وليد جنبلاط ج6 من شهادته على العصر: علاقة جنبلاط مع بشير الجمّيل وأمريكا وإسرائيل 

يستعرض أحمد منصور مع وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، في حوارهما في الحلقة السادسة من برنامج شاهد على العصر، كواليس انتخاب بشير الجمّيل رئيساً للبنان، بضغوط أمريكية وإسرائيلية، رغم رفضه النزول على الشروط العربية. وعلاقة وليد جنبلاط مع الجمّيل وأمريكا وإسرائيل..
أحمد منصور ووليد جنبلاط

في الحلقة السادسة من شهادته على العصر، يستعرض وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، في حواره مع أحمد منصور، كواليس انتخاب بشير الجمّيل رئيساً للبنان، بضغوط أمريكية وإسرائيلية، رغم رفضه النزول على الشروط العربية.

وكشف جنبلاط أن وفداً عربياً يضم الأمير سعود الفيصل، وأمير الكويت الأسبق، ونائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، والشاذلي القليبي، اجتمعوا بالرئيس اللبناني إلياس سركيس، وطلبوا منه أن يقطع بشير الجميل، علاقته بالإسرائيليين قبل أن يترشح للرئاسة.

أحمد منصور ووليد جنبلاط

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية

وقال الزعيم الدرزي اللبناني، إن بشير الجميّل عرض على السوريين الانسحاب من لبنان، مقابل منحهم جبل لبنان، بحسب تأكيدات حكمت الشهابي، في إطار فكرة تفتيت لبنان، وأبدى تخوفه من تفتت المنطقة العربية ككل.

وتحدث عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وحماية الأمريكيين وإنقاذهم له من قبضة الإسرائيليين، وكشف عن لقائه في المختارة، مع المبعوث الأمريكي فيليب حبيب عام 1981، والذي هددهم بأنه إذا أطلق الفلسطينيون طلقة واحدة في المرة التالية على إسرائيل فإن الاجتياح أتٍ، ثم جرى الاجتياح، رغم التزام عرفات بوقف إطلاق النار.

كما ذكر زعيم الدروز في لبنان، تفاصيل زيارة شيمون بيريز له في المختارة، وقال إنه أسطورة كذب، وأنه أخبره بأنهم لن يدخلوا بيروت، بينما كانوا يجتاحونها ويرتكبون مجزرة ضد المدنيين في صيدا، وأشار إلى أن والدته رفضت أن يشرب بيريز القهوة، أو أن يحصل على أي نوع من الضيافة في بيتهم. 

واحتفى الموساد الإسرائيلي بفوز بشير الجميّل، مواليد بيروت عام 1947، رئيسا للبنان يوم 23 أغسطس 1982، وانطلقت سبع دبابات ميركافا إسرائيلية بشكل احتفالي من بيروت الشرقية إلى قصر الرئاسة اللبنانية في بعبدا، وأقام مأدبة عامرة؛ إذ ربما كانت هذه أول مرة في تاريخ الجهاز التي يصل فيها إنتاجه إلى قمة الزعامة السياسية في بلد عربي.

وليد جنبلاط

نص حوار وليد جنبلاط ج6:  

علاقة جنبلاط مع الجمّيل وأمريكا وإسرائيل

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بيك جنبلاط زعيم الدروز في لبنان وليد بيك مرحبا بيك.

 وليد جنبلاط: أهلا.

وليد جنبلاط وبشير الجميل

 الترتيبات لاختيار بشير الجمّيل رئيساً للبنان

أحمد منصور: في العام 1981 لاحظت أن الدنيا كلها تقريبا تحركت تجاه لبنان من أجل الترتيب للرئيس القادم بعد انتهاء فترة سركيس، السفير الأمريكي في لبنان آنذاك اجتمع مع بشير الجمّيل، بشير الجمّيل تواصل مع وزير الخارجية السعودي والتقى مع السفير السعودي، في 27 أبريل التقى مع بشير الجميل مع محمد الخولي مدير مخابرات حافظ الأسد. العلاقات الشخصية بالأسد أيضا بدأت تنمو. الكل كان يخطب ود الموارنة في ذلك الوقت. الترتيب كله كان من أجل أن يصبح بشير الجميل رئيسا لكن كان العائق الأساسي هو أن أطرافا أخرى لا بد أن توافق وهي إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. كيف كنت ترقب الوضع آنذاك؟

وليد جنبلاط: كان آنذاك قد شُكِّلت لجنة، هي اللجنة السداسية، وكانت مهمة هذه اللجنة – على ما أذكر – أن تطلب من بشير، أي الشيخ بشير الجميل، أن يقطع علاقته بإسرائيل. كان هذا طلبًا سوريًا، وأيضًا من ضمن طلباتنا.

أحمد منصور: من طلباتكم؟ هل تذكر أعضاء اللجنة السداسية؟

وليد جنبلاط: كان فيها من الكويت الشيخ صباح، ومن السعودية الأمير سعود الفيصل، ومن سوريا عبد الحليم خدام، وكان هناك الشاذلي القليبي، أعتقد.

أحمد منصور: من تونس، الأمين العام لجامعة الدول العربية.

وليد جنبلاط: نعم، من جامعة الدول العربية. كانوا خمسة، وأعتقد أن هؤلاء هم.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: رسميًا، أتى الرئيس إلياس سركيس إلى بيت الدين، القصر الصيفي لرئاسة الجمهورية في لبنان، وأقام هناك، واستقبل اللجنة الخماسية أو السداسية، وطلب من بشير الجميل أن يعطي تلك الورقة. بصراحة، لا أذكر إذا كان الشيخ بشير الجميل قد أعطى تلك الورقة أم لا، لكن أعتقد أنه كان قد سار في الخط المرسوم مع الأميركيين، وقد أيّده الأميركيون للوصول إلى الرئاسة.

أحمد منصور: في 30 يوليو.

وليد جنبلاط: الأشخاص أنفسهم آنذاك، أي اللجنة نفسها مع الرئيس سركيس، أتوا إلى المختارة عندي.

أحمد منصور: جاءوك؟

وليد جنبلاط: نعم، جاءوا إلى المختارة، وهي قريبة من بيت الدين، وتناولنا الغداء هناك، وكان غداءً جميلًا مع سركيس.

أحمد منصور: الرئيس سركيس جاء معهم؟

وليد جنبلاط: نعم، معهم. والله يرحمه، والله يرحم سركيس. والأمير سعود الفيصل كان من الشخصيات العربية البارزة، وكذلك أمير الكويت السابق.

