في الحلقة التاسعة من شهادته على العصر، التي جرى بثها في 28 مايو 2026، يواصل أحمد منصور، الاستماع لشهادة الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث قضى هناك أربعة وثلاثين عامًا، وأفرج عنه في الثامن والعشرين من فبراير عام ألفين وخمسة وعشرين، وأحد مؤسسي كتائب القسام، واستعرضا خلالها، الحركة النضالية داخل السجون الإسرائيلية، وقيادة بعض الأسرى للعمل العسكري ضد الاحتلال في الخارج، خلال الفترة من عام 1995 إلى عام 2000.

رابط الحلقة على الجزيرة 360
وقال عيسى أن عدداً من قيادات الحركة، تواصلوا مع أعضاء في القسام خارج السجون، واستطاعوا تشكيل مجموعات قامت بتنفيذ عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأشار إلى أن مجموعته التي كان يترأسها العضو في كتائب القسام معاذ بلال، أكثر مجموعة أوقعت خسائر في صفوف الاحتلال. وضمت المجموعة أيضا القيادي في كتائب القسام محيي الدين الشريف، وقائد الكتائب في الضفة الغربية يوسف السركجي، وكان مرشد المجموعة ومرجعيتها، بالإضافة إلى نسيم أبو الروس وجاسر سمارو.
ونفذت المجموعة عملية في القدس المحتلة أدت إلى مقتل 27 إسرائيلياً، كما قامت بمحاولة اختطاف جنود إسرائيليين من أجل المطالبة بإطلاق سراح أسرى فلسطينيين.
وأكد عميد الأسرى المحررين في حركة حماس أن الاحتلال الإسرائيلي قام بعزل كبار الأسرى عن العالم الخارجي، لعلاج هذا الخلل، لكنه شخصيا تمكن من الحصول على هاتف جوال من خلال مدني إسرائيلي.
ووضع عيسى في العزل رفقة رئيس المكتب السياسي السابق للحركة الشهيد يحيى السنوار، كما وضع في العزل كلاً من القيادي، محمود عيسى، ماجد أبو قطيش ورئيس الحركة في الضفة زاهر جبارين..
واجتمع رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) سابقا يوفال ديسكين مع عدد من المعزولين ومن بينهم السنوار والشهيد روحي مشتهى، وتوفيق أبو النعيم، وعلي العمودي، وزاهر جبارين، من أجل منحهم بعض الامتيازات مقابل وقفهم لقيادة العمل المسلح في الخارج، وطلب منهم أن يتعهدوا تحديدا بألا يقوم عيسى بأي نشاط مستقبلاً ضد الاحتلال.
وأضاف أن الاتفاق الذي كان سريا وغير مكتوب، أوقفته انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 ..
وقام الشعب الفلسطيني والفصائل في تلك الفترة بانتفاضة عامة، ونفذت 135 عملية استشهادية، ضد الاحتلال، من بينها 61 عملية نفذتها كتائب عز الدين القسام، فيما استشهد العشرات من قيادات الحركة من بينهم الشيخ ياسين والرنتيسي، وصلاح شحادة، وجمال منصور، وجمال سليم، والقيادي الكبير إسماعيل أبو شنب، ووفقًا لصحيفة معاريف الإسرائيلية في يوليو 2005، بلغت الخسائر الإسرائيلية 1513 قتيلًا و3380 جريحًا..

نص حوار عبد الناصر عيسى ج9:
قيادة أسرى حماس للعمل العسكري ضد الاحتلال وتسابقهم في دراسة اللغة العبرية
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج «شاهد على العصر»، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس المفرج عنهم من سجون الاحتلال الإسرائيلي، والذي قضى أربعةً وثلاثين عامًا في السجون الإسرائيلية. أبو حذيفة، مرحبًا بك.
عبد الناصر عيسى:
حياكم الله، وبارك الله فيكم.
أحمد منصور:
أود فقط أن أنوّه للمشاهدين إلى أن هناك فارقًا زمنيًا بين الحلقة الثامنة والحلقة التاسعة التي نسجلها الآن، وقد امتد هذا الفارق إلى نحو سبعة أشهر. وخلال هذه الأشهر السبعة وقعت أمور كثيرة جدًا على الصعيد الشخصي. وسيلاحظ المشاهدون أنك تبدو أكثر إشراقًا وتألقًا.
عبد الناصر عيسى:
بسبب الزواج.
أحمد منصور:
بسبب الزواج، ولذلك نبارك لك زواجك.
عبد الناصر عيسى:
أحد الأسباب الرئيسية.
أحمد منصور:
لأننا حين بدأنا التسجيل معك كنت قد خرجت لتوك من السجن.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
كنت لا تزال تتعرف إلى الحياة خارج السجن، فالتقينا بك وأنت تحمل آثار السجن وما يجري فيه. أما الآن، فما شاء الله، فقد تزوجت، وأصبحت تبدو أصغر سنًا بعشرين عامًا على الأقل.
عبد الناصر عيسى:
ما شاء الله.
أحمد منصور:
دون مبالغة.
عبد الناصر عيسى:
شكرًا.
أحمد منصور:
سيلاحظ المشاهدون ذلك. أما الأمر الثاني، فهو أن الحرب قد توقفت وفق خطة ترامب، التي لا تزال هشة، وتم الإفراج عن مزيد من الأسرى، وأصبح الحديث الآن يدور حول مستقبل غزة. ولكن سأبدأ معك من حيث توقفنا في الحلقة الثامنة، عند إدارة العمليات العسكرية من داخل السجون. كيف تمكنتم من إدارة عمليات عسكرية رغم وجودكم داخل السجون؟ فقد كنتم تديرون عمليات تُنفذ في الخارج، وذلك خلال الفترة الممتدة بين عام 1995 واندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000. أرجو أن توجز لنا هذه المرحلة؛ لأنها مرحلة تاريخية مهمة في تاريخ الأسرى.
عبد الناصر عيسى:
نعم. بدايةً، أحييكم جميعًا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعين أهلنا في قطاع غزة، الصابرين الصامدين، بعد الفترة الطويلة من القمع والإبادة الجماعية التي مارسها الاحتلال. كما نسأل الله أن يعين أسرانا داخل السجون، الذين يتعرضون أيضًا لنوع من الإبادة النفسية والمعنوية والثقافية. نسأل الله أن يثبتهم، وأن يكون الفرج قريبًا لهم ولكافة المستضعفين.
أما نحن داخل السجن، فقد اعتُقلت في الاعتقال الأخير عام 1995، وكما تعلم، دخلت العزل وخضنا معارك طويلة مع الاحتلال. كنا نخوض معارك على عدة جبهات؛ أولها معركة الصمود في مواجهة إجراءات الاحتلال داخل السجون من قمع وتنكيل بالأسرى، كما أننا لم ننقطع عن معركة النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال.
لقد قام العديد من الإخوة والقيادات الأسرى من مختلف الفصائل، وبالدرجة الأولى من حركة حماس، بالتواصل مع الخارج لاستكمال مسيرة النضال ضد الاحتلال. فالنضال ضد الاحتلال الصهيوني لا يتوقف حتى من داخل السجن.
وبفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل الثبات والمقاومة والإضرابات المفتوحة عن الطعام، استطعنا إيجاد معادلة معينة سمحت لنا بالتواصل مع الخارج، وتشكيل مجموعات تمكنت من مقارعة الاحتلال وتنفيذ عمليات ضده. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك إن أحببت أن نواصل.
