في الحلقة العاشرة من شهادته على العصر، يواصل أحمد منصور، الاستماع لشهادة الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأحد مؤسسي كتائب القسام، واستعرضا خلالها، اختطاف شاليط وصفقة وفاء الأحرار، و دور الأسرى داخل السجون الإسرائيلية ..
وتحدث عيسى في الحوار عن تشكيل الهيئة العليا للأسرى لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) داخل سجون الاحتلال، باعتبارها إحدى وسائل النضال الفلسطيني، وكيف أدركت هذه الهيئة لاحقا أن نضالها يجب أن يتوسع خارج السجون أيضا.

رابط الحلقة على الجزيرة 360
وأضاف أن نضال الهيئة خارج السجون كان سياسيا شمل مشاورات تتعلق بتشكيل المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، كما كان لها دور في “وثيقة الأسرى للوفاق الوطني” لوقف الاقتتال الذي اندلع بعد رفض جزء من أعضاء حركة (فتح) لنتائج الانتخابات التشريعية، ومن الموقعين على وثيقة الأسرى الشهيرة كان مروان البرغوثي عن فتح، ومحمد جمال النتشة عن حماس، وعبد الرحمن ملوح عن الجبهة الشعبية، وقال إن هذه الوثيقة كانت الأولى في التاريخ الفلسطيني التي يجمع عليها الإسلاميون والقوميون والعلمانيون.
وأوضح عبد الناصر عيسى أن مؤسس الحركة الشيخ الشهيد أحمد ياسين كان مؤيدا لخوض الانتخابات التشريعية عام 1995، غير أن غالبية الشورى لم تؤيدها فلم تخضها حماس، وأكد أن غالبية أعضاء حماس لم يتوقعوا الفوز الكاسح الذي تحقق في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، واستنكر رفض قوى سياسية فلسطينية الاعتراف بنتائج صندوق الاقتراع، رغم أنها “كانت من أنزه الانتخابات بشهادة المحايدين، وعبرت عن نبض الشارع”.
وأسهب عميد الأسرى المحررين في حركة حماس في الحديث عن دور قيادات الأسرى في ملف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، وخاصة في مناقشة قوائم المفرج عنهم ومعايير التفاوض خلال السنوات التي سبقت صفقة “وفاء الأحرار” عام 2011.
كما استعرض مكانة الشهيدين يحيى السنوار وأحمد الجعبري وغيرهما في إدارة الملف، والظروف التي رافقت المفاوضات الطويلة حتى إتمام الصفقة.

نص حوار عبد الناصر عيسى ج10 عن:
اختطاف شاليط وصفقة وفاء الأحرار
أحمد منصور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة عميد أسرى حركة حماس المفرج عنهم من سجون الاحتلال الإسرائيلي عبد الناصر عيسى أبو حذيفة مرحبا بك.
عبد الناصر عيسى:
حياكم الله.
أحداث 2006
أحمد منصور:
شهد عام 2006 أحداثًا كثيرة، ولكن قبل ذلك العام كنتم قد انتهيتم داخل السجون من تشكيل الهيئة العليا لأسرى حركة حماس؟
عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
هل كان دوركم مقتصرًا على ما يجري داخل السجون فقط، وترتيب أمور الأسرى، أم إن دور الأسرى بدأ يأخذ منحًى آخر يتعلق بالخارج في ذلك الوقت؟
عبد الناصر عيسى:
لا شك أن الدافع إلى تشكيل قيادة موحدة لأسرى حماس كان دافعًا نضاليًا ضد سلطات الاحتلال داخل السجون. فبعد الإضراب، كان كل سجن يعمل بصورة شبه مستقلة وله تنظيم منفصل، فرأينا أن من الضروري وجود قيادة موحدة تتخذ القرارات؛ فمواجهة الاحتلال تستدعي وحدة الصف، وهذا أمر بديهي.
وقد توافق الجميع على ذلك، وشُكِّلت لجنة انتخابية بالتوافق مع الشيخ حسن يوسف، والشيخ محمد جمال النتشة، ويحيى السنوار “أبو إبراهيم”. وكانوا جزءًا من هذه المشاورات. أما أنا فكنت عضوًا في لجنة الانتخابات، وأتابع أعمالها، ثم أُجريت الانتخابات، وفي نهاية المطاف تشكلت هذه الهيئة.
كان الدافع في البداية نضاليًا ضد الاحتلال داخل السجون، لكننا أدركنا لاحقًا أنه ينبغي أن يكون لنا دور أيضًا خارج السجون، باعتبارنا جزءًا من العملية النضالية، وكذلك من العملية الشورية والحركية داخل حركة حماس. وبالفعل تواصلنا مع الإخوة في الخارج.
أحمد منصور:
عمل سياسي؟
عبد الناصر عيسى:
عمل سياسي فقط.
تشكيل المجلس التشريعي عام 2006
أحمد منصور:
أي إنكم كنتم في اتفاق مع الإسرائيليين، وفق اتفاق هداريم؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، بحيث لا يكون هناك عمل عسكري. ومن ثم أصبحت لدينا اهتمامات أخرى. فعلى سبيل المثال، كان لنا دور ورأي في تشكيل المجلس التشريعي عام 2006، وكنا نتناقش حول ذلك. كما كان لنا دور في وثيقة الأسرى التي هدفت إلى وقف الاقتتال الذي تطور بعد الانتخابات التشريعية، نتيجة رفض جزء مهم من الإخوة في حركة فتح نتائج الانتخابات عمليًا، وسعيهم إلى تعطيلها، فعملنا على إعداد وثيقة الأسرى.
أحمد منصور:
دعني أعود إلى هذه النقطة حتى لا نستبق الأحداث.
عبد الناصر عيسى:
أنا ذكرت لك المختصر.
أحمد منصور:
حتى نفهم طبيعة تطور دور الأسرى داخل السجون؛ من مجرد أسرى يهتمون بأمورهم الخاصة إلى أن أصبح لأسرى حماس دور رئيسي في الرأي والمشورة فيما يتعلق بالقرارات الأساسية للحركة.
عبد الناصر عيسى:
هذا صحيح.
أحمد منصور:
إذن كانت البداية بتشكيل الهيئة العليا، التي كنت أول رئيس لها عام 2005؟
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
عندما قررت حماس دخول الانتخابات التشريعية عام 2006، هل تمت مشاورتكم في هذا الأمر؟
عبد الناصر عيسى:
طبعًا.
أحمد منصور:
كيف؟
عبد الناصر عيسى:
من خلال الرسائل، ومن خلال وسائل أخرى لا أريد التطرق إليها. وكنا نتواصل مع الحركة بطرق مختلفة، ونطرح وجهات نظرنا.
بل إن هناك اقتراحات قُدمت لترشيح أسرى من داخل السجون، فتم ترشيح الشيخ جمال أبو الهيجا، وكذلك الشيخ محمد جمال النتشة، كما تم ترشيح الشهيد القائد صالح العاروري من منطقته. وكان هناك عدد من الأسرى المرشحين.
أحمد منصور:
هم رشحوهم؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، تم ترشيحهم.
أحمد منصور:
وتم التصويت عليهم وقُبلوا كمرشحين؟
عبد الناصر عيسى:
نعم. بعضهم وُضع في مواقع متقدمة، وبعضهم في مواقع متأخرة. فالشيخ محمد جمال النتشة، على سبيل المثال، نجح وأصبح عضوًا في المجلس التشريعي، بينما رأت الحركة أن تضع آخرين في القائمة دعمًا لها، وليس بالضرورة بهدف وصولهم إلى المجلس.