أحمد منصور: الشيخ صباح الأحمد.

وليد جنبلاط: الشيخ صباح الأحمد.

أحمد منصور: وزير الخارجية.

وليد جنبلاط: كانوا من كبار الأصدقاء.

أحمد منصور: نعم، كلهم جاؤوا عندك وتناولوا الغداء.

وليد جنبلاط: وعبد الحليم خدام أيضًا.

أحمد منصور: وكان الهدف من زيارتهم أن يطلبوا من بشير أن يقطع علاقته بالإسرائيليين قبل أن يترشح للرئاسة؟

وليد جنبلاط: لا، ليس الهدف من زيارتهم لي.

أحمد منصور: أقصد زيارتهم عمومًا.

وليد جنبلاط: نعم، أما مجيئهم إليّ فكان مجاملة، إذ كنت موجودًا في المختارة، وقد دعوتهم فلبّوا الدعوة.

إلياس سركيس يزكي بشير لدى الأمريكيين

أحمد منصور: طبعًا، قصة ترتيب العلاقة بين بشير الجميل والأميركيين رواها جوني عبده في شهادته على العصر، لأنه هو الذي رتّب الأمر، وهو الذي أخذ بشير – وكان يخاف من ركوب الطائرات – إلى قبرص، ثم إلى الأميركيين هناك، وكان معه، وتم ترتيب الأمور في يوليو عام 1981. هل تابعت زيارة بشير إلى الولايات المتحدة؟ كانت زيارة سرية في ذلك الوقت.

وليد جنبلاط: كلا، كلا.

أحمد منصور: في كتابه السلام المفقود، يقول كريم بقرادوني إن المسيرة التي قادت بشير إلى رئاسة الجمهورية بدأت في اجتماع عُقد في سبتمبر 1981 مع الرئيس سركيس، وأن سركيس هو الذي زكّى بشير وقدّمه للأميركيين، وكان يقدّمه أيضًا للعرب.

وليد جنبلاط: صحيح، سركيس وجوني عبده كانا يزكّيان بشير للعرب، أي للعرب غير السوريين. وقد سمعنا أن بشير فاوض السوريين، وتحديدًا محمد الخولي.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: لكن…

أحمد منصور: التقى به عدة مرات. فاوضه على ماذا؟

وليد جنبلاط: قيل لنا من قبل حكمت الشهابي…

أحمد منصور: حكمت الشهابي؟

وليد جنبلاط: نعم، قيل لنا إن بشير عرض انسحاب الجيش السوري من لبنان، مقابل أن يُعطى السوريون قسمًا من لبنان، ويبقى جبل لبنان معه. هكذا قال لنا حكمت الشهابي.

أحمد منصور: جبل لبنان الذي أنتم فيه؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: أي أن جبل الدروز يُعطى لسوريا؟

وليد جنبلاط: الجبل، نعم. هكذا كان المشروع، لأننا سبق أن ذكرنا أهمية جبل لبنان، ذلك الجبل الذي يصل جنوبًا إلى مشارف إسرائيل.

أحمد منصور: نعم، فلسطين.

وليد جنبلاط: إلى منطقة معينة، وكان هناك أيضًا جيب سعد حداد. هكذا كانت الأمور تُرتَّب، أو هكذا سمعنا.

نظرية التعددية الحضارية

أحمد منصور: في تلك الفترة أيضًا، كانت الدولة المارونية الكبرى مطروحة كمشروع؟

وليد جنبلاط: نعم، كان ذلك مطروحًا، وظهر شعار التقسيم لفترة معينة.

أحمد منصور: مع بداية عام 1976؟

وليد جنبلاط: نعم، وظهرت أيضًا في عام 1976 نظرية التعددية الحضارية.

تفتيت لبنان و العالم العربي!!

أحمد منصور: ما المقصود بالتعددية الحضارية؟

وليد جنبلاط: يعني أن لبنان متعدد الحضارات؛ فالمسلمون لهم حضارتهم، والدروز لهم حضارتهم، والمسيحيون أيضًا، كلٌّ بطريقته. وبالتالي، فليستقل كل طرف عن الآخر. وكما يوجد اليوم من يدعو إلى الفيدرالية في لبنان، فهناك أصوات تنادي بفيدرالية عدة أقضية.

أحمد منصور: أي حكم ذاتي في كل منطقة؟

وليد جنبلاط: تقريبًا.

أحمد منصور: مع بقاء شكل كبير للبنان؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: لكن هذا يعني عملية تدمير وتفتيت.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: وأنت متخوّف منها؟

وليد جنبلاط: ولا أزال.

أحمد منصور: ويمكن أن تحدث؟

وليد جنبلاط: ستحدث على مستوى أكبر. الذين ينادون بالفيدرالية في لبنان أمرهم محدود، لكن التفتيت سيحدث على مستوى المنطقة. وقد بدأت المنطقة تتفتت من العراق إلى سوريا، ولم ينتهِ الأمر بعد. الهلال الخصيب سيتفتت أكثر فأكثر، إربًا إربًا، وشيعًا شيعًا، وفِرَقًا فِرَقًا، مع الأسف.

وهذا الهلال الخصيب الذي كان يطمح إليه أنطون سعادة، والذي دافع عنه كمال جنبلاط وحده ليلة إعدامه، حين قال: لا يجوز إعدام أنطون سعادة من دون محاكمة.

أحمد منصور: رئيس الحزب القومي السوري الاجتماعي.

وليد جنبلاط: نعم، لكن بأمر من حسني الزعيم، وبرضوخ من بشارة الخوري، أُعدم أنطون سعادة في الليلة نفسها.

الخوف من ترشيح بشير الجمّيل

أحمد منصور: في سوريا بعد انقلاب حسني الزعيم عام 1949. أنت تُخيفنا من المستقبل… لو عدنا إلى بشير الجميل، لماذا كان العرب متخوّفين جدًا من ترشيحه؟

وليد جنبلاط: جميعنا كان متخوّفًا.

أحمد منصور: لماذا؟

وليد جنبلاط: جميعنا كان متخوّفًا. حاولنا، وحاولت مع صديق عزيز وكريم، سمير فرنجية، ابن عم سليمان فرنجية، وابن حميد فرنجية، الذي كان مرشحًا لرئاسة الجمهورية عام 1952، حين كان من الممكن أن يصبح رئيسًا، لكن كميل شمعون جاء بدلًا منه. حاولنا تأخير انتخاب بشير، وحاولنا التفاوض معه عبر جوني عبده.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: عبر جوني عبده، لكن المعادلة الكبرى استقرّت على بشير، خصوصًا بعد الاجتياح، حين انتُخب في ثكنة الفياضية.