تنظيم العمل العسكري من داخل السجون
أحمد منصور:
لقد تناولنا بعض هذه الأمثلة في الحلقات السابقة، لكننا نريد الوصول إلى هذه النقطة تحديدًا: كيف نظمتم العمل العسكري من داخل السجون؟ كيف كنتم تديرون عمليات وأنتم أسرى داخل السجون؟
عبد الناصر عيسى:
لا شك في أن الظروف داخل السجن كانت صعبة جدًا، بل أصعب بكثير من العمل في الخارج. فعندما كنا نعمل خارج السجون كان الأمر أسهل نسبيًا، رغم أن نسبة المخاطرة كانت مرتفعة جدًا، إذ كان من الممكن أن نستشهد في أي لحظة. لكننا كنا ندرك أن مصيرنا إما النجاح وتحقيق أهداف العملية، وإما الشهادة.
أما بعد الاعتقال، فقد أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا، وأصبح التواصل صعبًا للغاية. ومع ذلك، استطعنا من خلال تنظيم بعض الإخوة داخل السجون، والتواصل معهم وتجنيدهم، الاتفاق على الاستفادة ممن سيُفرج عنهم، خصوصًا أصحاب الأحكام القصيرة.
وقد أدرك الاحتلال ذلك، فحاول في مرحلة معينة الفصل بين الأسرى ذوي الأحكام القصيرة، الذين كانوا على وشك الإفراج، وبين أصحاب الأحكام العالية. واتخذ إجراءات عديدة لمواجهتنا، لكنها كانت معركة عقول؛ فكلما اتخذ إجراءً سعينا ليلًا ونهارًا إلى تجاوزه.
أحمد منصور:
إذًا، كان المدخل الأساسي أن الأسرى من أصحاب الأحكام العالية والأحكام القصيرة كانوا موجودين في المكان نفسه؟
عبد الناصر عيسى:
هذه إحدى الوسائل. أما الوسيلة الثانية فكانت عبر الرسائل والتواصل مع الخارج، مع بعض الإخوة الذين بقوا خارج السجن واستطعنا الحفاظ على سريتهم. فعندما اعتُقلت، كان أحد كبار قادة كتائب القسام لا يزال خارج السجن، وكان يعمل معي، ثم واصل المسيرة بعد اعتقالي.
أحمد منصور:
من هو؟
عبد الناصر عيسى:
القائد الشهيد محيي الدين الشريف، رحمه الله. كان يعمل معي، ثم تابع المسيرة من بعدي. وكان إنسانًا عظيمًا وقائدًا متميزًا. كما تواصلنا مع شخصيات أخرى، منهم يحيى عياش، رحمه الله، لكنه استشهد بعد فترة قصيرة من اعتقالي، لذلك كان التواصل معه محدودًا. وكان محمد الضيف، رحمه الله، موجودًا أيضًا.
أحمد منصور:
محمد الضيف؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، محمد الضيف.
أحمد منصور:
أنت تعرفت إلى محمد الضيف في غزة وتعاملت معه خلال فترة وجودك هناك؟
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
وكذلك يحيى عياش؟
عبد الناصر عيسى:
في الحقيقة، كان يحيى عياش من الضفة الغربية. وفي تلك المرحلة كانت الضفة الغربية هي ساحة الصراع الرئيسية، أكثر من غزة، رغم أن غزة كان لها دور دائم ومهم. ومعظم العمليات الاستشهادية الكبرى خرجت من الضفة الغربية، وكان رائدها الشهيد القائد يحيى عياش، رحمه الله.
وكان من أبناء مجموعتنا، ونعتز بأننا عملنا معه، وأننا وُصفنا بأننا من تلامذته. كما تواصلنا مع أفراد آخرين من مجموعتنا، مثل نسيم أبو الروس وجاسر سمارو. فعندما اعتُقلنا لم نعترف عليهم، فاستمروا في العمل بسرية، واستطعنا بفضل الله حمايتهم.
وكما تعلم، فإن التحقيق يشمل أسئلة عن كل صغيرة وكبيرة، وتُستخدم فيه مختلف وسائل التعذيب. لكن الإنسان إذا صمد وفكر بعقلانية، يستطيع أن يخفي كثيرًا من المعلومات عن الاحتلال الإسرائيلي.
فالمخابرات الإسرائيلية ليست كما تحاول أن تُصوّر نفسها بأنها تعلم كل شيء. إنها تعرف أشياء وتجهل أشياء أخرى، والطوفان مثال حديث على ذلك.
ورغم قسوة التحقيق وما يُعرف بأسلوب «العبوة الموقوتة»، استطعنا، بفضل الله، إخفاء بعض الإخوة، ومنهم نسيم أبو الروس وجاسر سمارو. وقد كانا من رواد انتفاضة الأقصى ومن أوائل مهندسي المتفجرات الأساسيين في كتائب القسام في الضفة الغربية وفلسطين عمومًا.
أحمد منصور:
أين هما الآن؟
عبد الناصر عيسى:
الآن هما في جنات الخلد، إن شاء الله تعالى.
أحمد منصور:
استُشهدا؟
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
كلاهما؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، كلاهما.
حالة فريدة: نضال من داخل وخارج السجون
أحمد منصور:
نحن هنا أمام حالة فريدة، وهي أن يقوم معتقلون في سجون دولة احتلال بإدارة عمليات عسكرية وهم داخل السجن، في حين أن معظم السجناء أو الأسرى ينحصر اهتمامهم في تحسين ظروفهم المعيشية داخل السجون.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
ما الذي ألهمكم هذه الفكرة ودفعكم إلى خوض هذه التجربة؟
عبد الناصر عيسى:
كنا نشعر أننا لم نؤدِّ كامل واجبنا ونحن في الخارج، فقلنا إنه يجب علينا أن نكمل هذا الواجب ونحن داخل السجن. أضف إلى ذلك أن الاحتلال وممارساته الإجرامية اليومية بحق شعبنا في فلسطين، وفي القدس، وفي المسجد الأقصى، وفي كل مكان، كانت تشكل دافعًا رئيسيًا وأساسيًا لنا.
كما كنا نؤمن بضرورة الاستمرار. وقد يتساءل البعض: لماذا كان عدد المشاركين محدودًا، عشرة أو عشرين أخًا مثلًا، وليس الجميع؟ والجواب أن الأمر لا يتعلق بالرغبة وحدها؛ فقد كانت لدى كثيرين الرغبة، لكن ليس كل شخص يمتلك الإمكانات والقدرات اللازمة. أما نحن، فكانت لدينا الرغبة والإرادة والعزيمة على مواصلة مقاومة الاحتلال الصهيوني، وكانت لدينا أيضًا بعض الإمكانات والقدرات، خاصة أننا كنا حديثي عهد بالعمل خارج السجن، وكانت لنا علاقات واسعة.
أحمد منصور:
من أبرز الآخرين الذين كانوا يقودون مجموعات من داخل الأسر؟
عبد الناصر عيسى:
من الذين شكّلوا مجموعات وكان لها دور مؤثر في إيقاع الخسائر بالعدو، أخونا محمود المغربي، نسأل الله أن يفرج عنه ويفك أسره.
أحمد منصور:
كان محكومًا بالمؤبد؟
عبد الناصر عيسى:
بعدة مؤبدات. وطبعًا أنا لا أعدّ عدد المؤبدات.
أحمد منصور:
والمؤبد مئة سنة.
عبد الناصر عيسى:
المؤبد هو مؤبد في النهاية. لكن هذا من باب التنكيل؛ فهناك من يُحكم بخمسة مؤبدات أو عشرين مؤبدًا. أما عمليًا، فالمؤبد الواحد يكفي. غير أن إسرائيل تحاول الانتقام أو إرضاء بعض الأوساط المتطرفة لديها، فتُصدر أحكامًا بخمسين مؤبدًا أو عشرين أو ستين مؤبدًا، لكنها في النهاية أحكام مؤبدة.
