يستعرض أحمد منصور مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط ج8 من شهادته على العصر: حرب الجبل الثانية، التي وقعت عام 1983، والتي شهدت مواجهات عنيفة بين الموارنة وحلفائهم، وسكان القرى المسيحية من جهة، والدروز وحلفائهم من جهة أخرى، وما وقع بها من فظائع تسببت بقتل وتهجير الآلاف من سكان جبل لبنان، وتصارع الإمبراطوريات والقوى الكبرى على لبنان، ومحاولات إيلي حبيقة لاغتيال وليد جنبلاط.

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية
كما تناول الحوار حرب الجبل الأولى في العام 1680، والتي بدأت بصراعاً طائفياً دامياً بين الموارنة والدروز، تطور إلى مجازر واسعة النطاق انتقل لهيبها الدامي لدمشق، ما أدى لتدخل دولي، وتصارع الإمبراطوريات الكبرى، الإمبراطورية الهنغارية النمساوية، والإمبراطورية الفرنسية، والإمبراطورية البريطانية، والعثمانية، على أرض بلاد الشام، ودور الأمير عبد القادر الجزائري، في إنقاذ مئات وآلاف المسيحيين المضطهدين في دمشق.
وفي بداية الحوار أعرب وليد جنبلاط عن شكوكه غير المؤكدة حتى الآن بمدى تورط الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في المشاركة في أحداث صبرا وشاتيلا، وأنه كان يعترض على وصول كتائبي جديد إلى السلطة في تلك المرحلة.
وأشار الزعيم الدرزي، إلى أن الزعيم السوفيتي يوري أندروبوف، كان بمثابة عهد جديد أعاد الموازين العسكرية والسياسية مع حلفائه العرب إلى الواجهة، هو ما يعني بالنسبة للدروز، مزيد من التسليح والتدريب في الاستعداد لحرب الجبل.
وتحدث وليد جنبلاط عن محاولتي إيلي حبيقة لاغتياله في بيروت، وقد نجا في إحداهما بسبب وجود مسؤول أمريكي برفقته، فيما أُصيب في الأخرى، وقُتل ستة أشخاص. كما أشار إلى اعتراف حبيقة له بمحاولتي استهدافه.
وقيّم الضيف -من وجهة نظره- أعداد القوى المشاركة من الطرفين في حرب الجبل الثانية، وأشار إلى دوره في وقف المذابح بدير القمر، وعجزه عن وقفها في منطقة بحمدون، وفي غيرها من القرى، حيث جرى التدمير والسرقة الممنهجة والمجازر.
وأوضح وليد جنبلاط الدور الإسرائيلي في التحريض، وخلق الفتنة الكبرى.
وفي فجر الثالث من سبتمبر 1983 ومع انسحاب آخر آلية عسكرية إسرائيلية من محور بحمدون– النقطة الاستراتيجية والفاصلة على طريق دمشق الدولي- وقعت مواجهات مروعة بين الدروز والقوات المارونية، انتهت بانتصار الدروز العسكري وتهجير الموارنة، ونزوحهم إلى بيروت الشرقية والمناطق المسيحية المحيطة بها.

نص حوار وليد جنبلاط ج8 من شهادته على العصر:
تصارع الإمبراطوريات والقوى الكبرى على لبنان، ومعركة الجبل، ومحاولات إيلي حبيقة لاغتيال وليد جنبلاط
أحمد منصور : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بيك جنبلاط زعيم الدروز في لبنان وليد بيك مرحبا بيك.
بعد مقتل بشير الجميل طرح أخوه أو شقيقه أمين الجميل رئيسا للبنان.
جوني عبدو مدير المخابرات اللبنانية الأسبق، قال في شهادته معي على العصر إنك اعترضت على ترشيح أمين الجميل للرئاسة، كما اعترضت على ترشيح بشير من قبل، لماذا؟
اعتراض وليد جنبلاط على ترشيح أمين الجمّيل للرئاسة.
وليد جنبلاط: صحيح؛ لأنني كنت أعتبر أنها تنتمي إلى المدرسة السياسية نفسها، أي اليمين اللبناني المتطرف، مع بعض الفوارق. لكنني اعترضت. ثم في تلك المرحلة أيضًا، وكنت متنقلًا بين دمشق وعمّان، أعتقد أنني في دمشق اتهمتُ، وربما لم يكن اتهامي في محلّه، وأقول: ربما، بأن أمين الجميل ـ والتصريحات موجودة ـ مسؤول أو شريك في المسؤولية عن قضية صبرا وشاتيلا.
أحمد منصور: نعم.
وليد جنبلاط: نعم. هل هذا صحيح أم لا؟ كيف لي أن أعلم؟ لأن أمين ورث حزب الكتائب.
أحمد منصور: نعم.
وليد جنبلاط: لكن في تركيبة حزب الكتائب كانت هناك عدة تيارات، ومنها تيار إيلي حبيقة. وكان إيلي حبيقة الرجل القوي داخل الكتائب، ومعه آنذاك سمير جعجع. فهل كان أمين يسيطر أم لا؟ هذا هو السؤال. لكن، في العنوان العريض سياسيًا، كنت أعترض على وصول كتائبي جديد إلى السلطة في تلك المرحلة.
أحمد منصور: كان بشير يبدو زعيم ميليشيا؛ في زيه، وفي ملبسه، وفي حركاته، وفي كلامه. أما أمين فكان يبدو رجلًا أنيقًا متعطرًا، وكأن شكله مختلف تمامًا.
وليد جنبلاط: القضية ليست في الملبس. بشير الجميل فرض وجوده على غالبية الموارنة بطريقته، على أنه الرئيس القوي. وهنا أيضًا يكمن الخطأ التاريخي لدى بعض الموارنة.
أحمد منصور: نعم.
وليد جنبلاط: فكرة الزعيم القوي والرئيس القوي تعود بنا إلى الأمير بشير الشهابي، الذي اعتُبر قويًا، وكان مع المصريين وغير المصريين، وتداخلت عوامل داخلية وخارجية أدت إلى حرب عام 1860.
أحمد منصور: حرب الدروز والموارنة الأولى عام 1860.
وليد جنبلاط: لاحقًا أتانا بشير تحت شعار أنه قوي، قوي بطائفته. بينما عليك في لبنان أن تكون قويًا بجميع الطوائف.
أحمد منصور: هل هناك أحد نجح في أن يكون قويًا بجميع الطوائف؟
وليد جنبلاط: فؤاد شهاب.
أحمد منصور: فؤاد شهاب؟
وليد جنبلاط: الرئيس فؤاد شهاب، نعم. ثم أتانا بعد الشيخ أمين ميشال عون، أيضًا تحت شعار الزعيم القوي. وأتمنى يومًا ما أن يختفي هذا التعبير من القاموس السياسي، وأن ننتخب رئيسًا معتدلًا، لا قويًا بأي طائفة، أيًا كان.
أحمد منصور: في تصريح لك قلت إنه لا فارق بين أمين الجميل وبشير الجميل.
