قتيل وجريح. وهذا يفسّر أيضًا الأسلوب الذي اتبعته إسرائيل لاحقًا في طوفان الأقصى، حين كانت تدمر مربعات سكنية كاملة لاستهداف شخص واحد.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
كان لاغتيال صلاح شحادة واستشهاده أثر كبير جدًا في تاريخ حركة حماس، وتأثير واسع في الشارع. وكان الشيخ أحمد ياسين ما يزال موجودًا، رغم كونه رمزًا، لكن مرحلة اغتيال صلاح شحادة، بين عامي 2000 و2002، شهدت اغتيال عدد كبير من القيادات في الضفة.

عبد الناصر عيسى:
ومنهم إسماعيل أبو شنب، الذي كان معنا أيضًا في السجن، أبو الحسن رحمه الله، وكذلك الشيخ صلاح شحادة. وكان هؤلاء من كبار مساعدي الشيخ أحمد ياسين.

عبد الناصر عيسى والشيخ ياسين وياسين أبو شنب

القائد إسماعيل أبو شنب

أحمد منصور:
تعرّفنا إلى إسماعيل أبو شنب أيضًا بوصفه من الشخصيات التي تعرفتَ إليها في السجن، وتركت أثرًا في نفسك.

عبد الناصر عيسى:
بالتأكيد.

أحمد منصور:
وكان له تأثير كبير أيضًا.

عبد الناصر عيسى:
كان تأثيره عليّ أكبر في الجانب الإداري؛ إذ كان الأمير غالبًا، وكان يُنتخب ـ رحمه الله ـ بالإجماع. ففي السجن كان لدينا مجلس شورى مكوَّن من خمسة عشر عضوًا، وعادةً ما يُنتخب الأمير بأغلبية ثمانية أو تسعة أصوات، أما الشيخ أبو الحسن فكان يحصل من أصل خمسة عشر عضوًا على أربعة عشر صوتًا، باستثناء صوته هو. ما شاء الله عليه.
كان هناك إجماع عليه، وكان مدرسةً في الإدارة والتخطيط والتفكير الاستراتيجي، وكذلك في الدبلوماسية، ما شاء الله.

أحمد منصور:
لم يأخذ حقه تاريخيًا.

عبد الناصر عيسى:
لم يأخذ حقه؛ لأنه رحل سريعًا واغتالوه، رحمه الله.

أحمد منصور:
هذا يجعلني أسألك الآن: لقد حدثتنا سابقًا عن تجربة الاعتقال الأولى، وكيف لم يكن لحماس وجود داخل السجون، وكانت فتح والحركات الأخرى ترفض وجود حماس داخل السجن.

عبد الناصر عيسى:
كان ذلك عام 1988.

أحمد منصور:
أما الآن، وبعد اعتقالك الطويل لمدة ثلاثين سنة منذ عام 1995…

عبد الناصر عيسى:
اختلفت الظروف.

أحمد منصور:
وأصبح لحماس وضع مختلف.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
حدثني عن إدارة السجون من قبل الأسرى في ذلك الوقت.

عبد الناصر عيسى:
عندما دخلت السجن عام 1995، كان هناك وجود قوي لحماس داخل السجون.

أحمد منصور:
عام 1995؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، عندما دخلت عام 1995 كان هناك تواجد قوي لحماس في جميع السجون، وكان يزداد يومًا بعد يوم، خاصةً أن إخواننا من أنصار فتح كانوا يخرجون من السجون بسبب ما سُمّي بـ«إفراجات أوسلو». وكانت تشمل أصحاب القضايا البسيطة، أو أصحاب المؤبدات الذين لم يكن عليهم «دم يهود» كما يقال، وهو مصطلح إسرائيلي خاطئ ومضلل.
عندها دخلنا، وكانت لحماس قيادة قائمة، وكانت هناك غرف مستقلة لها. وفي بعض السجون كانت العلاقات الوطنية أفضل من سجون أخرى. وقد دخلنا إلى سجن عسقلان، وكانت الأمور جيدة بين الفصائل، كما كان الوضع التنظيمي لحماس جيدًا جدًا.

أحمد منصور:
كيف كانت تُرتَّب العلاقة بين الفصائل؟

عبد الناصر عيسى:
كانت هناك لجنة وطنية، وكان الأخ زاهر ضمن هذه اللجنة غالبًا.

أحمد منصور:
زاهر جبرين؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، زاهر كان رجل العمل الوطني في السجون، ما شاء الله عليه.

أحمد منصور:
اللجنة الوطنية كانت مشتركة بين جميع الفصائل؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، من جميع الفصائل: واحد من فتح، وواحد من حماس، وواحد من الجبهة الشعبية.
وعلى سبيل المثال، عندما دخلتُ السجن كان هناك ممثل يُدعى أبو الناجي من فتح، وقد خرج لاحقًا في صفقة وفاء الأحرار. وكان زاهر ممثلًا عن حماس، أعني زاهر جبرين، لا نريد أن نستمر في قول «جبارين».

أحمد منصور:
ليت جميع الإعلاميين يصححون اسمه.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
وقد سألته: لماذا تسكت والناس تنطق اسمك خطأ؟ فقال لي: وجدت الجميع يقول «زاهر جبارين»، فاستسلمت، فلا أستطيع تصحيح الاسم لكل شخص.

عبد الناصر عيسى:
نعم، المهم ليست الأسماء بقدر ما هي المسميات. المهم أنه إنسان مناضل كبير، ويكفيه ذلك، حتى لو أخطأ الناس في اسمه فلا مشكلة. اللهم صلِّ على سيدنا محمد.
في تلك المرحلة كانت هناك لجنة وطنية تنسّق باستمرار، وكانت تعطي تعليماتها للممثل ـ أو ما يسمونه «الدوبير» داخل السجون ـ وهذا الممثل كان يذهب إلى الإدارة ويسعى لتحقيق مصالح الأسرى وطلباتهم قدر المستطاع.
أما تنظيم حماس فكانت له مؤسسة تنظيمية مختلفة.

تنظيم حماس في السجون

أحمد منصور:
حدثني عن تنظيم حماس من الداخل.

عبد الناصر عيسى:
كان هناك قاعدة تنظيمية في كل قسم. ففي كل قسم يوجد ما بين ثلاثين إلى سبعين أسيرًا، بحسب السجن.

أحمد منصور:
أسير؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، وقد يصل العدد إلى مئة أو مئة وعشرين أسيرًا في القسم الواحد، وكانت حماس غالبًا تشكّل ما بين 30% إلى 40% من القسم.

أحمد منصور:
هل كنتم تكونون معًا في مكان واحد؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، في البداية كان الأمر كذلك، ثم حدثت تطورات أدت إلى فصل الناس عن بعضهم، وسنأتي إلى ذلك لاحقًا إن شاء الله.
وكانت لحماس مؤسسة تنظيمية داخل السجون؛ فمثلًا إذا كان هناك خمسون شخصًا، فإنهم ينتخبون سبعة أو تسعة أعضاء لمجلس الشورى، ثم ينتخب مجلس الشورى ـ المكوَّن من تسعة أعضاء ـ ثلاثة أو خمسة أعضاء للمكتب التنفيذي، وهكذا تقريبًا.

أحمد منصور:
أنتم كنتم قد أنشأتم حماس داخل السجون؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، حماس داخل السجون.

أحمد منصور:
أي أن هناك حماس في الخارج، وحماس في الداخل.

عبد الناصر عيسى:
نعم، طبيعي.

