المأزق الإستراتيجي لإسرائيل ؟

ما الذي يبقى من دولةٍ حين يقول أقوى حلفائها، أمام كاميرات العالم، إنها ما كانت لتوجد لولاه؟ في السادس عشر من يونيو/حزيران 2026، على هامش قمة مجموعة السبع في بلدة إيفيان لي بان الفرنسية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حضور بعض الزعماء وأمام وسائل الإعلام العالمية، إن إسرائيل ما كانت لتوجد لولا الولايات المتحدة، ولولاه هو شخصيًا..
أمريكا وإسرائيل

بقلم: أحمد منصور

ما الذي يبقى من دولةٍ حين يقول أقوى حلفائها، أمام كاميرات العالم، إنها ما كانت لتوجد لولاه؟ 

في السادس عشر من يونيو/حزيران 2026، على هامش قمة مجموعة السبع في بلدة إيفيان لي بان الفرنسية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حضور بعض الزعماء وأمام وسائل الإعلام العالمية، إن إسرائيل ما كانت لتوجد لولا الولايات المتحدة، ولولاه هو شخصيًا، لأن أي رئيس آخر لم يكن مستعدًا لفعل ما فعله. ثم أردف أنها «كانت ستُنسف منذ زمن بعيد» لولا تدخّله. 

قيلت الجملة في معرض المباهاة، وهي في جوهرها شهادة إدانة. فحين يُختصر بقاء دولةٍ في إرادة رجل واحد يجلس في البيت الأبيض أربع سنوات، فإن الموصوف ليس قوة، بل تبعية، وليس شرعية، بل رخصة مؤقتة قابلة للسحب. والحليف الأكبر، وهو يظن أنه يمتدح، وضع إصبعه على العطب البنيوي في المشروع الصهيوني: مشروعٌ عمره ثمانية عقود، لم ينجح في تحويل تفوّقه العسكري إلى قبولٍ سياسي، بل تحوّل إلى نظامٍ منبوذٍ عالميًا، سببُ بقائه مربوطٌ بواشنطن. 

ويقدّر أنتوني دوركين، الباحث بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في حديثه لإذاعة «أوروبا الحرة» في الثاني والعشرين من الشهر نفسه، أن مئةً وأربعًا وعشرين دولةً طرفًا في نظام روما صارت ملزَمةً قانونًا بتوقيفه، وأن ذلك يفرض قيودًا بعيدة المدى على تحرّكاته. 

صحيحٌ أن الهوّة بين الإعلان والتنفيذ ما تزال واسعة: فالمجر استقبلت نتنياهو في أبريل/نيسان 2025 دون أن توقفه، ثم انسحبت من نظام محكمة روما ليسري القرار في يونيو/حزيران 2026، وفق ما وثّقته هيومن رايتس ووتش في العشرين من مارس/آذار 2026؛ وفرنسا وإيطاليا واليونان فتحت أجواءها له محتجّةً بحصانتة كرئيس حكومة. غير أننا هنا لا نقيس العزلة بعدد التوقيفات، فالعقوبة الحقيقية هنا ليست الزنزانة، بل الخريطة التي تتحرك من خلالها طائرة نتنياهو. ففي الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول 2025، سلكت طائرة نتنياهو طريقًا ملتوياً إلى نيويورك، تفادت فيه أجواء كل الدول على المسار، عدا إيطاليا واليونان، وأضاف الالتفاف ستمئة كيلومتر، بحسب «هآرتس»، كما نقلت «تايمز أوف إسرائيل» في اليوم نفسه، أن رئيس وزراء يرسم مسار رحلاته بحسابات المحاكم، لا بحسابات المسافات، ويؤكد من خلال سلوكه أن جغرافيا العالم انكمشت تحت قدميه. 