وليد جنبلاط: أدليت بتصريحات عديدة تجاه أمين، وكانت مؤذية وقاسية، نعم.
أحمد منصور: ورغم ذلك، قال أمين في شهادته معي في برنامج شاهد على العصر: «أنا زرت وليد جنبلاط في المنطقة الغربية، وكنت الوحيد الذي يتردد عليها في ذلك الوقت». هل تحدث معك في موضوع ترشحه؟
وليد جنبلاط: لا، لا أذكر. هنا تخونني ذاكرتي اليوم. لا أتذكر أن أمين زارني في أوج حصار بيروت. ربما حدث ذلك، لكنني لا أذكره. غير أن عدة وساطات جرت لكي ألتقي به، والتقينا مرة في باريس. كان في زيارة إلى هناك، وشاركنا في مؤتمر صحفي، وكنت إلى جانب الشيخ أمين. كان ذلك بعد انتخابه رئيسًا، وكنا في قصر الضيافة في باريس أيام فرانسوا ميتران، على ما أعتقد.
أحمد منصور: قبل مؤتمر لوزان؟
وليد جنبلاط: نعم، قبل ذلك.
أحمد منصور: قبله؟
وليد جنبلاط: نعم.
أحمد منصور: أي في ذروة الأزمة بينكم وبين الموارنة؟
وليد جنبلاط: نعم. وقد غادرت المؤتمر الصحفي أثناء إدلائه بتصريحه، وتركت القاعة، الأمر الذي أزعجه كثيرًا. ثم التقينا لاحقًا في جنيف، في مؤتمر المصالحة عام 1983، وفي لوزان خلال مؤتمر محاولة المصالحة الثانية عام 1984.
أحمد منصور: عام 1984، وسنأتي إليها بالتفصيل.
وليد جنبلاط: نعم.
أحمد منصور: أمين الجميل قال إنه لم يرشح نفسه، وإنما الآخرون هم الذين رشحوه وطلبوا منه أن يكون رئيسًا.
وليد جنبلاط: نعم، ربما شكليًا.
القوى التي كانت تحتل لبنان
أحمد منصور: تسلم السلطة في 23 سبتمبر/أيلول 1982. وكان لبنان آنذاك تحت الاحتلال الإسرائيلي، والوجود السوري، ووجود قوات المارينز الأمريكية، والقوات الفرنسية.
وليد جنبلاط: اسمح لي أن أُميّز بين الأمور. لم نكن نسميه احتلالًا سوريًا، ولن أستخدم هذا التعبير. حتى في أوج الانتفاضة الشعبية والسياسية ضد النظام السوري بعد مقتل رفيق الحريري، لم أستخدم هذا الوصف.
أحمد منصور: باعتبار أنه جاء بغطاء من الجامعة العربية؟
وليد جنبلاط: وباعتبار أننا نحن أيضًا طلبنا وجوده. فقد طلبنا وجود القوات السورية، ومضت الحكومتان اللبنانية والسورية في المعاهدات وفي اتفاق الطائف، الذي نص على وجود القوات السورية، وعلى أنه بعد نهاية الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا وكفرشوبا يُطلب من السوريين الانسحاب إلى سوريا.
أحمد منصور: ما الذي كان يعنيه تولي أمين الجميل السلطة في لبنان، في ظل غياب الإجماع عليه؟
وليد جنبلاط: بالنسبة إليّ، كان همّي الجبل، وكان همّي كيف أعود إلى المختارة، لا إلى بيروت، بكل صراحة. فلكلٍّ حساباته الصغيرة. لكنني كنت أردد للقادة السوريين، ولحافظ الأسد تحديدًا، أنه بعد احتلال إسرائيل جزءًا من البقاع وبيروت، وبعد الخسائر الكبيرة التي مُني بها الجيش السوري، كان حافظ الأسد ينتظر اللحظة التاريخية المناسبة.
أحمد منصور: لكي؟

تأثير تولي أندروبوف السلطة في روسيا على لبنان
وليد جنبلاط: لكي يعود. وما هي اللحظة التاريخية المناسبة؟ وصول أندروبوف إلى الحكم في الاتحاد السوفييتي. هذا الحدث غيّر المعادلة بشكل جذري في الشرق الأوسط، وفي لبنان وسوريا.
أحمد منصور: عندما توفي الرئيس السوفييتي…
وليد جنبلاط: تشيرنينكو؟
أحمد منصور: لا، قبل تشيرنينكو.
وليد جنبلاط: بريجنيف.
أحمد منصور: وما تأثير ذلك عليكم؟ كان السوفييت حلفاءكم الأساسيين، وبريجنيف بقي مدة طويلة وكان حاكمًا قويًا.
وليد جنبلاط: نعم، لكن لم يكن لبريجنيف تأثير مباشر علينا؛ لأن المؤسسة كانت موجودة.
أحمد منصور: كنتم تتعاملون مع المؤسسة الحزبية بالدرجة الأولى؟
وليد جنبلاط: الحزبية والعسكرية.
أحمد منصور: ولم يتأثر وضعكم؟
وليد جنبلاط: لم يتأثر. مات بريجنيف، وبدأ عهد جديد مرّ بفترة انتقالية.
أحمد منصور: ثم جاء تشيرنينكو؟
وليد جنبلاط: وكان ضعيفًا.
أحمد منصور: صحيح.
وليد جنبلاط: ثم أتى أندروبوف. وبالنسبة إلى حافظ الأسد وبالنسبة إلينا، كان ذلك عهدًا جديدًا يطل بمفاجآت جديدة. فهو الذي أعاد التوازنات العسكرية والسياسية، عربيًا وعالميًا، على الأقل مع حلفائه العرب، إلى الواجهة.
أحمد منصور: ما الذي استفدتموه من وجود أندروبوف في السلطة في الاتحاد السوفييتي؟
وليد جنبلاط: بالنسبة إلينا، كان ذلك يعني مزيدًا من التسليح والتدريب استعدادًا للمعركة القادمة، التي بدأت في أيلول/سبتمبر 1983 في بحمدون.
أحمد منصور: آه، هذه معركة الجبل.
وليد جنبلاط: نعم، معركة الجبل.
أحمد منصور: لكن هل كان يعلم آنذاك أنه يدعم الدروز ضد الموارنة؟ أم أنه كان يدعم الدروز ليصبحوا قوة أساسية؟
وليد جنبلاط: كان يدعمنا، نعم. كنا فريقًا مسلحًا في الحزب التقدمي الاشتراكي، وجزءًا من محور المواجهة السورية ـ السوفييتية، إلى جانب حلفائنا اللبنانيين الآخرين، كالحزب الشيوعي وغيره.
أحمد منصور: يمكن القول إن ذلك كان في ظل الحرب الباردة؟
وليد جنبلاط: معارك سوق الغرب أوصلتنا إلى ذروة الحرب الباردة. وقد ذكرنا أن الأمريكيين تدخلوا بالقصف في سوق الغرب، وفي مرحلة معينة أُسقطت طائرتان أمريكيتان فوق لبنان، وأُسر طاقماهما من قبل السوريين.