أحمد منصور:
لا تزال هناك أسئلة كثيرة تُطرح: لماذا دخلت حركة حماس الانتخابات التشريعية عام 2006، رغم أن هذه الانتخابات كانت نتاجًا لاتفاق أوسلو، الذي تعارضه حماس؟
عبد الناصر عيسى:
كما تعلم، كنا جزءًا من هذا النقاش، وقد تمت مشاورتنا فيه. وكنا، كأسرى، نؤيد دخول الحركة الانتخابات. وأنت تعلم أن الشيخ أحمد ياسين كان يؤيد ذلك منذ عام 1995، لكن غالبية مجلس الشورى رفضت الأمر، ولذلك لم ندخل انتخابات عام 1996.
وهذه المسألة تخضع لتقدير الموقف ولقرار الشورى، وليست قرار شخص بعينه. وقد أيدنا دخول الحركة الانتخابات التشريعية، لكننا كنا نرى ضرورة وضع تصورات وسيناريوهات متوقعة لما بعد الانتخابات، خصوصًا في حال النجاح.
في الحقيقة، لم يكن أحد يتوقع هذا الفوز الكاسح. فلم نكن نتوقع أن الشعب الفلسطيني قد سئم مشروع أوسلو ورموزه إلى هذا الحد، ويقرر منح صوته لحماس وللمقاومة.
حماس تكتسح انتخابات المجلس التشريعي
أحمد منصور:
وهل كان هناك توقع بأن تكتسح حماس الانتخابات وتجد نفسها أمام مسؤولية تشكيل الحكومة؟
عبد الناصر عيسى:
كان هناك توقع بالفوز، نعم. بعض الإخوة توقعوا تحقيق نسبة جيدة، لكن ليس فوزًا كاسحًا. أما هذا الحجم من الانتصار فلم يكن متوقعًا إلا لدى نسبة قليلة جدًا.
أحمد منصور:
هل شعرتم بأنها ورطة؟
عبد الناصر عيسى:
على العكس تمامًا. نحن في السجن لم نشعر بأنها ورطة. بل رأيت بعض الإخوة في حركة فتح في حالة حزن شديد، فذهبت إلى أحد كبارهم، وكان صديقًا لي، وقلت له مواسيًا: إن هذا ليس فوزًا ساحقًا من حيث نسب الأصوات. صحيح أننا حصلنا على أغلبية المقاعد، لكن الفارق في نسبة التصويت العامة لم يكن كبيرًا؛ إذ كان الفارق بيننا وبين حركة فتح نحو نقطتين مئويتين فقط.
أحمد منصور:
هل تعتقد أن كل ما حدث في فلسطين، في الضفة وغزة، منذ عام 2006 وحتى الآن، كان نتيجة دخول حماس هذه الانتخابات؟
عبد الناصر عيسى:
إلى حدٍّ ما، نعم. لكن ذلك لم يكن مقصودًا. فقد كانت هناك نتائج كامنة وغير متوقعة. كنا نعتقد أن الجميع سيحترم نتائج صناديق الاقتراع، لكن قوى أساسية داخل الساحة الفلسطينية، وخصوصًا في حركة فتح، رفضت تلك النتائج.
نحن سعينا دائمًا إلى الوحدة الوطنية على أساس مشروع المقاومة، ولم يكن ذلك مجرد شعارات، لكن بعض الأطراف رفضت ذلك. بل إن بعض ضباط المخابرات الفلسطينيين الذين التقينا بهم قالوا: “نحن الذين بنينا السلطة، فكيف تأتون وتأخذونها بهذه البساطة؟”.
أحمد منصور:
أين اعتُقل هؤلاء؟
عبد الناصر عيسى:
بعضهم اعتُقل لدى إسرائيل. وبعض أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية كانوا جزءًا من مقاومة الاحتلال في مراحل سابقة، وكان لهم دور نضالي معروف.
أحمد منصور:
هذا كان في السابق.
عبد الناصر عيسى:
نعم، في السابق. أما الآن فهذه الحالات أصبحت قليلة جدًا ومحدودة.
أحمد منصور:
أريد أن أعود إلى نتائج الانتخابات التشريعية عام 2006. هل ما حدث يُعد دليلًا على أن الانتخابات كانت نزيهة؟
عبد الناصر عيسى:
حتى المراقبون المحايدون شهدوا بنزاهتها، وكانت من أنزه الانتخابات التي جرت، وكانت نتائجها تعبر بصورة دقيقة عن نبض الشارع الفلسطيني.
أحمد منصور:
في 25 يونيو/حزيران 2006 التقى محمود عباس بإسماعيل هنية، الذي أصبح رئيسًا للحكومة.
عبد الناصر عيسى:
رحمه الله.
أحمد منصور:
لكن قيادة السلطة في رام الله رفضت الإقرار الكامل بفوز حماس، وفشلت محاولات التفاهم.
عبد الناصر عيسى:
ليس الضفة الغربية عمومًا، بل بشكل أدق المقاطعة في رام الله، أي أبو مازن ومجموعته.
أحمد منصور:
ثم وقع الصدام، وانتهى الأمر بالحسم في غزة.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
وثيقة الأسرى
أحمد منصور:
في مايو/أيار 2006 توصلتم في السجون إلى ما عُرف بوثيقة الأسرى. في البداية رفضتها حماس، ثم قبلتها بعد إدخال تعديلات عليها.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
حدثنا عن وثيقة الأسرى، التي تُعد أحد أهم الوثائق التي نظمت العلاقة بين الفصائل داخل السجون. فهذه الوثيقة لم تكن مبادرة خاصة بحماس وحدها…
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
الجميع أطلقها؟
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
حدثنا عن أهمية وثيقة الأسرى في تاريخ النضال الفلسطيني في تلك المرحلة، وفي تاريخ الحركة الأسيرة على وجه الخصوص.
عبد الناصر عيسى:
كنا مجموعة من المعتقلين الفلسطينيين من قيادات الحركة الأسيرة، وكان معظمنا موجودًا في سجن هداريم، وهو سجن صغير، لكنه كان يضم قيادات الأسرى. وكان ذلك يُعد نوعًا من العزل وإبعاد القيادات عن جماهير الأسرى، إن صح التعبير.
كنت موجودًا في هداريم، وكذلك الشيخ عبد الخالق النتشة، ويحيى السنوار، وروحي مشتهى، وموسى دودين، وعدد من الإخوة من أعضاء الهيئة داخل السجن.
أحمد منصور:
موسى دودين سجلت معه لقاءً في برنامج “بلا حدود”.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
نعم.
عبد الناصر عيسى:
وهو من القيادات الأساسية للحركة داخل السجون وخارجها. وكنا داخل السجن، وكانت لي علاقة خاصة مع الإخوة في حركة فتح.
أحمد منصور:
من كانوا أبرز القيادات في فتح؟
عبد الناصر عيسى:
كانت لي علاقة طيبة وخاصة مع الأخ مروان البرغوثي. وهو قائد وطني فلسطيني كبير ومناضل، ولا تزال إسرائيل ترفض الإفراج عنه حتى هذه اللحظة. ومن خلال علاقاتنا اليومية كأسرى…
أحمد منصور:
ومن غير مروان البرغوثي؟
عبد الناصر عيسى:
كان مروان في المرتبة الأولى عن حركة فتح، وكان عبد الرحيم ملوح يمثل الجبهة الشعبية.
