وليد جنبلاط ج17 من شهادته على العصر: المصالح المشتركة بين إسرائيل ونظام الأسد 

في الحلقة السابعة عشرة من شهادته على العصر، يواصل أحمد منصور حواره مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط، ويتناول المصالح المشتركة بين إسرائيل ونظام الرئيس السوري بشار الأسد، ورضا إسرائيل عن الأسد، ومحاولاتها التاريخية لتأسيس دويلة درزية. يستعرض الحوار انفصال جنبلاط عن تحالف 14 آذار، بعد الترتيب مع سعد الحريري، وعودته إلى مربع حزب الله، ومصالحته التاريخية مع الأسد، تلبية لرغبة الملك عبد الله بن عبد العزيز.
أحمد منصور ووليد جنبلاط

في الحلقة السابعة عشرة من شهادته على العصر، يواصل أحمد منصور حواره مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط، ويتناول المصالح المشتركة بين إسرائيل ونظام الرئيس السوري بشار الأسد، ورضا إسرائيل عن الأسد، ومحاولاتها التاريخية لتأسيس دويلة درزية.

يستعرض الحوار انفصال جنبلاط عن تحالف 14 آذار، بعد الترتيب مع سعد الحريري، وعودته إلى مربع حزب الله، ومصالحته التاريخية مع الأسد، تلبية لرغبة الملك عبد الله بن عبد العزيز.

وتحدث جنبلاط عن الفوارق الأساسية بين الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد ونجله بشار، وقال إن كلاهما كان مجرماً ويتمتع بالقسوة، لكن بشار كان يجيد الكذب والتمويه بطريقة غير مسبوقة.

وذكر الزعيم الدرزي تفاصيل المؤتمر الاغترابي الأول لطائفة الدروز، الذي جمع 840 مدعو من 37 دولة، والهدف من ورائه، وأضاف أن أول فكرة لتأسيس دولة درزية خرجت بعد هزيمة العرب في حرب العام 1967، وأن الفكرة التي جمدت آنذاك تعود الآن برعاية إسرائيلية.

تطرق الحوار إلى المصالح المشتركة التي تجمع بين إسرائيل والنظام العلوي في سوريا، منذ تسليمها الجولان في حرب 67 بدون حرب، وقائمة الاغتيالات في لبنان بين أعوام 2004، و2013، والثورة السورية.

واتهم جنبلاط الغرب بالتواطؤ لإفشال الثورة السورية، وتحدث عن تغير موقف الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما منها، ودوافعه لذلك.

كما تحدث وليد جنبلاط عن لقائه الأخير ببشار الأسد، في يونيو 2011، وطلبه الأمان قبل سؤاله عما حدث للطفل حمزة الخطيب، أحد أيقونات الثورة السورية، ورد الأسد عليه: ما عذبناه قتلناه ثم اتصلنا بأهله وسلمناه.

نص حوار وليد جنبلاط ج17 من شهادته على العصر:  

المصالح المشتركة بين إسرائيل ونظام الأسد

أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة زعيم الدروز في لبنان، وليد بك جنبلاط. وليد بك، مرحبًا بك.

وليد جنبلاط:
أهلًا، مساء الخير.

انفصال جنبلاط عن تحالف 14 آذار

أحمد منصور:
في عام 2009 بدأتَ تقرأ المشهد الدولي قراءة جديدة، دفعتك إلى التفكير في الانفصال عن تحالف 14 آذار، والانفتاح على حزب الله، والعودة إلى سوريا مرة أخرى.

وليد جنبلاط:
كان ذلك من أجل تخفيف حالة التشنج بيننا وبين حزب الله، وبين جزء من الجمهور الدرزي وجزء من الجمهور الشيعي. كما أن هذه الخطوة جاءت أيضًا في سياقٍ تاريخي، وكانت بالتفاهم مع الشيخ سعد الحريري.

أحمد منصور:
هنا سؤالي المهم جدًا: هل أبلغتَ سعد الحريري بهذا التوجه، أم أنه فوجئ به؟

وليد جنبلاط:
أبلغته.

أحمد منصور:
أبلغته؟

وليد جنبلاط:
نعم، أبلغته.

أحمد منصور:
لكنه بالتأكيد لم يكن راضيًا.

وليد جنبلاط:
لم يكن راضيًا، لكنه كان يتمتع برحابة صدر، وفهم وضعي.

تأصل العداوة والكراهية بين الشيعة والدروز

أحمد منصور:
الحرب التي اندلعت عام 2008، والتي أُوقفت قبل أن تستفحل، والمتعلقة بشبكة الاتصالات السلكية الخاصة بحزب الله وغيرها، هل أدت إلى ظهور عداوة أو كراهية بين الشيعة والدروز؟ فقد تحدثنا سابقًا عن حرب الدروز والموارنة عام 1983، وكذلك عن أحداث عام 1860.

وليد جنبلاط:
في بعض المناطق، وتحديدًا في المنطقة المحيطة بالشويفات، نعم، ظهرت حساسية، وعملت على احتوائها وتهدئتها على مدى أشهر وسنوات، ولا أزال.

أحمد منصور:
ولا تزال؟

وليد جنبلاط:
نعم، لا أزال. ولو نظرنا إلى أين كنا وأين أصبحنا، نجد أن الجبل الدرزي أصبح اليوم، مع الأسف، أحد المراكز الأساسية لاستقبال أبناء الشعب اللبناني من الجنوب الذين اضطروا إلى النزوح.

أحمد منصور:
عندما اندلعت حرب عامي 2023 و2024، رحبتَ بسكان الجنوب الشيعة، وقلت إن الجبل هو مكانهم الذي يمكنهم اللجوء إليه.

وليد جنبلاط:
صحيح، وقد نجحنا. انظر أين كنا من التوتر في الشويفات وغيرها، وأين أصبحنا اليوم، والحمد لله.

أحمد منصور:
قبل انتخابات السادس والعشرين من أيار/مايو 2009، بدا أن الولايات المتحدة حرصت على دعم حلفائها، فأرسلت جو بايدن، الذي كان آنذاك نائبًا للرئيس باراك أوباما، لدعم قوى 14 آذار. هل كان للولايات المتحدة تأثير في الشارع اللبناني والساحة اللبنانية في ذلك الوقت؟

وليد جنبلاط:
التقينا بجو بايدن في منزل السيدة نايلة معوض، والدة النائب الحالي ميشال معوض. كان لقاءً اجتماعيًا، وكانت الأسئلة على الطريقة الأمريكية: ماذا نستطيع أن نفعل؟ وما إلى ذلك. ولم يكن هناك شيء استثنائي.

أحمد منصور:
التقيت أيضًا بحسن نصر الله.

وليد جنبلاط:
نعم.

