وليد جنبلاط ج7 من شهادته على العصر: اغتيال بشير الجمّيل وتحالف العلويين والموارنة وأخطاء ياسر عرفات

في الحلقة السابعة من شهادته على العصر، يستعرض أحمد منصور مع وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، الاجتياح الإسرائيلي لأول عاصمة عربية، بأكثر من 1100 دبابة وعشرات الطائرات وأكثر من مائة ألف جندي، وذلك عقب اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجمّيل، في 14 سبتمبر 1982 .. وتحدث الزعيم الدرزي اللبناني عن أخطاء عرفات في لبنان، ومنها تفضيله خطوط المواجهة في دول الجوار، بدون القتال المباشر داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الفراغ الذي ملائته حماس فيما بعد.
أحمد منصور ووليد جنبلاط

في الحلقة السابعة من شهادته على العصر، يستعرض أحمد منصور مع وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، الاجتياح الإسرائيلي لأول عاصمة عربية، بأكثر من 1100 دبابة وعشرات الطائرات وأكثر من مائة ألف جندي، وذلك عقب اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجمّيل، في 14 سبتمبر 1982 بعد أيام من احتفال الموساد الإسرائيلي بتنصيبه رئيساً في 23 أغسطس من نفس العام !!

يتناول الحوار تفاصيل زيارة الجمّيل إلى إسرائيل ولقائه العاصف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن في نهاريا، بسبب عدم قدرته على تلبية الطلبات الإسرائيلية!.

وقال جنبلاط إنه لم يكن يتوقع اغتيال بشير، وأشار إلى أنها كانت رسالة من سوريا، بأنها تستطيع أن تغتال مرشح أمريكا وإسرائيل، وأضاف أن قاتل واحد يقف وراء عمليتي قتل بشير الجمّيل ووالده كمال جنبلاط .

ونُفّذت عملية اغتيال بشير الجميّل عند الساعة الرابعة وعشر دقائق من بعد ظهر الثلاثاء 14 سبتمبر 1982، داخل بيت الكتائب في الأشرفية، عبر حبيب الشرتوني، وهو مسيحي ماروني، ينتمي للحزب القومي الاجتماعي السوري. 

أحمد منصور ووليد جنبلاط
تحدث الزعيم الدرزي اللبناني عن أخطاء عرفات في لبنان

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية

وتحدث الزعيم الدرزي اللبناني عن أخطاء عرفات في لبنان، ومنها تفضيله خطوط المواجهة في دول الجوار، بدون القتال المباشر داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الفراغ الذي ملأته حماس فيما بعد.

وأشار إلى وهم عرفات الكبير واعتقادة أن 10 كيلومترات كافية لإعلانة عن قيام دولة فلسطينية، وهو ما ساهم في تورطه بتوقيع اتفاقية أوسلو فيما بعد.

وأكد أن حافظ الأسد كان يستهجن خروج عرفات من لبنان، لأنه كان يهدف إلى تدمير بيروت فوق رأسة، وأشار إلى جرائمه في بيروت، ومنها اغتيال الضابط الكبير سعد صايل، كما أفصح عن تقاطع أهدافه مع الموارنة والإسرائيليين وبعض الشيعة، لتدمير وتصفية التيار السني في لبنان، في إطار مخطط أكبر لإضعاف التيار السني في المنطقة.

وقال جنبلاط إنهم شعروا بالضعف بعد خروج عرفات من لبنان، وأضاف أن عرفات لم يكن يقطع الصلة بأحد حتى مع الشيطان.

وأشار إلى أنه أشاد بطوفان الأقصى، وانتقد إسرائيل؛ ما دعى السفيرة الأمريكية للقائه، ومطالبته بسحب انتقاداته.

وعقب خروج الفلسطينيين من لبنان في 15 سبتمبر 1998، قام كل من رفائيل إيتان وأمير دوري، قائد الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، مع إيلي حبيقة، مسؤول الاستخبارات في القوات اللبنانية، وضباط موارنة دخلوا إلى مخيمي صبرا وشاتيلا، بارتكاب واحدة من أبشع المجازر في تاريخ لبنان.
وقال جنبلاط إن ياسرعرفات أخطأ بعد خروجه من بيروت، بالعودة إلى طرابلس مرة أخرى متنكرا في 6 نوفمبر 1983، لمحاربة حافظ الأسد، ما تسبب في قصف الأسد وحليفه أحمد جبريل لها، وقتل مئات وآلاف الضحايا، ما دعا عرفات إلى مغادرة المدينة برفقة 4700 من مقاتليه على متن سفينة يونانية بحماية فرنسية إلى اليمن والسودان والجزائر، فيما سمى بالخروج الثاني والأخير لعرفات من لبنان.

أحمد منصور ووليد جنبلاط
اغتيال بشير الجمّيل وتحالف العلويين والموارنة وأخطاء ياسر عرفات

نص حوار وليد جنبلاط ج7 من شهادته على العصر:

اغتيال بشير الجمّيل وتحالف العلويين والموارنة وأخطاء ياسر عرفات

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان. وليد بك، مرحبًا بك.

وليد جنبلاط: أهلًا وسهلًا.

سقوط أول عاصمة عربية أمام إسرائيل

أحمد منصور: اجتاحت إسرائيل بيروت عام 1982 بأكثر من 1100 دبابة، وعشرات الطائرات، وأكثر من مائة ألف جندي. ما أسباب هذه الكثافة والضخامة في القوات الإسرائيلية، والهجوم الواسع بهذه الأعداد؟

وليد جنبلاط: اقتحموا أول عاصمة عربية. سقطت أول عاصمة عربية في تاريخ المدن العربية اجتاحتها إسرائيل. اجتاحتها إسرائيل، وآنذاك لم تمكث طويلًا؛ لأن عمليات المقاومة اللبنانية بدأت داخل بيروت الغربية، في شارع الحمراء، في منطقة نسميها «صيدلية بسترس»، وهي ليست بعيدة عن منزلي اليوم. وكانت المقاومة، وبالتحديد الحزب الذي بدأ بالمقاومة، هو الحزب السوري القومي الاجتماعي. هذا تاريخ مسجل باسمه وهذه العمليات موثقة له. بقيوا في بيروت.