أحمد منصور:
وهل كانت هناك فصائل أخرى؟
عبد الناصر عيسى:
هؤلاء الثلاثة كانوا الأبرز. وبصراحة، كان مروان البرغوثي وأنا في مقدمة المنسقين والمرتبين لهذا العمل، لكننا كنا نعمل جميعًا كفريق واحد، ولم يكن أحد يعمل بمفرده.
في حماس، كنت أنا والشيخ عبد الخالق النتشة نتابع الأمور بشكل أساسي، ونتحاور ونجلس في اللقاءات التحضيرية والنقاشات داخل “الفورة”، وليس في فندق خمس نجوم، بل في ساحة السجن، والسجانون يحيطون بنا من كل جانب.
أحمد منصور:
ما المقصود بـ”الفورة”؟
عبد الناصر عيسى:
هي ساحة صغيرة داخل السجن.
أحمد منصور:
بين الزنازين؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، مساحة تُقدَّر بنحو عشرة أمتار في عشرين مترًا تقريبًا.
أحمد منصور:
وهل كنتم جميعًا في زنازين انفرادية؟
عبد الناصر عيسى:
لا، كان كل أسيرين في زنزانة واحدة. في سجن هداريم كان النظام قائمًا على وجود أسيرين في كل غرفة.
أحمد منصور:
ومن كان معك في تلك الفترة؟
عبد الناصر عيسى:
كان معي في الزنزانة شاب صغير غير معروف نسبيًا، أما في القسم فكان الإخوة الذين ذكرتهم: عبد الخالق النتشة، وموسى دودين، وجهاد يغمور، وروحي مشتهى، وغيرهم.
أحمد منصور:
كم كان عددكم جميعًا؟ من فتح وحماس وبقية الفصائل؟
عبد الناصر عيسى:
كنا نحو ثمانين أسيرًا في القسم.
أحمد منصور:
ومعظمكم من القيادات؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، معظمهم من القيادات. كانوا يجمعون من يعتبرونهم مثيري المشكلات داخل السجون ويضعونهم في هداريم بعيدًا عن بقية الأسرى.
أحمد منصور:
أي أنكم جميعًا كنتم “مشكلجية”؟
عبد الناصر عيسى:
جميعنا.
أحمد منصور:
وهم لم يدركوا أنهم بذلك ارتكبوا خطأً كبيرًا.
عبد الناصر عيسى:
فجمعونا في مكان واحد، فتمكنا من إعداد الوثيقة. والله يفعل ما يريد.
أحمد منصور:
نعم.
عبد الناصر عيسى:
هكذا بدأت الأمور. عقدنا لقاءات أولية، وطرحنا على أنفسنا سؤالًا: ما الذي يدفعنا إلى هذا العمل؟
كان الدافع أننا رأينا، خصوصًا في غزة والضفة الغربية، سقوط عدد من الشهداء نتيجة الاقتتال بين فتح وحماس. ففي نابلس استشهد بعض الإخوة، وكذلك في غزة، وسقط قتلى من أبناء شعبنا. وهؤلاء جميعًا أبناء شعب واحد.
أحمد منصور:
نود أن نُذكِّر المشاهدين بأنكم كنتم داخل السجون، لكنكم تتابعون ما يجري في الخارج عبر التلفاز وغيره من الوسائل.
عبد الناصر عيسى:
نعم، كنا نتابع.
أحمد منصور:
وعبر الراديو أيضًا.
عبد الناصر عيسى:
بشكل دائم ودقيق. كما كان يصل إلينا أسرى جدد اعتُقلوا قبل أسبوع أو أسبوعين، فيطلعوننا على آخر التطورات. وبعض النواب اعتُقلوا أيضًا، فكنا نتلقى منهم معلومات مباشرة.
أحمد منصور:
من أعضاء المجلس التشريعي؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، من أعضاء المجلس التشريعي. ولذلك كنا نعرف الصورة بشكل دقيق، وربما كنا نتابع أحيانًا أكثر من بعض الإخوة في الخارج الذين كانت تشغلهم مسؤولياتهم اليومية.
ومن هنا تولدت لدينا جميعًا الرغبة في القيام بشيء ما؛ تقديم ورقة أو مبادرة أو اقتراح. وبصراحة، لم نتوقع أن تحظى هذه الورقة بكل ذلك الزخم. فقد قدمنا في السابق أوراقًا ومقترحات عديدة لم تحظَ باهتمام يُذكر.
لكن عندما طُرحت هذه الوثيقة، تبناها أبو مازن بسرعة، حتى قبل أن تتخذ الحركة لدينا موقفًا رسميًا منها. فالمواقف داخل الحركة تحتاج عادة إلى وقت بسبب آليات الشورى وما يرافقها من نقاشات وإجراءات متعددة.
أحمد منصور:
رغم أنكم كنتم داخل السجون، فإنكم، كحركة حماس، شاركتم في صياغتها.
عبد الناصر عيسى:
شاركنا فيها، وكنا موافقين عليها.
أحمد منصور:
من يتابع الأمر قد يظن أن الحركة، عندما رفضتها في البداية، لم تكن مشاركة في إعدادها.
عبد الناصر عيسى:
لا، نحن في السجون كنا أصحاب المبادرة. قيادة حماس داخل السجون هي التي بادرت إليها.
أحمد منصور:
هي التي بادرت؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، هي التي بادرت، وكانت مقتنعة بها، وقدمتها كورقة ومقترح للفصائل الوطنية الفلسطينية من أجل دراستها.
أحمد منصور:
إذن، عندما وافق أبو مازن عليها وتبناها، كان يعلم أن حماس كانت وراءها منذ البداية، وأن أسرى حماس كانوا من المبادرين إليها؟
عبد الناصر عيسى:
كانت ثمرة توافق بين حماس وفتح وبقية الفصائل. ومروان البرغوثي كان يعلم ذلك جيدًا. وقد قُدمت بوصفها وثيقة توافق بين الأسرى.
أما تبني أبو مازن لها، فهو أمر طبيعي في ظل حالة الخصام القائمة آنذاك بين الأطراف المختلفة؛ إذ إن رد الفعل الأولي كان قائمًا على الشك والتساؤل: إذا كان أبو مازن قد تبناها، فهل فيها ما يثير الريبة أو يحمل فخًا سياسيًا؟ ولذلك كان هناك رفض أولي لها.
أحمد منصور:
ما سر تبني أبو مازن لها بهذه السرعة؟
عبد الناصر عيسى:
بصراحة لا أعلم. لكنني أعتقد أن الوثيقة كانت تتضمن نقاطًا تخالف فكره ومنهجه السياسي.
أحمد منصور:
طبعًا.
عبد الناصر عيسى:
فهي كانت تتحدث عن المقاومة بكل أشكالها.
أحمد منصور:
الوثيقة منشورة بالكامل، ويمكن لكل من أراد الرجوع إليها أن يطلع عليها.
عبد الناصر عيسى:
نعم، فقد تضمنت التأكيد على المقاومة المسلحة والمقاومة بكافة أشكالها، إضافة إلى عدد من القضايا المهمة.