وكان محمود المغربي شخصية رئيسية في هذا المجال، وقد عُزل بسبب نشاطه ومكث سنوات طويلة في العزل. ومن أبرزهم أيضًا الأخ القائد محمود عيسى، وقد أُطلق سراحه مؤخرًا، والحمد لله رب العالمين.
أحمد منصور:
محمود أُطلق سراحه ضمن آخر مجموعة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، في آخر دفعة. وهو الآن موجود في القاهرة. وهو من مدينة القدس، حفظه الله. وكان أيضًا من الذين شكّلوا مجموعات ونشطوا في هذا المجال.
أحمد منصور:
محمود يأتي بعدك مباشرة من حيث عدد سنوات الأسر؛ فأنت قضيت أربعة وثلاثين عامًا، وهو ثلاثة وثلاثين عامًا.
عبد الناصر عيسى:
تقريبًا، نعم.
أحمد منصور:
أي إنه نائبك في هذا المجال.
عبد الناصر عيسى:
بل هو سيدي وأخي وقائدي. وقد استمر في هذا العمل بصورة أكبر مني في بعض المراحل، ولكل منا تجربته وتراكمه الخاص، ونسأل الله أن يتقبل منا جميعًا.
وكان له دور في تشكيل مجموعات عديدة. وأعتقد أن مجموعتنا كانت من أكثر المجموعات التي أوقعت خسائر في صفوف العدو.
أحمد منصور:
من كان معكم؟
عبد الناصر عيسى:
كان معنا أخونا قائد المجموعة معاذ بلال، فرّج الله عنه. وقد رفضت إسرائيل إطلاق سراحه، وما زال أسيرًا حتى الآن. أما شقيقه عثمان فكان معي في الاعتقال، وقد أُطلق سراحه معي.
كان معاذ مسؤول المجموعة، وقد تواصل مع الشيخ يوسف السركجي، أحد القادة الشهداء البارزين في مدينة نابلس، رحمه الله. كما تواصل مع المجموعة التي كنت أتعامل معها في البداية، والتي استطعنا حمايتها وعدم الكشف عنها أثناء التحقيق.
وقد أقمنا الاتصال معهم من خلال ما كان يُعرف بـ«الكبسولات»، وهي رسائل صغيرة جدًا تُكتب بخط دقيق، ثم تُلف بطريقة خاصة وتُبلع، ثم تُستخرج لاحقًا. وكانت وسيلة صعبة جدًا، لكنها فعالة.
أحمد منصور:
تحدثنا عن ذلك في حلقة سابقة، وذكرنا أن موضوع العمليات كُشف من هذا الباب أيضًا.
عبد الناصر عيسى:
لا، العمليات لم تُكشف عبر الرسائل. فالرسائل كانت آمنة إلى حد كبير، والحمد لله. وكانت إسرائيل تجد صعوبة كبيرة في مواجهتها، إلا إذا أخضعت الأسير المفرج عنه لمراقبة دقيقة لأيام عدة. ومع ذلك، كانت نسبة نجاح التهريب مرتفعة جدًا، وكان من الصعب السيطرة عليه.
وكان الأخ معاذ بلال، حفظه الله وفرج عنه، مسؤول المجموعة. وكان معه يحيى الشريف، رحمه الله، وكذلك الشهيد الكبير يوسف السركجي، الذي كان بمثابة المرشد والمرجعية لهم. كما انضم إليهم نسيم أبو الروس وجاسر سمارو، وشكلوا مجموعة متكاملة.
أحمد منصور:
ما أبرز العمليات التي نفذوها؟
عبد الناصر عيسى:
نفذوا عملية في شارع «بن يهودا» في القدس، وأسفرت عن مقتل سبعة وعشرين إسرائيليًا.
أحمد منصور:
وهل كانت هناك عمليات أخرى؟
عبد الناصر عيسى:
نعم. حاولوا أيضًا اختطاف جنود إسرائيليين بهدف التفاوض لإطلاق سراحنا من السجون. ففي الأصل لم تكن مهمتهم الأساسية تنفيذ التفجيرات، بل العمل على تحرير الأسرى. وقد قلت لهم: أنتم مجموعة لتحرير الأسرى، لا لتنفيذ التفجيرات. لكنهم رأوا أن الظروف تقتضي القيام بأمور أخرى أيضًا.
أحمد منصور:
كيف كُشفت المجموعات التي كانت تدير العمليات من داخل السجون؟
عبد الناصر عيسى:
على سبيل المثال، إحدى هذه المجموعات كُشفت عندما خرج عدد من شباب القسام بقيادة الأخ معاذ في محاولة لاختطاف جندي إسرائيلي. وأثناء تحركهم تعرضوا لحادث سير أدى إلى انقلاب المركبة، فتم اعتقالهم، وكانت تلك بداية انكشاف القضية.

مفاوضات إسرائيل لمنع الأسرى من تنسيق العمل العسكري بالخارج
أحمد منصور:
إسرائيل بدأت تتفاوض معكم داخل السجون من أجل وقف العمليات العسكرية التي كنتم تديرونها في الخارج، أليس كذلك؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، لكن قبل أن تتفاوض معنا اتخذت إجراءات شديدة ضدنا، وعزلتنا عزلًا كاملًا عن العالم الخارجي. وقد مكثت أنا شخصيًا نحو ثلاث سنوات في العزل.
أحمد منصور:
عزلًا شخصيًا؟
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
أي السجن الانفرادي.
عبد الناصر عيسى:
نعم، عزل كامل. تكون بمفردك، أو أحيانًا مع شخص آخر، لكنك معزول تمامًا عن العالم الخارجي. ومع ذلك، تمكنت حتى أثناء العزل من الحصول على هاتف جوال بمساعدة مدني إسرائيلي يهودي.
أحمد منصور:
حدثني عن ذلك. كيف كان الإسرائيليون يتعاملون مع هذا الأمر؟ لأن شراء الذمم كان أمرًا واردًا، طالما توفرت الأموال. حتى الشيخ أحمد ياسين ذكر في شهادته على «شاهد على العصر» أنهم كانوا أحيانًا يشترون السلاح من إسرائيليين أنفسهم.
عبد الناصر عيسى:
نعم. بطبيعة الحال، كنا نتعرف إلى هؤلاء؛ إذ كانت إدارة السجون تضع معنا في أقسام العزل مدنيين إسرائيليين، وأحيانًا مدنيين عربًا أيضًا. وسبحان الله، فإن الإرادة لا يقف في وجهها شيء. فإذا عزم الإنسان على تحقيق أمر ما، فإنه يجد الوسائل التي توصله إليه.
أنا لا أقلل من أهمية الظروف والضغوط والعوامل الموضوعية والإقليمية، لكن في النهاية من أراد أن يفعل شيئًا فإنه يجد سبيلًا إلى ذلك.
أحمد منصور:
حدثني عن ذلك.
عبد الناصر عيسى:
عندما دخلنا العزل…
أحمد منصور:
ليست القضية هنا قضية الهاتف، وإنما كيف كنتم تستفيدون من الإسرائيليين أو اليهود، أو تكسبون تعاون بعضهم لتحقيق مصالحكم.
عبد الناصر عيسى:
كان ذلك يحدث بطرق مختلفة. وأحيانًا كان بعضهم يحترمنا بسبب مواقفنا. وبعض السجناء الجنائيين، بطبيعتهم، كانوا يميلون إلى تقدير الجرأة والشجاعة. كانوا يرون أننا لا نخاف ولا نتراجع، فيتأثرون بذلك.