أحمد منصور: نعم.

العلاقات الخاصة بين حافظ الأسد والسعودية
وليد جنبلاط: كان حافظ الأسد، في تلك المرحلة، يتصرف كصائغ مجوهرات دقيق الحسابات. حتى إن بعض قادة جيشه آنذاك، عندما كانت البارجة الأمريكية «نيوجيرسي» ـ وهي من بقايا بوارج الحرب العالمية الثانية ـ تقصف المواقع، أراد بعضهم استهدافها بالصواريخ التي كانوا يمتلكونها. وقد أخبرني بذلك العماد حكمت الشهابي. لكن حافظ الأسد اعترض، لأنه لم يكن يريد قطع العلاقات مع الولايات المتحدة أو تحديها مباشرة. وربما كان مصيبًا في تلك السياسة.
أحمد منصور: هل كان لدى حافظ الأسد معيار أساسي يدير به السياسة في المنطقة من خلال منظومته العلوية؟
وليد جنبلاط: ليس هذا فقط. صحيح أن جزءًا من منظومته كان علويًا، لكنه كان يرى أن له علاقة خاصة جدًا مع المملكة العربية السعودية، ولم يكن يريد قطعها. وكان يتمتع بالمصداقية؛ يعد ويصدق، خلافًا لبعض الأشخاص في سوريا اليوم. كما حافظ على نوع من التوازن بين العروبة، والمملكة العربية السعودية، والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
أحمد منصور: إيران.
وليد جنبلاط: نعم، إيران.
أحمد منصور: بمعنى أنه لم يكن هناك تغلغل إيراني واسع في عهد حافظ الأسد؟
وليد جنبلاط: كلا. لقد سمح لهم بالوصول إلى بعلبك كتنظيم عسكري، واستفاد من هذا التنظيم، الذي شارك لاحقًا في تحرير لبنان إلى جانب الحركة الوطنية، وإن كان قد انفرد لاحقًا بنسب التحرير إلى نفسه. لكن حافظ الأسد كان يمسك بميزان التوازن السياسي والعسكري.
لقاء وليد جنبلاط مع قائد ميليشيا الكتائب فادي إفرام
أحمد منصور: قبل اندلاع حرب الجبل، هل صحيح أن أمين الجميل جمعك بفادي أفرام؟
وليد جنبلاط: كلا.
أحمد منصور: ألم تلتقِ فادي أفرام؟ فقد قال في شهادته في برنامج شاهد على العصر إنه جمعك به.
وليد جنبلاط: أعتقد أن ذلك صحيح في إحدى الزيارات إلى بكفيا. أظن أنه جمعني بفادي أفرام عندما ذهبت لتعزية الشيخ أمين الجميل بوفاة والده الشيخ بيار الجميل، وكان يرافقني آنذاك ميشال سماحة.
أحمد منصور: أمين يحاول أن يبرئ نفسه من بعض أفعال القوات اللبنانية، ويقول إن القوى تفرقت بعد مقتل بشير، وأصبح بعض القادة العسكريين أقوى من أن يستمعوا إلى أمين الجميل.
وليد جنبلاط: هذا يؤكد لي أن أمين لم يكن يملك القدرة أو القوة للسيطرة على جميع الجهات.
أحمد منصور: قال إن كل قائد مجموعة كانت له حيثيته وموقعه، وكان يتصرف من تلقاء نفسه، وبدأ الصراع داخل القوات اللبنانية نفسها. هذا كلام أمين الجميل في شهادته على العصر.
وليد جنبلاط: أعتقد أنه محق إلى حدٍّ ما، نعم.
أحمد منصور: ويقول إن ذلك جعل التعامل معهم صعبًا، وإن مجموعة فادي أفرام كانت أول مجموعة استطاع أن يستوعبها ويعقد معها اجتماعًا بهدف التفاهم.
وليد جنبلاط: كان هناك فادي أفرام، وكذلك فؤاد أبو ناضر، وهو ابن شقيقة بشير الجميل.

محاولتا إيلي حبيقة اغتيال وليد جنبلاط في بيروت
أحمد منصور: في الأول من ديسمبر/كانون الأول 1982، وفي رواية أخرى في العشرين من الشهر نفسه، وقعت محاولة لاغتيالك في بيروت.
وليد جنبلاط: نعم، هذه المحاولة دبرها إيلي حبيقة. كنت أتناول العشاء مع أم أولادي في أحد مطاعم بيروت الغربية، وكان برفقتنا غسان تويني، ومروان حمادة، وموريس درايبر، وويليام كوانت، وهو أحد مهندسي اتفاقية كامب ديفيد.
أحمد منصور: نعم، صاحب كتاب مهم.
وليد جنبلاط: نعم. وقد أخبرني إيلي حبيقة بنفسه لاحقًا أنه كان مكلفًا بهذه العملية، وقال لي: «لقد حاولت أن أقتلك».
أحمد منصور: هو الذي اعترف لك بذلك؟
وليد جنبلاط: نعم، اعترف لي عندما التقينا لاحقًا في ما سميناه «الحلف القومي». فقد كان إيلي حبيقة يتحرك بين اليمين اللبناني وسوريا، وسأكتفي بهذا الوصف، ولك أن تفسره كما تشاء.
أحمد منصور: ليس أنا من يفسر، بل المشاهدون. لكنك فتحت الباب قليلًا للتأويل.
وليد جنبلاط: عندما التقيته في سوريا، كان قد طُرد من المنطقة الشرقية على يد سمير جعجع.
أحمد منصور: متى؟
وليد جنبلاط: خلال الصراع الداخلي، حين حُوصر هناك، ثم أتى إلى المنطقة الغربية واحتضنته سوريا. تصور المفارقة؛ أن نلتقي بأحد المسؤولين عن مجزرة صبرا وشاتيلا.
أحمد منصور: ليس أحد المسؤولين، بل المسؤول الرئيسي.
وليد جنبلاط: كان هناك آخرون أيضًا. وقد نُشرت في إحدى الصحف النمساوية شهادة مسيحية مطولة عن صبرا وشاتيلا، وفيها مقال كبير حول المجزرة. ربما يمكن العثور عليه في الأرشيف.
أحمد منصور: صحيح.
وليد جنبلاط: أما لماذا لم يُقتلني؟ فقد كانت هناك سيارة مفخخة.
أحمد منصور: صحيح.
وليد جنبلاط: قيل لنا إنها كانت سيارة فخمة، لا أدري إن كانت من نوع «رولز رويس» أم غيرها. وكان موريس درايبر حاضرًا معنا في ذلك الاجتماع. وفي منتصف العشاء غادر المكان.
أحمد منصور: من هو موريس درايبر؟ ذكّرني.
وليد جنبلاط: كان مساعدًا لفيليب حبيب في وزارة الخارجية الأمريكية.