أما سبب موافقة أبو مازن عليها، فلا أعلم على وجه الدقة ما الذي كان يقف وراء ذلك. ربما كان يعتقد أن حماس لن توافق عليها، وأنه سيتمكن من استخدامها في مناكفة الحركة أو إضعافها أمام الرأي العام. لكن ما حدث في النهاية هو أن الوثيقة أصبحت محل نقاش جدي.
وقد طُلب منا إجراء بعض التعديلات عليها. وبصراحة، أرى أن تلك التعديلات لم تكن جوهرية، وإن كان بعض الإخوة يعتبرها كذلك. كانت تعديلات طفيفة جدًا. وكان هذا رأيي ورأي الأخ أبو جمال، رحمه الله.
وأذكر أنني استخدمت آنذاك تعبيرًا مفاده أننا كنا قد ثبتنا الفكرة بمسمار، فجاء الإخوة واقترحوا إضافة مسمار آخر، فثبتنا الفكرة بصورة أكبر، دون تغيير جوهرها.
أحمد منصور:
وبعد ذلك أقرت حماس الوثيقة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، درستها الحركة وتشاورَت بشأنها بصورة جيدة قبل إقرارها.
أحمد منصور:
ما الدور الذي لعبته هذه الوثيقة بالنسبة للأسرى؟
عبد الناصر عيسى:
أولًا، لقد أظهرت…
أحمد منصور:
أريد فقط أن أنبه المشاهدين إلى أن جميع الكتب التي تناولت التاريخ الفلسطيني تكاد تجمع على أن هذه الوثيقة كان لها دور كبير، سواء كتبها مؤلفون من فتح أو من حماس أو من أي اتجاه آخر.
عبد الناصر عيسى:
صحيح. وفي النهاية وقع عليها الدكتور القائد مروان البرغوثي، والشيخ الجليل عبد الخالق النتشة، وعبد الرحيم ملوح، ومصطفى بدر عن الجبهة الديمقراطية.
وللعلم، كان مصطفى بدر موجودًا في قسم آخر من السجن، وقد أبلغناه بفكرة الوثيقة ومضمونها، فقال لنا: “توكلوا على الله”. وكان موقف الجبهة الديمقراطية إيجابيًا جدًا، ويُحسب لها ذلك.
كما كان عبد الرحيم ملوح من الجبهة الشعبية فاعلًا في النقاشات، وأذكر أنه كان أكثر تشددًا من مروان البرغوثي فيما يتعلق بموقفه من منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي النهاية خرجنا بهذه الوثيقة، التي أعتبرها أول وثيقة في تاريخ الشعب الفلسطيني تحظى بإجماع اليمين واليسار، والإسلاميين والقوميين والعلمانيين، وسائر الاتجاهات السياسية الفلسطينية.
أحمد منصور:
وهو موقف نادر في التاريخ الفلسطيني.
عبد الناصر عيسى:
بالفعل. كما أنها تميزت بعمقها وشموليتها. صحيح أن أوراقًا أخرى ظهرت لاحقًا، لكنها كانت عامة، ولم تتناول القضايا الجوهرية في الملف الفلسطيني بالتفصيل الذي تناولته هذه الوثيقة.

الانقسام الفلسطيني
أحمد منصور:
بعد أن شكل إسماعيل هنية حكومة حماس عام 2006، دخلت العلاقة بين فتح وحماس في مرحلة صراع، وصل إلى حد المواجهة المسلحة في غزة.
عبد الناصر عيسى:
للأسف، نعم.
أحمد منصور:
وفي الضفة الغربية كانت هناك تطورات أخرى أيضًا. كيف كانت العلاقة بينكم داخل السجون، بين أسرى فتح وحماس؟
عبد الناصر عيسى:
منذ البداية كنا منتبهين إلى خطورة الموقف. ولذلك سعينا إلى نشر الوعي بين الأسرى، وقلنا للجميع: انتبهوا، لا نريد أن تنتقل الخلافات إلى داخل السجون.
أحمد منصور:
لكن هل وقعت مشكلات بالفعل؟
عبد الناصر عيسى:
سلطات الاحتلال كانت تخشى أن تفقد السيطرة على السجون، لأن الاستقرار داخلها يمثل أحد أهم أهدافها. ولذلك بادرت إلى فصل أسرى حماس عن أسرى فتح، فجعلت لكل فصيل أقسامًا مستقلة، بحيث لم يعودوا يلتقون ببعضهم.
لكن سجن هداريم كان استثناءً.
أحمد منصور:
أنتم رفضتم ذلك؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، رفضنا الفصل.
أحمد منصور:
بينما قبل الآخرون بذلك؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، قبلوا بالأمر الواقع. أما نحن فقد قدمنا تعهدات وأوضحنا أننا لسنا أطفالًا، وأننا قادرون على ضبط الأمور، فاستمر الوضع كما هو.
وكانت الأجواء صعبة للغاية، والجميع يشعر بالمرارة بسبب الاقتتال وسقوط الضحايا يوميًا. لكننا كنا نعتقد أن وثيقة الأسرى كانت قادرة على معالجة هذه الأزمة لو جرى الالتزام بها.
وبعد سنوات، اكتشفت إسرائيل أن قرار الفصل كان خاطئًا. فقد أصبحت هيئة أسرى حماس وأقسامها المستقلة تقود العمل النضالي داخل السجون.
في السابق، كان اتخاذ قرار بالإضراب المفتوح عن الطعام يتطلب التشاور مع جميع الفصائل، وكانت بعض الفصائل أحيانًا تعطل القرار أو ترفضه. أما بعد الفصل، فقد أصبحت حماس قادرة على تنفيذ برامجها النضالية بصورة مستقلة، وهو ما سبب إرباكًا كبيرًا لإدارة السجون.
أحمد منصور:
وأسرى حماس كانوا الأكثر عددًا؟
عبد الناصر عيسى:
لا، لم يكونوا الأكثر عددًا.
أحمد منصور:
إذن كانت فتح هي الأكبر؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، كانت فتح وما زالت الفصيل الأكبر عددًا داخل السجون. فكثير من المعتقلين كانوا يُحسبون عليها أو يعتبرون أنفسهم من أبنائها.
لكن حماس كانت الفصيل الأكثر فاعلية على مستوى النشاط والحراك.
أحمد منصور:
وهل استمر هذا الوضع خمس سنوات؟
عبد الناصر عيسى:
بل استمر حتى أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
أحمد منصور:
حتى “طوفان الأقصى”؟
عبد الناصر عيسى:
نعم. وبعد “طوفان الأقصى”، قررت السلطات الإسرائيلية، في إطار ما اعتبرته إجراءات عقابية، أن تعيد جمع أسرى حماس وفتح معًا.
أحمد منصور:
سنأتي إلى هذه التفاصيل لاحقًا.
عبد الناصر عيسى:
وكان ذلك في عهد إيتمار بن غفير.
أحمد منصور:
سنعود إلى هذه النقطة بالتفصيل.
عبد الناصر عيسى:
ولعل في ذلك خيرًا.
أسر جلعاد شاليط
أحمد منصور:
في عام 2006 أيضًا أُسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وأنتم، كأسرى داخل السجون، كنتم تعتبرون عمليات التبادل الوسيلة الوحيدة تقريبًا لخروج أصحاب الأحكام العالية والمؤبدات.