أحمد منصور:
هناك ظاهرة مهمة من الناحية التاريخية والتنظيمية، وربما لا توجد في تنظيمات أخرى، وهي أن القرار في حماس يشارك فيه الأسرى أيضًا.

عبد الناصر عيسى:
هذا تطور لاحق يا أستاذ أحمد.

أحمد منصور:
لاحقًا؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لم يكن ذلك في المرحلة الأولى من الاعتقال، وإنما بدأ يتطور بصورة جدية تقريبًا بعد عامي 2009 و2010.

أحمد منصور:
سنأتي إلى ذلك. لكن الآن أصبحت قرارات حماس تُتخذ من…

عبد الناصر عيسى:
أربعة قطاعات.

أحمد منصور:
أربعة قطاعات: حماس الأسرى، وحماس الخارج، وحماس الداخل في الضفة الغربية، وحماس غزة.

عبد الناصر عيسى:
نعم، أربعة قطاعات.

أحمد منصور:
أي: أربعة قطاعات، وهذه القطاعات الأربعة تشارك في اتخاذ القرارات المصيرية، مثل الصفقات، والتفاوض بشأن الأسرى، والانتخابات، واختيار القيادة؟

عبد الناصر عيسى:
المميّز أن هذا الأمر مكتوب في اللوائح الداخلية.

أحمد منصور:
نعم، وتُحدَّد فيه مسؤولية كل قطاع، وكيفية اتخاذ القرار؟

عبد الناصر عيسى:
طبعًا، مع مراعاة وضع الأسرى؛ إذ إنهم لا يستطيعون في كل لحظة أن يقدّموا رأيهم، وهذا لا يوقف الحركة. فإذا تعذّر الوصول إلى الأسرى، تُتخذ القرارات من دونهم.

أحمد منصور:
سأعود إلى هذه النقطة لاحقًا، لكن ارجع معي إلى إسماعيل أبو شنب ومسؤوليته في تلك المرحلة.

عبد الناصر عيسى:
نعم، أبو الحسن إسماعيل أبو شنب، كما قلت لك، كان أميرنا، وكان من المقرّبين إلى الشيخ أحمد ياسين في الخارج. وبعد خروجه أصبح محاضرًا في كلية الهندسة في جامعة النجاح الوطنية، وهي الجامعة التي كنت طالبًا فيها.

أحمد منصور:
هو دكتور هندسة؟

عبد الناصر عيسى:
كان محاضرًا، ويحمل درجة الماجستير.

أحمد منصور:
محاضر هندسة.

عبد الناصر عيسى:
نعم، في الهندسة. وكان متميّزًا، وعلاقاته الوطنية واسعة، وكان معروفًا على نطاق كبير.

أحمد منصور:
العجيب في هؤلاء الناس أنك تجد أحدهم مهندسًا أو طبيبًا أو أكاديميًا، وفي الوقت نفسه تجد علومه الشرعية تكاد توازي علومه العلمية.

عبد الناصر عيسى:
نعم، صحيح.

أحمد منصور:
حتى إنك لا تستطيع أن تميّز: هل هو عالم شرعي أم أكاديمي؟

عبد الناصر عيسى:
في النهاية، كان الناس يعتبرون أنفسهم أصحاب تفكير شمولي وثقافة شاملة. فبعض الإخوة، كما ذكرتُ سابقًا، مثل الشيخ جمال منصور، كان يحمل بكالوريوس محاسبة، ومع ذلك كان قامة كبيرة في الفكر والفقه الإسلامي.

أحمد منصور:
نعم.

عبد الناصر عيسى:
أما الأستاذ إسماعيل أبو شنب فكان قامة كبيرة في حماس، وكان له دور في العلاقة مع السلطة، وفي التفاوض معها بشأن قضايا الهدنة، وكذلك في العلاقات الوطنية. وكان الشيخ أحمد ياسين يعتمد عليه كثيرًا في المهام الصعبة، رحمه الله.

أحمد منصور:
وطبعًا اغتالته إسرائيل أيضًا.

عبد الناصر عيسى:
نعم، اغتالوه بصاروخ.

الهروب من عسقلان

أحمد منصور:
واستُشهد هو الآخر في تلك المرحلة. حدثني الآن عن كيفية وضعكم لخطة الهروب من السجن عام 1997.

عبد الناصر عيسى:
العقل المدبّر لخطة الهروب كان الأخ محمود عيسى.

أحمد منصور:
ومحمود ما زال حتى الآن…

عبد الناصر عيسى:
كان هو الدينامو الحقيقي للعملية.

أحمد منصور:
والإسرائيليون ما زالوا يرفضون الإفراج عنه. حدّثنا عن محمود عيسى.

عبد الناصر عيسى:
كنت أنا وإياه في المكتب التنفيذي.

أحمد منصور:
هل توجد بينكما قرابة؟

عبد الناصر عيسى:
لا، مجرد تشابه أسماء. وكذلك مروان عيسى في غزة.

أحمد منصور:
مروان عيسى، الشهيد القائد الذي أُعلن عن استشهاده؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لكن كل عائلة مختلفة عن الأخرى، واسم «عيسى» متكرر فقط.
كنت أنا وأخي وصديقي محمود عيسى في الموقع نفسه.

أحمد منصور:
وكان قد حُكم عليه بالمؤبد؟

عبد الناصر عيسى:
نعم. وكنا نحن من يدير التنظيم، كما يقال. كان هناك ثلاثة أو أربعة أعضاء يشكّلون المكتب التنفيذي، وكنا نحن من يدير شؤون التنظيم تقريبًا.

أحمد منصور:
كم كان عدد أسرى حماس في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى:
أعتقد أنه في تلك الفترة…

أحمد منصور:
في سجن عسقلان تحديدًا؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، كان العدد يتراوح تقريبًا بين 120 و150 أسيرًا.

أحمد منصور:
وكم شخصًا كان يعلم بخطة الهروب؟

عبد الناصر عيسى:
حتى جزء من التنظيم نفسه لم يكن يعلم؛ لأننا لم نكن نريد أن تتسرّب المعلومات، مع أن الجميع كانوا شخصيات كبيرة وموثوقة، لكن جزءًا من التنظيم لم يكن على علم بالخطة.

أحمد منصور:
نعود إلى محمود وخطته.

عبد الناصر عيسى:
عرض عليّ محمود الفكرة، فوافقت بعد نقاش، وبدأنا التحرك.

أحمد منصور:
كنتم أربعة، من هما الآخران؟

عبد الناصر عيسى:
أنا ومحمود كنّا المسؤولَين الرئيسيين عن التخطيط، لكن الذين تبنّوا العملية رسميًا كانوا: أبو البراء محمود، ومجموعته التي ضمّت ماجد أبو قطيش، وموسى عكاري، ومحمود عطون.
هؤلاء هم الذين تبنّوا العملية رسميًا. وقد جرت العملية في أحد أقسام سجن عسقلان، أظن في الغرفة رقم 3 أو 2، لا أذكر الرقم بدقة.
قمنا بحفر نفق، ونزلنا إلى عمق مترٍ وعشرين سنتيمترًا تقريبًا، أو متر ونصف، ثم تقدّمنا نحو تسعة أمتار إلى الأمام.

أحمد منصور:
تسعة أمتار؟

عبد الناصر عيسى:
تقريبًا.

أحمد منصور:
وعمق متر ونصف؟ وأين كان الإسرائيليون؟

عبد الناصر عيسى:
كانوا في عالم آخر. والحمد لله نجحنا في تضليلهم.