أحمد منصور: والفلسطينيون الذين كانوا مقصودين بالأمر؟

وليد جنبلاط: كان الفلسطينيون مقصودين بالأمر. وعندما حدثت مجازر صبرا وشاتيلا، استقدم الإسرائيليون الميليشيات اليمينية وأدخلوها إلى صبرا وشاتيلا، وحاصروا المخيمين. وكل هذا مكتوب بدقة في التقرير الذي أعده الإسرائيليون، وهو تقرير كاهان حول مجزرة صبرا وشاتيلا، والذي أطاح آنذاك بوزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون.

أحمد منصور: أنا معك في هذا، وسنأتي إليه بعد ذلك؛ لأن صبرا وشاتيلا جاءتا بعد هذه الأحداث التي نتناولها الآن. نحن الآن أمام احتلال إسرائيلي كامل للعاصمة بيروت، حتى وصلوا إليك، وتحدثت عن لقاء شمعون بيريز معك حينما جاء إلى بيتك.

وليد جنبلاط: كلا، كلا، كلا. بيريز أتى إلى المختارة.

أحمد منصور: آه، إلى المختارة.

وليد جنبلاط: إلى المختارة، وقال لي إن الجيش الإسرائيلي، وإن إسرائيل، لن تدخلا بيروت.

أحمد منصور: كانت لم تدخلها بعد.

وليد جنبلاط: نعم. عدت إلى بيروت، كما ذكرنا بالأمس، برفقة مروان حمادة ورايان كروكر في سيارة السفير الأمريكي.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: وبعد انتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، طلبت الخروج من بيروت، وخرجت منها. جرى احتلال بيروت ولم أكن فيها.

أحمد منصور: نعم، أنت لم تكن في بيروت حين تم احتلالها.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: ذهبت إلى دمشق.

وليد جنبلاط: كنت في دمشق.

أحمد منصور: بقيت في دمشق طوال فترة الاحتلال؟

وليد جنبلاط: بقيت في دمشق طوال فترة احتلال الجبل، إلى أن حدثت معركة الجبل عام 1983، وأصبحت طريق دمشق ـ المختارة عبر قسم من الجبل سالكة.

أحمد منصور: سنأتي إلى معركة عام 1983 بين الدروز والموارنة، فهذه قصة كبيرة. لكننا ما زلنا الآن في مرحلة الاحتلال. تم انتخاب بشير الجميل رئيسًا للبنان تحت الاحتلال، وتم دفع النواب للحضور والتصويت.

وليد جنبلاط: تم انتخاب بشير الجميل قبل احتلال بيروت، قبل احتلال بيروت.

أحمد منصور: قبل احتلال بيروت، ولكن كانت القوات الإسرائيلية قد دخلت لبنان.

وليد جنبلاط: كانت تحيط ببيروت، وكانت موجودة في بعض مناطقها وفي جبل لبنان. لكنه انتُخب قبل احتلال بيروت الغربية. وكانت التسمية آنذاك: بيروت الغربية وبيروت الشرقية.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: وبعد أن اغتيل الشيخ بشير…

أحمد منصور: ما زلت سأأتي إلى قصة اغتياله، لأن…

وليد جنبلاط: احتلت إسرائيل بيروت.

أحمد منصور: ما زلت سأأتي إلى قصة اغتيال بشير؛ لأن بشير، بعدما انتُخب رئيسًا للبنان، تمت عملية اغتياله بعد ذلك.

وليد جنبلاط: بعد يومين…

أحمد منصور: لا، بعدة أيام.

وليد جنبلاط: عدة أيام. انتُخب في 14 سبتمبر/أيلول 1982.

أحمد منصور: بعد انتخاب بشير…

زيارة بشير الجمّيل إلى إسرائيل

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: ذهب إلى إسرائيل والتقى مناحم بيغن في نهاريا في الأول من سبتمبر/أيلول 1982، وقالت المصادر إن اللقاء كان عاصفًا بين الطرفين.

وليد جنبلاط: هكذا سمعنا وقرأنا في الصحف، نعم.

أحمد منصور: ما الذي جعل بشير، بعد كل التعهدات واحتفاء الإسرائيليين بانتصاره، وكان يُنظر إليه على أنه الرئيس الذي أوصلته إسرائيل إلى سدة الحكم في دولة عربية، يتراجع في اجتماعه مع بيغن عن التعهدات التي كان قد قدمها له؟

وليد جنبلاط: أعتقد أن بيغن طلب منه شيئًا لم يستطع بشير تنفيذه، حتى لو كان الموساد، كما تقول، قد أتى به. أعتقد أن بيغن طلب منه تعهدات أو أملى عليه إملاءات معينة، ولم يستطع بشير تنفيذها، أو أدرك آنذاك أن حجم الطلب أكبر من طاقته. هذا ما أعتقده.

أحمد منصور: ألم تتوفر لديك معلومات مباشرة، سواء منه أو من أحد المقربين منه، حول هذا الموضوع؟

وليد جنبلاط: الوحيد الذي يستطيع أن يعطينا تفاصيل هذا الأمر هو الشيخ أمين الجميل.

أحمد منصور: الشيخ أمين تناولت معه الموضوع بالتفصيل في شهادته على شاهد على العصر، وقال إن الطلبات التي طُلبت من بشير كانت فعلًا كما أشرت أنت. وقد وجد بشير أنه لا يستطيع تنفيذها، وفاجأهم عندما رفض إعادة سعد حداد إلى صفوف الجيش اللبناني. على سبيل المثال، كان هذا أحد مطالبهم، لكنه رفض.

وليد جنبلاط: صحيح.

وليد جنبلاط وبشير الجميل

 اغتيال بشير الجمّيل

أحمد منصور: تم تدمير مقر الحزب في بيروت الشرقية في 14 سبتمبر/أيلول 1982، حيث قُتل بشير الجميل وجُرح العشرات من أعضاء حزبه. هل توقعت أن يتم اغتيال بشير؟

وليد جنبلاط: وقُتلت ابنته مايا.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: مع التفجير.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: كلا، لم أتوقع. كنا نرى أن انتخاب بشير يمثل نهاية مرحلة.

أحمد منصور: أنت كنت ترفض انتخاب بشير، وقد أوضحت وجهة نظرك في الموضوع.