وكان أسر جندي إسرائيلي يمثل بالنسبة لكم حدثًا كبيرًا للغاية. ماذا مثّل لكم هذا الحدث في ذلك الوقت؟
عبد الناصر عيسى:
نعم…
أحمد منصور:
وكانت عملية أسر جندي إسرائيلي تمثل بالنسبة لكم حدثًا كبيرًا. ماذا شكّلت لكم هذه العملية؟
عبد الناصر عيسى:
كانت هذه العملية تمثل حياة الأسرى نفسها. فقد كانت مصدرًا للفخر والاعتزاز، ومصدرًا لأمل كبير بإمكانية إبرام صفقة لتبادل الأسرى.
إسرائيل، بوصفها قوة احتلال استيطاني إحلالي لفلسطين، لا تفهم -في نظرنا- إلا لغة القوة. وقد صرّح بذلك بعض قادتها ومسؤوليها. ومن بين تلك التصريحات ما قاله عامي أيالون، الرئيس السابق لجهاز الشاباك، عندما قال إنهم لا يأتون إلى طاولة التفاوض إلا تحت الضغط.
والواقع العملي كان يؤكد ذلك؛ فعمليات الإفراج التي جرت في إطار اتفاقيات أوسلو وغيرها لم تشمل أصحاب الأحكام العالية المرتبطة بعمليات أدت إلى مقتل جنود أو مستوطنين إسرائيليين. ولذلك ترسخت لدى الفلسطينيين وقوى المقاومة قناعة بأن الإفراج عن أصحاب الأحكام المؤبدة لا يتحقق إلا من خلال صفقات التبادل، كما حدث في صفقة أحمد جبريل التي أُفرج فيها عن عدد كبير من أصحاب الأحكام المرتفعة والمؤبدات.
أحمد منصور:
ومن بينهم الشيخ أحمد ياسين.
عبد الناصر عيسى:
نعم، ومن بينهم الشيخ أحمد ياسين، إلى جانب عدد من كبار القادة الفلسطينيين.
أحمد منصور:
مقابل ثلاثة جنود.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
لقد سجلنا مع أحمد جبريل شهادته في برنامج “شاهد على العصر”.
عبد الناصر عيسى:
نعم. ولذلك كان أسر الجندي جلعاد شاليط من داخل دبابته محطة فارقة، ليس فقط في تاريخ السجون، بل في تاريخ النضال الفلسطيني عمومًا.
أحمد منصور:
وكيف كان محطة فارقة؟
عبد الناصر عيسى:
لأنه أسس لفكرة إمكانية تنفيذ صفقة تبادل أسرى من داخل الأراضي الفلسطينية نفسها. ففي السابق كان التفكير دائمًا مرتبطًا بعوامل خارجية، لكن هذه العملية أثبتت أن بإمكان المقاومة في الداخل تحقيق ذلك.
كما أن قطاع غزة بدأ يكتسب قدرًا من الاستقلالية العملياتية بعد الانسحاب الإسرائيلي منه، وأصبح قادرًا على العمل بطريقة مختلفة.
أما بالنسبة للأسرى، فقد مثّل الحدث مصدر أمل كبير جدًا. ارتفعت معنوياتهم بصورة ملحوظة، وأقبلوا على الدراسة والتخطيط للمستقبل، وأصبح كثير منهم يتحدث عن إمكانية العودة إلى الحياة الطبيعية خلال عام أو عامين. وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للمعتقلين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون.
أحمد منصور:
أشعل الأمل في نفوسهم؟
عبد الناصر عيسى:
بالتأكيد. ليس فقط في نفوس الأسرى، بل في نفوس آلاف الفلسطينيين أيضًا. فقد عزز لديهم الإيمان بأن من يُعتقل في أثناء مقاومة الاحتلال لن يُترك وحده، وأن هناك من سيواصل العمل من أجل حريته.
أحمد منصور:
لماذا استمرت مفاوضات إطلاق شاليط خمس سنوات، منذ أسره عام 2006 وحتى إتمام صفقة التبادل عام 2011؟
عبد الناصر عيسى:
لأن هذه كانت المرة الأولى التي تُدار فيها مثل هذه العملية من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكانت إسرائيل تحاول منع ترسيخ هذه السابقة التي اعتبرتها خطيرة.
لذلك استخدمت كل ما تملكه من وسائل تكنولوجية وأمنية واستخبارية للعثور على شاليط. واستعانت بالشبكات الاستخبارية المختلفة، وبذلت جهودًا هائلة للحصول على أي معلومة تقود إليه، لكنها لم تتمكن من ذلك.
وهذا يذكرنا بحالات أخرى حاولت فيها إسرائيل الوصول إلى أسرى أو رهائن في أماكن محددة، رغم امتلاكها معلومات عامة عن المنطقة، لكنها لم تتمكن من تحديد أماكنهم بدقة لفترات طويلة.
أحمد منصور:
وفي النهاية خرج من المنطقة نفسها التي كانوا يبحثون فيها؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، في النهاية تبيّن أنه كان في نطاق المنطقة التي ظلوا يفتشون فيها لفترة طويلة دون أن يتمكنوا من الوصول إليه. وهذا، من وجهة نظرنا، يعكس مستوى التخطيط والقدرات التي كانت تمتلكها المقاومة.
أحمد منصور:
هل شاركتم أنتم، كأسرى، في المفاوضات المتعلقة بإطلاق شاليط؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، ولكن بصورة محدودة.
أحمد منصور:
في أي مجال؟
عبد الناصر عيسى:
أذكر أنه في عام 2006، جاء أحد الضباط الإسرائيليين وتحدث معي، وقال إنه يرغب في عقد لقاء معنا.
سألته عن الموضوع، فأجاب بأنه يريد مناقشة بعض القضايا ذات الصلة. وفي الأصل كانت هناك لقاءات دورية بين ممثلي الأسرى وإدارة السجون، تناقش خلالها أوضاع الأسرى وشروط حياتهم اليومية، إضافة إلى بعض القضايا العامة المتعلقة بالسجون.
وكان هذا أمرًا متعارفًا عليه بين مختلف فصائل الحركة الأسيرة الفلسطينية.
وقد تحدث معي بصفتي ممثل الهيئة والمسؤول عنها، فشاورْتُ الإخوة. واستشرت أبو جمال مشتهى، ويحيى السنوار، وعددًا من الإخوة الآخرين الموجودين آنذاك، ومنهم علي العامودي، وعباس السيد، وتوفيق أبو نعيم، وغيرهم.
وبدأنا نتداول في مسألة عقد هذا اللقاء. وكان هناك من رأى عدم الجلوس معهم أصلًا، وأذكر أن بعض الإخوة كان موقفهم رافضًا للفكرة منذ البداية…
أحمد منصور:
مع أن أبا إبراهيم معروف بقدرته على التفاوض.
عبد الناصر عيسى:
مع أنه مفاوض بارع، وما شاء الله عليه، كان يتقن اللغة العبرية ويفهم العقلية الصهيونية جيدًا. لكن بعد التشاور اتفقنا على الذهاب إلى اللقاء. وأذكر أن أبا جمال قال: “لقد اتفقنا جميعًا، فلنذهب”.
فذهبنا إلى الاجتماع، ودخل علينا ثلاثة أشخاص بملابس مدنية، وسلموا علينا وتبادلنا التحية.
أحمد منصور:
هل عرفوا أنفسهم؟
عبد الناصر عيسى:
في البداية لم يفعلوا. كنا في مكتب إدارة السجون، وبدأ الحديث حول الصفقة وما يتعلق بها. وبعد نحو أربعين دقيقة من النقاش، همّ أحدهم بالمغادرة.