أحمد منصور:
لا، حدّثني بالتفصيل، فالموضوع ليس بسيطًا.

عبد الناصر عيسى:
هي قصة فعلًا.

أحمد منصور:
بالطبع، لا بد أن نعرف القصة، فمثل هذه القصص نادرة أصلًا.

عبد الناصر عيسى:
حسنًا.
في البداية كنّا نريد الهروب، لكن جدار السجن الخارجي كان بعيدًا نسبيًا.

أحمد منصور:
تقصد جدار السجن الخارجي؟

عبد الناصر عيسى:
نعم. في الأصل كنّا نظن أن اثني عشر مترًا قد تكون كافية للوصول، لكن عندما بدأنا تبيّن أن المسافة إلى جدار السجن ربما كانت نحو أربعين مترًا. وكنا نعلم أننا سنواجه صعوبة كبيرة جدًا، لكن قلنا: فلنحاول، فإن نجحنا فبها ونعمت، وإن لم ننجح، فما الذي سيحدث؟ سنُعزل، ونتعرض لبعض التعذيب والمعاناة، ونتحمل ذلك. هكذا كان التفكير.
وفعلًا بدأنا الحفر، وبعد نحو تسعة أمتار تقريبًا…

أحمد منصور:
انتظر، بماذا كنتم تحفرون؟

عبد الناصر عيسى:
لم يكن لدينا شيء تقريبًا. كنّا نحفر بالملاعق، وبقطع حديدية صغيرة نجدها هنا وهناك.

أحمد منصور:
وأين كنتم تضعون تراب الحفر؟

عبد الناصر عيسى:
ثمانون في المئة من التراب كنّا نتعامل معه عبر الملابس التي نرتديها في السجن. كنّا نأخذ الملابس ونخيطها بحيث تتحول الأكمام والبلوزات إلى أكياس، ثم نملؤها بالرمل ونعيد التراب إلى داخل الحفرة نفسها.
كانت العملية صعبة ومعقدة جدًا جدًا. وكنا أربعة عشر شخصًا تقريبًا، وجميعنا محكومون بالمؤبد.

أحمد منصور:
إذًا العملية لم تكن مقتصرة عليكم أنتم الخمسة فقط، بل كان هناك أربعة عشر شخصًا؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، كنّا أربعة عشر، لكن الذين تبنّوا العملية رسميًا كانوا أربعة أو خمسة فقط.

أحمد منصور:
وبرّؤوا البقية؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، برّؤوا البقية.
بدأ الحفر، وكنّا أحيانًا نحفر مترين فيما يبقى التراب خارجًا أثناء العمل.

أحمد منصور:
وكم كان يستغرق حفر مترين؟

عبد الناصر عيسى:
في البداية كان الأمر يعتمد على طبيعة الأرض، وأرض عسقلان كانت سهلة نسبيًا. نحن حفرنا نحو تسعة أمتار خلال خمسين يومًا تقريبًا.

أحمد منصور:
تسعة أمتار؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، أي بمعدل يقارب أربعة أيام لكل متر تقريبًا.

أحمد منصور:
وأنت لا تتحدث عن العمق، بل عن الطول الأفقي. كم كان عرض الحفرة؟

عبد الناصر عيسى:
كان عرضها نحو متر تقريبًا.

أحمد منصور:
أي يمكنكم الزحف فيها براحة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، الزحف براحة.

أحمد منصور:
بل وربما المشي أحيانًا؟

عبد الناصر عيسى:
ربما، فقد كان العرض نحو خمسين إلى ستين سنتيمترًا تقريبًا.

أحمد منصور:
ألم تخافوا من الانهيارات؟

عبد الناصر عيسى:
بالطبع كنّا نخاف، لكن ماذا يمكن أن نفعل؟ لا بد من المخاطرة.

أحمد منصور:
لكن لم يكن لديكم حل لهذه المشكلة؟

عبد الناصر عيسى:
لم يكن لدينا حل في ذلك الوقت، كنّا فقط نحاول.

أحمد منصور:
وماذا عن التنفس؟

عبد الناصر عيسى:
كنّا نحاول أن نجعل النفق متعرجًا قليلًا، لا مستقيمًا بالكامل.

أحمد منصور:
لكن هل كنتم قد حسبتم حساب التهوية والتنفس؟

عبد الناصر عيسى:
كانت هناك صعوبات فعلًا، لكننا مدَدنا بعض الوصلات للتهوية أحيانًا، وللإضاءة أيضًا.

أحمد منصور:
والشخص الذي كان يدخل للحفر؟

عبد الناصر عيسى:
كان يجب أن تكون قدرته على التحمّل والتنفس أفضل من غيره. اليوم أصبحت هذه الأمور خبرة وتجربة كبيرة لدى إخواننا في غزة، بل صاروا هم يعلّموننا. أما نحن فكنا لا نزال في تجربة بسيطة جدًا.

أحمد منصور:
وطبعًا غزة صنعت أنفاقًا تاريخية ستدخل التاريخ شاء الناس أم أبوا.

عبد الناصر عيسى:
نعم، فقد بدأت الفكرة من هذه المحاولات البسيطة، ثم تطورت حتى أصبحت علمًا وتكنولوجيا.

أحمد منصور:
أين كنتم تخبئون الرمل؟

عبد الناصر عيسى:
كما قلت لك: الشخص الذي يحفر يُخرج الرمل، والذي في الخارج يأخذ الرمل ويضعه في الأكياس المصنوعة من ملابسنا.

أحمد منصور:
وأين كنتم تضعون هذه الأكياس؟

عبد الناصر عيسى:
كنّا نضعها جانبًا، لأن لدينا ساعات معينة نستطيع العمل خلالها.

أحمد منصور:
ألم تكن هناك عمليات تفتيش للزنازين؟

عبد الناصر عيسى:
بلى، لكن كنّا نختار الفترات الأطول التي لا يدخل فيها الحراس. أحيانًا كان الشرطي لا يدخل علينا لساعتين أو أكثر، وأحيانًا حتى الصباح.
فمثلًا، بعد الساعة السادسة مساءً تُغلق الأبواب علينا، ولا يدخل الحراس إلا لإلقاء نظرة سريعة ثم يغادرون. لذلك كنّا نستغل الفترة من السادسة مساءً حتى الخامسة صباحًا تقريبًا.

أحمد منصور:
وكل هذه الساعات كانت مخصصة للحفر؟

عبد الناصر عيسى:
ليست كلها للحفر فقط، لأن جزءًا من الوقت كان يُخصّص لإعادة التراب. كنّا نملأ الأكياس، وبعد انتهاء الوقت المناسب نعيد الأكياس إلى داخل الحفرة.

أحمد منصور:
أي أنكم في النهاية كنتم تتخلصون من الأكياس دفعة واحدة؟

عبد الناصر عيسى:
أو بالأحرى لا نتخلص منها تمامًا، لأنه لم تكن لدينا إمكانية حقيقية للتخلص من الرمل.
كنا نتخلص فقط من نحو 10% من الرمل عبر دورة التصريف، وهذا ما تسبب لنا بالمشكلة لاحقًا.

أحمد منصور:
هنا إذًا اكتُشفت العملية؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، هنا بدأ الاكتشاف.
أما الـ90% الأخرى من الرمل، فكنا نضعها في الأكياس ثم نعيدها إلى داخل الحفرة نفسها، أي أننا استخدمنا المكان الذي نحفره أيضًا كمخزن للتخزين.