أحمد منصور:
ماذا دار بينكما؟ هل كان اللقاء بمثابة ترحيب بعودتك؟

وليد جنبلاط:
كان تمهيدًا لعودة العلاقات، ومحاولة لترطيب الأجواء، ليس أكثر. التقيته عدة مرات، لكن بعد ذلك لم أستطع الاستمرار في اللقاءات بسبب الظروف الأمنية التي مرت لاحقًا.

أحمد منصور:
صحيفة الأخبار، المحسوبة على حزب الله، قالت: “عودة جنبلاط إلى رشده”.

وليد جنبلاط:
صحيفة الأخبار، التي يرأسها إبراهيم الأمين، لها أسلوبها الخاص في التعبير.

أحمد منصور:
أما صحيفة المستقبل، التابعة لسعد الحريري، فقد وصفت خطابك، بعد إعلانك في الثاني من آب/أغسطس انسحابك من قوى 14 آذار، بأنه “خطاب الخيانة الكبرى”.

وليد جنبلاط:
الأمر نفسه؛ من الأخبار إلى المستقبل، لا فرق.

أحمد منصور:
لكنك كنت قد جلست مع سعد الحريري ورتبتما الأمور، بينما كان الخطاب الإعلامي مختلفًا تمامًا.

وليد جنبلاط:
سعد أيضًا لديه جمهوره، كما أن لدي جمهوري، ولكل جمهور تعقيداته وحساباته.

أحمد منصور:
في السابع من حزيران/يونيو 2009 أُجريت الانتخابات النيابية، وكانت إحدى نتائج اتفاق الدوحة، الذي نص على انتخاب رئيس للجمهورية وإجراء الانتخابات، ونُفذ معظم ما جاء فيه. حصل تيار المستقبل، بزعامة سعد الحريري، على 71 مقعدًا، بينما حصل حزب الله وحلفاؤه على 57 مقعدًا. في تلك الانتخابات كنتَ حليفًا لحزب الله.

وليد جنبلاط:
لكن لكل منا جمهوره. أصوات حزب الله في تلك المناطق لم تكن ذات وزن كبير بالنسبة إلينا. كنا نعتمد في الانتخابات على الصوت المسيحي في الجبل أكثر من اعتمادنا على أصوات حزب الله في منطقة المتن الجنوبي، كما أن الضاحية الجنوبية كانت تصوت معنا في بعض الدوائر، إضافة إلى إقليم الخروب، وهو منطقة كبيرة ذات غالبية سنية.

أحمد منصور:
هل سعيتَ في تلك المرحلة إلى تشكيل تحالف يضم سعد الحريري وحزب الله وحركة أمل، لمواجهة القوى المسيحية؟ فقد قلت إنك تريد لقاءً إسلاميًا عريضًا للوقاية من المشروع الإسرائيلي التفتيتي.

وليد جنبلاط:
لا، لا أتذكر ذلك.

أحمد منصور:
لكن المسيحيين بدأوا في المقابل بحشد الآخرين، وأنت أعلنت خروجك من تحالف 14 آذار.

وليد جنبلاط:
لم أنضم إلى 8 آذار، بل بقيت في موقع وسطي.

أحمد منصور:
ولتبرير هذا الموقف، قلت إن الجيش السوري انسحب، ويكفي البكاء على الأطلال.

وليد جنبلاط:
نعم.

أحمد منصور:
وبالنسبة لزيارتك الولايات المتحدة، وصفت زيارتك في عهد المحافظين الجدد ولقاءك بالرئيس جورج بوش بأنها كانت نقطة سوداء في تاريخ الحزب التقدمي الاشتراكي.

وليد جنبلاط:
أقصد في تاريخي الشخصي؛ فالحزب ينادي بمعاداة الإمبريالية، وخاصة إدارة المحافظين الجدد. لذلك لم يكن ذلك مصدر فخر، لكن الظروف التي فرضت علينا ذلك كانت اغتيال رفيق الحريري ورفاقه.

أحمد منصور:
اطلعت على كثير من التقارير التي تناولت هذا التحول، وقد أوضحت الآن كيف كنت تعيد تموضعك وتتخذ مواقفك. لكنهم اتهموك بأن خروجك من 14 آذار أدى إلى إضعاف هذا التحالف، وإلى إضعاف السنة، بينما كنت دائمًا تقول إن السنة يحتاجون إلى الدعم، وإن مواقفك السابقة كانت تصب في هذا الاتجاه. فهل أضعف خروجك السنة أم لا؟

وليد جنبلاط:
المعادلة هي التي فرضت هذا الأمر. وما علاقة ذلك بإضعاف السنة أو تقويتهم؟ إذا كنت تتحدث عن عام 2009، فلا تنسَ أن تلك المرحلة شهدت المبادرة العربية السعودية للتصالح مع بشار الأسد.

أحمد منصور:
لكن ذلك كان عام 2011، على ما أظن، وليس قبل ذلك.

وليد جنبلاط:
كان ذلك في عامي 2009 و2010.

أحمد منصور:
في عام 2009 أو 2010؟

وليد جنبلاط:
كانت هناك تقلبات في الإقليم، وليس في لبنان وحده، بل في المنطقة كلها.

أحمد منصور:
على أي أساس؟

وليد جنبلاط:
يمكنك أن ترفض ذلك، لكن هل كان بإمكانك، مثلًا، أن ترفض إرادة الملك عبد الله آنذاك؟ فقد جاء الملك عبد الله إلى دمشق، ثم جاء مع الرئيس بشار الأسد إلى بيروت.

أحمد منصور:
صحيح.

وليد جنبلاط:
هذه كانت إرادته.

أحمد منصور:
لكن ذلك حدث لاحقًا.

وليد جنبلاط:
حسنًا.

أحمد منصور:
ذهبت إلى الشويفات، وعقدت مصالحة درزية مع حزب الله، وحضر محمد رعد وألقى كلمة، كما ألقيت أنت كلمة أيضًا. كنت تحاول رأب الصدع الكبير الذي نشأ بين الدروز والشيعة.

وليد جنبلاط:
نعم.

أحمد منصور:
كنت تحاول ترميم العلاقة بين الدروز والشيعة.

وليد جنبلاط:
نعم، لأن الضاحية الجنوبية، التي أصبحت ذات غالبية شيعية، ملاصقة للشويفات. وفي الماضي كانت منطقة يغلب عليها الطابع المسيحي، وكانت أراضيها زراعية. ومع تطور الزمن، وإهمال الجنوب، ونزوح أبناء الجنوب وأهالي بعلبك والهرمل إلى الضاحية، أصبحت ذات غالبية شيعية. كما أن قسمًا كبيرًا من أراضي الشويفات أصبح مملوكًا لإخواننا الشيعة. وكانت الشويفات منطقة زراعية، وكانوا يسمونها “صحراء الشويفات”، وكانت مليئة بأشجار الزيتون، أما اليوم فلم تعد فيها شجرة زيتون واحدة.