أحمد منصور:
أي إنهم كانوا يحبون الشجاعة.
عبد الناصر عيسى:
نعم، كانوا يحبون الشجاعة. وكان أحدهم يقول لي: «إذا أردتم شيئًا ضد إدارة السجون أو الشرطة فنحن مستعدون، أما الجيش فلا؛ لأنه يمثل بالنسبة لنا رمزًا قوميًّا». أما الشرطة والأجهزة الأخرى، فكانوا على استعداد لمعارضتها بشدة.
أحمد منصور:
لأنهم يرون أنفسهم في مواجهة معها أيضًا.
عبد الناصر عيسى:
بالضبط. وكنا نتعامل مع هذه الأمور بحذر شديد. شخصيًا، لم أكن أتعامل مع هؤلاء الناس بسهولة. لكن أحدهم هرّب لي هاتفًا جوالًا دون مقابل، فلم أشترِ ذمته أو أدفع له شيئًا.
وطبعًا كنت أتعامل معه بحذر شديد، وأضع احتمال أن يكون تابعًا للمخابرات. لكنني استفدت من هذه العلاقة دون أن يترتب عليها أي أثر سلبي، والحمد لله. وتمكنا من التواصل بوسائلنا الخاصة رغم العزل الكامل.
وهذا، في رأيي، حجة على من يقول اليوم إنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا بسبب الظروف.
أحمد منصور:
بعض من استشهدوا، مثل يحيى عياش وغيره…
عبد الناصر عيسى:
كان التواصل معهم يتم عبر الهاتف الجوال.
أحمد منصور:
ومن خلال الجوال أيضًا.
عبد الناصر عيسى:
نعم. لكن في أعوام 1995 و1996 و1997 لم تكن لدينا معرفة كافية بأن الهاتف الجوال قد يكون أخطر أدوات الملاحقة والتجسس على المقاومين. لم نكن ندرك ذلك بالشكل الذي نعرفه اليوم.
أحمد منصور:
أما اليوم فهو الجاسوس الأول على البشر جميعًا.
عبد الناصر عيسى:
صحيح. كنا نعلم أن الصوت يمكن تتبعه، لكننا لم نكن نعرف آنذاك تفاصيل مثل بصمة الصوت وغيرها من التقنيات التي عرفناها لاحقًا. وحتى بعد أن عرفها الناس، ظل كثيرون يقعون في الأخطاء نفسها.
وعودة إلى السياق الرئيسي؛ فقد عزلونا واتخذوا إجراءات قاسية بحقنا، لكنهم لم يتمكنوا من إيقافنا. والحمد لله، قام بقية الأسرى بخطوات كبيرة للمطالبة بإخراجنا من العزل.
أحمد منصور:
كيف؟
عبد الناصر عيسى:
أعلنوا إضرابًا مفتوحًا عن الطعام في جميع السجون، وطالبوا بإخراجنا من العزل وإعادتنا إلى الأقسام العادية.
أحمد منصور:
من الذين كانوا في العزل؟
عبد الناصر عيسى:
كنت أنا، والأخ محمود عيسى، وماجد أبو قطيش، وزاهر جبارين، وكذلك الأخ يحيى السنوار، رحمه الله، وأبو نمر شرايحة، وآخرون من خيرة الناس ومن العاملين بإخلاص.
وقد طالب الأسرى بإخراجنا من العزل، وفعلاً وقع الإضراب، وخرجت مظاهرات في الضفة الغربية. وكان الجميع يقف إلى جانب الأسرى، والجميع مستعدًا للتضحية من أجلهم. وقد أشعل ذلك الإضراب ما يشبه انتفاضة محدودة في الضفة الغربية، ولا سيما في نابلس، واستشهد عدد من أبناء شعبنا الفلسطيني.
أحمد منصور:
هل تتذكر السنة؟
عبد الناصر عيسى:
كان ذلك في عام 2000، في بداية الألفية الجديدة.
أحمد منصور:
أي قبيل انتفاضة الأقصى.
عبد الناصر عيسى:
نعم، قبيل انتفاضة الأقصى. وكنا قد أمضينا في العزل نحو عامين أو أكثر. وعندما بدأ الإضراب عن الطعام، اضطرت إسرائيل إلى التعامل معه، خاصة أن الضفة الغربية كانت قد اشتعلت، وإذا اشتعلت الضفة يصعب على إسرائيل السيطرة على الأوضاع.
لذلك رأوا أن من الحكمة التوصل إلى تفاهم. فقد أدركوا أنهم غير قادرين على منع كل شيء عبر سياسة العزل وحدها، ففكروا في إخراجنا من العزل مقابل الحصول على تعهد بعدم تكرار مثل هذه الأنشطة.
وقد حضر نائب رئيس جهاز الشاباك آنذاك، والذي أصبح لاحقًا رئيسًا للجهاز، يوفال ديسكين، والتقى بالإخوة في سجن هداريم، حيث جرى نوع من التفاهم.
أحمد منصور:
لكنهم استثنوك من هذا اللقاء؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، استثنوني؛ لأنني كنت الطرف المباشر في كثير من هذه القضايا، وأظن أن ذلك كان أحد الأسباب.
أحمد منصور:
من الذي حضر هذا التفاوض؟
عبد الناصر عيسى:
الذي حضر هذا اللقاء أو هذا التواصل كان الأخ، رحمه الله…
أحمد منصور:
يحيى السنوار؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، القائد يحيى السنوار. وقد كان معي في العزل إلى جانبي لسنوات طويلة.
أحمد منصور:
وقد تحدثت سابقًا عن طبيعة العلاقة بينكما.
عبد الناصر عيسى:
نعم، أمضينا سنوات طويلة معًا. كما كان حاضرًا، فيما أذكر، روحي مشتهى، رحمه الله، الذي استشهد لاحقًا. وكان أيضًا توفيق أبو نعيم، حفظه الله، وهو من الرموز القليلة المتبقية في غزة، ونسأل الله أن يحفظه ويحفظ جميع الإخوة. وكذلك الأخ أبو إسلام…
أحمد منصور:
زاهر جبارين؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، زاهر جبارين، وإخوة آخرون. أذكر منهم، فيما أظن، علي العامودي، ولست متأكدًا تمامًا، لكن المجموعة كانت تضم نحو سبعة عشر أخًا.
أحمد منصور:
ما محور الاتفاق؟
عبد الناصر عيسى:
كان محور الاتفاق أن نوقف العمل العسكري من داخل السجون، مقابل أن تُحسّن إسرائيل ظروف حياتنا داخل الأسر. وقالوا لنا: إذا أردتم التواصل مع الخارج، فليكن ذلك في القضايا التي لا تتعلق بالعمل العسكري، كالقضايا الاجتماعية أو السياسية.
فوافق الإخوة على ذلك. وحسب ما حدثني به أبو إبراهيم، يحيى السنوار، رحمه الله، فإن يوفال ديسكين طلب منهم تعهدًا صريحًا، وقال لهم: «هل تضمنون تحديدًا عبد الناصر عيسى؟». فأجابه أبو إبراهيم وأبو جمال، رحمهما الله: «نعم، نضمنه».
أحمد منصور:
يبدو أنك كنت مصدر قلق بالنسبة لهم!
عبد الناصر عيسى:
يمكن أن يُفهم الأمر بهذا المعنى، لأن المسألة تكررت أكثر من مرة. كنا مندفعين جدًا للعمل من أجل فلسطين والقدس والأقصى، ومن أجل حريتنا أيضًا. والحمد لله رب العالمين، فهذا فضل من الله واختيار منه سبحانه.
أحمد منصور:
وهل التزمت بما أُبلغت به؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، بالطبع. عندما أبلغونا بالأمر التزمنا به.