أحمد منصور:
أي: كمخزن للرمل؟

عبد الناصر عيسى:
نعم. ففي بعض السجون، مثل سجن جلبوع…

أحمد منصور:
من صاحب هذه الفكرة؟

عبد الناصر عيسى:
والله، الشباب كانوا يتناقشون ويتبادلون الأفكار، ولا أذكر تحديدًا من صاحب الفكرة، لكن هذا ما هدانا الله إليه.

أحمد منصور:
قلت لي إن سجن جلبوع كان مختلفًا، كيف ذلك؟

عبد الناصر عيسى:
في سجن جلبوع مثلًا وجدوا منطقة محفورة وجاهزة أصلًا.

أحمد منصور:
أي أن شخصًا آخر كان قد أعدّها قبلهم؟

عبد الناصر عيسى:
لا، ليس شخصًا آخر، وإنما طبيعة البناء نفسها كانت تترك فراغًا أسفل الأرضية، فاستغلوا هذا الفراغ، ولذلك كان الحفر بالنسبة لهم أسهل نسبيًا.
وكذلك كانت هناك محاولة أخرى في سجن شطة في التسعينيات، حيث وجد الأسرى غرفة مغلقة لا يستخدمها السجانون إطلاقًا، فصاروا يضعون الرمل فيها. وكانت تلك بالنسبة لهم كنزًا، لأن الأمر كان أسهل بكثير. أما نحن فكانت مهمتنا شاقة جدًا جدًا.

أحمد منصور:
موضوع محاولات الهروب هذا يمكن أن تُكتب فيه كتب كاملة.

عبد الناصر عيسى:
طبعًا.

أحمد منصور:
في النهاية، الأفلام التي صنعتها هوليوود عن عمليات الهروب، لا تقل أهمية عنها محاولات الهروب التي قام بها الفلسطينيون، فهي أيضًا تحتاج إلى كتب. أكمل القصة.

عبد الناصر عيسى:
كنّا نحفر، وفعلًا وصلنا إلى نحو تسعة أمتار، وكنا نعيد كل شيء إلى مكانه.
قبل الساعة الخامسة صباحًا كان لدينا ما يسمّى بفترة “العدد”، ولذلك كنّا نبدأ منذ الساعة الثالثة تقريبًا بإعادة كل شيء كما كان؛ لأن إعادة أكياس الرمل إلى الحفرة كانت تحتاج إلى ساعتين على الأقل من العمل.
لذلك كنّا نتوقف عن الحفر عند الساعة الثانية ليلًا تقريبًا، ومن الثانية حتى الرابعة أو الخامسة يكون العمل كله تنظيفًا، وإعادة الرمل، وترتيب المكان كما كان تمامًا. وبعد ساعتين أو ثلاث من الترتيب، تأتي في الصباح فترى المكان وكأن شيئًا لم يكن.
لو رأيت المكان قبل ساعات لقلت: كيف يمكن لهؤلاء أن يعيدوا كل شيء إلى طبيعته؟ لكن خلال ساعتين كان كل شيء يصبح مرتبًا ومضبوطًا.

أحمد منصور:
ثم يأتي السجانون وينظرون إلى الزنزانة وكأن شيئًا لم يحدث!

عبد الناصر عيسى:
كان الشرطي يدخل ويفتش، فلا يجد حتى حبة رمل واحدة.

أحمد منصور:
وكيف كنتم تغطون الحفرة؟

عبد الناصر عيسى:
كانت هناك بلاطة قصصناها بعناية شديدة.
البلاطة كانت تقريبًا بقياس 30 × 30 سنتيمترًا، أو ربما بلاطتين بمساحة 60 × 60 تقريبًا. وكنا نعتبر هذه العملية هي الأصعب والأطول.

أحمد منصور:
تقصد إعادة تثبيت البلاطة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لأنك لا تريد كسرها. كنّا نظل نحكّ فيها شيئًا فشيئًا، يومًا بعد يوم، ربما لمدة ثلاثين يومًا، حتى تصبح قابلة للرفع ثم الإرجاع من جديد دون أن يلاحظ أحد.
وأذكر مرة ـ على سبيل الطرافة ـ أن أحد السجانين دخل للتفتيش، وكانت الحفرة تحت أرضية الحمام. وبسبب الفراغ تحت الأرضية، كان الصوت مختلفًا عندما يطرق عليها.
فأخذ يطرق بيده، ثم قال: “هناك شيء غريب، يبدو أن هناك فراغًا هنا!”.
فقلت له مازحًا: “نحن نحفر نفقًا”. فضحك ومضى.

أحمد منصور:
عجيب!

عبد الناصر عيسى:
ظن أنني أمزح معه، لأنه لم يتخيل أنني أقول الحقيقة. قلت له فعلًا: “نحن نحفر نفقًا”، فضحك وغادر.

أحمد منصور:
مممم…

عبد الناصر عيسى:
وكان ذلك قبل اكتشاف العملية بنحو ثلاثين يومًا تقريبًا. أحيانًا كانت لدينا ثقة زائدة بالنفس.

أحمد منصور:
وكيف اكتُشفت العملية في النهاية؟

عبد الناصر عيسى:
بعد نحو خمسين يومًا من العمل انسدّت مجاري الصرف الصحي، فجاؤوا بعمّال للصيانة، وعندها وجدوا التراب.
بالنسبة لهم كان وجود التراب خطًا أحمر، فدُق جرس الإنذار، ودخلوا وبدأوا التفتيش لساعات طويلة حتى اكتشفوا الحفرة.
في البداية فتشوا مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، ولم يكونوا يعرفون في أي غرفة توجد الحفرة. لكن وجود الرمل كان دليلًا واضحًا على أن هناك شيئًا تحت الأرض.
وفي النهاية بدأوا بالحفر والطرق على الجوانب حتى وجدوها. ولو أنهم اكتفوا بتفتيش عادي لساعتين ثم غادروا، لما استطاعوا اكتشافها.

أحمد منصور:
قلت إنكم كنتم تتخلصون من 10% من الرمل فقط؟

عبد الناصر عيسى:
تقريبًا، نعم.

أحمد منصور:
وهذا ما أدى إلى اكتشاف العملية؟

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
ومن جاء بعدكم استفاد من التجربة بالتأكيد.

عبد الناصر عيسى:
نعم، استفادوا من أن أي محاولة كهذه لا يمكن أن تنجح إذا لم تكن مسألة التخلص من الرمل والتراب محسومة بالكامل.

أحمد منصور:
أبو حذيفة ـ عبد الحكيم حنيني ـ روى أيضًا في برنامج “شاهد على العصر” محاولة هروب مختلفة، وهناك محاولات أخرى كثيرة.

عبد الناصر عيسى:
لدينا نحن أيضًا محاولة ثانية، إذا أردت.

أحمد منصور:
متى كانت؟

عبد الناصر عيسى:
لم تكن عبر الأنفاق هذه المرة، بل أثناء نزولنا إلى المحاكم، بعد اعتقال معاذ بلال، حيث كنّا موجودين هناك.

أحمد منصور:
ومتى اعتُقل معاذ بلال؟ في عام 1998؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، أعتقد في يناير 1998.

أحمد منصور:
نعم.

عبد الناصر عيسى:
وكان معه أيمن حلاوة، أحد قادة القسام في انتفاضة الأقصى، وكذلك عمار الزبن، أبو البشائر.

أحمد منصور:
وأين عمار الآن؟

عبد الناصر عيسى:
الحمد لله، أُطلق سراحه في الصفقة الأخيرة.