أحمد منصور: نعم، كان معاونًا لفيليب حبيب.
وليد جنبلاط: غادر العشاء، ولا أعلم السبب. ربما كان ذاهبًا لترتيب أمر سياسي ما. وفي تلك الليلة كان أرييل شارون قد وصل إلى الأشرفية واجتمع مع جوزيف أبو خليل.
أحمد منصور: لكن بشير الجميل كان قد اغتيل آنذاك.
وليد جنبلاط: نعم، صحيح. لذلك أعتقد أن الاجتماع كان مع جوزيف أبو خليل.
أحمد منصور: جوزيف أبو خليل.
وليد جنبلاط: لا أدري إن كان قد ذكر ذلك في مذكراته أم لا. لكن يبدو أن إيلي حبيقة ظن أن موريس درايبر لا يزال موجودًا معنا، وكانت تلك المصادفة هي التي أنقذتنا من الموت.
أحمد منصور: مصادفة أنه خرج وغادر؟
وليد جنبلاط: نعم.
أحمد منصور: إذن السيارة لم تنفجر؟
وليد جنبلاط: لا. أو ربما هنا تكمن المعضلة. هو الذي أخبرني لاحقًا بأنه كان جاهزًا لاغتيالي.
أحمد منصور: ولماذا لم تُفجَّر السيارة؟
وليد جنبلاط: بقي الأمر غامضًا. لكن تحليلي الشخصي أنه لم يكن يريد قتل أمريكيين كانوا معنا في ذلك اللقاء.
أحمد منصور: عندما علم أنه ربما يكون موجودًا؟
وليد جنبلاط: نعم.
أحمد منصور: لكن هناك حادثة ثانية.
وليد جنبلاط: نعم، حادثة ثانية وقعت بالقرب من المنزل الذي أعيش فيه اليوم. كنت أتناول الغداء مع ميشال سماحة في منزل صديق عزيز هو توما عريضة، رحمه الله. اجتمعنا وتناولنا الغداء، وعندما كنت أغادر انفجرت سيارة مفخخة. لم أفقد الوعي مباشرة، وهناك صور توثق نقلي إلى المستشفى الجامعي. وفي المستشفى استعدت وعيي، وأدليت بتصريح شهير خشية اندلاع أي رد فعل في الجبل، وقلت: فلننتظر نتائج التحقيق.
أحمد منصور: لكنك اتهمت أمين الجميل بالمسؤولية.
وليد جنبلاط: لا، لم أفعل ذلك في ذلك الوقت.
أحمد منصور: رأيت في الصحف صورًا وتصريحات تفيد بأنك اتهمت أمين الجميل.
وليد جنبلاط: لا أعتقد ذلك.
أحمد منصور: حسنًا، دعنا نرَ إن كان روبرت فيسك صادقًا أم لا. ففي الصفحة 574 يكتب: «بينما كنا في مكتب وكالة أسوشيتد برس سمعنا دوي انفجار هائل».
وليد جنبلاط: نعم.
أحمد منصور: ثم يقول: «قفز نصار واقفًا وهو يصرخ: انفجار سيارة مفخخة، أسرعوا!». وتابع: «شقَقنا طريقنا وسط الحشود إلى منطقة القنطاري، وكان اثنان من أفراد الفرقة السادسة عشرة اللبنانية يحملان وليد جنبلاط على أكتافهما، والدم يسيل على وجهه وقميصه، وعيناه جاحظتان. كانت هناك سيارة تحترق، كما تحطمت سيارة الزعيم الدرزي». كانت محاولة جادة لاغتيالك في الأول من ديسمبر/كانون الأول 1982. قُتل ستة أشخاص وأصيب 28 آخرون، وكانت زوجتك معك أيضًا.
وليد جنبلاط: نعم، كانت معي. قُتل ستة أشخاص، ومن بينهم الشخص الذي فجّر السيارة. وكان ذلك في الشارع الموازي، إلى جانب جامعة هايكازيان، الجامعة الإنجيلية الأرمنية الموجودة اليوم.
أحمد منصور: الشخص الذي نفّذ التفجير قُتل أيضًا؟
وليد جنبلاط: نعم، قُتل بشظايا السيارة.
أحمد منصور: وهل عرفتم انتماءه؟
وليد جنبلاط: لاحقًا، من خلال التحقيق الذي أجرته الشرطة القضائية اللبنانية برئاسة المرحوم عصام أبو زكي، وهو من خيرة ضباط الشرطة القضائية والأمن اللبناني.
أحمد منصور: وهل عرفتم الجهة التي ينتمي إليها منفذ التفجير؟
وليد جنبلاط: قادت نتائج التحقيق إلى إيلي حبيقة.
أحمد منصور: إذن أنت اتهمت إيلي حبيقة مباشرة بمحاولة اغتيالك. لماذا إيلي حبيقة تحديدًا؟
وليد جنبلاط: استنادًا إلى نتائج التحقيق.
أحمد منصور: نعم، التحقيق الذي أشار إليه.
وليد جنبلاط: نعم.
حرب الجبل الأولى
أحمد منصور: هل كانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير بينك وبين الموارنة؟
وليد جنبلاط: كلا، إطلاقًا. أعتقد أنك تستنتج بعض الأمور بسرعة.
أحمد منصور: إذن أخبرني، لأنني أريد الوصول إلى حرب الجبل ومعرفة ما الذي قاد إليها.
وليد جنبلاط: لا، لا. حرب الجبل كانت انفجارًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا، واتخذت بُعدًا طائفيًا، نعم. وقد ذكّرتني بالدور الذي لعبه سلفي المباشر سعيد بك جنبلاط في حرب عام 1860.
أحمد منصور: وماذا فعل سعيد بك جنبلاط؟
وليد جنبلاط: كان أحد أبرز القادة، إلى جانب قادة دروز آخرين، منهم خطار بك العنداري. وكان يؤدي دورًا أساسيًا في أحداث الجبل آنذاك. وفي لبنان، يا أستاذ أحمد، هناك دائمًا عوامل داخلية وعوامل خارجية، ولا يمكن الفصل بينهما.
تصارع القوى الدولية والإمبراطوريات في لبنان
أحمد منصور: حدثني عن العوامل الداخلية والخارجية في حرب 1860 وحرب 1983.
وليد جنبلاط: في حرب 1860 كانت فرنسا تدعم غالبية المسيحيين الموارنة. أما البريطانيون، فكانت لهم مصالحهم الخاصة، إذ كانوا يريدون موطئ قدم في جبل لبنان، قبل أن ينتقل اهتمامهم لاحقًا إلى فلسطين ثم إلى قناة السويس ومصر. وكان للروس دور في حماية الروم الأرثوذكس، بينما اضطلعت الإمبراطورية النمساوية المجرية بحماية الكاثوليك في لبنان.