فقلت له: “إلى أين أنت ذاهب؟ نحن عرفناكم بأنفسنا، وأنتم لم تعرفونا بأنفسكم”.
فقال: “ألم تعرفوني؟”
عندها قال أخونا علي العامودي: “أنت عوفر ديكل”.
وكان يقصد المسؤول عن ملف التفاوض ونائب رئيس الشاباك آنذاك.
فقال: “صحيح”، ثم عاد وجلس مرة أخرى، واستكملنا الحديث حول الأسماء ومطالب حماس وشروطها.
أحمد منصور:
ومنذ عام 2006 وأنتم تتحدثون في هذا الموضوع؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، منذ عام 2006.
أحمد منصور:
حتى عام 2011؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، حتى عام 2011.
وبالطبع كنا نرفع تقارير للحركة، ونتشاور معها، وقد طلبوا منا الاستمرار. وكان كل ذلك يتم بالتنسيق مع قيادة الحركة في الخارج، سواء في غزة أو في الضفة الغربية.
وأعتقد أنني أتحدث الآن عن أمر يُذكر للمرة الأولى؛ فقد عرضوا علينا قائمة تضم سبعين اسمًا.
أحمد منصور:
هم الذين قدموا لكم القائمة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، عرضوها علينا، لكننا رفضنا استلامها حتى لا يُفهم الأمر على أنه إجراء رسمي أو اتفاق ضمني.
أحمد منصور:
لكنكم اطلعتم على الأسماء؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، قرأوها علينا. وأذكر أن أبا إبراهيم كان صاحب الرأي بعدم استلام الورقة، فوافقناه على ذلك. ومع ذلك، قرأوا لنا محتوياتها.
أحمد منصور:
ومن كانوا هؤلاء السبعون؟
عبد الناصر عيسى:
كانوا نحو سبعين أسيرًا من أصحاب الأحكام المؤبدة، لكن لم يكن بينهم أي أسير ممن تصفهم إسرائيل بأن لهم دورًا مباشرًا في قتل إسرائيليين.
فقلنا لهم: أنتم لا تتعاملون بجدية. فمن المستحيل أن توافق حماس على مثل هذا الطرح. إن جوهر القضية بالنسبة للحركة وللأسرى يتمثل في الإفراج عن أصحاب الأحكام العالية، وعلى رأسهم أولئك الذين تصفهم إسرائيل بأن “أيديهم ملطخة بالدماء”.
وقلنا لهم أيضًا إن الإفراج عن أربعمائة أسير ليس رقمًا كبيرًا مقارنة بعدد الأسرى الموجودين في السجون.
أحمد منصور:
هل كان عدد أصحاب الأحكام العالية في ذلك الوقت نحو أربعمائة أسير؟
عبد الناصر عيسى:
كان العدد أكبر من ذلك، لكن هذا كان المطلب الأساسي المطروح.
أحمد منصور:
تقصد الأربعمائة أسير أصحاب الأحكام العالية؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، أصحاب المؤبدات والأحكام المرتفعة، إضافة إلى نحو ألف أسير من أصحاب الأحكام الأقل.
وهذا ما تحقق في نهاية المطاف بصورة عامة.
وقد حاولوا إقناعنا بوجهة نظرهم، لكننا تمسكنا بالمطالب المعروفة. فمطالب الأسرى كانت متطابقة مع مطالب الحركة في الخارج، وكان هناك تفاهم واضح بشأن الأسماء التي يجب أن يشملها الإفراج.
وكانوا يناقشوننا في أسماء محددة، ويحاولون تبرير استبعاد بعضها أو التشكيك في إمكانية الإفراج عنها، لكننا كنا نؤكد أن هذه المطالب عادلة ويجب الاستجابة لها.
أحمد منصور:
وبالطبع، لم يكن أي واحد منكم، أنتم الجالسين في ذلك الاجتماع، ضمن قائمة السبعين؟
عبد الناصر عيسى:
لم يكن أي واحد منا ضمنها، باستثناء أبي إبراهيم.
أحمد منصور:
وأبو إبراهيم لم يكن محكومًا على أساس تنفيذ مباشر لعملية قتل؟
عبد الناصر عيسى:
لم يكن كذلك وفق التصنيفات التي كانوا يتحدثون عنها. وأظن أن أبا عبد الله توفيق كان أيضًا ضمن الفئة المرتبطة بالعمل الأمني والتنظيمي أكثر من الارتباط المباشر.
أحمد منصور:
أي بصورة غير مباشرة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، بصورة غير مباشرة. أما نحن فكانت الأحكام مرتبطة بشكل مباشر، ولذلك كان موقفهم واضحًا تجاهنا.
وأذكر أنه سألني يومها إن كنت أقبل بالإبعاد خارج الوطن إذا تم الإفراج عني. فأجبته بأنني لا أحبذ إبعاد أي إنسان عن وطنه، لكن إذا قررت الحركة أن ذلك يخدم المصلحة العامة فقد يُنظر فيه باعتباره خيارًا اضطراريًا.
كما قال لعلي العامودي إن الحركة تطالب بالإفراج عنه بقوة، وقال لعباس السيد إن الإفراج عنه مستبعد جدًا.
أحمد منصور:
أي عباس تقصد؟
عبد الناصر عيسى:
عباس السيد.
أحمد منصور:
وهو ما زال معتقلًا حتى الآن؟
عبد الناصر عيسى:
حتى الآن ما زال معتقلًا. وقلنا لهم يومها: “في النهاية ستضطرون إلى إطلاق سراحنا جميعًا”. كنا نملك فريقًا تفاوضيًا قويًا وثابتًا ومتمسكًا بمطالبه.
لكن إذا قارنت تلك المرحلة بما جرى لاحقًا، فستجد فرقًا كبيرًا. ففي فترة شاليط لم يكن المفاوض الفلسطيني المقاوم يعمل تحت ضغط سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى يوميًا، كما حدث لاحقًا. أما في تلك المرحلة، فكان بإمكان المفاوض أن يقول: “عودوا إلينا بعد سنة، لا مشكلة لدينا”.
أحمد منصور:
كما حدث في “طوفان الأقصى”.
عبد الناصر عيسى:
نعم، ما حدث في “طوفان الأقصى” خلق ضغوطًا هائلة تدفع نحو الإسراع في الوصول إلى اتفاق، قدر الإمكان، وإن لم يكن بأي ثمن. أما في فترة شاليط، فكانت الظروف مختلفة تمامًا.
أحمد منصور:
هل جرت مفاوضات أخرى معكم بين عامي 2006 و2011؟
عبد الناصر عيسى:
نعم. ففي عام 2008 طلبوا لقاء بعض الإخوة. وكان واضحًا أنهم لا يريدون إطلاق سراحي أنا شخصيًا، فقد كانوا يرفضون ذلك بشكل قاطع.
لذلك ركزوا على بعض الإخوة الذين كانت لديهم فرص أكبر للإفراج عنهم أو كانت أحكامهم أخف. وتم نقل بعضهم إلى سجن النقب، وكان أبو إبراهيم السنوار من بين الموجودين هناك، وعُقدت لقاءات أخرى في ذلك السجن.