أحمد منصور:
في عام 2025؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، عام 2025.
أما أيمن حلاوة فقد استُشهد رحمه الله، وكان من قادة القسام في الضفة الغربية.

أحمد منصور:
حدثنا عن أيمن حلاوة.

عبد الناصر عيسى:
أيمن حلاوة كان معنا، وكان مهندسًا درس في جامعة بيرزيت.

أحمد منصور:
يحيى عياش؟

عبد الناصر عيسى:
لا، كان قد درس في جامعة بيرزيت، وكان جزءًا من مجموعة خليل الشريف ومعاذ بلال.
وفي السجن التقيت به، وتحدثت معه عن المتفجرات، وقلت له: “الأصل ألّا نعمل في هذا المجال، بل نركّز فقط على العمل من أجل إطلاق سراح الأسرى”. لكن عندما خرج، أجبرته الظروف على العمل في المتفجرات.

أحمد منصور:
وماذا حدث بعد ذلك؟

عبد الناصر عيسى:
بعد ذلك استُشهد. فقد نفّذ عمليات كثيرة جدًا، وكان مهندسًا رئيسيًا ومسؤولًا بارزًا في القسام، وله صلة بعمليات قُتل فيها عشرات الجنود. ثم اغتيل واستُشهد، رحمه الله.

أحمد منصور:
عام 2001؟

عبد الناصر عيسى:
أظن عام 2002.

أحمد منصور:
في عام 2002 استُشهد كثيرون واغتيل عدد كبير، وكانت الأدوار متداخلة بين السلطة والإسرائيليين في ذلك الوقت.

عبد الناصر عيسى:
نعم، كانت الأدوار متداخلة.

محاولة الهروب من سيارة الترحيلات

أحمد منصور:
كنتَ تقول إنكم حاولتم الهروب أثناء الذهاب إلى المحكمة.

عبد الناصر عيسى:
نعم، ففي إحدى المرات وصلت معلومة إلى إسرائيل أنهم عثروا على كبسولة كنا قد أخرجناها إلى الإخوة المطاردين في الخارج، ومنهم عادل عوض الله، تتضمن معلومات عن الطريق الذي تمر منه سيارة الترحيلات، وأنه يمكنهم مهاجمتها في شارع معين وإخراجنا منها، وكانت العملية ممكنة نظريًا.

أحمد منصور:
أي: هجوم على سيارة الترحيلات لتحريركم؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، على سيارة الترحيلات. ويبدو أن إحدى الرسائل وُجدت مع عوض الله رحمه الله، فعندها شددوا الإجراءات كثيرًا، وبدأوا ينقلوننا في سيارات أكثر تحصينًا، ويغيّرون الطرق باستمرار.
بل كان يرافقنا في “البوسطة” جنرال اسمه سيفين، قائد الضفة الغربية كلها، وكأننا ذاهبون إلى معركة. كانوا خائفين بطبيعة الحال، لأن لديهم معلومات عن محاولة هروب، ولذلك اتخذوا إجراءات قوية جدًا جعلت العملية مستحيلة.

أحمد منصور:
في محاكمة معاذ سعيد بلال، هل حصلتَ أنت أيضًا على حكم؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، حُكم عليّ بثماني سنوات.

أحمد منصور:
لكن هذه السنوات كانت بتهمة التحريض فقط؟

عبد الناصر عيسى:
قلت للقاضي: “احكم بما تشاء، فأنا أصلًا محكوم بالمؤبد”، فضحك القاضي.

أحمد منصور:
القاضي قال لك ذلك؟

عبد الناصر عيسى:
لا، أنا قلت له إنني لا أريد الدفاع عن نفسي، وقلت له: “احكم كما تريد، فأنا محكوم بالمؤبد أصلًا”.

أحمد منصور:
أي أنها لم تكن تفرق معك؟

عبد الناصر عيسى:
حتى لو زادني عشر سنوات أو عشرين أو مئة سنة، فما الفرق أصلًا؟ ولذلك حكم عليّ بثماني سنوات.

أحمد منصور:
وما كانت التهمة؟

عبد الناصر عيسى:
كانت التهمة الرسمية: التواصل مع المطاردين، والتحريض، وما شابه ذلك. لم يعطوني التهمة الكبرى.

عبد الناصر عيسى ومحمود أبو هنود

محمود أبو هنود الجني الأزرق ذو الأرواح السبعة

أحمد منصور:
من الشخصيات التي أعتبرها تاريخية أيضًا، والتي تبدو قصتها في المقاومة والهروب والاستشهاد قصة أسطورية: محمود أبو هنود.

عبد الناصر عيسى:
طبعًا.

أحمد منصور:
متى تعرّفت إلى محمود؟

عبد الناصر عيسى:
محمود من منطقتنا، من بلدة عصيرة الشمالية قرب نابلس.
تعرفت إليه في بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، خلال تدريب على إلقاء زجاجات المولوتوف.

أحمد منصور:
نعم.

عبد الناصر عيسى:
كان أحد الإخوة ـ ولا يصح أن أذكر اسمه ـ يدربنا على كيفية إلقاء المولوتوف: كيف نمسكها وكيف نرميها حتى لا ينسكب البنزين علينا، وبعض الأمور البسيطة من هذا النوع.

أحمد منصور:
المولوتوف هي الزجاجة المملوءة بالبنزين مع الشعلة.

عبد الناصر عيسى:
نعم، بنزين مع بعض الإضافات البسيطة المعروفة شعبيًا.
وكنت أنا ومحمود معًا في ذلك التدريب، ومن هنا بدأت معرفتي به. ثم التقينا لاحقًا مرة أخرى عندما أُصبت بالرصاص خلال الانتفاضة، وكنا معًا في المستشفى.

أحمد منصور:
وهو أُصيب أيضًا؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لكنه لم يكن مطاردًا حينها.
أما آخر مرة ارتبط اسمه بي فيها، فكانت عندما طلبت مني قيادة الحركة متابعة المطاردين في الضفة الغربية إداريًا، وكان من بينهم الشهيد القائد محمود أبو هنود، وإخوانه الذين نفذوا عملية “محنيه يهودا” في القدس مع معاذ بلال.
لكنني أجبت بأنني لا أستطيع القيام بهذا الدور الإداري؛ لأنني كنت مطاردًا بنفسي، ولم أكن أريد الانشغال بالقضايا الإدارية والتنظيمية داخل الجهاز العسكري، بل كنت أريد أن أكون جزءًا من الجهاز التنفيذي الميداني.

أحمد منصور:
أي أنك كنت تبحث أصلًا عن مأوى وطعام وشراب.

عبد الناصر عيسى:
نعم، فالحياة في المطاردة ليست سهلة إطلاقًا، ومن يقوم بها يؤدي عملًا عظيمًا جدًا.
لكنني في تلك المرحلة لم أرد التركيز على العمل الإداري، بل على العمل التنفيذي في الميدان، ولذلك اعتذرت للإخوة وقلت لهم إنني لا أستطيع القيام بهذه المهمة.
وفعلًا ركّزت على العمل التنفيذي، وكانت النتيجة العمليتين اللتين اعتُقلت بسببهما.

أحمد منصور:
لكنك رأيت أن محمود أبو هنود قام بأشياء كبيرة جدًا.

عبد الناصر عيسى:
محمود كان أسطورة فعلًا.

أحمد منصور:
حدثنا عن بعض ما يميز هذه الأسطورة.