وليد جنبلاط: نعم. النواب الذين مثلوني كانوا قلة؛ بعضهم صوّت بعدما خضع للضغوط، وبعضهم الآخر لم يصوّت. لكن بشير حصل آنذاك على العدد المطلوب، وهو 62 نائبًا من أصل 99.

أحمد منصور: ماذا كان يعني اغتيال مرشح إسرائيل وأمريكا؟

وليد جنبلاط: نستطيع أن نقول اليوم إن الفريق الآخر المعارض، وتحديدًا سوريا، استطاع أن يقول لإسرائيل: ما زلنا هنا، ونستطيع تسجيل خطوات كبيرة، ومنها اغتيال مرشحكم بشير الجميل.

أحمد منصور: إذن كانت هذه رسالة سورية؟ وسوريا هي التي نفذت؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: اتُّهم حبيب الشرتوني، المنتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، لأن شقة أخته كانت تحت مقر الحزب، وتم تفخيخها. هل لديك معلومات عن عملية التفخيخ والترتيب ومن الذي قام بها؟

وليد جنبلاط: كلا. لكن الشرتوني ماروني، مسيحي ماروني.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: هو مسيحي ماروني، فقط للتأكيد على أن ليس جميع الموارنة في الصف نفسه.

أحمد منصور: صحيح.

وليد جنبلاط: هو مسيحي ماروني قومي سوري. وأعتقد أنه غادر لبنان في تلك اللحظة. أما المحاكمة، وحتى محاكمة الشرتوني…

وليد جنبلاط: نعم، كانت شقة أخته. وأعتقد أنه طُلب منه الاستقصاء حول كيفية اجتماعات بشير الجميل. والحزب السوري القومي الاجتماعي كان يملك الإمكانات، بدعم من سوريا، للوصول إلى تنفيذ تلك العملية.

أحمد منصور: هنا أرسل حافظ الأسد رسالة قوية جدًا إلى الإسرائيليين والأمريكيين باغتيال مرشحهم في لبنان.

وليد جنبلاط: صحيح. لقد سجل موقفًا وسجل نقطة مهمة وكبيرة. وربما جعل ذلك الأمريكيين يعيدون التفكير في مشروعهم. لكن الأمر استغرق بعض الوقت، إلى أن حدث الزلزال الكبير وتغيرت المعادلات العسكرية والسياسية في حرب الجبل عام 1983، ثم انتفاضة بيروت، التي نسميها انتفاضة بيروت، في 6 شباط/فبراير…

أحمد منصور: عام 1984، وسنأتي إليها.

وليد جنبلاط: نعم، 1984.

أحمد منصور: الرئيس أمين الجميل قال لي في شهادته على شاهد على العصر إن وليد جنبلاط يعرف من الذي قتل بشير الجميل؛ لأن الذي قتل بشير الجميل هو نفسه الذي قتل كمال جنبلاط.

وليد جنبلاط: صحيح، إجابته صحيحة؛ لأن أمين الجميل يعلم أن النظام السوري قتل كمال جنبلاط، وهو يؤكد أيضًا أن النظام السوري قتل أخاه بشير الجميل.

أحمد منصور: قبل اغتيال بشير الجميل، عُقدت قمة في فاس بالمغرب في 6 سبتمبر/أيلول 1982، وظهر الصراع والخلاف حادًا بين ياسر عرفات وحافظ الأسد في تلك القمة. وقد أوحى حافظ الأسد إلى الذين أرادوا الخروج على عرفات، وكانت هناك خلافات داخل منظمة التحرير وانشقاقات دعمها حافظ الأسد، وانشقت المنظمة في ذلك الوقت. أتذكر ذلك؟

وليد جنبلاط: كلا، صراحةً.

أحمد منصور: أبو موسى؟

وليد جنبلاط: أبو موسى، نعم. أحد قادة المنظمة العسكريين، وكان في السابق ضابطًا في الجيش الأردني. نعم، أبو موسى، صحيح.

أحمد منصور: هؤلاء الذين انشقوا على عرفات. هنا بدأ الصراع، وبدأ الخلاف واضحًا بين عرفات والأسد، وقد تحدثنا من قبل عن أسباب الصراع بين الرجلين.

وليد جنبلاط: نعم.

تصفية الأسد لقيادات منظمة التحرير الفلسطينية

أحمد منصور: هنا وصل الأمر إلى مرحلة اللاعودة، كما يقولون. الإسرائيليون موجودون في لبنان، وقوات عرفات موجودة، والجيش السوري موجود. الأحداث التي ستقع بعد ذلك، من إخراج المنظمة ووضع السوريين فيها، كيف كانت؟

وليد جنبلاط: كانت الخلافات قد بدأت في منطقة البقاع، التي كانت آنذاك تحت السيطرة السورية. وبدأت التصفيات والاغتيالات، وقُتل فيها أحد كبار قادة منظمة التحرير، وكان أيضًا ضابطًا سابقًا في الجيش الأردني، وهو سعد صايل، أبو الوليد.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: لم يستطيعوا إنقاذه. نقلوه إلى دمشق وهو جريح، لكن ببطء، وأوقفوه على الحدود، فمات نتيجة النزيف. كان من أفضل قادة عرفات وأشرفهم، رحمه الله.

أحمد منصور: مقتل سعد صايل أظهر أن الصراع والخلاف بلغا ذروتهما. كيف كنت ترصد ذلك في ذلك الوقت؟ وأنت كنت في دمشق.

وليد جنبلاط: كان همّي، نفسيًا وسياسيًا، ولاحقًا عسكريًا، هو كيف نعيد التوازن السياسي والعسكري في لبنان.

لقاء وليد جنبلاط مع ألكسندر سولداتوف

أحمد منصور: هل التقيت ألكسندر سولداتوف في ذلك الوقت؟

وليد جنبلاط: ألكسندر سولداتوف؟

أحمد منصور: السفير السوفييتي.

وليد جنبلاط: التقيت به في بيروت، في أطول يوم قصف شهدته المدينة، في أوج معركة المتحف. بدأ القصف عند منتصف الليل، أعتقد ليلة الثلاثاء، وانتهى عند الخامسة مساءً. كان أول هدف لي، بعد إعلان وقف إطلاق النار وهدوء الأوضاع، أن أذهب إلى السفارة السوفييتية لزيارة سولداتوف. كان ينتظرني عند الباب الداخلي، وقال لي: «انتبه»، وأرشدني إلى كيفية السير وسط الحديقة.