أحمد منصور:
ما المكاسب التي حصلتم عليها؟
عبد الناصر عيسى:
من الأمثلة على ذلك أنني أصبحت أستطيع التحدث مع جميع قيادات الحركة في الخارج دون استثناء، من دون أن أتعرض للملاحقة بسبب ذلك. فقد اكتفوا بأن يكون التواصل في الإطار السياسي.
أحمد منصور:
تقصد في الخارج؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، في الخارج.
أحمد منصور:
وكيف كنتم تتحدثون معهم؟
عبد الناصر عيسى:
من خلال الهواتف الجوالة التي كنا ننجح في تهريبها إلى داخل السجون. وكانت هناك ملاحقة شديدة جدًا لهذه الهواتف، لكننا، بفضل الله، كنا نتمكن من إدخال بعضها. وكانت معركة مستمرة وشاقة.
أحمد منصور:
مع من كنتم تتواصلون في الخارج عبر الهواتف؟
عبد الناصر عيسى:
في البداية، خلال التسعينيات، كنا نتواصل مع أخينا إسماعيل أبو شنب، رحمه الله، بعد الإفراج عنه. وكان أستاذنا جميعًا وأحد أبرز قيادات الحركة، وقد اغتيل لاحقًا.
أحمد منصور:
وقد تحدثنا عنه في الحلقة السابقة.
عبد الناصر عيسى:
نعم. كما كنا نتواصل مع الشيخ صلاح شحادة، أبو مجاهد، الذي يُعد عمليًا مؤسس الجناح العسكري لحركة حماس في قطاع غزة، وقد استشهد لاحقًا. وكنا نتواصل أيضًا مع عدد من الإخوة الآخرين الذين لم يكونوا معروفين على نطاق واسع.
جنرال مقابل جنرال
أحمد منصور:
ما المكاسب التي حصلتم عليها داخل السجن؟ فهذه نقطة مهمة.
عبد الناصر عيسى:
أولًا، السماح لنا بالتواصل مع الخارج. وبالطبع، لم يكن هذا الاتفاق معلنًا أو مكتوبًا. وأعتقد أن الإعلان عنه كان سيُعد إسرائيليًا أمرًا غير مقبول؛ إذ كيف يمكن، من وجهة نظرهم، التوصل إلى تفاهم مع من يصنفونهم على أنهم خصوم أو أعداء؟
لكن الواقع كان أقوى من الشعارات. فقد كنا نتعامل مع أجهزة أمنية تدرك طبيعة الصراع، وهم يعرفون من نحن، ونحن نعرف من هم. وكل طرف كان يدرك ما يراه واجبًا تجاه شعبه ودولته.
كان هدفهم وقف هذا النشاط، وحماية مجتمعهم من وجهة نظرهم. أما نحن، فبعد أن انكشفت بعض وسائل العمل وأصبحت إمكاناتنا محدودة، كان لا بد من إعادة تقييم الموقف.
أحمد منصور:
وفي الخارج كان العمل مستمرًا أيضًا.
عبد الناصر عيسى:
نعم، وفي الخارج كانت تتشكل أنماط جديدة من العمل بصورة مستقلة، وتنمو وتتطور، خصوصًا في قطاع غزة. لذلك رأى الإخوة أنه لا داعي لأن نستمر نحن الأسرى في التدخل المباشر، لأن انكشافنا سيجلب علينا أثمانًا باهظة، والأسير يكفيه ما يعانيه أصلًا.
أحمد منصور:
نعم.
عبد الناصر عيسى:
كان هذا هو الاجتهاد السائد، وكان تقدير الموقف لدى الإخوة أن المصلحة تقتضي ذلك. وقد أُجمع على هذا القرار دون استثناء.
كما كان من بنود الاتفاق تركيب هاتف عمومي داخل السجن.
أحمد منصور:
للتواصل مع أهاليكم؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، هاتف عمومي للتواصل مع الأهل، إلى جانب تخفيف بعض القيود المتعلقة بالزيارات، وتحسين شروطها، وتحسين أسلوب التعامل الذي كان يتسم أحيانًا بالإذلال. وبالطبع، كل ذلك يبقى نسبيًا، لأن السجن يظل سجنًا في نهاية المطاف، لكن كان بالإمكان تحسين بعض الظروف.
أحمد منصور:
وحق التعليم، هل حصلتم عليه من خلال هذا التفاوض؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، التعليم أيضًا كان من بين القضايا المطروحة ضمن التفاهمات.
لكن ما أوقف تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة كان اندلاع انتفاضة الأقصى.
انتفاضة الأقصى
أحمد منصور:
اندلعت الانتفاضة بعد قيام شارون باقتحام المسجد الأقصى، واستمرت من عام 2000 حتى عام 2005. وخلال هذه الفترة اتخذت المقاومة شكلًا مختلفًا إلى حد كبير.
عبد الناصر عيسى:
طبعًا، سواء داخل السجون أو خارجها، كانت المرحلة مختلفة.
أحمد منصور:
وكانت غزة لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تنسحب إسرائيل منها عام 2005.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
وفي الوقت نفسه، كانت اتفاقية أوسلو قد بدأت تُطبق في الضفة الغربية.
عبد الناصر عيسى:
صحيح، لكن الثقل العسكري الأساسي كان في الضفة الغربية. فالقوة العسكرية لحركة حماس وكتائب القسام في تلك المرحلة كانت متمركزة بصورة رئيسية هناك. وكانت العمليات الكبرى تُنفذ في الضفة الغربية من قبل مختلف الفصائل، مثل حركة حماس، وكتائب شهداء الأقصى، وكتائب القسام، وكتائب أبو علي مصطفى، وسرايا القدس، وسائر فصائل المقاومة الفلسطينية.
أحمد منصور:
رغم وجود السلطة الفلسطينية هناك، ومحاولاتها أيضًا الحد من هذه الأنشطة، وقد تحدثنا سابقًا عن بعض تلك الحالات.
عبد الناصر عيسى:
حتى نكون منصفين، فإن السلطة الفلسطينية في البداية سمحت بذلك. فالرئيس ياسر عرفات، رحمه الله، كان يؤمن بالكفاح المسلح واستخدامه لخدمة أهدافه السياسية.
أما محمود عباس، فكان موقفه مختلفًا تمامًا عن موقف ياسر عرفات. ففي البداية سُمح بهذا النشاط، لكن في مرحلة لاحقة جرت محاولات لوقفه، غير أن الأمور خرجت عن السيطرة، وهذا ما حدث عمليًا.
أحمد منصور:
كيف كان وضعكم كأسرى داخل السجون مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000؟
عبد الناصر عيسى:
عندما اندلعت انتفاضة الأقصى وبدأت العمليات التي استهدفت الجنود والمستوطنين الإسرائيليين، انعكس ذلك مباشرة علينا داخل السجون. فقد سعت سلطات الاحتلال إلى الانتقام منا عبر تشديد الإجراءات العقابية.
ورغم أن تلك الإجراءات لم تصل إلى المستوى الذي شهدناه بعد أحداث «طوفان الأقصى»، فإنها كانت شديدة للغاية. فقد تعرضنا للملاحقة والتنقل المستمر بين السجون، ووقعت اعتداءات جسدية، وسادت حالة من عدم الاستقرار داخل المعتقلات.
كما فُرضت قيود صارمة على الزيارات، ووُضع منع طويل الأمد لزيارة الأهالي، بحيث حُرمنا لفترات طويلة من رؤية أسرنا. كذلك اشتدت ملاحقة الهواتف الجوالة، وأصبحت عمليات النقل عبر ما يُعرف بـ«البوسطة» أكثر قسوة، إلى جانب العديد من الأساليب الأخرى التي استُخدمت ضدنا.