أحمد منصور:
أصبحت كلها مباني.

وليد جنبلاط:
نعم، كلها مبانٍ.

تصالح جنبلاط مع بشار الأسد برعاية الملك عبد الله

أحمد منصور:
في 14 آذار/مارس 2007، كنت تصف بشار الأسد بـ”طاغية الشام”. والآن أصبحت تنظر إليه وتسعى إلى التصالح معه.

وليد جنبلاط:
ليس الأمر كذلك. اسمح لي أن أقول إن ذلك كان استجابة لإرادة الملك عبد الله.

أحمد منصور:
وهذا ما أريد معرفته. فقد قيل إن حسن نصر الله هو من توسط وسعى إلى المصالحة، لكن يبدو أن الأمر مختلف، وأن الملك عبد الله هو الذي لعب الدور الأساسي.

وليد جنبلاط:
نعم، الملك عبد الله هو الذي أراد المصالحة.

أحمد منصور:
لأنني كنت أتساءل: كيف يمكن لبشار الأسد، المعروف بأنه لا ينسى الإساءة، أن يتجاوز كل الأوصاف التي وصفتَه بها، ثم يقبل المصالحة معك ويستقبلك في دمشق؟

وليد جنبلاط:
استقبلني في دمشق، لكنه كان قد استقبل سعد الحريري قبلي. وقد أمضى سعد ليلة هناك، ثم ذهبت أنا بعده. هو زار دمشق عام 2010، وأنا أيضًا زرتها في العام نفسه.

أحمد منصور:
عام 2010.

وليد جنبلاط:
نعم.

أحمد منصور:
ذهبت تحديدًا في 31 آذار/مارس 2010.

وليد جنبلاط:
نعم، في 31 آذار/مارس 2010.

أحمد منصور:
والتقيت بالرئيس الأسد.

وليد جنبلاط:
نعم، والتقيت به، وكأن شيئًا لم يكن. رأيت شخصًا غريبًا وعجيبًا، رغم أنني كنت قد وجهت إليه إهانات قاسية.

أحمد منصور:
لم تكن مجرد إهانة، بل ألقيت خطابًا أعدّه من أشد الخطابات السياسية ضده.

وليد جنبلاط:
فقال لي: “انسَ الماضي”.

أحمد منصور:
قال لك: “انسَ الماضي”.

وليد جنبلاط:
نعم، قال: “انسَ الماضي”. أما ما دار بيننا من حديث فلا أذكره، فلا تسألني عنه، لأنني لا أتذكر.

أحمد منصور:
إذًا، كان الملك عبد الله هو الذي لعب الدور الرئيسي في ترتيب هذه المصالحة، وليس حزب الله.

وليد جنبلاط:
قد يكون حزب الله لعب دورًا أيضًا، وأقول ذلك أمانةً للتاريخ، لأننا ننتقل بسرعة من موضوع إلى آخر. نعم، ربما كان حزب الله يمهد الطريق لهذه المصالحة.

أحمد منصور:
أتذكر أول جملة قالها لك حافظ الأسد عندما التقيته لأول مرة بعد مقتل والدك عام 1977. وعندما زرت بشار الأسد في 31 آذار/مارس 2010، بعد كل ما قلته عنه، هل كانت أول جملة قالها لك أيضًا: “انسَ الماضي”؟

وليد جنبلاط:
نعم، قال لي: “لننسَ الماضي”.

الفارق بين حافظ الأسد ونجله بشار

أحمد منصور:
وما الفرق بين الموقفين؟

وليد جنبلاط:
لا فرق كبيرًا بينهما. حافظ الأسد كان رجلًا قاسيًا ومجرمًا، لكنه كان يتمتع بحضور عربي ودولي.

أحمد منصور:
أما بشار، أليس هو أيضًا قاسيًا ومجرمًا؟

وليد جنبلاط:
لكنه يتمتع بقدرة هائلة على الكذب والتمويه، إلى درجة لا يمكن تصورها.

أحمد منصور:
وجدت أن معظم السياسيين يتحدثون عن كذبه، وكأنها صفة ظاهرة لا يستطيع إخفاءها.

وليد جنبلاط:
حتى في السعودية اكتشفوا ذلك. وكان الملك عبد الله يقول لي إنه يتمتع بقدرة كبيرة على الكذب.

أحمد منصور:
يبدو أن صفة الكذب كانت واضحة للجميع، ولم يكن قادرًا على إخفائها. ماذا مثلت لك تلك الزيارة سياسيًا، وأنت في ذلك الوقت كنت تعيد تموضعك مع حزب الله وسوريا من جديد في عام 2010؟

وليد جنبلاط:
من الناحية السياسية لم تمثل شيئًا يُذكر. لكنها أتاحت لي، بفضل الظروف، أن أقوم برحلة مع زوجتي، ومع صديقي القديم رياض الأسعد وزوجته. ذهبنا إلى حلب، وتجولنا في أسواقها، وزرنا القلعة، وأقمنا في فندق يعود إلى عائلة القدسي، وهو بيت قديم حُوِّل إلى فندق. وقد أخبروني اليوم أن معظم تلك المنطقة قد دُمِّر.

أحمد منصور:
دُمِّرت.

وليد جنبلاط:
نعم، باستثناء القلعة، لأنها قلعة تاريخية. أما المنطقة القديمة المحيطة بها فقد اختفت تقريبًا، وكانت هناك بناية كبيرة يعمل الآغا خان على ترميمها باعتبارها من التراث.

أحمد منصور:
بصفتها موقعًا تراثيًا.

وليد جنبلاط:
نعم، ثم عدنا بعد أن تناولنا الغداء.

أحمد منصور:
في حلب. وطعام حلب لا مثيل له، حتى إن أهلها يقولون: “لا يوجد طعام أفضل من طعامنا إلا طعام الجنة”.

وليد جنبلاط:
وأهل دمشق يقولون العكس، لذلك يجب مراعاة هذه الحساسيات. ثم عدنا، وفي العام التالي بدأت الأحداث.

المؤتمر العالمي للدروز

أحمد منصور:
سأنتقل إلى تلك الأحداث لاحقًا، لكن قبل ذلك أود التوقف عند مؤتمر مهم عقدته في تموز/يوليو 2010، عندما دعوت إلى المؤتمر الاغترابي الأول لطائفة الدروز.

وليد جنبلاط:
نعم، كان تجمعًا للدروز، وليس مؤتمرًا عالميًا.

أحمد منصور:
أقصد المؤتمر الاغترابي الأول لطائفة الدروز.