أحمد منصور: هل كانت الحديقة فعلًا مليئة بالقنابل العنقودية؟

وليد جنبلاط: نعم، بقنابل عنقودية.

أحمد منصور: حديقة السفارة السوفييتية؟

وليد جنبلاط: نعم. وقلت قبل قليل «السفارة السعودية» خطأً. كان السبب بسيطًا، لكنه خبيث من جانب الإسرائيليين. فقد وُضعت راجمة صواريخ إلى جانب سور السفارة، وكانت تُطلق منها الصواريخ باتجاه الجيش الإسرائيلي، الذي كان يتمركز، على ما أعتقد، في منطقة الناعمة أو في مناطق أخرى. وبعد إطلاق الصواريخ، كان المقاتلون يختبئون ويحتمون بجدار السفارة.

أحمد منصور: هل كانوا يقصفون الجيش الإسرائيلي؟

وليد جنبلاط: نعم، كانت راجمة سورية.

أحمد منصور: آه، راجمة سورية، أي إن السوريين هم من كانوا يقصفون.

وليد جنبلاط: كان هناك لواء سوري مع القوات الوطنية والفلسطينية.

أحمد منصور: صحيح.

وليد جنبلاط: وكان قائد هذا اللواء محمد حلال. ولاحقًا، عندما قابلت حافظ الأسد، طلبت منه ترقية محمد حلال؛ لأنه استبسل في القتال. وبعد ذلك، قال لي حكمت الشهابي: «ماذا فعلت؟». قلت له: «قمت بواجبي الأخلاقي؛ لأنه بطل». فقال لي إن حافظ الأسد استغرب كيف أطلب ترقية ضابط من ضباطه، وإن هذا الأمر غير مرغوب فيه.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: محمد حلال.

أحمد منصور: وهل رقّاه؟

وليد جنبلاط: لا أدري.

أحمد منصور: أم أعدمه؟! (ضاحكًا)

وليد جنبلاط: لذلك كانت تلك أول زيارة لي إلى سولداتوف.

عرفات يغادر مرفأ بيروت

أحمد منصور: في اليوم التالي لاغتيال بشير الجميل، اجتاحت إسرائيل بيروت وسيطرت عليها سيطرة كاملة، وبدأت المعركة. وطالب الإسرائيليون عرفات بأن يُلقي سلاحه وأن يغادر إلى البقاع.

وليد جنبلاط: لا يا عزيزي، لقد غادر عرفات بيروت رسميًا قبل الاجتياح.

أحمد منصور: نعم، ليس عرفات تحديدًا، وإنما منظمة التحرير.

وليد جنبلاط: نعم، منظمة التحرير.

أحمد منصور: أن يلقوا سلاحهم وأن يذهبوا إلى البقاع.

وليد جنبلاط: قبل الاجتياح كانت قد خرجت آلاف العناصر المسلحة الفلسطينية وعناصر جيش التحرير الفلسطيني من بيروت رسميًا، بمواكبة، أعتقد، من الأمن اللبناني. وقد ودعنا آنذاك ياسر عرفات رسميًا في مرفأ بيروت.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: كنت هناك شخصيًا مع محسن إبراهيم، وجورج حاوي، وكان برفقتي أيضًا أحد أقربائي، خالد جنبلاط، ومروان حمادة. ودعناه وصعد إلى الباخرة متجهًا إلى اليونان.

أحمد منصور: حتى إنني وجدت روبرت فيسك يصف ذلك وصفًا دقيقًا، وقال إنه شاهدك تحمل رشاشًا وتطلق الرصاص.

وليد جنبلاط: نعم، صحيح.

أحمد منصور: هل كان لديك علم بالمفاوضات التي جرت قبل عملية الاستسلام، والتي كان فيليب حبيب يقوم بها حتى خروج الفلسطينيين من لبنان؟

وليد جنبلاط: كنت على علم بها. أما تفاصيل هذه العملية، فكان يعرفها، رحمه الله، رئيس الوزراء شفيق الوزان. وربما شارك في قسم من تلك المفاوضات مروان حمادة؛ لأنه كان وزيرًا للسياحة في تلك المرحلة.

أسباب استسلام عرفات وخروجه من بيروت.

أحمد منصور: ما الذي جعل عرفات يقبل الاستسلام والخروج من لبنان؟

وليد جنبلاط: الضغط الداخلي اللبناني، والضغط الشعبي. لقد قاومت بيروت ما استطاعت أن تقاوم، لكنها بدأت تتدمر تدريجيًا، خاصة الأحياء المحيطة بالمقرات الفلسطينية في منطقة طريق الجديدة.

أحمد منصور: هناك وصف آخر لروبرت فيسك…

وليد جنبلاط: وبالمناسبة، عندما قابلت لاحقًا حافظ الأسد وتحدث عن حصار بيروت، استغرب لماذا خرج عرفات من بيروت.

أحمد منصور: عجيب!

وليد جنبلاط: كان يريد أن تُدمر بيروت فوق رأس ياسر عرفات.

أحمد منصور: حافظ الأسد؟

وليد جنبلاط: هكذا أفسر الأمر. لكنه كان مستهجنًا لخروج عرفات من بيروت.

أحمد منصور: هذا يفسر ما فعله حافظ الأسد في طرابلس بعد ذلك، حين عاد إليها عرفات. وسنأتي إلى هذه النقطة لاحقًا؛ لأنه يبدو أن منهج الأسد في التدمير، منذ أحداث حماة وحتى ذلك الوقت، كان يعتبر تدمير المدن فوق رؤوس سكانها أمرًا عاديًا.

وليد جنبلاط: في ذلك شيء من الحقيقة، نعم.

أحمد منصور: يقول فيسك إن عرفات وصل إلى الميناء بسيارة شفيق الوزان الليموزين السوداء المضادة للرصاص، أليس كذلك؟ ويقول أيضًا إنه توقف في طريقه للتحدث إلى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في منزله بالمصيطبة.

وليد جنبلاط: في المصيطبة، صحيح.

أحمد منصور: ماذا دار بينك وبين عرفات في هذا اللقاء؟

وليد جنبلاط: كنا نودعه. كنت موجودًا، وكان نبيه بري موجودًا أيضًا.