وفي تقديري، كان الهدف الأساسي من هذه الإجراءات هو الانتقام منا، أكثر من كونه محاولة لمنع نشاط معين؛ لأننا كنا قد توصلنا إلى تفاهم سابق يقوم على أن من هم داخل السجون يركزون على معركتهم الخاصة، ومن هم في الخارج يواصلون معركتهم هناك.
أما نحن داخل السجون، فقد ركزنا على معركة الصمود والثبات، وبناء الذات، والحفاظ على الوعي، وعدم الانكسار في ظل ظروف اعتقال شديدة الصعوبة. هذه كانت معركتنا الأساسية في تلك المرحلة.
أحمد منصور:
وهل استمر هذا الوضع طوال سنوات الانتفاضة؟ فالانتفاضة اندلعت في 28 سبتمبر/أيلول 2000 واستمرت حتى 8 فبراير/شباط 2005.
عبد الناصر عيسى:
نعم، ولكن قبل نهايتها، وتحديدًا في عام 2004، خضنا إضرابًا واسعًا ومفتوحًا عن الطعام. وكان لهذا الإضراب أهداف محددة، لكنه لم ينجح في تحقيقها بالشكل الذي كنا نطمح إليه.
قد يصف البعض ذلك بأنه فشل للإضراب، لكنني أرى أن هذا الوصف قد يكون مبالغًا فيه. فالإضراب لم يحقق أهدافه المباشرة بصورة واضحة، لكنه حقق نتائج أخرى لم تكن في الحسبان.
فقد أدركت مصلحة السجون، بعد حجم الضغط الذي مارسه الأسرى، أن الأوضاع قد تنفجر إذا استمرت السياسات المتبعة. ولذلك بدأت، من تلقاء نفسها، بتخفيف بعض الإجراءات بعد انتهاء الإضراب.
وفي الوقت نفسه بدأنا داخل السجون عملية تقييم شاملة للتجربة. وطرحنا على أنفسنا سؤالًا أساسيًا: لماذا لم ينجح الإضراب في تحقيق أهدافه كما كنا نأمل؟
وأذكر أنني كتبت آنذاك ثلاث أو أربع أوراق تناولت خلاصة النقاشات التي كانت تدور بيننا، ووزعتها على عدد من الإخوة. وكان من أبرز الاستنتاجات التي توصلنا إليها أن علينا إنشاء قيادة موحدة داخل السجون، وأن نبدأ أولًا بتشكيل قيادة موحدة لأسرى حركة حماس.
أحمد منصور:
من كل الفصائل؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، من كل الفصائل، لكننا رأينا أن نبدأ أولًا بتشكيل قيادة موحدة لأسرى حركة حماس.
أحمد منصور:
إذًا، لم تكن لحماس قيادة موحدة في ذلك الوقت؟
عبد الناصر عيسى:
لم تكن لدينا قيادة موحدة على مستوى جميع السجون.
أحمد منصور:
كان لكل سجن قيادته الخاصة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، إلى أن تشكل ما عُرف لاحقًا بـ«الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة حماس».
أحمد منصور:
سنتناول ذلك بالتفصيل لاحقًا، لأنه حدث في عام 2005. لكنني أريد الآن أن أرسم صورة عامة للوضع خلال سنوات الانتفاضة.
فقد حوصر ياسر عرفات لمدة عامين في المقاطعة خلال انتفاضة الأقصى، ثم توفي في ظروف أثارت كثيرًا من التساؤلات في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2004. وخلال الانتفاضة أيضًا استشهد عدد كبير من قادة حركة حماس، من بينهم جمال سليم، وجمال منصور، وصلاح شحادة، وإسماعيل أبو شنب، والشيخ أحمد ياسين.
عبد الناصر عيسى:
رحمهم الله جميعًا.
أحمد منصور:
كل هؤلاء وغيرهم استشهدوا. كما ارتفع عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية مع نهاية الانتفاضة عام 2005 إلى نحو 9200 أسير.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
وأنتم داخل السجون كنتم تستقبلون باستمرار أسرى جدداً.
عبد الناصر عيسى:
نعم، بشكل متواصل.
أحمد منصور:
كيف كنتم تتعاملون مع هذا الواقع ومع الزيادة الكبيرة في أعداد الأسرى؟
عبد الناصر عيسى:
تجربة الحركة الأسيرة طويلة وتاريخية في التعامل مع الأسرى الجدد. لكن بعد انتفاضة الأقصى تصاعد القمع الإسرائيلي بصورة كبيرة، وكان من مظاهر ذلك التوسع في حملات الاعتقال.
وبالمناسبة، فإن نسبة كبيرة من المعتقلين كانت ضمن ما يُعرف بالاعتقال الإداري. أي إن الشخص يُعتقل من دون محاكمة ومن دون توجيه تهمة واضحة إليه، بناءً على مجرد الاشتباه. فقد يُعتقل لمدة ستة أشهر أو سنة أو سنتين، ثم يُفرج عنه لفترة قصيرة، قبل أن يُعاد اعتقاله مجددًا.
وبعض الإخوة أمضوا سنوات طويلة جدًا تحت نظام الاعتقال الإداري. فهناك من قضى أكثر من عشرين عامًا في السجن منذ عام 2000 وحتى اليوم، ومنهم قيادات بارزة في الحركة بالضفة الغربية.
لذلك، فإن معظم الاعتقالات في تلك المرحلة كانت اعتقالات احترازية أو قائمة على الاشتباه. أما الذين اعتُقلوا على خلفية ملفات وقضايا كبيرة، فقد ازداد عددهم أيضًا، وربما بلغ عدد أصحاب الأحكام العالية نحو ألف وخمسمائة أسير إضافي.
أحمد منصور:
بسبب العمليات الاستشهادية؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، بسبب العمليات الاستشهادية.
أحمد منصور:
في تلك الفترة بلغ عدد العمليات الاستشهادية 135 عملية، نفذت كتائب القسام منها 61 عملية، بينما نفذت الفصائل الأخرى البقية، كما ذكرت؛ إذ كانت الانتفاضة مشاركة عامة من مختلف الفصائل.
عبد الناصر عيسى:
نعم، جميع فصائل الشعب الفلسطيني شاركت فيها.
أحمد منصور:
في المقابل، كان المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من الخوف الشديد. حتى إن صحيفة جيروزاليم بوست ذكرت في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2002 أن 68% من الإسرائيليين كانوا يعيشون حالة من القلق والخوف خلال تلك الفترة.
عبد الناصر عيسى:
وكل ذلك كان نتيجة اقتحام شارون للمسجد الأقصى وانتهاكه حرمته. فقد كان يُحذَّر باستمرار من أن الأقصى يمثل خطًا أحمر بالنسبة للفلسطينيين والعرب والمسلمين. لكن ما حدث أدى إلى انفجار الانتفاضة.
أحمد منصور:
ووفقًا لصحيفة معاريف الإسرائيلية في يوليو/تموز 2005، بلغت الخسائر الإسرائيلية 1513 قتيلًا و3380 جريحًا.
عبد الناصر عيسى:
نعم، وكانت أعدادًا غير مسبوقة.
أحمد منصور:
أي أن انتفاضة الأقصى كان لها أثر تاريخي كبير.
عبد الناصر عيسى:
للمرة الأولى بهذا الحجم، نعم.
أحمد منصور:
رغم طبيعة المقاومة في ذلك الوقت.
عبد الناصر عيسى:
كما أنها كانت أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من قطاع غزة عام 2005.