وقد أخبرني أبو إبراهيم لاحقًا أنهم عرضوا عليه فكرة الذهاب إلى القاهرة. لم يكن العرض صادرًا عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بل عن جهاز الشاباك، لأن مكتب رئيس الوزراء رفض الفكرة. وقالوا له إنه يمكن أن يذهب، لكن دون أن يصطحب عبد الناصر معه.
وكانوا يدركون أنني غير مشمول بالإفراج، وأن قضيتي معقدة بالنسبة لهم. وفي النهاية لم يوافق مكتب رئيس الوزراء على ذلك المقترح الذي طرحه الجهاز الأمني الإسرائيلي.
حرب 2008
أحمد منصور:
في سلسلة الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، جاءت حرب ديسمبر/كانون الأول 2008 – يناير/كانون الثاني 2009. كيف تابعتموها داخل السجون؟
عبد الناصر عيسى:
كنا دائمًا نعيش بقلبنا مع أهلنا في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وفي كل مكان يوجد فيه شعبنا أو مقاومته.
كنا نتابع ما يجري بدقة، ونرى حجم القصف والقتل الذي يتعرض له المدنيون، من نساء وأطفال وغيرهم. وكانت قلوبنا مع أهلنا في غزة، وكنا ندعو لهم باستمرار.
وأهل غزة كانوا دائمًا في طليعة النضال الفلسطيني، ويقدمون دروسًا في الصمود والتضحية.
ومن الأمور التي قد تبدو غريبة أننا كنا نخشى على الجندي شاليط نفسه.
أحمد منصور:
صحيح، كنتم تدعون له أن يبقى حيًا.
عبد الناصر عيسى:
نعم، لأن بقاءه حيًا كان يعني الأمل في تحرير آلاف الأسرى. ولذلك كان هناك حرص شديد على ألا تصل إليه القوات الإسرائيلية.
وأذكر أنني خرجت يومًا من غرفتي في سجن هداريم، وكانت تحمل الرقم 30، فوجدت أخي أبا إبراهيم السنوار جالسًا قرب الباب شارد الذهن.
فسألته: “ما بك؟”
فقال إنه قلق من أن تتمكن القوات الإسرائيلية من الوصول إلى شاليط.
فقلت له: “اطمئن، إن شاء الله إخواننا اتخذوا احتياطات كبيرة”.
ثم أخبرته بأمر كنت قد رأيته في المنام.
أحمد منصور:
وأنت لم تكن تعلم شيئًا في ذلك الوقت.
عبد الناصر عيسى:
بالفعل. كنت قد رأيت رؤيا مرتين متتاليتين، رأيت فيها مجموعة من شباب القسام يصطحبونني في سيارة ثم يدخلون بي إلى شبكة واسعة من الأنفاق تحت الأرض. وكانت الصورة في المنام مدهشة للغاية.
فقلت له: “اطمئن، لقد رأيت في المنام أن غزة أصبحت مدينة تحت الأرض”.
أحمد منصور:
وهذه الرؤيا كانت عام 2008؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، في عام 2008.
أحمد منصور:
ورويتها ليحيى السنوار؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، أخبرته بها يومها، وقلت له إنني أستبشر بها خيرًا.
وبالطبع نحن لا نبني مواقفنا على الرؤى، فهي ليست مصدرًا للتشريع أو لاتخاذ القرارات، لكنها قد تمنح الإنسان شيئًا من الطمأنينة أو الأمل.
أحمد منصور:
وكانت رؤى السجناء موضوعًا حاضرًا في أحاديثكم؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، وكان أبو إبراهيم يهتم بسماع الرؤى ويتابعها، ولكن بعقلية عقلانية ومنهجية، لا بطريقة عاطفية أو اندفاعية كما قد يتصور البعض.
وكنا نتعامل معها على سبيل الاستئناس لا أكثر.
أما في ما يتعلق بالحرب، فكنا نخشى على شاليط من جهة، لكننا في الوقت نفسه رأينا أن المقاومة صمدت بصورة فاقت توقعاتنا. وقد استطاعت مواجهة العدوان وتحمل ظروف شديدة الصعوبة.
وكان ذلك مصدر فخر كبير لنا داخل السجون، وللشعب الفلسطيني عمومًا، وللكثير من المتضامنين حول العالم، إذ شاهدوا كيف واجهت مجموعة محدودة الإمكانات آلة عسكرية ضخمة مدعومة من قوى كبرى.
صفقة وفاء الأحرار
أحمد منصور:
ثم جاءت صفقة “وفاء الأحرار”، التي أُفرج فيها عن 1027 أسيرًا فلسطينيًا مقابل الجندي جلعاد شاليط. لكنك لم تكن من بين المفرج عنهم.
عبد الناصر عيسى:
لا، لقد رفضوا إطلاق سراحي بشكل قاطع.
وأبلغوني بصورة غير مباشرة أن أحد أسباب ذلك يعود إلى ما جرى أثناء التحقيق معي؛ إذ إنني لم أقدم لهم الاعترافات التي كانوا يريدونها في التوقيت الذي أرادوه. ولذلك بقي لديهم موقف متشدد تجاهي.
أحمد منصور:
كيف شاركت القيادات الموجودة داخل السجون في تحديد الأسماء والتفاوض بشأنها؟
عبد الناصر عيسى:
كنا نتابع الملف بصورة مستمرة، لكن المتابع الرئيسي كان أبو إبراهيم السنوار، لأنه كان يُنقل بين أكثر من سجن، وكانت القوائم والأسماء تصل إليه بصورة أكبر.
أما نحن فكنا نشارك في وضع المعايير والأسس العامة.
وفي الأشهر الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من المفاوضات، شكّلت الهيئة القيادية لجنة خاصة لمتابعة ملف صفقة التبادل. وضمت اللجنة الشيخ عبد الخالق النتشة، وأبا إبراهيم السنوار، وأنا.
وكنا نجتمع بصورة منتظمة ونناقش المعايير والأسماء. وبما أن أبا إبراهيم كان من المتوقع أن يكون ضمن المفرج عنهم، فقد كان يتواصل مع أحمد الجعبري وينقل إليه ما نتفق عليه داخل اللجنة.
أحمد منصور:
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أحمد الجعبري لعب دورًا تاريخيًا في هذه الصفقة، وكان قائدًا استثنائيًا في إدارتها.
عبد الناصر عيسى:
بالتأكيد.
أحمد منصور:
هل تعرفت أنت شخصيًا على الجعبري؟
عبد الناصر عيسى:
تعرفت إليه في سجن النقب قبل أن يصبح من أبرز قادة كتائب القسام. كان ذلك في أوائل التسعينيات، وكان حينها يتحدث باسم حماس داخل السجن.
وكان رجلًا مناضلًا وصاحب دور كبير في تطوير كتائب الشهيد عز الدين القسام، كما كان له دور أساسي في إنجاز صفقة التبادل، وفي الحفاظ على الجندي الأسير، وفي التمسك بالشروط التي وُضعت للمفاوضات.
وكانت له إسهامات كبيرة في هذه الملفات.
أحمد منصور:
وأنت ترى أن صلابته التفاوضية كانت سببًا في نجاح الصفقة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم. كان رجلًا شديد الصلابة، ورفض التراجع أمام الضغوط الإسرائيلية. كما كان أبو إبراهيم السنوار من أكثر الأشخاص دعمًا له في التمسك بالمطالب والصبر على طول المفاوضات.
فقد كانت تُطرح أحيانًا عروض مغرية.