أحمد منصور: لماذا كنتم متخوّفين من بشير؟ بسبب علاقته بالإسرائيليين؟ أم لأنه أصبح زعيمًا توحّد حوله الموارنة؟ ما السبب بالتحديد؟

وليد جنبلاط: خفنا من مطامعه، من مطامعه في الجبل وفي بيروت. نعم، خفنا منه لأننا لم نكن نعرفه جيدًا.

انقاذ أمريكا وليد جنبلاط من بين قبضة الإسرائيليين

أحمد منصور: كم مرة جلست معه؟

وليد جنبلاط: جلست معه ثلاث مرات. عندما أُنقذتُ من المختارة من قبضة الإسرائيليين، ومن حصارهم للمختارة، في الأسابيع الأولى من الاجتياح، أتى مروان حمادة مع رايان كروكر، الذي أصبح لاحقًا سفير الولايات المتحدة في سوريا وأفغانستان والعراق. جاءا بسيارة السفير الأميركي، وبرفقة عناصر المكافحة اللبنانية، أي قوات جوني عبده.

أحمد منصور: المخابرات.

وليد جنبلاط: نعم، جهاز المخابرات. وأخرجوني وذهبت معهم إلى بيروت لكي أخرج من الطوق. وفي بيروت عُقدت لقاءات شُكّلت خلالها لجنة إنقاذ وطني، حضرها رشيد كرامي، وفؤاد بطرس.

أحمد منصور: وزير الخارجية.

وليد جنبلاط: نعم، وزير الخارجية. كما حضرها من المسلمين نبيه بري، وأنا، وأعتقد صائب سلام أيضًا، في محاولة لرأب الصدع، لكن ذلك لم يكن كافيًا.

أحمد منصور: سأعود إلى هذه الحادثة، لأن أمين الجميل استخدمها في شهادته على العصر، وقال إن الأميركيين هم الذين حموا وليد جنبلاط، بل وأنقذوه وذهبوا به إلى سوريا بعد ذلك.

وليد جنبلاط: صحيح، صحيح، وللحديث صلة. هم الذين أنقذوني من المختارة. وعندما انتُخب بشير، طلبت لقاء المبعوث الأميركي آنذاك، فيليب حبيب. ذهبت إليه في اليرزة، في بيت السفير الأميركي.

أحمد منصور: نعم، الذي نُسف بعد ذلك.

وليد جنبلاط: لا، السفارة التي نُسفت كانت في بيروت الغربية، وقد نُسفت قبل ذلك.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: ذهبت إليه، وفي المرة الأولى قال لي: من تريد رئيسًا للجمهورية؟ وكان معي مروان حمادة. فقلت له: لا تأتوا ببشير. فقال: ومن تريد؟ قلت: أريد كميل شمعون، لأنه يفهم طبيعة الجبل.

أحمد منصور: لكنه كان في الثمانين من عمره.

وليد جنبلاط: لا بأس، المهم أن يبقى كميل شمعون.

أحمد منصور: كان كل تفكيرك منصبًا على حماية الدروز والجبل.

وليد جنبلاط: من الحرب الأهلية، نعم.

أحمد منصور: كنت تدرك أنها قادمة لا محالة؟

وليد جنبلاط: نعم. فبعد الغزو الإسرائيلي بدأت أرتال الميليشيا الكتائبية، أو القوات اللبنانية، تتجه إلى الجبل، وأُقيمت حواجز للجيش الإسرائيلي وأخرى للقوات اللبنانية. ثم بدأت ردود الفعل: خطف وخطف مضاد، وبدأت بوادر الحرب الأهلية.

أحمد منصور: سأعود معك إلى التفاصيل.

وليد جنبلاط: ثم ذهبت إليه مرة ثانية بعد أن انتُخب. استسلمنا للأمر الواقع، وودّعنا ياسر عرفات في بيروت، وكنا نبحث عن ملجأ. نعم، خفنا. وقد قيل لي إن بشير أخّر خروجي من بيروت، وربما أمين الجميل يعرف ذلك اليوم، لأننا نزور بعضنا بعضًا الآن. ثم جاء موعد الخروج، وأخذتنا مجددًا سيارة السفارة الأميركية إلى صوفر، إلى موقع الحاجز السوري، وهناك شعرت بالأمان.

انتخاب بشير الجميل تحت وقع السلاح رئيساً للبنان

أحمد منصور: سأعود إلى هذه التفاصيل. انتُخب بشير الجميل بعد الاجتياح الإسرائيلي، وانتُخب رئيسًا للبنان في ظل احتلال إسرائيلي. وقد قيل إن عددًا من النواب الذين انتخبوه أُحرقت بيوتهم بسبب ذلك. وانتُخب تحت وقع السلاح، في بلد محتل من الإسرائيليين، وبوجود السوريين والفرنسيين والأميركيين. الصحفي الإسرائيلي شمعون شيفر يقول في كتابه كرة الثلج ص 226 إن الموساد احتفل بفوز بشير الجميل بإقامة مأدبة كبيرة، وربما كانت تلك أول مرة يصل فيها “إنتاج” الموساد إلى قمة الزعامة السياسية في بلد عربي، الموساد اعتبرها أكبر إنجازاته..

وليد جنبلاط: ربما كان محقًا، ربما. لكن أيضًا، ولإعطاء الرجل حقه، أو إعطاء التاريخ شهادته، فإن بشير اجتمع مع مناحيم بيغن في نتانيا.

أحمد منصور: لاحقًا.

وليد جنبلاط: نعم، بعد ذلك.

أحمد منصور: وليس قبل ترشيحه.

وليد جنبلاط: بعد ذلك.

أحمد منصور: في 5 مايو 1982 اجتمعت أيضًا الجبهة المارونية، وقالت إنه لا خلاص للموارنة بعد 400 عام من القهر إلا عبر سلطة مسيحية يقودها رجل قوي هو بشير الجميل. كان بالنسبة لهم شخصية مختلفة.

وليد جنبلاط: نعم، كان رجلًا قويًا بالسلاح، قوي الشخصية. أما بالنسبة لنا، فكان رجلًا غير مرغوب فيه، أو غير مستحب.