أما السلطنة العثمانية، التي كانت توصف آنذاك بـ«الرجل المريض»، فلم تكن قادرة على ضبط الأمور بالكامل. بل إنها، في بعض الأحداث، تغاضت عن أدوار بعض الدروز في المجازر، كما تغاضت عن أدوار بعض المسلمين في مجزرة دمشق.
أحمد منصور: وكان المسلمون متحالفين مع الدروز؟
وليد جنبلاط: في مجزرة دمشق التي وقعت عقب أحداث الجبل في لبنان، نعم.
أحمد منصور: إذن كانت هناك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والإمبراطورية الفرنسية، والإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية العثمانية. هل كان هؤلاء جميعًا يتصارعون على أرض لبنان في ذلك الوقت؟
وليد جنبلاط: صحيح، صحيح. ولاحقًا أرسل الإمبراطور نابليون الثالث قوات إلى لبنان لتهدئة الأوضاع. كما أقامت الدول الكبرى محكمة دولية ترأسها فؤاد باشا العثماني، وكان أحد مقارها في المختارة.
وقد تحولت المختارة إلى سجن، حيث اعتُقل عدد من كبار الزعامات الدرزية فيها. أما سعيد جنبلاط، سلفي الأكبر، فقد سُجن في بيروت، ثم أُطلق سراحه بناءً على توصية بريطانية، وتوفي لاحقًا في بيروت.
أحمد منصور: هل يعني ذلك أن هذه الجراح توارثها الدروز والموارنة منذ عام 1860؟
وليد جنبلاط: مع الأسف، في كلامك قدر كبير من الحقيقة. وأعود إلى نابليون الثالث، فقد سمحت له القوى الدولية بإرسال جزء من قواته إلى دمشق. وهناك لعب الأمير عبد القادر الجزائري دورًا إنسانيًا بطوليًا.
أحمد منصور: الأمير عبد القادر الجزائري كان في دمشق آنذاك، وقبره هناك.
وليد جنبلاط: نعم. لقد وصل إلى لبنان ثم استقر في دمشق، وتحول منزله إلى ملجأ لمئات، بل آلاف المسيحيين الذين تعرضوا للاضطهاد. وكان للأمير عبد القادر الجزائري دور هائل في التاريخ العربي والإسلامي، لكن قليلين يعرفون حجم هذا الدور.
القوى الدولية المتورطة في حرب الجبل الثانية 1983
أحمد منصور: ما الإرهاصات التي سبقت اندلاع حرب الدروز والموارنة عام 1983؟ لقد أخذتنا من عام 1860 إلى عام 1983، أي إلى المواجهة الثانية. ففي عام 1860 كانت هناك خمس إمبراطوريات متداخلة في الحرب، أليس كذلك؟
وليد جنبلاط: نعم، أما في حرب الجبل عام 1983 فكان لديك سوريا.
أحمد منصور: وسوريا والاتحاد السوفييتي.
وليد جنبلاط: نعم، والاتحاد السوفييتي، وإسرائيل.
أحمد منصور: وإسرائيل.
وليد جنبلاط: وفرنسا إلى حد ما.
أحمد منصور: وفرنسا.
وليد جنبلاط: أما بريطانيا فكان دورها محدودًا.
أحمد منصور: والولايات المتحدة لم تكن موجودة؟
وليد جنبلاط: بل كانت موجودة.
أحمد منصور: إذن لدينا ست قوى متداخلة في حرب الدروز والموارنة عام 1983.
وليد جنبلاط: صحيح، لكن على مستوى القوة العسكرية المباشرة على الأرض، كانت إسرائيل، والقوات اللبنانية، أي اليمين اللبناني، وسوريا، إضافة إلى الفلسطينيين أو ما تبقى منهم، ولا سيما الجناح الموالي لسوريا. وهذا يكفي لفهم المشهد.
قوى الدروز والموارنة في حرب الجبل؟!
أحمد منصور: أحاول أن أفهم الأعداد. لقد جمعتها من عدة مصادر، فصحح لي إن أخطأت. كانت ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط تتكون من سبعة عشر ألف مقاتل.
وليد جنبلاط: آنذاك لم نصل إطلاقًا، في أي مرحلة من المراحل، إلى سبعة عشر ألف مقاتل. بلغ عددنا في ذروة القوة نحو عشرة آلاف مقاتل، مع الشرطة الأمنية، وذلك تحديدًا بعد معركة بحمدون.
أحمد منصور: هل أرسل لك مجيد أرسلان ألفي مقاتل؟
وليد جنبلاط: كلا.
أحمد منصور: ثلاثمئة؟
وليد جنبلاط: كلا، كلا. لم تكن لدى الأمير مجيد أرسلان ميليشيا عسكرية أصلًا.
أحمد منصور: وماذا عن الحزب السوري القومي الاجتماعي؟
وليد جنبلاط: نعم، حارب معنا.
أحمد منصور: أرسل إليك ألفي مقاتل؟
وليد جنبلاط: لا، لكنه شارك في القتال إلى جانبنا، وكذلك الحزب الشيوعي اللبناني.
أحمد منصور: وكان إنعام رعد موجودًا بصفته قائد لواء؟
وليد جنبلاط: كان رئيس الحزب.
أحمد منصور: والمرابطون بقيادة إبراهيم قليلات؟
وليد جنبلاط: للمرابطين قضية أخرى؛ لأننا شاركنا، بعد مؤتمر جنيف، في تحجيم دورهم السياسي والعسكري في بيروت.
أحمد منصور: لكن قبل ذلك، في معركة الجبل؟
وليد جنبلاط: قبل ذلك شاركوا في بيروت، وأعتقد أنهم شاركوا أيضًا في الجبل. كما كانت حركة أمل معنا في الجبل.
أحمد منصور: والحرس الشعبي للحزب الشيوعي اللبناني بقيادة إلياس عطا الله؟
وليد جنبلاط: نعم، إلياس عطا الله. مناضل كبير، وما زال على قيد الحياة.
أحمد منصور: خمسة آلاف مقاتل؟
وليد جنبلاط: لا، لا. أنت تتحدث عن أرقام هائلة.
أحمد منصور: أنا أنقل لك ما هو مكتوب.
وليد جنبلاط: بهذه الأرقام نغلب حلف شمال الأطلسي! لا، لا.
أحمد منصور: ونبيه بري؟
وليد جنبلاط: كان موجودًا. لكن القوة الأساسية النارية في حرب الجبل كانت نحن. وفي إحدى مراحل الحرب، وتحديدًا خلال معركة بحمدون، كانت الكتائب أو القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تمتلك دبابات، بينما لم نكن نملك أي دبابات. لذلك طلبتها من العماد حكمت الشهابي، وقلت له: أريد دبابات. فأرسل لي دبابتين أو ثلاثًا عبر أحمد جبريل، وكان يقودها عناصر من فصيله المسلح. وقد شارك أحمد جبريل معنا في جزء من معركة بحمدون.
أحمد منصور: لكنك قلت لي إن الاتحاد السوفييتي أعطاك دبابات.
وليد جنبلاط: لاحقًا.