أحمد منصور:
انسحبت إسرائيل من قطاع غزة عام 2005. وخلال الفترة الممتدة بين سبتمبر/أيلول 2000 وديسمبر/كانون الأول 2005 توفي ياسر عرفات، وتولى محمود عباس السلطة، وتوقفت انتفاضة الأقصى، وانسحبت إسرائيل من غزة.
في ظل كل هذه المتغيرات، كيف كان وضعكم داخل السجون مع نهاية الانتفاضة؟
عبد الناصر عيسى:
يمكن تقسيم المرحلة إلى فترتين: ما قبل عام 2004 وما بعده.
فحتى عام 2004 كانت أوضاعنا صعبة جدًا، وكانت الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الأسرى مستمرة. كما شهدت السجون صراعات متواصلة وإضرابات عن الطعام وتضييقًا كبيرًا على الأسرى. لذلك يمكن القول إن أوضاع السجون كانت صعبة نسبيًا.
أما بعد عام 2005 فقد خفّت هذه الأوضاع نسبيًا، وإن بقيت لدينا مشكلة الأسرى المعزولين الذين أُعيد عزل بعضهم.
ثم، بعد عام 2012، وبعد صفقة «وفاء الأحرار» والإفراج عن عدد كبير من الأسرى، وفي مقدمتهم يحيى السنوار، دخلنا مرحلة جديدة كانت أفضل نسبيًا من المراحل السابقة.
أحمد منصور:
وسنأتي إلى هذه المرحلة بالتفصيل.
عبد الناصر عيسى:
ذكرت ذلك فقط للتوضيح بأن وصف الأوضاع بالحسنة أو السيئة أمر نسبي. لكن بصورة عامة كانت أوضاعنا في تلك الفترة صعبة.

تشكيل قيادة عليا للأسرى
أحمد منصور:
بعد الورقة التي قدمتها عام 2005 بشأن تشكيل هيئة قيادية عليا لأسرى حركة حماس في السجون الإسرائيلية، جرت انتخابات بالفعل، وتم اختيارك أول رئيس لهذه الهيئة.
عبد الناصر عيسى:
نعم، لكن المسمى الذي كنا نستخدمه آنذاك كان «سكرتير الهيئة».
أحمد منصور:
سكرتير الهيئة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، وهو عمليًا المسؤول الأول في الهيئة.
أحمد منصور:
ما طبيعة هذه الهيئة؟ وقبل ذلك، هل تتذكر عدد أسرى حركة حماس داخل السجون في ذلك الوقت، أي عام 2005؟
عبد الناصر عيسى:
أعتقد أن عدد أسرى حركة حماس في عام 2005 كان يتراوح بين 1500 و1600 أسير تقريبًا.
أحمد منصور:
ومعظمهم كانوا من أصحاب الأحكام العالية؟
عبد الناصر عيسى:
لا، ليس معظمهم. أعتقد أن أصحاب الأحكام العالية كانوا أقل من 50% من مجموع الأسرى.
أحمد منصور:
أقل من خمسين في المائة. كيف كانت تُدار شؤون الأسرى في السجون المختلفة؟
عبد الناصر عيسى:
كنا نعمل ضمن فريق متعاون ومنظم.
أحمد منصور:
ومن كان معك في الهيئة؟
عبد الناصر عيسى:
كان معنا أستاذنا وشيخنا عبد الخالق النتشة، وأخونا يحيى السنوار، رحمه الله، وروحي مشتهى، وتوفيق أبو نعيم، وعلي العامودي، وعباس السيد، فرّج الله عنه، وكذلك الشيخ محمد جمال النتشة، نسأل الله أن يفرج عنه، فظروفه داخل السجن صعبة. وكان هناك أيضًا إخوة آخرون.
أحمد منصور:
ما طبيعة الدور الذي كنتم تقومون به؟
عبد الناصر عيسى:
كنا ندير شؤوننا الداخلية على المستويات التربوية والثقافية والتنظيمية. كانت لدينا لجان متعددة، وأُسر تنظيمية، وجلسات وبرامج ومناهج داخلية نشرف عليها.
فكان أحد الإخوة مسؤولًا عن اللجنة التربوية، وآخر عن اللجنة الثقافية، وثالث عن اللجنة الأمنية، وهكذا.

النهضة التعليمية داخل السجون
أحمد منصور:
إذن أنشأتم ما يشبه جامعة داخل السجون.
عبد الناصر عيسى:
نعم، كانت مؤسسة متكاملة بكل معنى الكلمة.
أحمد منصور:
وإسرائيل لم تكن تضيق عليكم في ذلك؟
عبد الناصر عيسى:
كانت تضيق علينا بالتأكيد، لكنها لم تكن تملك القدرة على منع كل شيء. فنحن داخل الغرف والأقسام، نقرأ ونتعلم ونتناقش. فإذا كنت جالسًا أقرأ القرآن أو أفسره، فما الذي يمكنهم فعله في كثير من الأحيان؟
أحمد منصور:
صف لي يومًا عاديًا في حياة الأسرى من الناحية العلمية والتعليمية.
عبد الناصر عيسى:
في هذه المرحلة، وكذلك في مراحل أخرى بدرجات متفاوتة، كان كثير من الأسرى، بل معظمهم، يستيقظون قبل الفجر لأداء قيام الليل، ثم صلاة الفجر.
بعد ذلك يعود بعضهم إلى النوم قليلًا، بينما يواصل آخرون يومهم. وفي الساعة السادسة والنصف تقريبًا نخرج لممارسة الرياضة اليومية لمدة ساعة أو ساعة ونصف.
ثم نتناول وجبة الإفطار، وبعدها تبدأ اللقاءات والجلسات داخل الغرف. وكانت كل غرفة تعقد لقاءً تربويًا خاصًا بها.
كنا نقسم الإخوة إلى مستويات مختلفة. فإذا كان الأسير جديدًا وصغير السن أو قليل الخبرة، نبدأ معه بتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم ننتقل إلى الموضوعات التربوية والفكرية الأساسية، وبعد ذلك إلى الإدارة والسياسة وسائر المجالات المعرفية.
ومع مرور الوقت تطور الأمر أكثر، حيث وافقت بعض الجامعات الفلسطينية وغير الفلسطينية، ومنها جامعات في لبنان وغيرها، على إتاحة فرص الدراسة للأسرى. وهكذا أدخلنا البرامج الجامعية إلى داخل السجون.
أحمد منصور:
أي الدراسة عن بُعد؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، تطورت الأمور تدريجيًا. وأعتقد أن الحديث عن الجانب الثقافي والتعليمي داخل السجون يحتاج إلى مساحة واسعة، لأنه تجربة مهمة جدًا.
أحمد منصور:
عندما سجلت مع أبو إسلام، زاهر جبارين، ذكر لي أن يحيى السنوار كان حريصًا على أن يتعلم الجميع اللغة العبرية. كما أن بعض المعتقلين الذين عاشوا معه أكدوا ذلك أيضًا.
عبد الناصر عيسى:
صحيح. بل إن أبا إبراهيم، يحيى السنوار، هو من نصحني بالدراسة في الجامعة العبرية. فقد أنهيت درجة البكالوريوس والماجستير من خلال برامج دراسية مرتبطة بها.
أحمد منصور:
وما تخصصك؟
عبد الناصر عيسى:
درست العلاقات الدولية والعلوم السياسية في مرحلة البكالوريوس، ثم الدراسات الديمقراطية في مرحلة الماجستير.
وكان أبو إبراهيم من أكثر المشجعين لي على ذلك. وأذكر أنه عندما التقيت به في العزل عام 1998 قال لي: «يا أبا حذيفة، من الضروري أن تتعلم اللغة العبرية وأن تدرسها بعمق».