وليد جنبلاط:
صحيح، هذا هو الاسم الدقيق، وقد عُقد في بيروت.

وليد جنبلاط:
صحيح، كان ذلك في بيروت.

أحمد منصور:
جمعت فيه، للمرة الأولى، 840 مدعوًا من 37 دولة. ما الذي دفعك إلى هذه الفكرة التي لم يسبق لأحد أن طرحها؟

وليد جنبلاط:
كانت هذه فكرة تمنينا تنفيذها أيام الوصاية السورية، لكن السلطات السورية آنذاك رفضتها. وكان الهدف جمع المغتربين للمساهمة في الدعم السياسي والإنمائي، والمشاركة في دعم الدروز عبر مشاريع إنسانية وتنموية في الجبل، لا أكثر ولا أقل.

أحمد منصور:
ما الذي يجمع بين الدروز؟ فالدرزي الموجود في لبنان، أو الموجود في الخارج… وقد حضر أيضًا وفد من فلسطين المحتلة.

وليد جنبلاط:
هذا الأمر اتفقنا عليه أنا والأمير طلال أرسلان بصورة مشتركة.

أحمد منصور:
الأمير طلال أرسلان؟

وليد جنبلاط:
نعم، طلال أرسلان.

أحمد منصور:
والحكومة اللبنانية سمحت لهؤلاء بالدخول؟

وليد جنبلاط:
نعم، لأن الوفد جاء تحت شعار استقطاب قسم من دروز فلسطين إلى الحاضنة العربية.

أحمد منصور:
وعلى أي أساس اخترتم هؤلاء؟

وليد جنبلاط:
كان لدى طلال أرسلان معرفة بتصنيف معين لهؤلاء الأشخاص، وأنا أيضًا أعرف مجموعة منهم، فجمعناهم.

أحمد منصور:
هذا المؤتمر، الذي لم يُعقد إلا مرة واحدة، وكان أول مؤتمر يجمع دروزًا من 37 دولة، ما الذي ميّزه؟

وليد جنبلاط:
لأن هناك اغترابًا درزيًا، كما يوجد اغتراب لبناني منتشر في أنحاء العالم.

أحمد منصور:
وما الذي يجمع بين هؤلاء الموجودين في 37 دولة؟

وليد جنبلاط:
لديهم أقارب في لبنان.

أحمد منصور:
لكن العقيدة الدرزية ليست عاملًا جامعًا بينهم، بل إن معظم الدروز لا يعرفون أسرار العقيدة.

وليد جنبلاط:
لا علاقة لذلك بالعقيدة. كان مؤتمرًا مدنيًا، اجتماعيًا، للتعارف، وليس مؤتمرًا عقائديًا.

عدد الدروز في العالم

أحمد منصور:
حاولت أن أبحث عن مصدر موثوق لعدد الدروز في العالم. ووفقًا لما ذكرته الموسوعة البريطانية، فإن عددهم يقارب مليونًا ومئة ألف نسمة، يتوزعون بين سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، مع تجمعات في فنزويلا، والأمريكيتين، وأستراليا، وأفريقيا، وأوروبا. ورغم أن عددكم لا يتجاوز مليونًا ومئة ألف، فإن حجم وتأثير الدروز في العالم يبدو أكبر بكثير من عددهم.

وليد جنبلاط:
لا، لا أوافق على ذلك. فالاغتراب اللبناني، مثلًا، يقال إن عدده في أمريكا الجنوبية يبلغ عشرات الملايين. والمهاجر اللبناني الذي غادر في أواخر القرن التاسع عشر، ثم بعد الحرب العالمية الأولى، إلى أمريكا الشمالية، وأفريقيا، وكوبا، والأرجنتين وغيرها، اندمج مع مرور الزمن في المجتمعات التي هاجر إليها. وعندما تزور تلك البلدان تجد لبنانيين، دروزًا وغير دروز، في كل مكان. لكن معظمهم أصبحت هويتهم أرجنتينية أو برازيلية أو غير ذلك، رغم أنهم يتمتعون بنفوذ اقتصادي واجتماعي كبير.

أحمد منصور:
وليد بك، العقيدة الدرزية محاطة بالغموض. وقد قلت إن المجتمع الدرزي ينقسم إلى “عُقّال” و”جُهّال”، وإن العقيدة لا تُكشف إلا بعد سن الأربعين لمن يرغب. كما أن باب الانتساب إلى الطائفة مغلق منذ نحو ألف عام، فلا يمكن لأحد أن يدخل إليها.

وليد جنبلاط:
بحسب معلوماتي، فإن باب الانتساب أُغلق بعد انتهاء الحكم الفاطمي، ومع مجيء الحكم الأيوبي، نتيجة ما تعرض له الدروز من اضطهاد.

أحمد منصور:
سؤالي مرتبط بالمؤتمر الذي عقدته، لأنه دفعني إلى البحث في الوضع السياسي للدروز في العالم. ما الذي يجعل الشخص الذي لا يعرف تفاصيل العقيدة ولا يطلع على كتب الحكمة السرية، يقول: “أنا درزي”؟ ما الرابط الذي يجمعه بالطائفة؟ فالمسلم، مثلًا، يرتبط بدينه من خلال الصلاة، وقراءة القرآن، والحج، وممارسة الشعائر.

وليد جنبلاط:
يعرف أن أصوله درزية، سواء كان مؤمنًا أو غير مؤمن. بالنسبة إليه، الانتماء إلى الطائفة يمثل نوعًا من الاعتزاز بالهوية.

أحمد منصور:
لكن عندما أسأل بعض الدروز: ماذا تعرف عن الدرزية؟ لا يعرفون شيئًا تقريبًا.

وليد جنبلاط:
هذا موضوع آخر. فالمؤتمر لم يكن لأسباب عقائدية، وإنما لأسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية؛ لأن نخبة من هؤلاء المغتربين يتمتعون بنفوذ اقتصادي كبير في الخارج. لذلك دعوناهم للمساهمة، وقد ساهم بعضهم، ولا يزال بعضهم يدعم الجمعيات الأساسية الخاصة بالدروز في لبنان.

أحمد منصور:
ما الهدف الذي كنت تسعى إليه من المؤتمر؟ وهل حقق أهدافه؟ ولماذا لم تعقد مؤتمرًا ثانيًا؟

وليد جنبلاط:
عن أي سنة تتحدث؟

أحمد منصور:
عام 2010.

وليد جنبلاط:
بعد عام 2010 اندلعت الثورة السورية، وانشغلنا بتداعياتها ودخلنا في خضم أحداثها.

أصحاب فكرة الدولة الدرزية

أحمد منصور:
أريد أن أسألك بصراحة: هل ناقشتم في ذلك المؤتمر فكرة إقامة دولة درزية؟

وليد جنبلاط:
لا، لم يتحدث أحد عن ذلك، ولم يناقش أحد فكرة الدولة الدرزية. أول طرح لهذه الفكرة كان بعد هزيمة عام 1967.