أحمد منصور: لاحقًا؟
وليد جنبلاط: نعم، نحن نتحدث الآن عن الفترة التي تلت حرب الجبل.
أحمد منصور: إذن ليس في هذه المرحلة. أما القوات اللبنانية في الجهة الأخرى، فكانت تضم نحو ألفين وخمسمئة مقاتل مسيحي مجهزين، إضافة إلى ألفي جندي من الجيش اللبناني كانوا معهم.
وليد جنبلاط: لا أعلم مدى دقة هذه الأرقام.
أحمد منصور: لكن الجيش اللبناني شارك معهم.
وليد جنبلاط: صحيح. بعض ألوية الجيش اللبناني التي انضمت إلى اليمين اللبناني كانت معهم. وفي المقابل، كان معنا أيضًا ضباط من الجيش اللبناني.
أحمد منصور: هنا نقطة مهمة. قائد الجيش كان إبراهيم طنوس، وهو ماروني.
وليد جنبلاط: كان قائدًا للجيش اللبناني، نعم.
أحمد منصور: ورئيس الأركان كان نديم الحكيم، وهو درزي.
وليد جنبلاط: صحيح. وقد طلبنا آنذاك من رئيس الأركان الالتحاق بثكنة اللواء الحادي عشر. وكان مقر اللواء في ثكنة حمانا، الواقعة تحت سيطرتنا وسيطرة السوريين. وأعلنتُ حينها هذه الثكنة ثكنةً حرة من قيادة الجيش اللبناني.
أحمد منصور: وماذا تقصد بثكنة حرة؟ أي إن من لا يريد القتال يذهب إليها؟
وليد جنبلاط: كان ذلك نداءً إلى الضباط الوطنيين، وإلى الضباط والجنود الدروز، للالتحاق بثكنة اللواء الحادي عشر.
أحمد منصور: لينضموا إليكم؟
وليد جنبلاط: نعم، وقد انضموا إلينا، وشاركوا في التدريب والقتال، وفي سلاح المدفعية وسلاح الدبابات.
أحمد منصور: إذن الضباط والجنود الدروز الذين كانوا في الجيش انضم قسم منهم إليكم في المعركة؟
وليد جنبلاط: نعم، كما انضم إلينا أيضًا ضباط سنة، ومنهم أحد أبطال حرب الجبل، وليد سكرية. وهو سني من بعلبك، وكان من أبطالنا.
أحمد منصور: إذن، رغم أن المعركة بدت وكأنها معركة بين الدروز والموارنة، فإن أطرافًا أخرى شاركت إلى جانبكم وإلى جانب الطرف الآخر.
وليد جنبلاط: طبعًا، نعم.
مجازر حرب الجبل!
أحمد منصور: في يناير/كانون الثاني 1983 بدأت الميليشيات بقيادة سمير جعجع بالصعود إلى الجبل، ولا سيما إلى عاليه ودير القمر، والاستيلاء على بعض المواقع التي كان الإسرائيليون يخلونها. هل كانت تلك مقدمة للمناوشات التي سبقت الحرب؟
وليد جنبلاط: لا، هنا أيضًا توجد بعض المعلومات غير الدقيقة. القوات اللبنانية دخلت الجبل في اليوم الثالث أو الرابع بعد احتلال الجيش الإسرائيلي لجبل لبنان المختلط، ودخلت معه مباشرة. وأقامت حواجز في كل مكان، بعضها إلى جانب القوات الإسرائيلية وبعضها بعيد عنها.
أحمد منصور: أي في يونيو/حزيران 1982؟
وليد جنبلاط: نعم، في يونيو/حزيران 1982.
أحمد منصور: إذن بدأوا الدخول منذ عام 1982.
وليد جنبلاط: لذلك سألت بشير الجميل: لماذا ترسل قواتك إلى الجبل؟ فقال لي: «لأحمي المسيحيين». فقلت له: «يا شيخ بشير، لن تحمي المسيحيين بهذه الطريقة».
أحمد منصور: قبل اغتياله؟
وليد جنبلاط: نعم، عندما التقيته في بعبدا عند الرئيس إلياس سركيس.
أحمد منصور: الآن تذكرتَ اللقاء بالتفصيل. فقد كنت قد سألتك سابقًا عن بشير، وظننت أن المقصود أمين الجميل. لكنك الآن تتحدث عن دخول القوات إلى الجبل في يونيو/حزيران 1982، بينما بدأت المناوشات في عام 1983.
وليد جنبلاط: لا، المناوشات بدأت منذ عام 1982 بين الجانبين في بعض القرى. نعم، أخذت طابعًا طائفيًا، وبدأت تتصاعد تدريجيًا حتى وصلنا إلى المواجهة الكبرى في سبتمبر/أيلول 1983.
أحمد منصور: سبتمبر 1983.
وليد جنبلاط: نعم. وكانت تلك المواجهة تتقاطع مع الظروف الدولية والعربية. فقد كان حافظ الأسد جاهزًا بعد الدعم الذي تلقاه من أندروبوف، وجاءت الإشارة إلى حرب الجبل. وفي تلك اللحظة أدرك الإسرائيليون، الذين كانوا يحتلون أجزاء من لبنان، أن الوضع يتغير.
أحمد منصور: لبنان.
وليد جنبلاط: نعم. فبدأوا ينسحبون تدريجيًا. وكان أول انسحاب لهم من منطقة عاليه وبحمدون، حيث تراجعوا إلى القسم الآخر من الجبل.
التحريض الإسرائيلي في حرب الجبل
أحمد منصور: هل كان الانسحاب الإسرائيلي مفاجئًا؟
وليد جنبلاط: لا، لم يكن مفاجئًا. فقد كانت العمليات ضد الإسرائيليين، ولا سيما في الجنوب، تتزايد. وربما أدركوا أن المعادلة الكبرى بدأت تميل لصالح السوريين. لذلك انسحبوا وتركوا حلفاءهم لمصيرهم.
أحمد منصور: روبرت فيسك يصف بداية المعركة، وأريد منك أن تخبرني: هل كان صادقًا أم مبالغًا؟ فهو، ككثير من الصحفيين، ربما يضيف بعض «البهارات» إلى الرواية.
وليد جنبلاط: نعم، كان روبرت يضيف الكثير من «البهارات».
أحمد منصور: يقول إنه بالقرب من دير القمر، وعلى بعد نحو ستمئة ياردة من نقطة تفتيش إسرائيلية، قام مسلحو الكتائب بخطف سائقين دروز من سياراتهم. ثم اختاروا خمسة عشر شابًا، وأبعدوهم عن زوجاتهم وأطفالهم، وأجبروهم على السير نحو جسر قديم فوق مجرى ضيق. وبعد عبورهم الجسر، قام أحد الرجال بغرس سكين طويلة في قلب أحدهم، ثم ألقى بجثته في المجرى. ويضيف أن المسيحيين، على الجانب الآخر، كانوا يلقون المصير ذاته على أيدي الدروز.