تهديد فيليب حبيب لمنظمة التحرير

أحمد منصور: فيليب حبيب، مبعوث الرئيس الأميركي، بدأ يأتي إلى لبنان قبل الاجتياح الإسرائيلي ويقوم بوساطات. هل اجتمع معك؟

وليد جنبلاط: نعم، عام 1981، قبل الغزو. تناول الغداء في المختارة مع مروان حمادة، وكانت والدتي موجودة أيضًا. وكان الغداء محدودًا. وبعد الوساطة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل ومنظمة التحرير، قال لنا: إذا أُطلقت طلقة واحدة أخرى على إسرائيل، فسيأتي الاجتياح.

أحمد منصور: هذا قبل الاجتياح؟

وليد جنبلاط: نعم، ولم تطلق منظمة التحرير أي طلقة. ثم جرت محاولة اغتيال…

أحمد منصور: السفير الإسرائيلي.

وليد جنبلاط: نعم، السفير الإسرائيلي في بريطانيا.

أحمد منصور: رغم أن السلطات البريطانية أعلنت أن المخابرات العراقية هي المسؤولة، فإن إسرائيل اتهمت منظمة التحرير، واتخذت الحادثة ذريعة لدخول لبنان.

وليد جنبلاط: نعم، دخلوا لبنان.

أحمد منصور: أي أن منظمة التحرير كانت مستعدة للالتزام بوقف إطلاق النار؟

وليد جنبلاط: والتزمت فعلًا.

أحمد منصور: والتزمت.

وليد جنبلاط: نعم، لكن حادثة بريطانيا أشعلت الحرب وأدت إلى الاجتياح.

خطط الاجتياح الإسرائيلي للبنان

أحمد منصور: لكن يزيد صايغ يقول في كتابه الكفاح الفلسطيني المسلح إن إسرائيل كانت قد أعدّت خطط اجتياح لبنان مسبقًا، وكانت تبحث فقط عن ذريعة لتنفيذها.

وليد جنبلاط: ممكن، ممكن.

قبل أن أنسى، خرجت من بيروت مرتين. في المرة الأولى ذهبت إلى دمشق ثم إلى عمّان لزيارة العائلة، وخرجت بمواكبة أميركية ثم بحماية سورية. وهناك التقيت حافظ الأسد وقلت له: “سيادة الرئيس، نحن معك”. ثم ذهبت إلى عمّان، وكان ابني تيمور عمره أربعة أو خمسة أشهر، ثم عدت إلى بيروت.

وفي رحلة العودة، كنت أظن أن الأمور ستكون سهلة لأن سيارة السفارة الأميركية كانت معي، لكنها لم تكن كذلك.

أحمد منصور: رغم أنك كنت في سيارة السفارة الأميركية؟

وليد جنبلاط: نعم. أوقفني حاجز إسرائيلي في منطقة مجدل بعنا، وهي قرية درزية.

أحمد منصور: بعد الاجتياح الإسرائيلي؟

وليد جنبلاط: نعم. وقال أحدهم: “الضابط يريد أن يراك”. فنزلت إليه.

أحمد منصور: كنت وحدك في السيارة؟

وليد جنبلاط: نعم، وحدي. فقال لي: “رئيس القوات يريد أن يقابلك”. كان اسمه أمير دروري. فقلت له: إذا أراد أن يقابلني، فليأتِ إلى بيروت.

أحمد منصور: هل كان درزيًا إسرائيليًا؟

وليد جنبلاط: لا، كان إسرائيليًا فقط.

أحمد منصور: ليس درزيًا؟

وليد جنبلاط: لا. كررت لهم الجواب نفسه: “أنا موجود في بيروت، فليأتِ إليّ هناك”. وكنت مرهقًا، فقد جئت من عمّان عبر سوريا، وقلت لهم: “أريد فقط أن أذهب وأستحم”. استمر الحديث نحو نصف ساعة، وكان المقصود أن يقولوا لي: “حتى لو كانت السيارة الأميركية تحميك، فنحن هنا الأقوى”.

أحمد منصور: بالرغم من أن أميركا هي التي كانت تحميك، لا السيارة.

وليد جنبلاط: صحيح، وانتهى الأمر، وانتهى الامتحان، وعدت إلى بيروت. كانت تلك المرة الأولى التي أخرج فيها بتسهيل من الأميركيين، والمرة الثانية عندما غادرت نهائيًا.

أحمد منصور: يزيد صايغ يقول إن خليل الوزير حصل على وثائق الخطط الإسرائيلية. هل كان لديكم اطلاع، قبل الاجتياح، على نوايا إسرائيل وخططها، وإلى أين ستتجه؟ فقد قيل إن بشير الجميل اجتمع مع الإسرائيليين قبل الاجتياح، وحدد معهم نقاط تمركز الجيش الإسرائيلي وانتشاره. هل كانت لديكم معلومات عن ذلك؟

وليد جنبلاط: كلا، لم تكن لدينا معلومات دقيقة، بل مجرد انطباع بأن إسرائيل ستجتاح حتى عمق أربعين كيلومترًا.

أحمد منصور: هذا ما كان يقوله الفلسطينيون أيضًا، الجميع كان يعتقد أن الأمر سيقتصر على أربعين كيلومترًا.

وليد جنبلاط: ونحن كذلك. لكن هناك فرق بين أربعين كيلومترًا من الناقورة إلى صيدا، وأربعين كيلومترًا من إصبع الجليل داخل لبنان. لقد اجتاحوا كل شيء. وكان هناك ممر مفتوح لا توجد فيه قوات دولية. وحتى لو كانت القوات الدولية موجودة، لما استطاعت أن تمنعهم.

أحمد منصور: كانت ستفتح لهم الطريق.

وليد جنبلاط: نعم، كان هناك ممر مفتوح، فتقدموا حتى صيدا.

أحمد منصور: حتى عندما أرادوا العبور من منطقة القوات الدولية، طلبوا من الضابط المسؤول أن يفتح الطريق، فاعترض قليلًا ثم فتح في النهاية.

وليد جنبلاط: أفضل كتاب عن الاجتياح الإسرائيلي كتبه إسرائيليان، زئيف شيف وآخر لا أذكر اسمه الآن. وأعتقد أنه في مرحلة معينة من الحرب، كانت هناك – وهذا تحليلي الشخصي – حرب خاصة بين أرييل شارون والشيخ بشير، هدفها اجتياح جبل لبنان.

أحمد منصور: وما معالم هذه الحرب الخاصة؟

وليد جنبلاط: تمكين بشير الجميل من السيطرة على جبل لبنان.