أحمد منصور:
من الذي طرحها؟ ومن الذي تحدث عنها أولًا؟

وليد جنبلاط:
كمال كنج أبو صالح. فقد أرسل رسالة إلى كمال جنبلاط، الذي استعان بعدد من الشخصيات، منهم كمال أبو لطيف. وكان كمال كنج أبو صالح من أبرز المناضلين العرب في مجدل شمس، وقد سُجن لاحقًا.

أحمد منصور:
في مجدل شمس، في الجولان؟

وليد جنبلاط:
نعم، في الجولان. وقد نبّه منذ عام 1967 إلى المشروع الإسرائيلي، محذرًا من أن إسرائيل تفكر في إقامة كيان درزي. في ذلك الوقت كانت التوازنات العربية أقوى وأكثر استقرارًا مما هي عليه اليوم. وقد زار كمال جنبلاط الرئيس جمال عبد الناصر، وحذّره من هذا المشروع، فتجمدت الفكرة آنذاك.

أما اليوم، فقد عادت هذه الفكرة إلى الظهور من خلال ما يجري في جبل العرب. وأصبح بعضهم يعود إلى تسمية المنطقة بـ”جبل باشان”، وهي تسمية قديمة تعود إلى ما قبل الميلاد.

أحمد منصور:
لكن لم يكن هناك دروز في تلك الحقبة.

وليد جنبلاط:
بالتأكيد، لم يكن هناك دروز ولا عرب ولا مسلمون. إنما يجري اليوم استحضار هذه التسمية التاريخية. وكانت المنطقة آنذاك تُعرف بجبل باشان، وكانت تحكمها قبيلة يتزعمها الملك عوج، ثم احتلتها لاحقًا إحدى قبائل بني إسرائيل، وهي قبيلة منسّى. لكن عندما ننظر إلى ما يُراد اليوم، ندرك أن المقصود هو تلك المنطقة التي تضم جبل الشيخ، والسويداء، وحوران. وإذا انفصلت هذه المنطقة عن سوريا، فسيكون ذلك بداية لتفتيت الدولة السورية.

أحمد منصور:
إذًا، فكرة الدولة الدرزية هي فكرة إسرائيلية؟

وليد جنبلاط:
نعم، هي فكرة إسرائيلية.

أحمد منصور:
وهل لا تزال إسرائيل، منذ عام 1967 وحتى اليوم، تسعى إلى تحقيقها؟

وليد جنبلاط:
نعم، فكرة الدولة الدرزية فكرة إسرائيلية. وكذلك كانت فكرة إقامة دويلة مسيحية في لبنان، فهي أيضًا كانت جزءًا من مشروع إسرائيلي يقوم على تفتيت المنطقة، واستغلال الأقليات، وإقامة تحالفات بينها في مواجهة المشرق العربي والعرب الموحدين.

الرضا الإسرائيلي عن نظام الأسد

أحمد منصور:
هل أفهم من كلامك الآن أن بقاء نظام الأسد، والنظام العلوي في سوريا منذ قيامه عام 1971 حتى انهياره عام 2024، كان برضا إسرائيل ورغبتها؟

وليد جنبلاط:
طبعًا. كان ذلك برضاها، فقد التقت مصالح الطرفين في قضايا معينة. صحيح أنهما اختلفا بشأن الجولان، لكن…

أحمد منصور:
الجولان سُلِّمت عام 1967، بحسب كثير من التقارير.

وليد جنبلاط:
نعم، سُلِّمت عام 1967، تحت الشعار الشهير: “خسرنا بعض الأرض، لكن بقي النظام.” وكان حافظ الأسد آنذاك وزيرًا للدفاع.

أحمد منصور:
وكان هو وزير الدفاع الذي سلّمها.

وليد جنبلاط:
صحيح.

أحمد منصور:
ولم يحارب.

وليد جنبلاط:
صحيح. وقد قيل يومها: “خسرنا بعض الأرض، وبقي النظام.” فردّ كمال جنبلاط قائلًا: “ليتنا خسرنا بعض الأنظمة وبقيت الأرض.” وأصبح هذا القول شعارًا مشهورًا، وكان بداية الخلاف.

أحمد منصور:
لا أظن أن أحدًا سبق أن تحدث في النقطة التي أطرحها الآن، ويبدو أن أحدًا لم تكن لديه الجرأة لفتح هذا الملف، وهو أن إسرائيل كانت راضية عن بقاء النظام العلوي في سوريا منذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم وحتى سقوط النظام عام 2024، بسبب وجود مصالح مشتركة بين الطرفين.

وليد جنبلاط:
المصالح التي تحدثنا عنها كانت، في الأساس، تتعلق بضرب منظمة التحرير الفلسطينية. أما لاحقًا، فقد قبل الطرفان بالترتيبات القائمة في الجولان، من خلال خط الفصل والمنطقة منزوعة السلاح، وبقاء قوات الأمم المتحدة في جبل الشيخ. أما في لبنان، فقد كان حافظ الأسد الحاكم الفعلي عندما كان هناك ما اعتبره خطرًا على إسرائيل. وظل الجنوب اللبناني نقطة تجاذب، سواء عندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تسيطر عليه، أو في المراحل اللاحقة. أما اليوم، فقد تغير النظام السوري، وأصبح السؤال المطروح: إلى أين سيؤول مصير الجنوب اللبناني؟

أحمد منصور:
سبق أن أشرت إلى أن ما سمي بالتحالف الثلاثي، أو تحالف الأقليات، كان يخدم أيضًا المصالح الإسرائيلية، وأن الأسد حرص طوال تلك المرحلة على جمع الأقليات، وهو ما كانت إسرائيل راضية عنه، سواء كان ذلك بتنسيق مباشر أو بصورة غير مباشرة.

وليد جنبلاط:
صحيح. فسياسة تحجيم الأغلبية السنية خدمت إسرائيل، كما أن سياسة إدارة الأقليات داخل إسرائيل، من دروز وشركس وبدو وغيرهم، تصب أيضًا في مصلحتها.

قائمة الاغتيالات في لبنان

أحمد منصور:
لدي قائمة طويلة من الاغتيالات التي وقعت بين عامي 2004 و2013، مثل جورج حاوي، وسمير قصير، وجبران تويني، وبيار الجميل، ووليد عيدو، وأنطوان غانم، وغيرهم. وقد تحدثت عن بعضهم. هل كان الفاعل واحدًا في جميع هذه الاغتيالات؟

وليد جنبلاط:
نعم، الفاعل واحد. كما أنك نسيت عددًا من الشخصيات الأمنية.