وليد جنبلاط: هذا توصيف رومانسي من اختراع روبرت فيسك. لقد حدثت مواجهات، ووقعت مجازر، وجرى عدد كبير جدًا من عمليات الخطف.
أحمد منصور: لكنه يتحدث هنا أيضًا عن حالات خطف واغتصاب.
وليد جنبلاط: نعم، لكن في دير القمر اتخذت قرارًا، ونجحت في ألا تتكرر الجريمة التي وقعت في القرن التاسع عشر، عندما ارتكب الدروز مجزرة دير القمر عام 1860.
أحمد منصور: أي أنك قلت إنها لن تتكرر مرة أخرى؟
وليد جنبلاط: نعم، ونجحت في ذلك. فرضت حصارًا على دير القمر، واتصل بي عبد الحليم خدام، الذي كان يعرف التاريخ جيدًا. كما اتصل بي فرانسوا ميتران.
أحمد منصور: والتقيت ميتران؟
وليد جنبلاط: نعم، في باريس. ذهبت من دمشق إلى باريس والتقيته.
أحمد منصور: وكانت دير القمر آنذاك محاصرة؟
وليد جنبلاط: نعم، كانت محاصرة، لكنني كنت مطمئنًا. كان هدفي أن أطمئن ميتران وعبد الحليم خدام، وكذلك الزعيم الإيطالي ورئيس الحزب الاشتراكي الإيطالي، بتينو كراكسي، إضافة إلى السفراء، بأن مأساة دير القمر لن تتكرر. وهذا ما حدث فعلًا.
كان ذلك هدفي. وكان سمير جعجع موجودًا داخل دير القمر، ثم تمكن من التسلل والخروج منها، متفاديًا الحصار. أما قواته فبقيت داخل البلدة.
أحمد منصور: كم كان عددهم؟
وليد جنبلاط: ربما نحو ألف عنصر.
أحمد منصور: وماذا حدث بعد ذلك؟
وليد جنبلاط: أعتقد أن لواءً من الجيش الإسرائيلي دخل إلى دير القمر وأخرج عناصر القوات اللبنانية منها عبر الطريق التي تربط البلدة بالساحل.
أحمد منصور: تحت أعينكم وأمامكم؟
وليد جنبلاط: نعم، أمام أعيننا. لم نكن قادرين على مواجهة إسرائيل عسكريًا. لم تكن لدينا تلك القدرة. وفي الوقت نفسه كانت التعبئة ذات طابع طائفي، موجهة ضد القوات اللبنانية، وفي بعض الأحيان ضد المسيحيين عمومًا.
هناك صورة شهيرة سأحاول تزويدك بها، لشيخ درزي يقف على طريق دير القمر ممسكًا بسكين ويهدد القافلة التي كان الإسرائيليون يقودونها. وربما كانت تلك الصورة هي التي دفعت روبرت فيسك إلى نسج تلك الرواية.
أحمد منصور: أي أنه استوحى قصة السكين منها؟
وليد جنبلاط: نعم. ثم استقرت الأمور لاحقًا، ووضعنا حاجزين على مداخل دير القمر، وأصبحت الحياة شبه طبيعية. وبعد ذلك جاء الصليب الأحمر وأخرج آلاف الأشخاص الذين لجؤوا إلى البلدة، لأن جميع القرى المحيطة كانت قد سقطت بعد معركة بحمدون.
أحمد منصور: أنت أخذتني إلى نهاية المعركة بينما ما زلت في بدايتها. هل كان الإسرائيليون يتعمدون إخلاء مواقعهم في الجبل وتسليمها إلى الموارنة؟
وليد جنبلاط: لا، هنا أيضًا توجد مغالطة.
أحمد منصور: إذن وضّح لي.
وليد جنبلاط: كانوا يسيطرون على تلك المواقع بأنفسهم، حتى على مقربة من المواقع السورية في صوفر. ثم انسحبوا من الجبل تدريجيًا. وكان أول انسحاب باتجاه مشارف جزين، ثم تراجعوا أكثر إلى الخلف.
عندها اتُّخذ القرار، بالتنسيق مع القيادة السورية العسكرية والسياسية، باقتحام الجبل، وتحديدًا بحمدون.
وبقي سمير جعجع وحده هناك. وللتاريخ، أقول إنه قاوم مقاومة شرسة وباسلة لمدة ثلاثة أيام. لكننا نجحنا في كسر الحصار والحواجز العسكرية، فانسحب إلى دير القمر.
وعندما أقول إنه انسحب، فأنا أقصد أنه انسحب مع قواته، وكذلك مع الأهالي المدنيين. فالمسيحيون هناك لم يكونوا يدركون حجم المعركة أو حجم الكارثة القادمة، ولذلك غادروا معه.
أحمد منصور: وماذا فعلتم أنتم في بحمدون بعد السيطرة عليها؟
وليد جنبلاط: كما حدث في أماكن أخرى، لم نكن نملك قوات نظامية كافية لضبط الأوضاع. ولذلك وقعت مجازر، نعم. جرت مجازر في بحمدون وفي غيرها من القرى، كما جرى تدمير ممنهج وعمليات نهب ممنهجة.
نعم، هذه هي الحقيقة. وأتمنى أن يعترف الآخرون كما أعترف اليوم. لا أقول ذلك بوصفه اعترافًا، بل بوصفه توصيفًا للحقيقة التاريخية.
وقد توسط معي في إحدى الزيارات البطريرك إغناطيوس هزيم، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.
أحمد منصور: بطريرك أنطاكية وسائر المشرق.
وليد جنبلاط: نعم. قال لي: إذا كنت تستطيع، فأعطِ أوامر بدفن القتلى؛ لأن الجثث كانت لا تزال في الشوارع وفي المنازل. هذه هي الحرب الأهلية.
لكن في مرحلة سابقة للمعركة، كان همّي الأول حماية قرية مسيحية معينة.
أحمد منصور: ما اسمها؟
وليد جنبلاط: البيرة. كانت تضم عائلات شمعونية وعائلات قريبة من آل جنبلاط. وفي مقدمة تلك العائلات كانت عائلة مسلم.
وكان بعض الموارنة يطلقون على آل مسلم في البيرة لقب «دروز البيرة»، لأنهم كانوا يُعتبرون من الفريق الجنبلاطي.
أحمد منصور: رغم أنهم كانوا موارنة؟
وليد جنبلاط: نعم. وقبل المعركة طلبت من أحد المشايخ أن يحافظ على البيرة وأهلها.
لكنه أجابني، ولا أدري إن كان ذلك عن حقد أو عن رغبة في الانتقام، فقال: «كما عاملونا سنعاملهم».
في تلك اللحظة أدركت أنني لن أستطيع حماية جميع القرى المسيحية. وبقي قسم من آل مسلم في البيرة ينتظرون وصولنا، فقُتلوا.
ومن يقول غير ذلك فإنه يزور التاريخ. أنا أروي لك ما شاهدته وما حاولت أن أفعله، لكنني فشلت.