أحمد منصور: لدي هذه الصورة.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: أنتم الثلاثة.

وليد جنبلاط: بل أربعة، وكان جورج حاوي موجودًا أيضًا.

أحمد منصور: رئيس الحزب الشيوعي.

وليد جنبلاط: وأعتقد أن ألبير منصور كان موجودًا كذلك، إلى جانب مروان حمادة. لقد أتى إليّ في آخر زيارة وداع، وكانت آخر زيارة يقوم بها إلى منزل كمال جنبلاط.

أحمد منصور: كنتم جميعًا حلفاءه.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: وكان يمثل بالنسبة لكم القوة العسكرية الرئيسية. هل شعرتم بالضعف بعد خروج الفلسطينيين؟

وليد جنبلاط: بالطبع. شعرنا بالضعف والخوف، نعم.

أخطاء عرفات في لبنان؟

أحمد منصور: ما أخطاء عرفات في لبنان؟

وليد جنبلاط: أخطأ عرفات كثيرًا.

أحمد منصور: عدّدها لي.

وليد جنبلاط: لكننا كنا بحاجة إليه عسكريًا. وفي الوقت نفسه، كان يقيد الحركة السياسية للحركة الوطنية. أصبحنا مجموعة من الحلفاء والتناقضات في آن واحد.

أحمد منصور: صف لي المشهد. إلى أين كان يتجه عرفات، وإلى أين كنتم تتجهون أنتم؟

وليد جنبلاط: على سبيل المثال، حتى أثناء وجوده في بيروت، لم يقطع عرفات علاقاته. والشيخ أمين الجميل، وكذلك كريم بقرادوني، يستطيعان أن يفيدا في هذا الأمر. لم يقطع عرفات علاقته نهائيًا بحزب الكتائب اللبنانية، ولا بداني شمعون.

أحمد منصور: كان يحاربهم، وفي الوقت نفسه يحتفظ بعلاقة معهم؟

وليد جنبلاط: نعم، نعم. وشخصيًا، في عدة مرات أثناء وقف إطلاق النار وبعض الهدن العسكرية، كنت أذهب إلى منتجع يُدعى «كورال بيتش».

أحمد منصور: كورال بيتش.

وليد جنبلاط: نعم، في بيروت الغربية. وكنت أسمع أن أبو حسن سلامة كان يلتقي كريم بقرادوني في «كورال بيتش»، وفي الوقت نفسه كان يزور اليمين اللبناني في الأشرفية.

أحمد منصور: وما تفسيرك لذلك؟

وليد جنبلاط: كان عرفات يؤمن بمقولة مفادها ألّا يقطع الصلة مع أحد.

أحمد منصور: كنت أتعجب من أمر وأنا أقرأ الكتب وأرتب المشهد.

وليد جنبلاط: حتى إنه قيل عنه، على سبيل المزاح، إنه قال: «لن أقطع علاقتي حتى مع الشيطان، فقد أحتاج إليه يومًا ما».

أحمد منصور: هذه نكتة فعلًا.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: كنت أجد أنكم، أنتم القادة اللبنانيين، تتقاتلون نهارًا، ثم تتناولون العشاء معًا ليلًا.

وليد جنبلاط: لا، كلا. أين هذا الأمر؟

أحمد منصور: هذا هو المشهد الذي بدا لي، سواء مع عرفات أو معكم.

وليد جنبلاط: لا، أنت تظلمنا. نحن كنا…

أحمد منصور: كانت عداوتك واضحة مع الآخرين؟

وليد جنبلاط: كانت عداوتي، وعداوة كمال جنبلاط، واضحة. وحتى إننا لم نكن نعلم بخفايا اتصالات عرفات الداخلية. ولست أدري إن كان أمين الجميل قد أخبرك بهذا الأمر.

أحمد منصور: أمين الجميل؟

وليد جنبلاط: نعم. قبل خروج عرفات من بيروت، أتى الشيخ أمين الجميل وزار أبو إياد، صلاح خلف، في منزله. هل جاء لتوديعه أم لغير ذلك؟ لا أدري. لكنه زاره في منزله وفي مقره.

أحمد منصور: أمين الجميل قال لي إن علاقته بك أنت لم تنقطع، وإنه كان الوحيد الذي يذهب إلى بيروت الغربية حتى في ذروة القتال.

وليد جنبلاط: في ذروة القتال لم أرَ أمين الجميل. لكننا كنا دائمًا على اتصال، نعم، رغم العداوة السياسية مع شقيقه ومع حزب الكتائب. وكان ضابط الاتصال أحيانًا جوني عبده، وأحيانًا ميشال سماحة، الذي اعتُقل بتهمة معينة في السنوات الأخيرة ثم أُفرج عنه.

أحمد منصور: كان لميشال سماحة علاقة قوية بالسوريين.

وليد جنبلاط: كانت له علاقة قوية بالسوريين، إلى جانب كريم بقرادوني. وكان كل من ميشال سماحة وكريم بقرادوني بمثابة ضابطي اتصال بين الشيخ بيار الجميل والسوريين، في إطار النظرية السياسية القائمة على التقارب بين الحزبين، وتقارب الموارنة مع العلويين.

علاقة الموارنة بالعلويين

أحمد منصور: حدثني عن فكرة التقارب بين الموارنة والعلويين.

وليد جنبلاط: كان هناك تيار سياسي سوري، يغلب عليه الطابع العلوي، يدعو إلى تقارب الأقليات، أي الموارنة والعلويين. نعم، كان هناك مثل هذا التيار، وقد نما وتعزز مع الوقت.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: وهذا ما يفسر لنا، عندما نتحدث عن مرحلة 1975 ـ 1976، وربما حتى قبل عام 1974…

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: وهذا أيضًا ما يفسر لنا لماذا اغتال النظام السوري رفيق الحريري.

أحمد منصور: عام 2005.

وليد جنبلاط: عام 2005. لكن هناك تسلسلًا للأحداث؛ تسلسلًا قائمًا على إضعاف سُنّة لبنان، وسُنّة سوريا، وسُنّة…

أحمد منصور: العراق.

وليد جنبلاط: العراق، لصالح هذا التحالف الذي ضم لاحقًا بعضًا من الطائفة الشيعية. وأقول بعضًا؛ لأن نبيه بري عربي لبناني، يعود في مرجعيته إلى مدرسة النجف، وكذلك الشيخ محمد مهدي شمس الدين. أما الآخرون فجاءوا بنظرية ولاية الفقيه.