عبد الناصر عيسى:
محمود كان يرفض أن يتولى أي مسؤولية قيادية، وكان يقول دائمًا: “أنا جندي عادي، أعطوني الأمر وأنا أنفذ”.
مع أنه ـ ما شاء الله ـ كان قائدًا كبيرًا، وصاحب عقلية مميزة، وتاريخ كبير، لكنه كان يرفض تحمّل مسؤولية القرار بنفسه.

أحمد منصور:
العجيب أن الإسرائيليين لم يتمكنوا من الوصول إلى محمود أبو هنود، بينما استطاعت السلطة الفلسطينية اعتقاله.

عبد الناصر عيسى:
صحيح.

أحمد منصور:
وقد حاكمته محكمة عسكرية تابعة للسلطة الفلسطينية، وحُكم عليه بالسجن اثني عشر عامًا بتهمة الانتماء إلى كتائب عز الدين القسام. وكانت محاكمته مشهودة، إذ احتشد نحو مئة محامٍ للدفاع عنه.

عبد الناصر عيسى:
نعم، لأنه كان رمزًا كبيرًا من رموز المقاومة الفلسطينية. فعندما نتحدث عن يحيى عياش، لا بد أن نذكر أيضًا محمود أبو هنود بوصفه أحد الرموز الكبرى للمقاومة الفلسطينية.

أحمد منصور:
ومن طرائف الارتباك الذي عاشه الإسرائيليون أثناء مطاردته، أن ثلاثة جنود إسرائيليين قُتلوا بنيران زملائهم خلال إحدى المطاردات.

عبد الناصر عيسى:
نعم، كانوا من القوات الخاصة.

أحمد منصور:
أي أن ثلاثة من أفراد القوات الخاصة قُتلوا برصاص زملائهم أثناء مطاردة محمود أبو هنود. إنه فعلًا شخصية أسطورية تحتاج إلى مزيد من الدراسة.

عبد الناصر عيسى:
نعم، وقد كان يريد تنفيذ عملية استشهادية بنفسه، لكن الشباب رفضوا أن يسمحوا له بذلك.

أحمد منصور:
الإسرائيليون اتهموه بالمسؤولية عن مقتل عدد كبير من الإسرائيليين، أحاول تذكر الرقم…

عبد الناصر عيسى:
كان ضمن دائرة تنظيمية مسؤولة عن مقتل أكثر من 150 إسرائيليًا.

أحمد منصور:
بالضبط. وعندما اعتقلته السلطة الفلسطينية، قصفت إسرائيل السجن بطائرات F-16.

عبد الناصر عيسى:
قصفت السجن كله.

أحمد منصور:
فقط من أجل قتله، رغم وجود جميع السجناء داخله.

عبد الناصر عيسى:
نعم، السجن كله.

أحمد منصور:
ومع ذلك تمكن من الهرب.

عبد الناصر عيسى:
نعم، تمكن من الهرب.

أحمد منصور:
ثم أعادت السلطة اعتقاله مرة أخرى.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
شخصية عجيبة فعلًا. وقد استُشهد في 23 نوفمبر 2001 في هجوم صاروخي إسرائيلي أيضًا. إسرائيل ظلت تلاحقه حتى اغتالته في ذلك التاريخ.
أنا أرى أن عامي 2001 و2002 كانا مليئين بالمجازر.

مجزرة القيادات

عبد الناصر عيسى:
كانت مجزرة بحق القيادات.

أحمد منصور:
الإسرائيليون ارتكبوا مجازر فعلًا. وهذه المرحلة تحتاج إلى دراسة يومية دقيقة ومفصلة.

عبد الناصر عيسى:
ومعظم الشهداء كانوا من منطقة نابلس ومن غزة، من قيادات الشمال وقطاع غزة.

أحمد منصور:
بعد فشل محاولات الهروب تلك…

عبد الناصر عيسى:
أخذونا إلى العزل طبعًا، وتم عزلنا.

أحمد منصور:
حدثنا عن قصة العزل. ماذا يعني أن يدخل الإنسان إلى العزل الانفرادي؟

عبد الناصر عيسى:
العزل هو أسلوب تستخدمه سلطات الاحتلال لقهر الأسير الفلسطيني ومعاقبته، وأحيانًا لا يكون الهدف مجرد العقوبة، بل كسر الإرادة.
فبعض الأسرى، مثلًا، كانوا يُنقلون مباشرة من التحقيق إلى العزل، من دون أن يفعلوا شيئًا إضافيًا.

زنازين العزل

أحمد منصور:
وما شكل العزل؟

عبد الناصر عيسى:
العزل عبارة عن زنازين صغيرة، تتسع كل واحدة منها لشخص واحد، وأحيانًا لشخصين.
أنا شخصيًا كنت أحيانًا في زنزانة منفردًا، وأحيانًا مع شخص آخر، وقضيت في العزل نحو ثلاث سنوات ونصف.

أحمد منصور:
من دون أن تتحدث مع أحد؟

عبد الناصر عيسى:
في بعض المراحل نعم، لا تتحدث مع أحد إطلاقًا. وفي مراحل أخرى يكون بجوارك سجناء جنائيون، يهود أو عرب.

أحمد منصور:
معك في الزنزانة نفسها؟

عبد الناصر عيسى:
ليس دائمًا في الزنزانة نفسها، بل أحيانًا في الزنازين المجاورة.
وكانوا أحيانًا يضعون أشخاصًا يعانون من اضطرابات نفسية أو أمراض عقلية، فيبقون يصرخون طوال الوقت.

أحمد منصور:
أي يصرخون باستمرار؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، ويشتمون ويصرخون بشكل يدفع الإنسان إلى الجنون.

أحمد منصور:
كعقاب لك؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، كنوع من العقاب النفسي.
وأحيانًا يكون بجوارك سجين جنائي إسرائيلي هادئ ومحترم نسبيًا، وقد ينشأ نوع من التعاطف الإنساني.

أحمد منصور:
كيف كانت تجربتك أنت مع العزل الانفرادي؟

عبد الناصر عيسى:
أنا دخلت العزل عدة مرات.

أحمد منصور:
أنت قضيت فترات طويلة في الانفرادي أصلًا.

عبد الناصر عيسى:
نعم، دخلت العزل أربع مرات، وقضيت فيه ما مجموعه نحو ثلاث سنوات ونصف.

أحمد منصور:
حدثنا أكثر.

عبد الناصر عيسى:
من أشهر من قضوا فترات طويلة في العزل أخونا محمود عيسى “أبو البراء”، وقد قضى أكثر من إحدى عشرة سنة. وكذلك حسن سلامة “أبو ذر”، وأحمد شكري.

أحمد منصور:
ويحيى السنوار أيضًا قضى سنوات طويلة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، يحيى السنوار قضى عدة سنوات، ربما ثلاث أو أربع سنوات تقريبًا، لكن أكثر من قضى في العزل بيننا كان أبو البراء محمود عيسى.

أحمد منصور:
ومحمود عيسى ما زال معتقلًا حتى الآن.

عبد الناصر عيسى:
نعم، لا يزال معتقلًا، وإن شاء الله يخرج قريبًا بإذن الله.

أحمد منصور:
إن شاء الله.

عبد الناصر عيسى:
وكذلك أحمد شكري، الذي خرج في الصفقة الأولى، قضى فترة طويلة في العزل، وكذلك حسن سلامة.
العزل تجربة قاسية جدًا. وقد كتب أخونا حسن كتابًا جيدًا عنه، كما كتب مروان البرغوثي أيضًا كتابًا مهمًا عن تجربة العزل.