أحمد منصور: هل كنت في دمشق آنذاك أم في الجبل؟
وليد جنبلاط: كنت أتنقل بين صوفر، والقيادة السورية في عنجر، ودمشق.
أحمد منصور: أي أنه لم تكن لديك سيطرة كاملة على القادة الميدانيين؟
وليد جنبلاط: لا، إطلاقًا. لأن الأمر لم يكن متعلقًا بالقادة فقط، بل بالجمهور أيضًا.
فالجمهور الدرزي شعر، في مرحلة معينة، بأن بشير الجميل وسمير جعجع أرسلا إلى الجبل قوات لا تعرف الجبل ولا تفهم طبيعته الاجتماعية.
تخيل لو أن وليد جنبلاط أرسل قواته آنذاك إلى كسروان أو مناطق أخرى لا يعرفها ولا يفهم طبيعتها. الأمر نفسه حدث عندنا.
وكان لإسرائيل دور تحريضي واضح.
أحمد منصور: أمين الجميل قال لي في برنامج شاهد على العصر إنه كما أشعل البريطانيون حرب الدروز والموارنة عام 1860، فإن الإسرائيليين أشعلوا حرب الدروز والموارنة عام 1983.
وليد جنبلاط: لا أقول إن البريطانيين وحدهم أشعلوا حرب 1860، فهناك عوامل عديدة تحدثنا عنها. لكن نعم، كان لإسرائيل دور أساسي.
ففي الفترة الواقعة بين الاحتلال الإسرائيلي ومعركة بحمدون، شكلنا نحن والقوات اللبنانية، إلى جانب أحزاب أخرى وممثلين عن الدروز، لجان مصالحة.
كنا نجتمع في مطرانية بيت الدين ـ صيدا عند المطران حلو، كما كنا نجتمع في أماكن أخرى بهدف تهدئة الأوضاع.
وفي الوقت نفسه كان الجيش الإسرائيلي يشرف على المنطقة ويمسك بخيوطها الأمنية، ويحرّض هذا الطرف على ذاك في عدد من القرى المختلطة. وقد نجح في إشعال الفتنة الكبرى.
أحمد منصور: هل صحيح أن السلاح كان يصلكم من كل مكان، حتى من الإسرائيليين، كما كان يصل إلى الموارنة؟
وليد جنبلاط: السلاح الأساسي والاستراتيجي كان يأتي من سوريا، وكنا نهرّبه عبر الحواجز الإسرائيلية أو عبر ممرات جبلية.
صحيح أن الإسرائيليين أعطوا بعض العناصر الدروز سلاحًا، وكان في معظمه سلاحًا غربيًا، ولا سيما أمريكي الصنع. كما أنهم ساهموا في التحريض من خلال توفير السلاح والذخيرة.
أحمد منصور: أمين الجميل قال إن الجميع كان يأخذ السلاح من الإسرائيليين، الموارنة والدروز على السواء.
وليد جنبلاط: نعم، لكن السلاح الاستراتيجي كان يأتي من دمشق، وكذلك القرار الاستراتيجي للمعركة.
أما الإسرائيليون فقد ساهموا في إشعال الفتنة، ثم تركوا الجميع يواجه مصيره.

كمين الدروز لميشيل عون والجيش اللبناني
أحمد منصور: هناك كمين تاريخي نفذه الدروز ضد الجيش اللبناني، أو ضد كتيبة من الجيش اللبناني كان يقودها ميشال عون. هل تتذكر تفاصيله؟
وليد جنبلاط: كان ذلك في عاليه.
أحمد منصور: في عاليه، يوم 14 يوليو/تموز.
وليد جنبلاط: نعم. زار ميشال عون منطقة عاليه في موكب رسمي، فتصدينا له وللمرافقين الذين كانوا معه، ولم نسمح له بدخول عاليه.
كان هدف الجيش اللبناني آنذاك، بقيادة ميشال عون، أن يتسلم المناطق التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، وصولًا إلى حدود صوفر التي كانت خاضعة للسيطرة السورية. وكان يريد، بدعم أمريكي، إيصال الجيش اللبناني أو جزء منه إلى تلك الحدود، لكي يُقال إن الصراع أصبح بين الجيش اللبناني، أي الدولة اللبنانية التي كان يرأسها الشيخ أمين الجميل، وبين الدولة السورية. وعندها كانت المعادلة ستأخذ منحى مختلفًا.
أحمد منصور: أمين الجميل كان يقول ذلك بالفعل، وكان يؤكد أن الحرب ليست مع الدروز، وإنما مع سوريا.
وليد جنبلاط: صحيح. فعلى الرغم من الخصومة الحادة التي كانت قائمة بيننا في أوج المعارك، فإنه كان يريد تحويل الصراع إلى مواجهة بين الدولة اللبنانية والدولة السورية.
لكن أمين الجميل فشل في ذلك، كما فشل حلفاؤه. وبالمناسبة، كان من بين الذين نصحوا أمين الجميل، رحمه الله، غسان تويني، وإيلي سالم، وزير خارجيته آنذاك.
وإيلي سالم هو أستاذي في الجامعة اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي، وما زال على قيد الحياة. كان رجلًا بارعًا، لكنه كان قريبًا من التوجه الأمريكي.
وفي تلك المرحلة كان وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز.
أحمد منصور: صحيح.
وليد جنبلاط: ثم جرى استبداله.
أحمد منصور: هل تقصد أن ذلك كان بسبب الخلاف بينه وبين فيليب حبيب؟
وليد جنبلاط: لا أدري، ربما.
أحمد منصور: بعض المصادر تقول إنه كان شديد الانحياز لإسرائيل ويمارس ضغوطًا لصالحها، بينما كان فيليب حبيب يتبنى مقاربة مختلفة.
وليد جنبلاط: ربما.
أحمد منصور: لكن جورج شولتز جاء بعد ألكسندر هيغ، وقد استبدله الرئيس الأمريكي آنذاك.
وفي 23 يوليو/تموز 1983 أسستم «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية».
وليد جنبلاط: أي سنة؟
أحمد منصور: في 23 يوليو/تموز 1983، في ذروة الحرب والمعارك.
وليد جنبلاط: نعم، صحيح.
أحمد منصور: اسمح لي أن نبدأ الحلقة القادمة من هذه النقطة، لنتحدث عن كيفية انتهاء حرب الدروز والموارنة عام 1983، وكيف انتقلتم بعد ذلك إلى مرحلة التفاوض.
وليد جنبلاط: ربما علينا فقط التدقيق تاريخيًا فيما إذا كان جورج شولتز أم ألكسندر هيغ؛ لأن أحدهما حل محل الآخر.
أحمد منصور: نعم، جورج شولتز جاء خلفًا لألكسندر هيغ.
وليد جنبلاط: حسنًا.
أحمد منصور: شكرًا جزيلًا لك، وليد بك.
كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان.
وفي الختام، أنقل لكم تحيات فريق البرنامج. كان معكم أحمد منصور.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.