أحمد منصور: أي المنطقة التي كنتم موجودين فيها.

وليد جنبلاط: نعم، منطقتنا.

أحمد منصور: بمعنى إزاحتكم منها؟

وليد جنبلاط: نعم، تقريبًا.

أحمد منصور: سأعود إلى التفاصيل لاحقًا، وما جرى بعد ذلك من محاولات.

وليد جنبلاط: لكن يجب أن نذكر أيضًا الجيش السوري. فقد استمات ونجح في الدفاع عن منطقتين: منطقة المديرج، وهي ممر طرقات أساسي. حاول الإسرائيليون الوصول إليها عبر وحدات خاصة محمولة بالمروحيات، لكن رتلًا إسرائيليًا دُمّر هناك، فتوقف التقدم وتجمد في منطقة عين زحلتا في الجبل، ولم يتمكنوا من السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي. كذلك خاض الجيش السوري معركة كبيرة في السلطان يعقوب، وأوقف الرتل الإسرائيلي، ومنعه من الوصول إلى الحدود السورية اللبنانية، وهو ما سهّل لاحقًا الكثير من المعارك التي جاءت بعد ذلك.

أحمد منصور: لكن الجيش السوري مُني بهزائم كبيرة بعد ذلك.

وليد جنبلاط: صحيح، لكن في تلك اللحظة قاتل ببسالة واستبسل.

أحمد منصور: جوزيف أبو خليل، في كتابه قصة الموارنة في الحرب، قال إن التحضيرات قبل الحرب كانت كاملة بين بشير والإسرائيليين، وأن الاتفاق شمل كل شيء: الأسلحة، والدبابات، وقوات الموارنة التي ستتحالف مع الإسرائيليين. وهو رجل ماروني وكاتب معروف.

قصة الموارنة في الحرب

وليد جنبلاط: نعم، هو رجل يميني، ومن الشوف، من بيت الدين تحديدًا، وكان من أكثر الناس تشددًا إلى جانب بشير. ومع ذلك، كان إلى جانب بشير أيضًا نخبة سُمّيت آنذاك “فريق الغُمّة”، ومن بينهم الدكتور إبراهيم نجار، وهو محامٍ، وقد ألقيت محاضرة قبل أسابيع في ملتقى كان ينظمه.

أحمد منصور: أنت قلت إن الجميع – الفلسطينيين والجبهة الوطنية – كانوا يتوقعون أن إسرائيل لن تتجاوز الأربعين كيلومترًا. هل توقعت أن يصل الإسرائيليون إلى بيروت؟

وليد جنبلاط: كلا. كنت أسكن آنذاك في شملان، وسمعنا القصف الإسرائيلي في الرابع من حزيران، فتوجهت إلى المختارة، وطلبت من أم الأولاد أن تأخذ تيمور إلى قرية درزية لحمايته.

أحمد منصور: نعم.

الانسحاب العربي أمام الاجتياح الإسرائيلي

وليد جنبلاط: وعندما وصلت إلى المختارة، قال لي أنور الفطايري والمقدم شريف فياض، المسؤول عن القوات، إن الإسرائيليين وصلوا إلى مزرعة الشوف، وهي القرية المقابلة للمختارة. عندها اتصلت بوسائل بدائية، وطلبت من أم الأولاد أن تذهب مع تيمور إلى دمشق، لأن الأمور بدت أكبر مما توقعنا. وهكذا حصل.

أحمد منصور: ما فعله الإسرائيليون أحدث انهيارًا دراماتيكيًا لدى كل القوى، سواء الفلسطينية أو اللبنانية.

وليد جنبلاط: لأن كل القوى كانت تبني حساباتها على نظرية أن الاجتياح لن يتجاوز الأربعين كيلومترًا، ولذلك سحبت أسلحتها وانسحبت إلى الخلف.

أحمد منصور: وهذا ما يثير استغرابي. آلاف المقاتلين تراجعوا دفعة واحدة.

وليد جنبلاط: لم يكونوا عشرات الآلاف. ثم إن هناك فرقًا كبيرًا بين منظمة التحرير والحركة الوطنية والميليشيات آنذاك، وبين حزب الله اليوم ببنيته التحتية وخنادقه وسلاحه المتطور.

أحمد منصور: لكن لدينا اليوم نموذج غزة.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: لو تمسكت القوى بالأرض، لما استطاع الإسرائيليون اجتياح لبنان بهذه السرعة.

وليد جنبلاط: صحيح، لكن تلك القوى كانت ميليشيات متفرقة وغير منظمة: شيوعيون، تقدميون، فتحاويون، ديمقراطيون، شعبيون… إلخ. وفي الجنوب لم تكن هناك تحصينات كافية إلا في بعض المواقع. ومع ذلك قاتل الفلسطينيون جيدًا، خصوصًا في قلعة الشقيف المطلة على وادي الليطاني، كما قاتلت مجموعات فلسطينية ببسالة في صيدا، التي قصفتها إسرائيل لاحقًا بالطيران، وأوقعت فيها مئات القتلى.

وصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف بيروت

أحمد منصور: في 6 يونيو/حزيران 1982 أعلنت إسرائيل اجتياح لبنان. وفي البداية قالت إن هدفها يقتصر على أربعين كيلومترًا، لكن في 9 يونيو صُدم الجميع عندما وصلت القوات الإسرائيلية إلى مشارف بيروت.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: وفي 13 يونيو 1982 حاصرت القوات الإسرائيلية، مع ميليشيات الكتائب بقيادة بشير الجمّيل، بيروت. وهنا حدث توافق بين الطرفين، وأصبحت كل القوى الوطنية واقعة بين كماشة الإسرائيليين والكتائب الموارنة.

وليد جنبلاط: نعم، كان حصارًا لبيروت فرضته القوات الإسرائيلية واليمين اللبناني. لكن إسرائيل حاولت اختراق المدينة، واندلعت معارك، من أشهرها معركة المتحف.

أحمد منصور: طبعًا.

وليد جنبلاط: وفشل الإسرائيليون في اختراق منطقة المتحف.

أحمد منصور: من خلال هذه النماذج، يبدو أن كثيرًا مما خطط له الإسرائيليون لم ينجح بالكامل، وأن نجاحهم في بعض الأمور كان بسبب ضعف الأطراف الأخرى أو تشرذمها، لكن حين واجهوا قوى صلبة لم يستطيعوا اختراقها.