أحمد منصور:
تقصد وسام الحسن؟

وليد جنبلاط:
وأيضًا وسام عيد، وهو شخصية بالغة الأهمية؛ لأنه هو الذي كشف الخلية التي نفذت عملية اغتيال رفيق الحريري.

أحمد منصور:
نعم.

وليد جنبلاط:
أحد أفراد تلك الخلية ارتكب خطأً، عندما أجرى اتصالًا بشخص خارجها، فتم كشف ذلك الاتصال، ومن خلاله انكشف أمر المجموعة.

أحمد منصور:
أما وسام الحسن، فرغم أنه كان مقيمًا في باريس، فقد عاد ليلًا، واغتيل صباحًا، وكأن هناك من كان يراقب تحركاته بدقة.

وليد جنبلاط:
نعم، وسام الحسن.

ثورات الربيع العربي

أحمد منصور:
أريد أن أنتقل إلى محطة مهمة جدًا. ففي عام 2011 اندلعت ثورات الربيع العربي، بداية من تونس ثم مصر، وبدأ المشهد العربي كله يتغير. وقبل ذلك، في تشرين الأول/أكتوبر 2010، زار الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني جنوب لبنان لافتتاح المشروعات التي موّلتها قطر بعد حرب 2006، من مستشفيات ومدارس وأحياء سكنية. ثم زرتَ الأسد مرة أخرى. وهنا التبس عليّ أمر تصريح نُسب إليك، لكن يبدو أنه كان تصريحًا لسعد الحريري، عندما قال إنه لا يعتقد أن الرئيس بشار الأسد مسؤول عن اغتيال والده.

وليد جنبلاط:
أنا لم أقل ذلك.

أحمد منصور:
صحيح، أعتذر، لقد كان تصريحًا لسعد الحريري لصحيفة التايمز البريطانية، بعد زيارته إلى سوريا.

وليد جنبلاط:
نعم.

أحمد منصور:
استمرت حكومة سعد الحريري تعاني من الشلل، ثم استقال أحد عشر وزيرًا، فسقطت الحكومة. وبعد القمة الثلاثية التي عقدت في دمشق، حاول أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة إنقاذ الموقف. كما توجه الشيخ حمد بن جاسم، رئيس الوزراء القطري، برفقة أحمد داود أوغلو، إلى بيروت في 18 كانون الثاني/يناير، والتقيا بك، ثم التقيا حسن نصر الله وسعد الحريري، في محاولة لحل الأزمة الحكومية، لكنها انتهت إلى طريق مسدود.

وليد جنبلاط:
صحيح.

أحمد منصور:
ثم جرى تكليف نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة الجديدة. وكانت تلك من أكبر الأزمات السياسية في تلك المرحلة.

وليد جنبلاط:
كانت واحدة من الأزمات، لكنها ليست الأخطر. ففي لبنان لا تكاد تنتهي أزمة حتى تبدأ أخرى. وأتذكر أنني التقيت أحمد داود أوغلو، كما التقيت الشيخ حمد.

احتفاء جنبلاط بسقوط مبارك

أحمد منصور:
أحييك على قوة ذاكرتك. فمن الصعب أن يتذكر أحد كل هذه التفاصيل. وأنا أثناء إعداد هذه الحلقات شعرت بالإرهاق من كثرة الأحداث، وتساءلت كيف كان اللبنانيون يعيشون وسط كل هذه الأزمات المتلاحقة.

لكن عندما اندلع الربيع العربي، كان لك موقف لافت؛ فقد انحزت بقوة إلى الشعوب، وعندما سقط الرئيس حسني مبارك، عبّرت عن فرحتك، حتى إنك…

وليد جنبلاط:
أطلقت رصاصة.

أحمد منصور:
بل أطلقت مشطًا كاملًا من الرصاص.

وليد جنبلاط:
لا، كانت رصاصة واحدة.

أحمد منصور:
كنت سعيدًا جدًا بسقوط مبارك، رغم أنه كان صديقًا لك، وكنت تلتقيه باستمرار.

وليد جنبلاط:
في البداية رأينا في الربيع العربي فرصة لتغيير النظام العربي على يد الشعوب. بدأ الأمر في تونس، ثم انتقل إلى مصر، ثم وصل إلى سوريا، وهناك بدأت المأساة التي استمرت من عام 2011 حتى عام 2024.

أحمد منصور:
منذ 15 آذار/مارس 2011. وقد زرت سوريا مرتين بعد اندلاع الثورة. ماذا كنت تقول للأسد؟

وليد جنبلاط:
أعتقد أنني زرتها ثلاث مرات بعد اندلاع الثورة. وقد ذكرت لك سابقًا لقائي مع اللواء حكمت الشهابي، الذي قال لي: “بشار مجنون، وسيقود سوريا إلى الحرب الأهلية والتقسيم.”

وفي إحدى المناسبات كنت أتناول الغداء مع محمد نصيف، المسؤول الأمني المعروف والمقرب من بشار الأسد، فقال لنا يومها: “إما نحن أو هم، حتى لو كلّف ذلك مليون قتيل.”

وعندما ترى اليوم ما كُشف في سجن صيدنايا، وما جرى للمعتقلين والمختفين قسرًا، وتشاهد صور القوافل التي كانت تنقل الجثث لدفنها في الصحراء، تدرك أن عدد الضحايا قد يكون بالفعل في حدود المليون، إضافة إلى من قُتلوا خلال الحرب.

لقاء جنبلاط الأخير بالأسد وسؤاله عن الطفل حمزة الخطيب

أحمد منصور:
حتى الآن لم يُحصَ عدد المفقودين، ولا عدد المقابر الجماعية، ولا حجم ما تعرض له الناس. وكأنها كانت حرب وجود بالنسبة للنظام.

وليد جنبلاط:
أما آخر لقاء جمعني ببشار الأسد، فقد كان برفقة غازي العريضي.

أحمد منصور:
غازي العريضي؟

وليد جنبلاط:
نعم. وكانت جلسة لا تُصدق. قلت له: أريد أن أطرح عليك بعض الأسئلة، ولكن على الأمان. فقال لي: “لك الأمان.”

أحمد منصور:
وهذا كان آخر لقاء بينكما؟

وليد جنبلاط:
نعم، وكان ذلك، على ما أعتقد، في شهر حزيران/يونيو.

أحمد منصور:
في حزيران/يونيو 2011؟

وليد جنبلاط:
نعم. قلت له: “قالوا لي إن لي الأمان”. فسألته عن قصة حمزة الخطيب.

أحمد منصور:
من هو حمزة الخطيب؟

وليد جنبلاط:
حمزة الخطيب كان فتىً من درعا، اختُطف ثم عُذِّب وقُتل.

أحمد منصور:
نعم، من درعا.

