التآكل الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية؟

في السابع من أغسطس/آب 2026 وقّعت الرياض وإسلام آباد وأنقرة في مكة المكرمة اتفاقية دفاع مشترك. وبعد أحد عشر يوماً، في الثامن عشر من أغسطس/آب 2026، أعلنت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن الدين الاتحادي تجاوز أربعين تريليون دولار لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، إذ بلغ في ذلك اليوم 40.047 تريليون دولار.
مقال أحمد منصور

بقلم: أحمد منصور

في السابع من أغسطس/آب 2026 وقّعت الرياض وإسلام آباد وأنقرة في مكة المكرمة اتفاقية دفاع مشترك. وبعد أحد عشر يوماً، في الثامن عشر من أغسطس/آب 2026، أعلنت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن الدين الاتحادي تجاوز أربعين تريليون دولار لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، إذ بلغ في ذلك اليوم 40.047 تريليون دولار.

لم يُنشر الخبران في صفحة واحدة، ولم يُشِر أحدهما إلى الآخر، غير أنهما لا يُقرآن إلا معاً؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه ديون الإمبراطورية بشكل غير مسبوق يتحرك الحلفاء دون استئذان للبحث عن بدائل لصيانة أمنهم.

بدأ الحديث عن أفول الإمبراطورية الأمريكية في نهايات القرن الماضي لاسيما بعد تفكك الإتحاد السوفيتي في ديسمبر عام ١٩٩١، لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ أصبح الجميع يتحدث عن الأفول الوشيك لأقوي الإمبراطوريات في التاريخ

وما يجري ليس حدثاً عابراً بل هي سنة كونية لها قانونها. وإذا جرّدناها من تفاصيلها الأمريكية وجدناها تعمل في أربع مراحل على مدار التاريخ: أولاً تتمدد الإمبراطوريات عسكرياً وتزداد نفقاتها بشكل لم يعد اقتصادها يتحمله، ثم تنقلب أولويات الميزانية فتدخل في دوامة الديون ثم تصير كلفة خدمة الدين أثقل من الدين نفسه، ثم تدخل الإمبراطورية في مأزق النفقات التي تتصاعد والحروب التي لا تتوقف، فيتآكل رصيدها وتضطرب علاقتها مع حلفائها. وهي أكثر المراحل التباساً، فالحلفاء في هذه المرحلة لا يخرجون من تحالفهم ولا يدخلون في عداوة، وإنما يبحثون عن بدائل ويحتفظون في نفس الوقت بتحالفهم الرئيسي، وهو ما تسمّيه أدبيات العلاقات الدولية «التحوّط الاستراتيجي».

بدأ الحديث عن أفول الإمبراطورية الأمريكية في نهايات القرن الماضي لاسيما بعد تفكك الإتحاد السوفيتي في ديسمبر عام ١٩٩١، لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ أصبح الجميع يتحدث عن الأفول الوشيك لأقوي الإمبراطوريات في التاريخ، وقبلها كان المؤرخ الأمريكي البريطاني بول كينيدي الذي استضفته في برنامجي التليفزيوني ” بلا حدود ” أكثر من مرة من أوائل الذين تحدثوا عن هذا الأمر في كتابه «نشوء وسقوط القوى العظمى» الصادر عام 1987، فقد تحدث عن مفهوم «التمدد الإمبراطوري المفرط»، وخلاصته أن القوة العظمى تبلغ حدّها حين تتجاوز التزاماتها الأمنية الخارجية قدرة قاعدتها الإنتاجية على تمويلها، وفي أحد حواراتي معه في البرنامج، قال إن الإمبراطورية الأمريكية قد تأفل مع نهاية العقد الرابع من هذا القرن بسبب الإنفاق العسكري وتفاقم الديون، لكن إضافة إلي ذلك اهتزت ثقة الحلفاء لاسيما الأوربيون والخليجيون في الفترة الأخيرة، وفي البيانات التي نشرها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في السابع والعشرين من أبريل/نيسان 2026 بلغ الإنفاق العسكري الأمريكي 954 مليار دولار عام 2025، بانخفاض 7.5 في المئة عن العام السابق، وهو انخفاض يعود في معظمه إلى أن الكونغرس لم يُقرّ خلال ذلك العام أي مساعدة عسكرية جديدة لأوكرانيا بعد أن أقرّ 127 ملياراً في السنوات الثلاث السابقة. ويظل هذا الرقم أكبر من مجموع إنفاق الدول الست التالية في الترتيب — الصين 336 ملياراً، وروسيا 190، وألمانيا 114، والهند 92.1، وبريطانيا 89، وأوكرانيا 84.1 — أي 905.2 مليار دولار .