وليد جنبلاط: صحيح، فالإسرائيلي ليس ذلك الجيش الذي لا يُقهر. عندما يكون لديك استعداد للقتال والمواجهة، يمكنك أن تواجهه. وهذا ما فعله الفلسطينيون والفصائل الوطنية اللبنانية في جبهة المتحف، التي كانت جبهة طويلة ومهمة.

أحمد منصور: في 13 يونيو 1982 طلبت إسرائيل من منظمة التحرير الفلسطينية أن تلقي سلاحها وتغادر لبنان، بداية إلى سهل البقاع. وفي ذلك الوقت، كنت في بيروت؟

وليد جنبلاط: نعم، كنت في بيروت.

وليد جنبلاط وياسر عرفات

إسرائيل تطالب عرفات بالخروج من لبنان

أحمد منصور: هل صحيح أنكم اجتمعتم مع ياسر عرفات، وطلبتم منه، كقوى لبنانية، التفكير في الطلب الإسرائيلي لتجنيب بيروت الدمار؟

وليد جنبلاط: لم يكن من السهل أصلًا لقاء عرفات. كان مراقبًا من كل الجهات من قبل إسرائيل، التي حاولت اغتياله عدة مرات بالصواريخ والطائرات. وقيل إنه كان يتمشى أحيانًا وحده في شارع الحمرا. وفي إحدى المرات ذهب إلى مبنى وفرنا له نحن، في الحزب التقدمي الاشتراكي، ملجأ فيه.

أحمد منصور: في قلب بيروت؟

وليد جنبلاط: نعم، في قلب بيروت. وفي مرة أخرى، دُمّر مبنى بالكامل قرب وزارة الإعلام، حيث كان مروان حمادة وشفيق الوزان، رئيس الوزراء آنذاك، يفاوضان الفريق الأميركي حول كيفية وقف إطلاق النار.

أحمد منصور: هل كانوا داخل المبنى عندما قُصف؟

وليد جنبلاط: لا، لكن الإسرائيليين كانوا يقصفون ويدمرون ويقتلون بالمئات، بل بالآلاف.

أحمد منصور: لكنكم كنتم تميلون إلى تجنيب بيروت الدمار، ولذلك طلبتم من الفلسطينيين مغادرة بيروت؟

وليد جنبلاط: في النهاية، نعم، ذهب وفد إلى الرئيس صائب سلام، وقلنا له إننا فوّضناه للتفاوض مع عرفات، لأن بيروت قدّمت ما يكفي ولم تعد تستطيع أن تتحمل أكثر. أعتقد أن صائب بك أرسل له رسالة أو التقاه، لا أذكر تمامًا. وفي النهاية، وعبر نقاشات ومفاوضات بين شفيق الوزان وفيليب حبيب، وافق عرفات على الخروج مع قواته المسلحة.

أحمد منصور: في 15 يونيو بدأت المفاوضات. هل كانت لك علاقة قوية بالفرنسيين في ذلك الوقت؟

وليد جنبلاط: بعد خروج ياسر عرفات، عرض عليّ السفير الفرنسي اللجوء إلى السفارة الفرنسية، لكنني رفضت.

أحمد منصور: هل التقيت بالمبعوث الفرنسي فرانسيس غوتمان؟

وليد جنبلاط: مَن؟

أحمد منصور: فرانسيس غوتمان.

وليد جنبلاط: لا، لم ألتقه. كان السفير الفرنسي آنذاك بول مارك هنري، وكان يعلم أن بيروت ستُجتاح، لذلك أراد أن يحميني.

أحمد منصور: يبدو أن الجميع كانوا يريدون حمايتك: الأميركيون، والفرنسيون، والسوريون، وحتى القذافي. لكنني لا أعرف إن كان الإسرائيليون يريدون حمايتك أيضًا أم لا.

وليد جنبلاط: جيد أن هناك من كان مستعدًا لحمايتي، لكنني صمدت ولم أطلب الحماية.

وليد جنبلاط وشيمون بيريز

زيارة شيمون بيريز لوليد جنبلاط في المختارة

أحمد منصور: أنت فوجئت بعد الاجتياح بزيارة شمعون بيريز لك في المختارة.

وليد جنبلاط: كنت جالسًا مع والدتي في باحة الدار، في اليوم الأول أو الثالث أو الرابع من الاجتياح، ننظر إلى القوافل الإسرائيلية التي لا تنتهي؛ دبابات تمر عبر المختارة، بعضها يتجه إلى مناطق أخرى في الجبل، وبعضها يصعد نحو البقاع.

أحمد منصور: ولم تعترضوها، وهي أيضًا لم تؤذكم؟

وليد جنبلاط: كنت قد هرّبت القسم الأكبر من سلاحي آنذاك. بقي بعض السلاح في المختارة، لكن المدفعية والأسلحة الثقيلة نقلتها إلى المتن الجنوبي، وهي منطقة كانت تحت سيطرة السوريين. وفجأة توقفت دورية إسرائيلية.

أحمد منصور: دورية إسرائيلية؟

وليد جنبلاط: نعم، أمام البيت مباشرة، فالبيت يقع على الطريق. نزل ضابط إسرائيلي، وأوقفنا لساعات تحت الشمس، أنا ووالدتي والعاملين في المختارة.

أحمد منصور: أوقفكم؟ كأنكم معتقلون؟

وليد جنبلاط: نعم، أعطونا أمرًا بالوقوف.

أحمد منصور: وكان يعرف من أنت؟

وليد جنبلاط: طبعًا. وقد استفزوا والدتي كثيرًا، فقلت لها: لا داعي للنقاش معهم، وطلبت منها أن تصبر.

أحمد منصور: بالتأكيد غضبت والدتك.

وليد جنبلاط: غضبت كثيرًا.

أحمد منصور: وردّت عليهم؟

وليد جنبلاط: نعم، لكنها هدأت بعد ذلك. ثم قاموا بجولة داخل البيت.

أحمد منصور: دخلوا البيت؟

وليد جنبلاط: نعم، وفتشوه.

أحمد منصور: ماذا قال لك الضابط؟

وليد جنبلاط: لم يقل شيئًا تقريبًا.

أحمد منصور: لم يحدث نقاش بينكما؟

وليد جنبلاط: لا، أبدًا.

أحمد منصور: أي أنك تركته يفعل ما يريد؟

وليد جنبلاط: نعم، تجولنا في البيت، وحتى في المكتبة، التي لم تكن منظمة كما هي اليوم، بل مجرد كتب متناثرة.