وليد جنبلاط:
نعم، من درعا. فأجابني بطريقته قائلًا: “نحن لم نعذبه، بل قتلناه.”

أحمد منصور:
هل قال لك بشار الأسد ذلك؟

وليد جنبلاط:
نعم، قال لي: “لم نعذبه، قتلناه، ثم اتصلت بأهله وسلّمنا الجثمان.” قال ذلك بكل هدوء. فقلت في نفسي: كيف تقول إنكم لم تعذبوه بعدما قتلتموه؟ شعرت بأنك تكاد تفقد عقلك، ثم اكتفيت وقلت: حسنًا، سيادة الرئيس.

أحمد منصور:
وكأن القتل وحده، من وجهة نظره، كان نوعًا من الرحمة!

وليد جنبلاط:
ثم سألته عن عاطف نجيب، ابن خالته.

أحمد منصور:
المسؤول الأمني في درعا.

وليد جنبلاط:
نعم، أحد كبار المسؤولين الأمنيين. وهو الذي استدعى وجهاء درعا وشيوخ العشائر عندما ذهبوا إليه يستنجدون به. وأعتقد أنه عذّب بعضهم، واقتلع أظافر عدد منهم. فقال لي: “لم يتقدم أحد بشكوى ضده.” وكأننا نعيش في سويسرا! فمن الذي كان يجرؤ على تقديم شكوى ضد عاطف نجيب؟ ومنذ شهرين تقريبًا بدأت محاكمته في دمشق.

أحمد منصور:
صحيح.

وليد جنبلاط:
ثم حدث أمر آخر، وكأنه كان يقرأ أفكاري. فقد كان هناك انطباع لدى بعض اللبنانيين بأن ماهر الأسد هو الذي يحكم، وليس بشار. وقبل أن أسأله عن ذلك، بادر هو بالحديث، وقال إن وفدًا من الفنانين التشكيليين زاره، وبعد أن كنا نتحدث عن عاطف نجيب وحمزة الخطيب، انتقل فجأة إلى هذه القصة. قال: “قالوا لي: يا سيادة الرئيس، نحن نخشى عليك.” فسألهم: “ولماذا؟” فقالوا: “لأن هناك أمورًا قد لا تكون على علم بها.” فأجابهم: “أنا الحاكم هنا، ولا أحد يحكم غيري.”

كان يريد أن ينفي الرواية التي تقول إن ماهر الأسد هو صاحب القرار الحقيقي. كان يؤكد أنه هو الحاكم الفعلي، إلى جانب ماهر وغيره.

بعد هذا اللقاء خرجت إلى عالم آخر. فقد رأيت بنفسي قدرته على التمويه والكذب، وكذلك قدرته على الإجرام.

وهذا ما ذكّرني بحديث دار بيني وبين رايان كروكر، السفير الأمريكي الذي ساعدني سابقًا في الخروج من المختارة، وكان أيضًا سفيرًا لبلاده في دمشق. فقد طلب منه حافظ الأسد، في آخر سنة من حياته، أن يلتقي بشار الأسد ليعرف رأي السفير الأمريكي فيه.

أحمد منصور:
نعم.

وليد جنبلاط:
قال لي رايان كروكر: “خرجت بانطباع عنه أقسى من الانطباع الذي خرجت به عن والده.”

أحمد منصور:
عن بشار الأسد؟

وليد جنبلاط:
نعم. هذا الذي كانوا يقولون عنه إنه طبيب عيون. وفي مرحلة من المراحل كانت وفود من منظمات المجتمع المدني وغيرها تأتي إلى دمشق لزيارته، وتصفه بأنه إصلاحي، إلى آخر تلك الروايات. لكنه خدعهم جميعًا، فقد كان يمتلك قدرة استثنائية على الخداع والتمويه. كما ساعدته في ذلك الصورة التي رُسمت له ولزوجته.

أحمد منصور:
وماذا عن زوجته، بحسب ما تعرفه؟

التواطؤ الغربي في ضرب الثورة السورية

وليد جنبلاط:
زوجته أسماء الأخرس، وهي من عائلة دمشقية برجوازية معروفة. وكثير من أفراد تلك العائلة كانوا يقيمون في لندن وغيرها. وفي النهاية، كانت المصالح هي التي تحكم الجميع، سواء مع بشار الأسد أو غيره، ولم يكن مصير الشعب السوري هو الأولوية بالنسبة إليهم. كما أن الغرب صنع من بشار الأسد صورة أسطورية، وقدّمه بوصفه رمزًا للاعتدال والإصلاح.

ثم إن الغرب شارك لاحقًا، بطريقة أو بأخرى، في الجريمة. فقد بدأت الثورة سلمية، لكنه هو الذي بدأ باستخدام العنف، عندما أطلق سراح مجرمين من السجون، وشكّل ما عُرف لاحقًا بالشبيحة. وبعد ذلك تدفق متطرفون من مختلف أنحاء العالم، ومن بعض الدول العربية أيضًا، مما أسهم في تحويل الصراع إلى حرب أهلية.

من كان يتوقع، مثلًا، أن يأتي مئات الأشخاص من تونس، ومن المغرب، ومن فرنسا، بمن فيهم مسلمون من أصول فرنسية وآخرون اعتنقوا الإسلام، ليشاركوا في تلك الحرب؟ ولا ننسى مشاهد عناصر تنظيم داعش وهم ينفذون عمليات الذبح، وكان بعضهم يحمل الجنسية الفرنسية أو البريطانية.

أحمد منصور:
بعض التقارير تحدثت عن أن النظام تعمد صناعة هذه الظاهرة، عبر إطلاق سراح متشددين من السجون وغيرها، لكنني لم أصل بعد إلى هذه المرحلة. أريد أن أتوقف مطولًا عند لقائك الأخير مع بشار الأسد.

وليد جنبلاط:
يكفي أن يقول لك: “لم نعذبه، بل قتلناه”، ثم يؤكد أنه الحاكم المطلق، وأن أحدًا غيره لا يحكم. هذا وحده كافٍ لأن تخرج من اللقاء مذهولًا.

أحمد منصور:
بعد خروجك من عنده، وحتى وصولك إلى بيروت، ماذا كان يدور في ذهنك؟

وليد جنبلاط:
كنت أفكر باستمرار. لم تكن مجرد صدمة، بل كان الأمر أشبه باكتشاف حقيقته الحقيقية. في ذلك اللقاء اكتشفنا حقيقة شخصيته.

أحمد منصور:
كيف يتحول شخص درس طب العيون، وعُرف طبيبًا، إلى شخص يتعامل مع القتل بهذه الصورة، وكأنه أمر عادي؟

وليد جنبلاط:
ربما يحتاج الأمر إلى تفسير نفسي عميق، وربما إلى العودة إلى نظريات فرويد أو غيره من علماء النفس.