أما أوروبا، حاضنة المشروع الصهيوني ومصدر وعده الأول، فهي المسرح الأوضح للتحوّل.
أحمد منصور

وفي المدينة نفسها، لاهاي، تسير دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، بتهمة انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية، المرفوعة في ديسمبر/كانون الأول 2023، مسارًا أبطأ، لكنه أعمق أثرًا. فقد صدرت ثلاثة أوامر بتدابير مؤقتة، ثم مذكرة إسرائيلية مضادة، في الثاني عشر من مارس/آذار 2026، طعنت في اختصاص المحكمة، ثم أمرٌ، في الحادي والعشرين من مايو/أيار 2026، بجولة كتابية ثانية. لم يصدر حكمٌ في الموضوع بعد، لكن المعنى السياسي حاضر منذ اليوم الأول: دولةٌ وُلدت بدعم غربي، من خلال قرار من الأمم المتحدة، تنفق رصيدها ونفوذها الدبلوماسي والسياسي دفاعًا عن نفسها أمام محاكم الأمم المتحدة. 

أما أوروبا، حاضنة المشروع الصهيوني ومصدر وعده الأول، فهي المسرح الأوضح للتحوّل. فبحسب شبكة «سي إن إن» في الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول 2025، فرضت فرنسا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وبريطانيا وغيرها حظراً جزئياً أو كاملاً على تصدير السلاح إلى إسرائيل. وأصدرت إسبانيا قانوناً يحظر السلاح ومرور السفن الناقلة للعتاد، ثم سحبت سفيرها نهائياً في مارس/آذار 2026. وفي مايو/أيار 2026 فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على حركة «نحالا» الاستيطانية ومديرتها دانييلا فايس ومنظمتَي «ريغافيم» و«أمانة»، وفق تقرير منظمة «جيه ستريت» الأمريكية في العاشر من يونيو/حزيران 2026. وعلى المسار السياسي ارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى مئةٍ وثمانٍ وخمسين من أصل مئةٍ وثلاثٍ وتسعين، بعد اعتراف بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال وفرنسا وبلجيكا .

وأبلغ من هذا كله شهادةٌ من الداخل. ففي الخامس عشر من سبتمبر/أيلول 2025، أمام مؤتمر المحاسب العام بوزارة المالية في القدس، قال نتنياهو، كما نقلت «تايمز أوف إسرائيل»، إن إسرائيل في «نوع من العزلة»، وإنها ستضطر للتكيّف مع اقتصاد ذي سمات انغلاقية، وإنها ستكون أثينا وسبرطة العظمى. بعدها مباشرة، هبطت بورصة تل أبيب، وتراجع الشيكل فور الخطاب، وردّ رئيس اتحاد الصناعيين رون تومر بأن العلامة الإسرائيلية تضرّرت بشدة في العالم. وحين يصف رئيس حكومة بلاده بسبرطة، فهو لا يَعِد شعبه بالنصر، بل يهيّئه للحصار ومصير إسبرطة. 

غير أن التحوّل الأخطر لا يجري في بروكسل ولا في لاهاي، بل في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها الراعي الرسمي والداعم الأساسي لإسرائيل .
أحمد منصور

غير أن التحوّل الأخطر لا يجري في بروكسل ولا في لاهاي، بل في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها الراعي الرسمي والداعم الأساسي لإسرائيل . فاستطلاع مركز «بيو» للأبحاث، الذي أُجري بين الثالث والعشرين والتاسع والعشرين من مارس/آذار 2026 على 3507 من البالغين، أظهر أن ستة من كل عشرة أمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، وأن سبعة وخمسين في المئة من الجمهوريين دون الخمسين، أي عصب التأييد التقليدي، صاروا في خانة الرفض. واستطلاع لاحق للمركز نفسه نُشر في التاسع من يوليو/تموز 2026 وجد أن الأمريكيين دون الثلاثين يفضّلون الفلسطينيين على الإسرائيليين بفارق ثمانٍ وخمسين في المئة إلى اثنتين وثلاثين.