أحمد منصور: كان يبحث عن أوراق أو أشياء معينة؟

وليد جنبلاط: كان يبحث عن السلاح، وكان يكرر بلهجته الإسرائيلية كلمة “إرهابيين”. لكن لم يكن هناك لا “مخربون” ولا شيء.

أحمد منصور: لكن كان لديكم سلاح خفيف في المختارة آنذاك؟

وليد جنبلاط: نعم، كان هناك بعض السلاح.

أحمد منصور: وهل وجدوه؟

وليد جنبلاط: وجدوا بعض البزات العسكرية. أما مستودعات السلاح، فقد أتوا إليها لاحقًا، عندما كنت قد نزلت إلى بيروت. كانوا يعرفون مكانها، فحاصروا المختارة وأخذوا قسمًا منها.

أحمد منصور: أي أن أحدًا دلّهم عليها؟

وليد جنبلاط: نعم، لا مشكلة في ذلك.

أحمد منصور: لكن في تلك المرة الأولى لم يأتِ بيريز بعد؟

وليد جنبلاط: لا، في المرة التالية جاء شمعون بيريز.

أحمد منصور: بعد كم يوم تقريبًا؟

وليد جنبلاط: بعد أسبوع تقريبًا.

أحمد منصور: إذًا في المرة الأولى فتشوا البيت وأوقفوكم لساعات، وانتهى الأمر؟

وليد جنبلاط: نعم، كان نوعًا من الإذلال. أما في المرة الثانية، فجاء بيريز، وربما هنا…

أحمد منصور: هل أخبروك مسبقًا أن بيريز سيزورك؟

وليد جنبلاط: أبدًا. جاء في جيب عسكري، نزل ومشى برفقة ضابط.

أحمد منصور: عرفته فور دخوله البيت؟

وليد جنبلاط: طبعًا، ملامحه لا تُنسى. كنت أعرفه من اجتماعات الاشتراكية الدولية.

أحمد منصور: هل كان يحضر اجتماعات الاشتراكية الدولية؟

وليد جنبلاط: كنا نلتقي من بعيد مرة أو مرتين، ونتناقش أحيانًا.

أحمد منصور: إذًا كنت تعرف بيريز قبل الاجتياح؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: وهو يعرفك جيدًا؟

وليد جنبلاط: نعم، فقد عُيّنت نائبًا في الاشتراكية الدولية عام 1978، وكان بيريز أيضًا من المشاركين فيها، أيام فيلي برانت، الأمين العام للاشتراكية الدولية آنذاك.

أحمد منصور: فيلي برانت، المستشار الألماني لاحقاً.

وليد جنبلاط: نعم. وعندما صعدنا إلى الطابق العلوي وجلسنا، قال لي بيريز… لكن قبل أن يأتي، كان قد زارني رجل من الصليب الأحمر اللبناني اسمه جان عزيز، ولن أنسى هذا الاسم.

أحمد منصور: لماذا بقي الاسم عالقًا في ذاكرتك؟

وليد جنبلاط: لأن ذكراه ارتبطت بزيارة بيريز. فقد قال لي إن الإسرائيليين ارتكبوا مجزرة في صيدا، وقصفوا ملجأ هناك. وعندما جلست مع بيريز، بدأت أناقشه وقلت له: “جيشكم يقتل المدنيين”. فأجابني: “جيشنا لا يقتل المدنيين”.

ناقشنا الأمر طويلًا، وقلت له إن رجلًا من الصليب الأحمر أبلغني بالمجزرة، لكنه ظل يكرر: “نحن لا نقتل المدنيين”. ثم قال لي: “لقد جئت إليك رسولًا من فيلي برانت”. وتبيّن لاحقًا أنه كان يكذب، لأن فيلي برانت أرسل إلى بيروت وفدًا رسميًا برئاسة ماريو سواريس، الذي أصبح لاحقًا رئيس وزراء البرتغال.

أحمد منصور: وكانت معظم الحكومات الأوروبية آنذاك اشتراكية.

وليد جنبلاط: نعم. ثم قال لي: “لن ندخل إلى بيروت”. وهكذا انتهى اللقاء.

أحمد منصور: أي أن بيريز كان يقول لك إنهم لن يدخلوا بيروت؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: حتى في ذلك الوقت؟

وليد جنبلاط: نعم، حتى في ذلك الوقت.

أحمد منصور: رغم أنهم كانوا يحاصرون بيروت لمدة 76 يومًا.

وليد جنبلاط: صحيح، صحيح. ثم، وبشيء من السذاجة – اعذرني على هذا التعبير – كنت أنتظر أن يأتي من يقدم القهوة، لأن عليّ أن أقول الحقيقة كما حدثت حتى لا أخون الذاكرة. لكن الشخص الذي كان يتولى تقديم القهوة تقليديًا في المختارة لم يأتِ.

أحمد منصور: في بيتك؟

وليد جنبلاط: كان اسمه، رحمه الله، أنيس سلوم. لم يأتِ بأمر من والدتي، وكانت تلك أيضًا ردة فعل منها تجاه وجود محتل. هكذا حدث، ثم غادر بيريز.

أحمد منصور: أذكر أنني، في نقاشي مع أمين الجميل، عندما حدثته عن زيارة شارون له، أنكر ذلك، لكنني واجهته بالحقائق، فاعترف بأن بيريز أهداه رشاشًا إسرائيليًا من طراز “عوزي”. هل جاءك بيريز بهدية؟

وليد جنبلاط: لا، أبدًا. لم يحمل أي هدية. كان فقط يحاول تبرير أفعال الجيش الإسرائيلي أو الكذب بشأنه، مدعيًا أن الجيش لا يقتل المدنيين، بينما كان يقتلهم فعلًا. ففي صيدا ارتُكبت مجزرة قُتل فيها نحو ألف شخص. كما تحدث عن تكليفه من قبل فيلي برانت، مدعيًا أنه رسول من الاشتراكية الدولية.

أحمد منصور: ولم تقدموا له طعامًا أو شرابًا أو أي ضيافة؟

وليد جنبلاط: بصراحة، انتظرت بطريقتي الخاصة، وظننت – لا أدري لماذا – أن القهوة قد تُقدَّم على الأقل. والحمد لله أنها لم تُقدَّم.

أحمد منصور: كم بقي بيريز في المختارة؟

وليد جنبلاط: نحو ساعة. وكان في غرفة والدتي آنذاك مروان حمادة ورايان كروكر. وفي اليوم نفسه، كانا بانتظاري، وبعد أن غادر بيريز نزلت معهما إلى بيروت.