أما المرحلة الثانية فأقلّ ظهوراً وأشدّ أثراً، حيث يرى الخبير الاقتصادي راي داليو في كتابه «مبادئ التعامل مع النظام العالمي المتغيّر» الصادر عام 2021 أن الإمبراطورية المهيمنة تدخل طور الشيخوخة حين تضطر إلى الاقتراض وطباعة النقد لتمويل حروبها وحماية حلفائها في الخارج بينما تتآكل بنيتها الداخلية. وقد بلغت هذه المرحلة حدها الفاصل. فبحسب بيانات الخزانة الأمريكية سجّل بند صافي الفائدة على الدين 970.4 مليار دولار في السنة المالية 2025 متجاوزاً للمرة الأولى إجمالي ما أنفقته الولايات المتحدة على دفاعها الوطني، ثم عبر حاجز التريليون في السنة التالية حتى صارت واشنطن تدفع اليوم نحو 1.1 تريليون دولار سنوياً خدمةً لدينها وحده. وفي الأشهر الستة الأولى من السنة المالية 2026 تجاوز هذا البند إنفاق التأمين الصحي أيضاً، فصار ثاني أكبر بنود الموازنة الاتحادية بعد المعاشات التقاعدية لا غير، أما طباعة الدولار دون غطاء فحدث ولا حرج .

و حتى نفهم حجم الكارثة لنضع الأرقام بعضها إلى جوار بعضها البعض . فقد استغرق الدين الأمريكي قرابة مئتي عام حتى بلغ التريليون الأول سنة 1981 بحسب تحليل لجنة الموازنة الاتحادية المسؤولة، ثم أضاف التريليون الأربعين في أقل من خمسة أشهر، إذ كان عند تسعة وثلاثين تريليوناً في مارس/آذار من هذا العام. وكان مكتب الموازنة في الكونغرس قد قدّر في مايو/أيار 2023 أن حاجز الأربعين لن يُبلَغ قبل عام 2028، فسبق الواقعُ التقديرَ بعامين كاملين.

وتنفق الولايات المتحدة على جيوشها كلها نحو 2.6 مليار دولار في اليوم، بينما ينمو دينها 7.8 مليار دولار في اليوم، أي بمعدل تسعين ألف دولار في كل ثانية بحسب المرصد اليومي للدين في اللجنة الاقتصادية المشتركة بالكونغرس. فما تقترضه الولايات المتحدة في يوم واحد يعادل ثلاثة أضعاف ما تنفقه في اليوم نفسه على أعظم قوة عسكرية عرفها التاريخ. ويقدّر مكتب الموازنة أن يرتفع الدين من 101 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2026 إلى 120 في المئة عام 2036، متجاوزاً الرقم القياسي الأمريكي المسجَّل غداة الحرب العالمية الثانية وهو 106 في المئة؛ أي أن الدولة ستحمل بعد عشر سنوات ديناً أثقل مما حملته وهي خارجة من حرب عالمية، ومن غير حرب عالمية، فإذا كانت القوة تُقاس بحاملات الطائرات، فالهشاشة تُقاس بسعر الفائدة والديون.

وقد أدّى التباين في تعامل واشنطن مع النزاعات الإقليمية والحروب الدولية إلى ضرب فكرة «النظام الدولي القائم على القواعد» في نظر دول الجنوب على وجه الخصوص.

أما المرحلة الثالثة، وهي تآكل القوة الناعمة وهي أشدّها صعوبة لأنها لا تظهر في جدول أو أرقام، وقد صاغها جوزيف ناي في كتابيه «القوة الناعمة» في كتابه الصادر عام 2004، ثم عاد في «مستقبل القوة» عام 2011 فحدّ لها حدّاً دقيقاً: هي مكوّن واحد من مكوّنات القوة، ونادراً ما تكفي وحدها. وهذا التحديد بالذات هو ما يجعل تآكلها خطيراً؛ فالقوة الناعمة حين تكون رصيداً وافراً تخفض كلفة استعمال القوة الصلبة وتغني عن كثير منها، وحين ينفد الرصيد لا تعجز الدولة عن الفعل، وإنما يرتفع ثمن كل فعل تقوم به. ولا تُقاس خسارة الشرعية بعدد المؤيدين، بل بالفاتورة التي تُقدَّم بعد كل قرار.

وقد أدّى التباين في تعامل واشنطن مع النزاعات الإقليمية والحروب الدولية إلى ضرب فكرة «النظام الدولي القائم على القواعد» في نظر دول الجنوب على وجه الخصوص. ثم جاء تحويل النظام المالي إلى أداة سياسية — من تجميد أصول سيادية إلى قطع مصارف عن منظومة «سويفت» مثلما حدث مع روسيا — فأيقظ لدى البنوك المركزية سؤالاً لم يكن مطروحاً: ماذا لو جاء الدور علينا؟ وبحسب مجلس الذهب العالمي اشترت البنوك المركزية 863.3 طن من الذهب عام 2025، وهو رابع أكبر رقم سنوي مسجّل ويقارب ضعف المتوسط السنوي بين عامَي 2010 و2021 البالغ 473 طناً، حتى تجاوز الذهب في أواخر ذلك العام سندات الخزانة الأمريكية فصار أكبر أصل احتياطي في العالم من حيث القيمة. والذهب لا يدرّ فائدة ولا يُنقل بسهولة، لكنه لا يُجمَّد بقرار.