أحمد منصور:
حسن سلامة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، حسن سلامة ومروان البرغوثي كتبا عن العزل بشكل مفصل.
أما أنا فكتبت دراسة صغيرة ضمن كتاب بعنوان “الأسرى يتحدثون عن معاناتهم”.

أحمد منصور:
أعطنا خلاصة هذه التجربة للناس، فالناس للأسف لا تقرأ كثيرًا.

عبد الناصر عيسى:
إن شاء الله تقرأ.

أحمد منصور:
تفضل.

عبد الناصر عيسى:
العزل عبارة عن زنازين يُؤخذ إليها الأسير، وقد يمكث فيها شهرين، أو سنتين، أو أكثر.
في الماضي لم تكن هناك مدة محددة.

أحمد منصور:
أي أن الأسير حين يدخل العزل لا يعرف متى سيخرج؟

عبد الناصر عيسى:
أبدًا، لا تكون هناك مدة محددة. قد تبقى سنتين، أو شهرين، بحسب مزاج الحاكم والسجان.
لكن مع مرور السنوات، وبعد نضالات طويلة، تطورت أوضاع العزل وأصبحت أخف قليلًا من السابق.

أحمد منصور:
حين تكون منفردًا داخل زنزانة العزل، كيف تكون الزنزانة؟ وما مساحتها؟ وكيف تقضي يومك؟

عبد الناصر عيسى:
تجلس متأملًا، وتذكر الله عز وجل.

أحمد منصور:
هل تكون مظلمة؟

عبد الناصر عيسى:
لا، لم تكن مظلمة في السابق.
أما في السنة والنصف الأخيرة فقد صاروا يطفئون الأنوار أحيانًا، فتصبح الزنزانة مظلمة.

أحمد منصور:
السنة والنصف الأخيرة بعد طوفان الأقصى سنتحدث عنها لاحقًا بشكل منفصل.

عبد الناصر عيسى:
قبل ذلك لم تكن مظلمة، بل كان هناك ضوء دائم، وأحيانًا كنت تبقى في العزل شهرًا كاملًا.

أحمد منصور:
هل كنت تستطيع التمييز بين الليل والنهار؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لأنك تملك ساعة.

أحمد منصور:
يعطونكم ساعة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، وأحيانًا يكون لديك تلفاز أو راديو أيضًا.

أحمد منصور:
حتى داخل العزل؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لكن المهم بالنسبة لهم ألّا تحتك بالناس، حتى لا تؤثر فيهم أو تدفعهم إلى النشاط داخل السجن أو خارجه.

أحمد منصور:
إذًا وجود ساعة، وتنظيم للوقت، وتلفاز أو راديو، يعتبر نوعًا من “رفاهية العزل”.

عبد الناصر عيسى:
نعم، هذا يُعد من أفضل أنواع العزل.

أحمد منصور:
وما أسوأ أنواع العزل؟

عبد الناصر عيسى:
لم يكن هناك لا راديو ولا أي شيء. وأنا شخصيًا عشت هذا النوع من العزل عدة أشهر، بل نحو سنة كاملة تقريبًا.

أحمد منصور:
إذًا صف لنا شكل العزل القاسي الذي كانوا يضعون فيه معظم الأسرى.

عبد الناصر عيسى:
في هذا النوع من العزل لا يوجد راديو، ولا تلفاز، ولا وسيلة لتسخين الماء، ولا ماء ساخن أصلًا، وأحيانًا لا تكون معك حتى ساعة.

أحمد منصور:
أي أنك لا تعرف الليل من النهار.

عبد الناصر عيسى:
أحيانًا لا تعرف، وأحيانًا تستطيع التقدير من خلال من حولك، إذا كان هناك أحد في الزنازين المجاورة.

أحمد منصور:
وكيف كنتم تتحدثون مع بعضكم؟ من خلال الشباك؟

عبد الناصر عيسى:
تنادي على الشخص الآخر، وتنتظر حتى يبتعد الشرطي أو يدير ظهره، ثم تتحدث معه سريعًا.

أحمد منصور:
هل تتذكر أحدًا من الذين كانوا قريبين منك في العزل؟

عبد الناصر عيسى:
طبعًا. قضيت فترة مع أبو إبراهيم السنوار، أي يحيى السنوار.

أحمد منصور:
كان معك؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، في العزل.

أحمد منصور:
حدثنا عن الفترة التي كنتَ فيها مع يحيى السنوار في العزل.

عبد الناصر عيسى:
كنت أيضًا مع زاهر، ومع أبو نمر شرايحة، ووليد عقل، وعباس شبانة، وإبراهيم شلش.
عشت مراحل متعددة في العزل، وفي أكثر من فترة.

في زنازين العزل مع يحيى السنوار

أحمد منصور:
لنأخذ مثلًا الفترة التي قضيتها مع يحيى السنوار. كم استمرت؟

عبد الناصر عيسى:
حوالي شهرين في الزنزانة نفسها، لكن في القسم نفسه قرابة سنة.

أحمد منصور:
أي أنكما بقيتما شهرين كاملين في زنزانة واحدة، أربعًا وعشرين ساعة معًا؟

عبد الناصر عيسى:
تقريبًا.

أحمد منصور:
هنا إذًا تعرفت إلى يحيى السنوار عن قرب.

عبد الناصر عيسى:
طبعًا.

أحمد منصور:
هل كنت تعرفه عندما كنت مطاردًا في غزة؟

عبد الناصر عيسى:
لا، عندما كنت في غزة كان هو داخل السجن.

أحمد منصور:
إذًا عرفته في السجن على مرحلتين: أولًا في إطار العمل العام داخل السجن، ثم في العزل حين كنتما معًا في الزنزانة.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
والإسرائيليون وضعوكم معًا رغم أنكما “تخربان الدنيا”، كما يُقال.

عبد الناصر عيسى:
كان عندنا كثير من الناس الذين يعتبرونهم خطرين.
وفي تلك الفترة كانوا يعتبرونني أخطر منه، لأن قضاياه كانت أمنية، بينما كانت عليّ قضايا تتعلق بالتفجيرات.
أما بعد أن خرج أبو إبراهيم، فقد “قلب الدنيا”، كما يقال.

أحمد منصور:
حدثني عن تلك الفترة التي جلستما فيها شهرين داخل زنزانة انفرادية واحدة.

عبد الناصر عيسى:
كنّا نقرأ كثيرًا.

أحمد منصور:
حتى داخل الزنزانة كانوا يسمحون لكم بالكتب؟

عبد الناصر عيسى:
في بعض المراحل نعم، كانوا يسمحون لنا بالكتب.

أحمد منصور:
وماذا كنتم تقرؤون؟

عبد الناصر عيسى:
كنا ندرس في الجامعة.

أحمد منصور:
العبرية؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، وكان أصلًا يشجعني على الدراسة في الجامعة العبرية.

أحمد منصور:
سنأتي لاحقًا إلى موضوع الدراسة وحياة الأسرى، لكن الآن نحن ما زلنا في موضوع العزل.

عبد الناصر عيسى:
نعم، هذا فقط على الهامش.
كانت هناك فترات يعاقبوننا فيها، فنقضي أسبوعًا أو أسبوعين بلا أي شيء إطلاقًا، كما نقول: “على الحديدة”.

أحمد منصور:
أنتم الاثنان؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، نحن الاثنان.

أحمد منصور:
وماذا كنتم تفعلون حينها؟ لا كتب، ولا تلفاز، ولا راديو، ولا أي شيء.