أحمد منصور: إذًا كانا موجودين أثناء وجوده؟

وليد جنبلاط: وصلا لاحقًا، نعم.

أحمد منصور: لكنهما لم يسلما على بيريز ولم يرياه؟

وليد جنبلاط: لا، أبدًا. فالبيت له مدخلان.

أحمد منصور: هل عاد الإسرائيليون إلى بيتك بعد زيارة بيريز؟

وليد جنبلاط: نعم. بعد زيارة بيريز أتوا مجددًا، ونظمنا مظاهرة قادها أنور الفطايري، رحمه الله، لمحاولة منع الإسرائيليين من اقتحام مخزن السلاح الموجود قرب البيت. كانت مظاهرة جيدة، لكنهم اقتحموا المكان وأخذوا جزءًا من السلاح.

أحمد منصور: وكان السلاح الموجود خفيفًا؟

وليد جنبلاط: نعم، كله سلاح خفيف.

أحمد منصور: أزعجك ذلك؟

وليد جنبلاط: طبعًا. اقتحموا البيت، وكأن لا حرمة له.

أحمد منصور: بقيت بيروت تحت الحصار الإسرائيلي نحو سبعين يومًا، ثم بدأت المفاوضات بشأن خروج الفلسطينيين من لبنان.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: نحن هنا أمام مشهد كبير في تاريخ القضية الفلسطينية. الفلسطينيون أُخرجوا من الأردن، وربما ارتكبوا أخطاء أيضًا، ثم جاء دور إخراجهم من بيروت بعد 76 يومًا من الحصار الإسرائيلي. الإسرائيليون منعوا كل شيء عن بيروت المحاصرة. وكنت قد دخلت في هيئة الإنقاذ الوطني التي كان فيها إلياس سركيس، لكنك انسحبت منها وقلت إنها أصبحت “هيئة دفن القتلى”.

وليد جنبلاط: نعم، شعرت بأن هيئة الإنقاذ الوطني تريد مني ومن الرئيس نبيه بري أن نكون شاهدين على نهاية الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، فرفضت ذلك وانسحبت. وفي تلك الفترة، كما ذكرت سابقًا، التقيت الشيخ بشير الجميل ثلاث مرات. وقد عرض عليّ أن نقوم بجولة في عاليه، وكانت الاشتباكات قد بدأت هناك بين الكتائب والحزب الاشتراكي، لكنني قلت له: “أتريدني أن أذهب إلى منطقة محتلة؟ لن أذهب”.

أحمد منصور: كان لبنان آنذاك تحت الاحتلال الإسرائيلي.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: وبشير طلب منك الذهاب؟

وليد جنبلاط: ليس إلى بيروت، بل إلى الجبل.

أحمد منصور: إلى جبل لبنان.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: وأنت رفضت الذهاب معه؟

وليد جنبلاط: نعم. كما قلت، كانت هناك ثلاثة لقاءات فقط. وكان إلياس سركيس يريد أن ألتقي ببشير.

أحمد منصور: إذًا كان ذلك بطلب من إلياس سركيس؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: وكان بشير لا يزال مرشحًا للرئاسة، ولم يصبح رئيسًا بعد؟

وليد جنبلاط: نعم، كان مرشحًا للرئاسة.

أحمد منصور: خلال هذه الحرب، لم تشارك في القتال؟

وليد جنبلاط: تقصد حرب بيروت؟

أحمد منصور: أعني الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

وليد جنبلاط: لا، لم أشارك.

أحمد منصور: هناك نقطة مهمة أريد أن أسألك عنها بخصوص زيارة بيريز. هل صحيح أن بيريز أخبرك بأن جوني عبده زار إسرائيل أربع مرات؟

وليد جنبلاط: أبدًا، هذا غير صحيح.

أحمد منصور: نجاح واكيم ذكر ذلك في كتابه، وقال إن شمعون بيريز أخبرك شخصيًا بأن جوني عبده زار إسرائيل أربع مرات ورتب مع الإسرائيليين.

وليد جنبلاط: بعض الشهادات، مثل شهادات نجاح واكيم أو ألان مينارغ أو كريم بقرادوني، ليست دائمًا في موقع الدقة الكاملة.

أحمد منصور: هم شهود أيضًا، ونحن ننقل رواياتهم، وأنت هنا كصانع للحدث من حقك أن تؤكد أو تنفي. وأنت الآن تنفي ما نسب إليك من هذا الكلام. إذًا لم يجرِ أي حديث بينك وبين شمعون بيريز حول هذا الموضوع؟

وليد جنبلاط: لم نتحدث، لا من قريب ولا من بعيد، في السياسة اللبنانية، سوى حول مجزرة صيدا ودخول بيروت.

أسطورة الكذب

أحمد منصور: ولم تتحدثوا في أمور أخرى؟

وليد جنبلاط: تحدثنا أيضًا عن الفلسطينيين، فقد كان يصفهم بالإرهابيين، بينما كنت أدافع عنهم وأقول إنهم يدافعون عن أرضهم ويريدون استعادتها.

أحمد منصور: هذا للتاريخ، أنك كنت تواجه بيريز بما يقوله، ولم تكن مجرد مستمع له، رغم أنه كان محتلًا وفي بيتك وتحت حماية الجنود الإسرائيليين.

وليد جنبلاط: بيريز كان أسطورة كبيرة في الكذب. الغرب صدّقه، وحصل على جائزة نوبل وغيرها. وكان يُستقبل من القادة الاشتراكيين في الغرب كرجل سلام و”حمامة سلام”. لكن بيريز، إلى جانب بن غوريون وفرنسا في مرحلة معينة، كانوا وراء المشروع النووي الإسرائيلي الأول في ديمونا. وفرنسا هي التي قدمت الدعم لذلك المشروع، في عهد غي موليه، على ما أعتقد.

أحمد منصور: وكان بيريز يُلقب بأبي القنبلة النووية الإسرائيلية، بالتعاون مع الفرنسيين.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: أُجبر الفلسطينيون على الخروج من لبنان، وكنت شاهدًا على كل هذه التفاصيل التي سنبدأ بها في الحلقة القادمة إن شاء الله. شكرًا جزيلًا لك، وليد بك.

كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان وزعيم الدروز هناك. وفي الختام، أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج8: محاولة الهروب من سجن عسقلان واللقاء بالسنوار وقادة حماس والقسام

التالي
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج9: قيادة أسرى حماس للعمل العسكري ضد الاحتلال وتسابقهم في دراسة اللغة العبرية

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share