أحمد منصور:
مثل ماذا؟
عبد الناصر عيسى:
مثل اقتراح الإفراج عن عدد أكبر من الأسرى من منطقة معينة مقابل استثناء أسرى آخرين من القدس أو من أصحاب الأحكام العالية.
لكن الموقف كان واضحًا: لا بد أن تشمل الصفقة جميع الفئات المستهدفة وفق المعايير المتفق عليها.
وكان أبو إبراهيم شديد التمسك بهذا المبدأ، لأنه كان يرى أنه يمثل موقف الأسرى جميعًا.
وفي مرحلة لاحقة، وحرصًا من الجانب الإسرائيلي على منع تأثيره في سير المفاوضات، نُقل إلى العزل الانفرادي، وانقطعت اتصالاته المباشرة لفترة.
كما كان للأخ زاهر جبريل، المعروف بأبي إسلام، دور بارز في متابعة هذا الملف، وكان موقفه محل تقدير من الجميع.
أحمد منصور:
خرج معكم في صفقة “وفاء الأحرار” عام 2011؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، خرج أبو إسلام، وأبو إبراهيم، زاهر، ويحيى.
أحمد منصور:
لو طلبت منك أن تقدم تقييمًا لصفقة “وفاء الأحرار” من حيث أثرها في ملف الأسرى، لا سيما أن أكثر من ألف أسير أُفرج عنهم مقابل جندي واحد؟
عبد الناصر عيسى:
كان العدد نحو 1400 أسير.
أحمد منصور:
وكان من بينهم عدد كبير من أصحاب الأحكام المؤبدة.
عبد الناصر عيسى:
نعم، صحيح.
لا شك أن صفقة “وفاء الأحرار”، التي تم فيها التبادل مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، شكّلت نقلة نوعية في مسار النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال.
فقد خرج من خلالها قادة بارزون كان لهم دور مؤثر في قيادة العمل الوطني لاحقًا. ومن بين هؤلاء يحيى السنوار، وروحي مشتهى، وغيرهما من القيادات التي كان لها حضور فاعل في المراحل اللاحقة. كما كان الشيخ صالح العاروري من قيادات الحركة الأسيرة، وإن لم يكن من المفرج عنهم في تلك الصفقة تحديدًا، إلا أنه كان عضوًا معنا في الهيئة ونعمل معًا. وكذلك خرج زاهر جبارين وأبو إسلام وغيرهما.
كما أن هناك عددًا كبيرًا من المحررين الذين لا يعرفهم الإعلام، لكنهم يعملون بصمت وبعيدًا عن الأضواء.
لذلك أرى أن الصفقة أحدثت تحولًا نوعيًا في مسار النضال الفلسطيني.
ومع ذلك، كانت لدينا بعض الملاحظات داخل السجون؛ إذ كنا نرى أنه كان بالإمكان الإفراج عن أسرى آخرين أيضًا. وهذا أمر يتكرر في معظم صفقات التبادل؛ فمهما بلغ حجم الصفقة، يبقى هناك أسرى خلف القضبان.
لكن صلابة موقف أحمد الجعبري وإخوانه في قيادة الحركة أفضت، بلا شك، إلى صيغة مشرّفة جدًا للصفقة.

صورة أحمد الجعبري مع جلعاد شاليط
أحمد منصور:
البعض وصف ما قام به الجعبري في تلك الصفقة بأنه أرغم الإسرائيليين على القبول بشروطه وألحق بهم هزيمة معنوية كبيرة.
عبد الناصر عيسى:
بالتأكيد. إن الصورة التي ظهر فيها وهو يرافق جلعاد شاليط، في ظل وجود كل الطائرات والتقنيات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، أصبحت صورة راسخة في الذاكرة الجماعية الفلسطينية والإسرائيلية، بل وفي ذاكرة العالم كله.
كانت صورة تعكس قدرًا كبيرًا من الثقة بالنفس؛ إذ لم يخرج الجندي إلا بقرار من كتائب القسام.
أحمد منصور:
على مدى خمس سنوات، فشلت إسرائيل وحلفاؤها، رغم كل إمكاناتهم التقنية، في معرفة مكان شاليط.
عبد الناصر عيسى:
حتى الحصول على معلومة واحدة دقيقة عنه كان أمرًا بالغ الصعوبة.
وكان محمد السنوار، رحمه الله، من أبرز المسؤولين عن ملف الاحتفاظ بشاليط وتأمينه.
أحمد منصور:
وهو الذي خلف أخاه في القيادة.
عبد الناصر عيسى:
نعم، وكان من القيادات العسكرية البارزة في القسام، رحمه الله.
أحمد منصور:
محمد السنوار كان مسؤولًا عن مكان احتجاز شاليط؟
عبد الناصر عيسى:
كان له دور أساسي جدًا في هذا الملف.
أحمد منصور:
على الصعيد الشخصي، تعرضت أيضًا لظروف قاسية؛ فقد توفي والدك عام 2006، ثم توفيت والدتك عام 2012، وأنت تقضي سنوات طويلة في السجن والعزل. كيف أثر ذلك عليك؟
عبد الناصر عيسى:
لا شك أن ذلك كان مؤثرًا للغاية.
لكننا تربينا على محاولة تجاوز التحديات والصعوبات مهما كانت قاسية.
أتذكر عندما وصلني خبر وفاة والدي، وكانت أوضاع السجون آنذاك أفضل نسبيًا مما أصبحت عليه لاحقًا. وجدت إخواني إلى جانبي يواسونني ويقفون معي، ومنهم روحي مشتهى، والشيخ عبد الخالق النتشة، وموسى دودين، وغيرهم من الإخوة الكبار.
وكان هذا التضامن يخفف عنا كثيرًا.
وقد أبلغوني بخبر الوفاة عبر الهاتف من خلال مؤسسات حقوقية. وأذكر أنني كنت يومها على موعد مع امتحان نهائي في الجامعة.
ورغم المصاب، قررت أن أتقدم للامتحان، وكان موعده بعد نحو ساعتين فقط من تلقي الخبر.
أحمد منصور:
وكنتم تؤدون الامتحانات داخل السجون؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، داخل السجون، وكان ذلك ضمن برامج الدراسة الجامعية التي كانت متاحة آنذاك.
دخلت الامتحان، ولا أدري كيف أديته في تلك الظروف، لكنني خرجت منه وحققت أعلى علامة فيه.
وأعتبر ذلك من فضل الله تعالى وكرمه.
لقد اعتدنا أن نتجاوز جراحنا وآلامنا؛ لأن الإنسان إذا استسلم لكل مصيبة تصيبه فلن يستطيع أن يواصل حياته أو رسالته.
وهذا، في تقديري، درس يمكن أن يستفيد منه الجميع.
أحمد منصور:
بدأت إسرائيل سلسلة من الحروب على قطاع غزة منذ حرب ديسمبر/كانون الأول 2008، وصولًا إلى أحداث “طوفان الأقصى” عام 2023، التي كانت سببًا في خروجك من السجن.
في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادتك، ونتناول هذه الحروب وما رافقها من تطورات حتى الوصول إلى “طوفان الأقصى”.
شكرًا جزيلًا لك.
كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن متابعتكم.
في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة عميد أسرى حركة حماس المحررين من سجون الاحتلال الإسرائيلي، عبد الناصر عيسى.
وفي الختام، أنقل لكم تحيات فريق البرنامج.
وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.