تقاطع المصالح السورية الإسرائيلية في إخراج الفلسطينيين من لبنان

أحمد منصور: تريد أن تقول إن المشهد الذي تراكم اليوم في العراق وسوريا ولبنان…

وليد جنبلاط: يعود إلى الأمس.

أحمد منصور: يعود إلى منتصف السبعينيات.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: وأن هذا نتاج ما رتبه الأسد مع الموارنة وبعض الشيعة؟

وليد جنبلاط: رتبه الأسد مع بعض الموارنة وبعض الشيعة. وهذا أيضًا من نتائج غزو العراق. وقد أهديتني بالأمس كتابًا عن معركة الفلوجة، وأشكرك على ذلك. لكن عندما تغزو العراق، بغض النظر عن إعجابنا أو عدم إعجابنا بصدام حسين، فإنك تُسقط حاجزًا عربيًا قويًا في مواجهة إيران. ثم جاء اغتيال رفيق الحريري عام 2005، وقبله تسميم واغتيال ياسر عرفات عام 2004، وقبل ذلك سقوط صدام حسين عام 2003. عندها اكتملت الحلقة.

أحمد منصور: وهل تعود أيضًا إلى رشيد كرامي؟

وليد جنبلاط: رشيد كرامي عام 1987.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: إنه مسلسل جهنمي لا يُصدق، لكنني أفسره بهذه الطريقة.

أحمد منصور: اسمح لي أن نتوسع قليلًا في هذا الموضوع، سواء من خلال ما عشته سياسيًا أو من خلال قراءاتك الواسعة. فالناس اليوم نخبرها دائمًا أن الواقع الذي نعيشه هو نتاج التاريخ القريب، لكن كثيرين لا يريدون النظر حتى إلى هذا التاريخ القريب. وفي الوقت نفسه، أنت تتحدث عن أحداث كانت تبدو صغيرة وغير مفهومة في السبعينيات، لكن نتائجها أصبحت واضحة اليوم، بعد ثلاثين أو أربعين عامًا، في مشهد سياسي متفكك وتحالفات يصعب على الناس فهمها.

وليد جنبلاط: صحيح. هكذا أرى الأمور، وهكذا اقتنعت بها بعد تراكم الأحداث، وخاصة بعد اغتيال رفيق الحريري، الشخصية السنية اللبنانية والعربية والعالمية البارزة. نعم، هذا استنتاجي، وقد أكون مخطئًا، لكنه ما توصلت إليه.

أحمد منصور: أريد أن أعود إلى موضوع إخراج الفلسطينيين من لبنان؛ لأن إخراجهم كان هدفًا سوريًا بالنسبة لحافظ الأسد، ولم يكن هدفًا إسرائيليًا فقط.

وليد جنبلاط: اجتمعت المصالح الكبرى الإسرائيلية والسورية بطريقة أو بأخرى على تدمير منظمة التحرير الفلسطينية، ثم على الاغتيال السياسي، ولاحقًا الجسدي، لياسر عرفات. كل طرف نفذ المهمة بطريقته.

أحمد منصور: هذا التحالف الذي تحدثت عنه، بين بعض الموارنة وبعض العلويين وبعض الشيعة، والذي أنتج الواقع الحالي في المنطقة، هل كانت إسرائيل بعيدة عنه، أم أنه كان ينسجم مع خططها وأهدافها؟

وليد جنبلاط: ما دمت لا تهدد مصالح إسرائيل، فإنها تسمح بمرور مثل هذه المشاريع. لكن هل كانت تعلم إسرائيل آنذاك أن هذا المشروع، الذي تعزز خصوصًا بعد إسقاط صدام حسين على يد جورج بوش وديك تشيني وبول وولفويتز وغيرهم من المحافظين الجدد، سيؤدي إلى هذا الامتداد السياسي والعسكري؟

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: أعتقد أن إسرائيل لم تكن تتوقع أن ينتهي الأمر إلى ظهور قوة عسكرية وسياسية بحجم حزب الله.

أحمد منصور: حزب الله يهدد إسرائيل فعليًا.

وليد جنبلاط: بالطبع. وما يجري اليوم يضعنا أمام مشهد يكاد يكون سرياليًا. تستطيع إسرائيل مهاجمة لبنان واحتلال أجزاء منه، لكنها لن تنجح في القضاء على حزب الله أو هزيمته.

طوفان الأقصى
طوفان الأقصى

إشادة وليد جنبلاط بطوفان الأقصى

أحمد منصور: هي لم تستطع هزيمة حماس في بقعة صغيرة من الأرض، فكيف لها أن تهزم حزب الله؟

وليد جنبلاط: وتجربة عام 2006، وهي حرب كانت قاسية جدًا، لم تعلم إسرائيل الدرس.

أحمد منصور: سنأتي إلى ذلك في حينه. لكن هذا يدفعنا إلى محاولة فهم وضع إسرائيل اليوم. فبعد نحو سبعة عقود من التفاخر بأنها القوة الكبرى في المنطقة، تبدو الآن عاجزة.

وليد جنبلاط: لقد وجدت نفسها أمام تنظيم مسلح يمتلك عقيدة قتالية راسخة، ويواجه جيشًا كان يوصف بأنه لا يُقهر. ومع ذلك، اسمح لي أن أخالفك في نقطة تتعلق بالسابع من أكتوبر.

أحمد منصور: عام 2023.

وليد جنبلاط: نعم. كنت من أوائل الذين حيّوا عملية حماس. وقد تعرضت لانتقادات، بل إن السفيرة الأمريكية جاءت وطلبت مني سحب موقفي، فقلت لها: لن أسحبه. لقد فاجأ الفلسطينيون إسرائيل والعالم، وأثبتوا أن الشعب الفلسطيني ما زال قادرًا على الفعل. والسابع من أكتوبر كان أكبر مفاجأة منذ خمسين عامًا، تمامًا كما حدث عندما اجتازت الجيوش العربية الجولان وخط بارليف في حرب أكتوبر، وهو ما كان نصرًا عسكريًا أُجهض لاحقًا بالتسويات السياسية.