وقد بدأ هذا المزاج يتحوّل من استطلاع إلى تشريع. ففي الخامس عشر من أبريل/نيسان 2026 صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار للسيناتور بيرني ساندرز بمنع بيع جرافات عسكرية لإسرائيل، فسقط بأربعين صوتاً مقابل تسعة وخمسين، لكن أربعين من أصل سبعة وأربعين سيناتوراً ديمقراطياً أيّدوه، وهو ما وصفته «هافينغتون بوست» في السادس عشر من الشهر ذاته بأنه أوسع رفضٍ للمساعدات العسكرية لإسرائيل في تاريخ الكونغرس. 

وفي الخامس عشر من يوليو/تموز 2026 رفض مجلس النواب تعديلاً للنائب توماس ماسي بوقف 3.3 مليار دولار من التمويل العسكري السنوي، بمئةٍ وأربعة أصوات مقابل ثلاثمئة وأربعة عشر، غير أن أكثر من نصف نواب الحزب الديمقراطي صوّتوا معه، كما أوردت شبكة «بي بي إس». التصويت لم ينجح ، لكن الاتجاه المعادي لإسرائيل لم يهزم بل يتصاعد .

هنا تحديداً تصير المقارنة مع جنوب أفريقيا ضرورة تحليلية لا زخرفة بلاغية. فنظام الفصل العنصري لم يُهزم عسكرياً قط؛ لم يخسر حرباً، وظلّ جيشه الأقوى في القارة واقتصاده الأمتن فيها حتى أيامه الأخيرة. ما انهار لم يكن الجيش بل الغطاء. بدأ الحصار طوعياً بحظر سلاح في أغسطس/آب 1963، ثم صار إلزامياً بقرار مجلس الأمن رقم 418 في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1977، وهو أول مرة في تاريخ الأمم المتحدة تُفرض فيها عقوبات إلزامية على دولة عضو. ثم جاءت اللحظة الفاصلة من داخل واشنطن لا من خارجها: في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 1986 أقرّ الكونغرس «القانون الشامل لمناهضة الفصل العنصري» متجاوزاً نقض الرئيس رونالد ريغان بأغلبية ساحقة في المجلسين. بعدها بسبع سنوات ونصف كان نيلسون مانديلا رئيساً. لم يسقط النظام يوم كرهه العالم، بل يوم تعب حماته من الدفاع عنه.

فالعزلة لا تُقاس بعدد السفارات المفتوحة، بل بثمن إبقائها مفتوحة. وحين يرتفع هذا الثمن على الحلفاء أنفسهم، في برلماناتهم ومحاكمهم وأجوائهم، تبدأ الحسابات بالتغيّر ببطء شديد، ثم دفعةً واحدة
أحمد منصور

سيقول قائل إن الحديث عن العزلة مبالغة، وهي حجة تتردّد في الصحافة الإسرائيلية، كما في مقالٍ بموقع «تايمز أوف إسرائيل»، في العاشر من يوليو/تموز 2026، عنوانه «أسطورة عزلة إسرائيل»، يستشهد بتوسّع التعاون الدفاعي وصمود اتفاقات التطبيع. والحجة ليست بلا سند، لكنها تقيس بالأداة الخطأ. فالعزلة لا تُقاس بعدد السفارات المفتوحة، بل بثمن إبقائها مفتوحة. وحين يرتفع هذا الثمن على الحلفاء أنفسهم، في برلماناتهم ومحاكمهم وأجوائهم، تبدأ الحسابات بالتغيّر ببطء شديد، ثم دفعةً واحدة. 

إسرائيل اليوم في ذروة تفوّقها العسكري وأدنى نقاط شرعيتها السياسية، وهذه المفارقة هي التعريف الكلاسيكي للمأزق الاستراتيجي؛ لأن السلاح يحسم المعارك ولا يصنع القبول، والقبول وحده هو ما يورَّث للأجيال. أما جملة ترامب فستبقى أدقّ ما قيل في وصف الحال، لا لأنها أنصفت إسرائيل، بل لأنها فضحتها.

الدول لا تسقط حين ينتصر عليها أعداؤها، بل حين يتعب عنها أصدقاؤها.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج14 من شهادته على العصر: لماذا اغتال الأسد رفيق الحريري؟ 

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share