وبالفعل بدأت تعلم اللغة العبرية، ثم أكملت البكالوريوس والماجستير. وكان هو أيضًا يواصل دراسته في تلك الفترة.
أحمد منصور:
إسرائيل كانت تسمح بذلك آنذاك؟
عبد الناصر عيسى:
كانت تسمح به في البداية، ثم ندمت على ذلك ومنعته لاحقًا.
أحمد منصور:
لأنكم أصبحتم خبراء في إسرائيل أكثر من كثير من الإسرائيليين أنفسهم.
عبد الناصر عيسى:
هم كانوا يظنون أن هذا النوع من التعليم قد يؤثر في قناعات الأسرى أو يغير مواقفهم، لكننا استفدنا من هذا العلم في تطوير معارفنا وفهمنا للواقع الذي نعيش فيه.
أحمد منصور:
ما أبرز الفوائد التي حققتموها من إتقان اللغة العبرية والدراسات الإسرائيلية؟ فالأمر لم يقتصر على الدراسة الجامعية، بل إن بعضكم حصل على درجات عليا أيضًا. وأنت شخصيًا حصلت على ماجستير آخر، أليس كذلك؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، حصلت على ماجستير ثانٍ من جامعة القدس في أبو ديس، إضافة إلى الماجستير الأول.
أحمد منصور:
إذن لديك درجتا ماجستير؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، وأتابع حاليًا دراسة الدكتوراه.
أحمد منصور:
ما أثر ذلك في الأسرى أنفسهم؟ فأنتم كنتم قيادات بالأساس.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
لكن يبدو أن قطاعًا واسعًا من الأسرى وصل إلى مستويات تعليمية متقدمة.
عبد الناصر عيسى:
كان التعليم جزءًا من تحقيق الإنسان لذاته، وجزءًا من مقاومة الاعتقال وظروفه القاسية، كما كان وسيلة لرفع معنويات الأسير نفسه وإخوانه وأهله.
فعندما يعلم الأب أو الأم أن ابنهما، رغم وجوده في السجن، ما زال يدرس ويحصل على شهادة البكالوريوس أو الماجستير، فإن ذلك يمنحهما شعورًا بالفخر والطمأنينة.
ولذلك كان إرضاء الوالدين أحد الدوافع المهمة لدى كثير من الأسرى للاستمرار في التعليم داخل السجن؛ حتى يشعر الأهل أن ابنهم ما زال حيًا، حاضرًا، ويواصل بناء نفسه ومستقبله رغم الأسر.
أحمد منصور:
أريد أن أسألك عن طبيعة العلاقة التي كانت بينكم، كأسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وبين الأساتذة الإسرائيليين الذين كانوا يدرسون لكم في الجامعة.
عبد الناصر عيسى:
في الحقيقة، كانت الدراسة تتم من خلال الجامعة المفتوحة، أي عن بُعد. وكنا نتبادل المراسلات معهم باستمرار عبر الرسائل والواجبات الدراسية، ولذلك كان هناك نوع من التواصل الأكاديمي المنتظم بيننا وبينهم.
أحمد منصور:
حتى في مرحلة الماجستير؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، سواء في مرحلة البكالوريوس أو الماجستير.
أحمد منصور:
لكنك سجلت الدكتوراه عام 2010 تقريبًا؟
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
وما زلت تتابعها حتى الآن؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، وأنا في مراحلها النهائية، إن شاء الله.
أحمد منصور:
وما موضوعها؟
عبد الناصر عيسى:
العلاقات الإسرائيلية التركية، وهو موضوع مهم ومثير للاهتمام.
أحمد منصور:
ربما نخصص معك حلقة حول هذا الموضوع.
عبد الناصر عيسى:
إن شاء الله.
أحمد منصور:
بعد أن تنتهي من الدكتوراه.
عبد الناصر عيسى:
إن شاء الله، قريبًا.
أحمد منصور:
في عام 2010 منعت إسرائيل التعليم الجامعي للأسرى وأوقفته بالكامل.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
بعد أن أصبح معظمكم يحمل شهادات البكالوريوس والماجستير، وأصبح كثير منكم متخصصين في الدراسات الإسرائيلية.
عبد الناصر عيسى:
الحمد لله.
أحمد منصور:
ما انعكاس هذا القرار عليكم داخل السجون؟
عبد الناصر عيسى:
عندما مُنع التعليم الجامعي، تقريبًا بين عامي 2009 و2010، بحثنا مباشرة عن بدائل. أرادت إسرائيل أن تعاقبنا بهذا القرار، لكننا نجحنا في إيجاد حلول أخرى، وتواصلنا مع جامعات عربية وفلسطينية.
وكان لقطاع غزة، كعادته، دور السبق في تحقيق هذا المطلب للأسرى. وكان للدور الذي قام به أخونا يحيى السنوار، رحمه الله، أهمية كبيرة في هذا المجال؛ إذ تواصل مع شقيقه الدكتور زكريا السنوار، الذي استشهد قبل عدة أشهر، رحمه الله.
كما كنت أتواصل شخصيًا مع الدكتور زكريا في مناسبات عديدة.
أحمد منصور:
وما كان تخصص الدكتور زكريا؟
عبد الناصر عيسى:
كان أستاذًا متخصصًا في التاريخ.
أحمد منصور:
وفي أي جامعة كان يعمل؟
عبد الناصر عيسى:
عمل في جامعة الأقصى فترة من الزمن، ثم في الجامعة الإسلامية.
وقد ساعدنا كثيرًا في المجالين التعليمي والأكاديمي، وسهّل لنا، مع مجموعة من الإخوة، استكمال الدراسة عبر مؤسسات أكاديمية مختلفة، منها الكلية الجامعية المتوسطة التابعة للجامعة الإسلامية، ثم جامعة الأقصى، ثم جامعة القدس المفتوحة، وتطورت التجربة بعد ذلك بصورة أكبر.
أحمد منصور:
هناك جانب آخر يتعلق بالتعليم. فداخل السجون لم يكن جميع المعتقلين من أصحاب التعليم العالي؛ بل كان بعضهم أميين أو محدودي التعليم.
عبد الناصر عيسى:
بالتأكيد.
أحمد منصور:
لكنكم لم تكتفوا بتعليم أنفسكم، بل قمتم أيضًا بتعليم الأسرى الآخرين من مختلف الفصائل، بل وحتى الأميين منهم.
عبد الناصر عيسى:
صحيح. كان التعليم مشروعًا وطنيًا عامًا، ولم يكن حكرًا على حركة حماس أو على أي فصيل بعينه.
صحيح أن حركة حماس كانت من الجهات التي بادرت إلى تنظيم هذا المشروع والإشراف عليه، لكن الاستفادة منه كانت متاحة للجميع. ومن الشخصيات التي ساهمت في تطوير هذا المسار ونقله إلى مستويات متقدمة الدكتور مروان البرغوثي، نسأل الله أن يفرج عنه.
أحمد منصور:
في عام 2006 شهدت الساحة الفلسطينية تحولات كبيرة؛ فقد شاركت حركة حماس في الانتخابات وفازت بها، كما أُسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
في الحلقة القادمة سأبدأ معك من أحداث عام 2006 وما ترتب عليها من انعكاسات داخل السجون الإسرائيلية.
شكرًا جزيلًا لك.
كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن متابعتكم. وفي الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة عميد أسرى حركة حماس المفرج عنهم من سجون الاحتلال الإسرائيلي، عبد الناصر عيسى.
وفي الختام، أنقل إليكم تحيات فريق البرنامج. وهذا أحمد منصور يحييكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.