أحمد منصور: ونحن نتحدث عن أخطاء عرفات في لبنان التي أدت إلى خروج منظمة التحرير وقواتها من هناك، صف لي اللحظة التي خرج فيها عرفات إلى السفينة التي أقلته إلى قبرص ومنها إلى تونس.

وليد جنبلاط: أوصلناه إلى المرفأ، وودعناه، وتعانقنا، ثم…

أحمد منصور: هل بكيت؟

وليد جنبلاط: نعم، بكيت. وكان هناك ضابط في الجيش اللبناني نظر إليّ نظرة استغراب، وقال لي: «ألست لبنانيًا؟». فقلت له: «بلى، أنا لبناني، لكن على طريقتي».

أحمد منصور: يا سلام.

وليد جنبلاط: هناك خلاف سياسي؛ فأنت تؤمن بشيء وأنا أؤمن بشيء آخر. وحتى هذه اللحظة، ومع الأسف، ورغم اتفاق الطائف، لم نحدد هوية لبنان بصورة نهائية.

أحمد منصور: كل طرف يفهمها بطريقته.

وليد جنبلاط: وحتى اليوم أيضًا لم نستطع كتابة تاريخ لبنان الحديث في كتاب واحد.

أحمد منصور: لأن كل طرف يرويه من زاويته.

وليد جنبلاط: نعم.

أسباب توقيع عرفات اتفاق أوسلو؟؟

أحمد منصور: هل توقعت، بعد خروج عرفات من لبنان، أن ينتهي به المطاف إلى توقيع اتفاقية أوسلو، ثم العودة إلى الضفة الغربية وغزة في ظل الهيمنة الإسرائيلية؟

وليد جنبلاط: كان عرفات بين المطرقة العربية والسندان الإسرائيلي. وكان يناور منذ وجوده في الأردن، بل وقبل ذلك. تذكر أن حافظ الأسد اعتقل عرفات في منتصف الستينيات، عندما حاول تنفيذ عمليات عسكرية من الجولان. آنذاك قال له النظام السوري إن ذلك خط أحمر، وتم اعتقاله.

كان عرفات يحاول التخلص من هيمنة الأنظمة العربية، وكان يردد مقولة سمعتها منه في لبنان، تجمع بين المزاح والسياسة: «أعطوني عشرة كيلومترات في فلسطين، وسأقيم عليها دولة فلسطين».

وكان في ذلك قدر من الوهم. ففي اتفاقية أوسلو لم يُحسم الوضع النهائي للضفة الغربية، كما لم يُحسم وضع القدس والمقدسات، وعلى رأسها المسجد الأقصى.

أحمد منصور: المسجد الأقصى.

وليد جنبلاط: نعم، المسجد الأقصى. وقد ظن عرفات أن أي مساس إسرائيلي بالأقصى سيؤدي إلى انتفاض العالمين العربي والإسلامي. لكن هذا لم يحدث. انظر إلى غزة اليوم، وأين هو العالم العربي؟ وأين هو العالم الإسلامي؟ وانظر إلى الضفة الغربية التي تكاد تكون قد ابتُلعت بالكامل، ولم يبقَ سوى غور الأردن، وربما يأتي يوم يُعترف فيه أمريكيًا بضمها رسميًا إلى إسرائيل.

أحمد منصور: أصبح عرفات الآن طريدًا، بعيدًا عن حدود فلسطين التي كان يقاتل من أجل تحريرها. ماذا كان يعني له الخروج من لبنان بعد أن خرج من الأردن قبل ذلك؟

وليد جنبلاط: كانت هزيمة قاسية بالنسبة إليه. أعتقد أنه عاش أيامًا صعبة جدًا. فبالنسبة له، كان الأردن ثم لبنان يمثلان خطوط المواجهة المباشرة مع إسرائيل وفلسطين المحتلة. ولذلك كان الابتعاد عنهما ضربة مؤلمة.

أحمد منصور: هل كانت أزمة عرفات أنه لم يكن يقاتل لتحرير وطنه من أرض وطنه، بل من أراضي دول أخرى؟

وليد جنبلاط: صحيح. لقد قاتل من خلال الأردن، وقاتل من خلال لبنان، ولم يكن يقاتل من أرضه. كما خاض النضال عبر الانتفاضات السلمية، وحرّك الشارع الفلسطيني مرتين أو ثلاث مرات، وكان الأساس في هذا التحريك أبو جهاد، خليل الوزير. لكنه، في النهاية، لم يكن يملك القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية داخل فلسطين.

أحمد منصور: لكن الانتفاضات قامت بها الجماهير داخل فلسطين. فحركة حماس، عندما وُلدت عام 1987، هي التي قادت الانتفاضة الأولى، والناس في غزة والضفة الغربية هم الذين صنعوا الانتفاضات.

وليد جنبلاط: علينا أيضًا أن نعطي حركة فتح حقها في هذا الموضوع. فحركة فتح الأولى، حركة فتح المناضلة، من الأردن إلى لبنان، كانت الأساس. ثم جاءت حماس فاستبدلت الفراغ وملأته.

أحمد منصور: كان الفلسطينيون حلفائك، ثم فرغ لبنان من المقاتلين الذين خرجوا، وأصبحت الآن تشعر بشيء من الضعف.

وليد جنبلاط: انتهت المقاومة، وانتهت الحرب الأهلية في لبنان فعليًا عامي 1990 و1991 باتفاق الطائف.

أحمد منصور: لا، أنا ما زلت عند عام 1982 وخروجهم آنذاك.

وليد جنبلاط: نعم، عام 1982.

أحمد منصور: شكّل عرفات لجنة لدراسة أسباب الفشل الفلسطيني في لبنان، وأُعدّت التقارير، لكنه دمّرها ولم يسمح بظهورها بعد ذلك.

وليد جنبلاط: لم أسمع بهذه اللجنة. لكن إحدى الغلطات الكبيرة، أو الهفوات الكبيرة، لعرفات أو لمعاونيه، أن أبا إياد، صلاح خلف، قال في تصريح عام 1975 إن تحرير فلسطين يمرّ من جونية.

وليد جنبلاط: وكانت تلك نكسة كبيرة استغلها اليمين اللبناني إلى أقصى حد.

أحمد منصور: بعد خروج…

وليد جنبلاط: هفوة كبيرة، وغلط كبير.