عبد الناصر عيسى:
كنا نتحدث، ونحكي القصص، ونذكر الله، ونصلي معًا، وندعو الله سبحانه وتعالى.
كيف يمكن أن تقضي وقتك في مثل هذا المكان؟ لا يبقى أمامك إلا الذكر، والدعاء، والصلاة، والعبادة.

أحمد منصور:
هل كانت لديكم أوراد معينة تحافظون عليها؟

عبد الناصر عيسى:
كنا نقرأ “المأثورات”.

أحمد منصور:
لكن المأثورات تنتهي في ربع ساعة.

عبد الناصر عيسى:
فكنا نقرأ “الوظيفة الكبرى”.

أحمد منصور:
وهذه تحتاج نحو ساعتين.

عبد الناصر عيسى:
وكنا نقرأ جزأين من القرآن يوميًا.

أحمد منصور:
جزأين من القرآن؟

عبد الناصر عيسى:
وأحيانًا خمسة أجزاء.

أحمد منصور:
وكيف كانت لياليكم؟

عبد الناصر عيسى:
كنا ننام، وفي الصباح نخرج إلى “الفورة”.

أحمد منصور:
في أي ساعة كنتم تستيقظون؟

عبد الناصر عيسى:
أنا كنت أنام نحو الساعة الحادية عشرة ليلًا، وأستيقظ في السابعة صباحًا تقريبًا.
أما بعض الإخوة فكانوا ينامون أكثر من ذلك، حتى العاشرة صباحًا أحيانًا.

أحمد منصور:
ألا كنتم تستيقظون لصلاة الفجر؟

عبد الناصر عيسى:
طبعًا، نصلي الفجر.

أحمد منصور:
أنا أسألك بالتفصيل، أريد التفاصيل كاملة.

إليك النص بعد تحويله إلى الفصحى، مع تصحيح الأخطاء الإملائية، وتنسيق الأسماء بخط عريض كما طلبت:

عبد الناصر عيسى:
كنا نقوم الليل ونصلي الفجر، يعني الحمد لله، عبادتنا كانت جيدة، وكنا قبل الصلاة.

أحمد منصور:
نحن نريد التفاصيل.

عبد الناصر عيسى:
في اليوم الطبيعي، غير أيام العقوبات، قلت لك: لا يوجد شيء، كنا “على الحديدة”. أما اليوم الطبيعي فكان لدينا تلفاز وراديو إلى آخره، وكنا نشاهد التلفزيون.

أحمد منصور:
كنتم تشاهدون ماذا في التلفزيون؟

عبد الناصر عيسى:
كنا نتابع الأخبار، وكانت قناة الجزيرة تصلنا في مرحلة من المراحل، ثم منعوها، ثم عادت تأتي أحيانًا.

أحمد منصور:
ماذا كنتم تشاهدون على الجزيرة؟

عبد الناصر عيسى:
كنا نتابع الأخبار، ونتابع برنامج “بلا حدود”.

أحمد منصور:
وأنتم داخل السجن أيضًا؟

عبد الناصر عيسى:
أحيانًا، نعم.

أحمد منصور:
إذًا الإسرائيليون لم يكونوا يعزلوكم تمامًا عن العالم، لكن في بعض الأحيان حدث ذلك. وسأتحدث عن هذه المرحلة لاحقًا، عندما حدثت الإضرابات الطويلة عن الطعام.

عبد الناصر عيسى:
نعم، حصلنا عليها بجهود ودم وعرق وتعب، لم تأتِ بسهولة.

أحمد منصور:
كمل لي الآن: خلال هذين الشهرين مع يحيى السنوار، من كان معك أيضًا؟ وما الفرق بينه وبين الآخرين؟
وكذلك، حدثني عن عقلية يحيى السنوار ورؤيته للصراع.

عقلية يحيى السنوار

عبد الناصر عيسى:
أبو إبراهيم السنوار، بصراحة، كان عقلية فذّة واستراتيجية. كان دائم التفكير في التاريخ وفي استراتيجيات المقاومة. وكان يفهم العدو جيدًا جدًا، وكان يقرأ كثيرًا عن “تاريخ الشعب اليهودي” كما يُقال بالعبرية، أي التاريخ الصهيوني.

كان لديه معرفة عميقة بطبيعة العدو ومخططاته، وكان يهتم كثيرًا بهذا الجانب، ويقول: “اعرف عدوك”. وكان يشجعنا نحن أيضًا على الدراسة، وهو من شجعني شخصيًا على ذلك، رحمه الله.

وكان في بعض الفترات نمارس الرياضة معًا. وفي آخر فترة تعرض لوعكة صحية وتم علاجه، والحمد لله تعافى منها.

أحمد منصور:
كان ذلك قبل الإفراج عنه عام 2011؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، قبل ذلك بكثير. أنا أتحدث عن فترة العزل في التسعينيات، أما المرض فكان لاحقًا.

أحمد منصور:
كم سنة تقريبًا قضيتها معه داخل السجن؟

عبد الناصر عيسى:
في سجن واحد على الأقل، نحو خمس سنوات.

أحمد منصور:
خمس سنوات على الأقل؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، في العمل التنظيمي أيضًا كنا معًا في “الهيئة العليا” لحماس، وكان هو رئيس الهيئة.

أحمد منصور:
سأتحدث لاحقًا عن الهيئة العليا ودورها.

عبد الناصر عيسى:
كنا لجنة واحدة، أحيانًا أنا المنسق أو المسؤول، ثم في فترة لاحقة تولى أبو إبراهيم القيادة، وكنا نعمل معًا في العمل التنظيمي. لذلك أعرفه جيدًا من خلال الفكر والممارسة والمواقف.

أحمد منصور:
لو أردت أن تلخص شخصية يحيى السنوار للمشاهد، ماذا تقول؟

عبد الناصر عيسى:
كان عقلية فذة واستراتيجية، شجاعًا وجريئًا.
كان مرنًا في التكتيك، لكنه صلب جدًا في الثوابت.

أحمد منصور:
ما هي الثوابت التي كان لا يتزحزح عنها؟

عبد الناصر عيسى:
في داخل السجن كانت الثوابت تتعلق بكرامة الأسير، وعدم الاعتداء على الأسرى، وعدم المسّ بأهالينا أثناء الزيارات.
هذه كانت إنجازات كنا قد حققناها، وكان يصر على عدم التراجع عنها.
أما في التكتيك، فكان لديه مرونة عالية.

أحمد منصور:
أنت قضيت ثلاثين عامًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وكانت كل سنة تمر كأنها سنوات مضاعفة في حياة الإنسان الحر. لكنكم تمكّنتم من إدارة الصراع داخل السجون كما في خارجه.
في الحلقة القادمة سنتناول “هيئة إدارة الأسرى” وكيف تشكلت وأدوارها، ودورها في مواجهة الضغوط الإسرائيلية.

عبد الناصر عيسى:
وقد نتطرق أيضًا، إن سمحت، إلى موضوع العمل العسكري من داخل السجون.

أحمد منصور:
سنتطرق إليه بالتفصيل، وكذلك إلى التفاوض مع الإسرائيليين.
شكرًا جزيلاً لك.

أحمد منصور: شكرًا لكم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة.
في الحلقة القادمة نواصل الاستماع إلى شهادة الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي وأحد مؤسسي وقيادات كتائب القسام.
في الختام، تقبلوا تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج5 من شهادته على العصر: خفايا علاقة جنبلاط مع القذافي وصدام حسين 

التالي
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج6 من شهادته على العصر: علاقة جنبلاط مع بشير الجمّيل وأمريكا وإسرائيل 

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share