بقلم: أحمد منصور
سؤالٌ واحد يتردد اليوم في بيوت الخليج وأسواق آسيا وعواصم القرار الغربية: متى تنتهي هذه الحرب؟ سؤالٌ يطرحه الناس بفطرتهم، وتعجز عن إجابته غرف العمليات ومراكز الدراسات معًا، لأن الحرب -كما علّمنا التاريخ- تُفتَح بقرار، لكن نهايتها لا تكون بقرار .
«أيُّ جبانٍ يستطيع أن يبدأ حربًا، لكنها لا تنتهي إلا برضا المنتصرين، فبدايتها ونهايتها ليستا في يد الرجل نفسه.»
المؤرخ الروماني سالوست
حين قررت واشنطن، ومعها إسرائيل، شنّ الحرب على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، ظنّ أصحاب قرار الحرب أنهم يخوضون عملية محسوبة الأمد والنتائج. لكن المؤرخ الروماني سالوست، أحد كبار مؤرخي الجمهورية الرومانية وحاكم نوميديا في القرن الأول قبل الميلاد، كتب في الكتاب المنسوب إليه، والذي تتداوله الأجيال «حرب يوغرطة» ما يصلح تعليقًا على نشرات أخبار اليوم: «أيُّ جبانٍ يستطيع أن يبدأ حربًا، لكنها لا تنتهي إلا برضا المنتصرين، فبدايتها ونهايتها ليستا في يد الرجل نفسه.» ..وها هي الحرب تتجاوز مئة يوم، وقد امتدت نيرانها من طهران إلى الجبهة اللبنانية حيث حزب الله وإلي اليمن حيث أنصار الله ، ومن تل أبيب إلى عواصم الخليج التي تساقطت الشظايا على مدنها.
ثم جاء إغلاق مضيق هرمز ليحوّل حربًا إقليمية إلى أزمة كونية؛ فالممر الذي يعبر منه خُمس نفط العالم تراجعت فيه حركة الملاحة تراجعًا حادًا، فارتجّت أسواق الطاقة، ودفع المستهلك في طوكيو وبرلين وأرجاء الكون ثمن قرارٍ اتُّخذ في واشنطن وطهران. هكذا تفعل الحروب: تبدأ في جغرافيا محدودة، وتدفع فاتورتَها البشريةُ كلُّها.
«الحروب تبدأ متى شئت، لكنها لا تنتهي متى أردت.»
نيقولا مكيافيللي
أما مسار الحرب نفسه فيجسّد ما سمّاه الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتس، أشهر منظّري الحرب في التاريخ الحديث، في كتابه «عن الحرب» بمفهوم «الاحتكاك» الذي يُفسد أدقّ الخطط؛ هدنٌ تُعلَن ثم تنهار، ومفاوضات تتعثر، وضرباتٌ متبادلة تتجدد كلما لاح بصيص تسوية. إنها سياسة عضّ الأصابع بين الطرفين في أوضح صورها: كل طرف يراهن على أن خصمه سيصرخ أولًا؛ واشنطن تراهن على الحصار الاقتصادي لإيران، وطهران تراهن على أن إغلاق المضيق ورقةٌ توجع العالم كله حتى يتحرك للضغط علي الولايات المتحدة . وصدق نيقولا مكيافيللي، المفكر السياسي الإيطالي الذي يوصف بأنه أبو الواقعية السياسية، حين كتب في «تاريخ فلورنسا» جملته الشهيرة : «الحروب تبدأ متى شئت، لكنها لا تنتهي متى أردت.»
لكن السؤال الذي يطرحه الجميع ما الذي يمكن أن يوقف هذه الحرب ؟ من خلال تغطيتي لثلاثة حروب كبري ومتابعتي لكثير غيرها أستطيع أن أستخلص ثلاثة عوامل يمكن أن تساعد في وقف الحرب:
إنهاكٌ متبادل يجعل استمرار القتال أكثر كلفة من وقفه، وضغطٌ دولي من اقتصادات ودول كبرى تنزف يوميًا بسبب المضيق، وصيغة تفاوضية تحفظ لكل طرف ماء وجهه .. وهذا أعقدها وعلي الأغلب هو ما يجري الآن بوساطة من بعض الدول، لأن حربًا بهذا الحجم لا يقبل أحد أن يخرج منها خاسرًا بشكل معلن . والمفاوضات الجارية بين هدنة وأخرى تشير إلى أن الطرفين يبحثان عن مخرج، لكنهما يتفاوضان بالنار قبل الكلمات.
«السياسي الذي يستسلم لحمّى الحرب يصبح، بعد إطلاق الإشارة الأولى، عبدًا لأحداث لا يملك التنبؤ بها ولا السيطرة عليها.»
ونستون تشرشل
أما النتائج، فأيًّا كانت صيغة النهاية، فإن خريطة النفوذ في المنطقة سيُعاد رسمها من جديد: حيث تريد إيران أن تفرض لنفسها مكانة إقليمية متميزة، و حزب الله رغم خسائره الفادحة في الحرب الأولي مع الإسرائيليين التي انتهت بمقتل معظم قادته وتدمير معظم مخازن سلاحه يريد أن يحافظ علي وجوده في لبنان، ودول الخليج تبحث عن أمنها في ظل تغول إيران، وهيبة الردع الأمريكي أصبحت محل شك من كثير من حلفائها.. كل هذه العوامل موجودة الآن على طاولة التشريح. وقد حذّر ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية والذي يوصف أنه من أكثر السياسيين الدهاة خبرة في القرن الماضي، في مذكراته مما يجري قائلا : «السياسي الذي يستسلم لحمّى الحرب يصبح، بعد إطلاق الإشارة الأولى، عبدًا لأحداث لا يملك التنبؤ بها ولا السيطرة عليها.»

متى تنتهي هذه الحرب؟
لا يعلم أحد.
لكن الذي يعلّمه التاريخ أن الذين أشعلوها لم يعودوا وحدهم من يملك إطفاءها؛ فالحروب تبدأ حين يقرر الأقوياء، وتنتهي حين يأذن المنتصرون .. والمنتصر في هذه الحرب لم يتحدد بعد.