كراهية العلويين للشعب السوري

أحمد منصور:
ما الذي كان يختزنه من كراهية، وما الذي جعل النظام يرتكب كل ما ارتكبه بحق السوريين؟

وليد جنبلاط:
للتاريخ، لا يجوز تعميم ذلك على الطائفة العلوية كلها.

أحمد منصور:
لكن النظام اعتمد عليها بصورة أساسية.

وليد جنبلاط:
ليس عليها وحدها. فقد كان هناك ضباط دروز، مثل عصام زهر الدين، وضباط مسيحيون، وضباط سنة أيضًا. جهاز القمع لم يكن علويًا فقط. وأعتقد أن أحد التفسيرات الممكنة لشخصية بشار الأسد أنه كان يعاني عقدة نقص تجاه والده.

أحمد منصور:
كان يعاني عقدة نقص تجاه والده؟

وليد جنبلاط:
نعم، أعتقد أنه كان يعاني عقدة نقص تجاه والده.

أحمد منصور:
وما هذه العقدة؟

وليد جنبلاط:
كانت لديه عقدة نقص كبيرة، وربما كان يريد أن يثبت ذاته؛ ولا تنسَ أيضًا أن والده كان قد أعدَّ باسل الأسد ليكون خليفته.

أحمد منصور:
صحيح، لم يكن هو المرشح.

وليد جنبلاط:
ولو أردنا أن نسترسل في هذا الموضوع، فسندخل في جلسة تحليل نفسي، ولا أظن أننا نستطيع فعل ذلك الآن.

أحمد منصور:
متى اتخذت قرارك بأن تلك ستكون آخر زيارة لك إلى سوريا؟

وليد جنبلاط:
في أثناء تلك الزيارة نفسها.

أحمد منصور:
وأنت ما زلت هناك؟

وليد جنبلاط:
نعم، وأنا في الزيارة نفسها. وبعدها قمت بجولات أخرى، لكن…

أحمد منصور:
ألم تكن تخشى، وأنت تواجهه بهذه الأسئلة، وتطلب منه الأمان قبل أن تطرحها، أن يكون ذلك خطرًا عليك؟

وليد جنبلاط:
كانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي استطعت بها أن أكتشف حقيقته. فهو يستقبلك مبتسمًا، ويتحدث معك بود، لكن كان لا بد من هذا الامتحان، ومن طرح تلك الأسئلة، حتى أكتشف شخصيته على حقيقتها.

تغير موقف أوباما من الأسد

أحمد منصور:
تطورت الثورة السورية شيئًا فشيئًا، وكان من الممكن أن يسقط نظام بشار الأسد خلال عام واحد، لو أن الدول العربية والغربية دعمت المعارضة. كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما متحمسًا لإسقاط الأسد، لكن فجأة رفع الجميع أيديهم، وتركوا السوريين وحدهم.

وليد جنبلاط:
عندما بدا أن أوباما متحمس، تراجع فجأة. وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أيضًا يريد توجيه ضربة إلى بعض المواقع في سوريا، لكن جرى اتصال من أوباما، فتوقفت العملية.

أحمد منصور:
ما سبب تغير موقف أوباما؟

وليد جنبلاط:
لأن أوباما كان يريد إنجاز الاتفاق النووي مع إيران، الذي استغرقت المفاوضات بشأنه خمس سنوات. وأي تغيير في خريطة المنطقة، وخصوصًا في سوريا، كان سيؤثر في إيران، التي كانت تمسك بالملف السوري.

أحمد منصور:
إذًا، اشترطت إيران ذلك على أوباما، فباع سوريا والشعب السوري مقابل إنجاز الاتفاق النووي؟ نحن نحاول هنا أن نفهم كيف تُدار الأمور.

وليد جنبلاط:
صحيح.

أحمد منصور:
فالناس تنظر عادة إلى الأخبار، لكنها لا ترى ما وراءها، ولا ما وراء الاتفاقيات. ولهذا يتساءل كثيرون: لماذا، بعدما كان النظام السوري على وشك السقوط عام 2013، استعاد قوته واستمر حتى عام 2024؟

وليد جنبلاط:
كان مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت مالي يزورني في بيروت، ثم يتوجه إلى دمشق. وكانت مهمته العمل على ما سُمي بالمصالحات المحلية، سواء على مستوى المناطق أو القرى. لكن بشار الأسد، منذ البداية وحتى النهاية، لم يلتزم بأبسط الشروط التي طُرحت.

وكان من بين شروط الجامعة العربية، التي حملها الأخضر الإبراهيمي، وقبله كوفي عنان…

أحمد منصور:
وقبلهما أيضًا…

وليد جنبلاط:
كوفي عنان، وقبله مبعوث مصري لا أتذكر اسمه الآن. وكان الشرط الأساسي هو سحب الدبابات من المدن، لكنه لم يسحبها، بل استبدل بها قوات أمن، واستمرت السياسة نفسها.

أحمد منصور:
وجميع هؤلاء المبعوثين أعلنوا فشل مهماتهم ولم يتمكنوا من تحقيق أي تقدم.

اسمح لي، فالحلقة القادمة ستكون الحلقة الأخيرة.

وليد جنبلاط:
أرجوك، ما زال هناك الكثير!

أحمد منصور:
نعم، لكنها ستكون الأخيرة. في الحقيقة، كنت قد دبّرت لك هذه “المؤامرة” منذ الأمس، ويبدو أنني تعلمت منك شيئًا من فنون المؤامرات.

وليد جنبلاط:
كنت أشعر بذلك.

أحمد منصور:
في الحلقة الأخيرة سنناقش عددًا من الملفات الأساسية، منها: حرب غزة عام 2024 وتأثيرها في المنطقة ولبنان، ودخول حزب الله في الحرب، وانتصار الثورة السورية وسقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ثم زيارتك، بوصفك أول شخصية لبنانية تلتقي أحمد الشرع، ولقاءاتك اللاحقة معه.

وسنتناول أيضًا الحرب الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وانعكاساتها على خريطة المنطقة، وأنت من أكثر الشخصيات قدرة على قراءة هذه التطورات وشرحها للمشاهدين.

أشكرك جزيل الشكر.

كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن المتابعة. نلتقي في الحلقة المقبلة، وهي الحلقة الأخيرة من هذه الشهادة، لنواصل الحوار مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وزعيم الدروز في لبنان، وليد بك جنبلاط.

وفي الختام، أنقل إليكم تحيات فريق البرنامج.

كان معكم أحمد منصور.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج16 من شهادته على العصر: اجتياح حزب الله لبيروت عام 2008 وعودة جنبلاط إلى مربع الحزب وسوريا

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share