تنفيذ الموارنة والإسرائيليين لمجزرة صبرا وشاتيلا

أحمد منصور: بعد خروج الفلسطينيين من لبنان، في 15 سبتمبر/أيلول، قام كل من رفائيل إيتان وأمير دوري، قائد الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، مع إيلي حبيقة، مسؤول الاستخبارات في القوات اللبنانية، وضباط موارنة، بالدخول إلى مخيمي صبرا وشاتيلا، وارتُكبت واحدة من أبشع المجازر في تاريخ لبنان خلال الحرب الأهلية. كيف ومتى علمت بما حدث في صبرا وشاتيلا؟

وليد جنبلاط: كنا في دمشق، واستمرت المجزرة يومين أو ثلاثة.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: علمت بتفاصيل المجزرة من خلال قراءة بعض التفاصيل في تقرير كاهان، وفي كتاب آخر.

أحمد منصور: لكن هذا جاء متأخرًا جدًا، فتقرير كاهان لم يصدر مباشرة بعد المجزرة.

وليد جنبلاط: قرأنا عنها في بعض الصحف. أوقعوا اليمين اللبناني ــ وهذا تفسيري ــ في هذا الخطأ، في هذا الكمين. وإذا أردت استخدام كلمة “الموارنة”، فقد أوقعوا الموارنة في هذا الخطأ أيضًا. أحاطوا بالمخيم من كل جانب، ثم أدخلوا إيلي حبيقة وغيره من الضباط وغير الضباط، فارتُكبت المجزرة. ارتعب الناس، واستطاع بعضهم من محيط المخيم الوصول إلى بيت الرئيس صائب سلام، وقالوا له إن شيئًا غريبًا يجري هناك، وإن مذبحة تُرتكب. فاتصل صائب سلام بالسفارات الغربية، وبفيليب حبيب، على ما أعتقد.

أحمد منصور: لكن ذلك كان بعد يومين، وكانت المجزرة بشعة حين كُشفت تفاصيلها، وكانت بشراكة بين الإسرائيليين والموارنة.

وليد جنبلاط: هنا روبرت، أحد الذين ذهبوا إلى صبرا وشاتيلا، كما يقول. لكن هناك صحفي، إن كان لا يزال على قيد الحياة، هو جوناثان راندال، من كبار الصحفيين، ويقيم اليوم في باريس وقد تجاوز الثمانين من عمره، وهو صحفي يُعتدّ بمصداقيته.

قصف أحمد جبريل لطرابلس بتوجيه من الأسد

أحمد منصور: شفيق الحوت، في شهادته على العصر، روى تفاصيل كثيرة لأنه ذهب أيضًا إلى هناك كشاهد عيان. وأنا سألت أمين الجميل وجوني عبده عن التفاصيل، وكذلك أحمد جبريل في شهاداتهم على العصر، لمن أراد الرجوع إليها. بعد خروجه من بيروت، عاد ياسر عرفات إلى طرابلس متنكّرًا في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1983. كيف كان وقع ذلك عليك عندما علمت بعودته؟

وليد جنبلاط: لا أذكر ما كان وقع ذلك عليّ. كنت تحت صدمة الخروج من بيروت واحتلال الإسرائيليين للجبل.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: ارتكب ياسر عرفات خطأً كبيرًا بمحاولته محاربة حافظ الأسد من طرابلس، التي دُمّر جزء منها، ولا سيما باب التبانة، وقُتل المئات من الأهالي وشُرّد الآلاف. وكان أحمد جبريل أحد المشاركين في هذه المجزرة من خلال قصف طرابلس.

أحمد منصور: كان أحمد جبريل يأتمر بأوامر حافظ الأسد.

وليد جنبلاط: صحيح، وأنا أؤيدك في ذلك، لكنه كان عمليًا فاعلًا قويًا في هذه المجزرة، وفي تلك المعركة.

أحمد منصور: في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 1983، وفي واحدة من أكبر جرائم حافظ الأسد، قامت القوات السورية بتطويق طرابلس وقصفها بعنف شديد من أجل إخراج عرفات منها.

وليد جنبلاط: نعم، لكن طرابلس كانت في غنى عن هذه المعركة. وعندما نتحدث عن باب التبانة، وهو حي سني شعبي كبير يجاور حي جبل محسن العلوي في طرابلس، فإننا كنا في غنى عن خلق هذا الحقد بين الطائفتين.

أحمد منصور: غادر عرفات المدينة برفقة 4700 مقاتل على متن سفينة يونانية، بحماية فرنسية، متجهًا إلى اليمن والسودان والجزائر. ويُعرف ذلك بالخروج الثاني لعرفات من لبنان.

وليد جنبلاط: صحيح، وكان الأخير.

أحمد منصور: لخّص لي أخطاء عرفات في لبنان في نقاط.

وليد جنبلاط: هذه إحدى الأخطاء. وإذا أردت أن أستعيد ذاكرتي، فإن أخطاءه لا تُحصى، لكن يكفي ما ذكرناه.

أحمد منصور: بعد اغتيال بشير الجميل، جاءت رئاسة الجمهورية إلى أخيه أمين الجميل على طبق من ذهب. لكنك كنت تعترض على أمين كما كنت تعترض على بشير من قبل.

وليد جنبلاط: صحيح. كنت أعترض على وصول الشيخ أمين الجميل إلى الرئاسة. آنذاك، لم يبقَ من جبهة النضال الوطني، وهي الجبهة النيابية التي كان يترأسها كمال جنبلاط، سوى اثنين على قيد الحياة: الشيخ توفيق عساف، وزاهر الخطيب. وزاهر لا يزال حيًا يُرزق، وهو رفيقنا في الحزب منذ زمن طويل. أما الشيخ توفيق، فلم ينصع لموقفنا، وفضّل انتخاب أمين الجميل، ربما حفاظًا على وحدة الجبل.أحمد منصور: في الحلقة القادمة نتناول انتخاب أمين الجميل رئيسًا للبنان، ومعركة الجبل بين الموارنة والدروز. أشكرك جزيل الشكر، كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان. وفي الختام، أنقل لكم تحيات فريق البرنامج. وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج9: قيادة أسرى حماس للعمل العسكري ضد الاحتلال وتسابقهم في دراسة اللغة العبرية

التالي
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج 10: اختطاف شاليط وصفقة وفاء الأحرار

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share