أما المرحلة الرابعة من مراحل التآكل الإستراتيجي للإمبراطورية هي ما يفعله الحلفاء حينما يقرؤون هذه الأرقام؟ إنهم لا ينقلبون، ولا يهربون، ولكن يبحثون عن تحالفات جديدة وشراكات تحمي وجودهم وأمنهم. ففي الخليج والشرق الأوسط تقدّمت سياسة تنويع الشراكات على سياسة الاصطفاف: فانضمّت الإمارات ومصر وإيران إلى تجمّع «بريكس» مطلع عام 2024، وارتبطت دول خليجية بمنظمة شنغهاي للتعاون بصفة شريك حوار، واتّسعت تسوية جانب من المعاملات التجارية بالعملات المحلية. وليس في هذا خروج على واشنطن، وإنما تخفيض لكلفة الاعتماد عليها وحدها واستعداد لما بعدها .

ونعود إلى الخبر الذي فُتح به هذا المقال. ففي السابع من أغسطس/آب 2026 وُقّعت في مكة المكرمة اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية. وقد أوضح وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن الاتفاقية لا تُلغي أي اتفاق ثنائي أو متعدد الأطراف قائم ولا تحلّ محله، أي أنها تُبنى على اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجية الموقّعة بين الرياض وإسلام آباد في سبتمبر/أيلول 2025 ولا تنسخها. وهي تجمع القدرة المالية السعودية إلى الصناعة العسكرية التركية إلى العمق العسكري الباكستاني. ومجموع ما تنفقه الدول الثلاث على جيوشها — 83.2 مليار دولار للسعودية، و30 ملياراً لتركيا، و11.9 ملياراً لباكستان وفق بيانات ستوكهولم للعام نفسه — لا يبلغ سُبع الإنفاق الأمريكي وحده. لكن الاتفاقية لم تُوقَّع لتوازن ميزانية البنتاغون، بل لتُغني عن انتظار قرارٍ منه، أو الاعتماد عليه.

و لكن السؤال الهام هنا هو أين أوروبا الحليف التاريخي الإستراتيجي للولايات المتحدة من هذا كله؟ الأرقام فيها أوضح مما يُقال في الخطب. ففي البيانات نفسها ارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي 14 في المئة عام 2025 ليبلغ 864 مليار دولار، وأنفق أعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبيون التسعة والعشرون 559 مليار دولار، وهو أسرع نمو سنوي لإنفاقهم منذ عام 1953. وارتفع الإنفاق الألماني 24 في المئة إلى 114 مليار دولار فتجاوز عتبة اثنين في المئة من الناتج المحلي لأول مرة منذ عام 1990، وقفز الإنفاق الإسباني 50 في المئة إلى 40.2 مليار دولار فتجاوز العتبة نفسها لأول مرة منذ عام 1994. وألمانيا التي أبقت إنفاقها دون تلك العتبة خمسة وثلاثين عاماً متصلة تجاوزتها في عام واحد.

وهذا التحوّل هو بعينه ما اشترط زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، تفاديَه لاستمرار الزعامة الأمريكية. ففي كتابه المرجعي «رقعة الشطرنج الكبرى» الصادر عام 1997 جعل أوراسيا رقعة الصراع على الأولوية العالمية، وقرّر أن بقاء تلك الزعامة رهن بمنع بروز مراكز قوى إقليمية مستقلة تستغني عن المظلة الأمريكية. وما يجري اليوم في برلين ومدريد ومكة هو بروز تلك المراكز التي لم تعلن العداء بل أعلنت تخفيض الكلفة والبحث عن بدائل .

أما البروفيسور الأمريكي جون ميرشايمر، منُظّر الواقعية السياسية الشهير، فقد بنى في كتابه «الوهم العظيم» الصادر عام 2018 حجّة مؤدّاها أن «الهيمنة الليبرالية» تورّط القطب الأوحد نفسه في حروب لا تنتهي وتستنزفه من داخله، وأن الولايات المتحدة ستضطر آجلاً أو عاجلاً إلى نقل ثقلها إلى شرق آسيا لمواجهة الصين. ويُستنتج من هذا — والاستنتاج لي وليس له — أن التسلّح الأوروبي ليس تمرّداً على واشنطن وإنما تحسبا لانكفائها و تخليها عنهم .

والإمبراطوريات لا تسقط يوم يعجز جيشها عن تحقيق النصر في المعارك، وإنما حينما يكف حلفاؤها عن الثقة فيها، أو نصرتها، أو انتظارها، ويبدؤون في بناء بدائل وأحلاف جديدة.
أحمد منصور

ليس معنى ما قصدته من وراء هذا التحليل أن النظام الدولي يمضي إلى فراغ بشكل عاجل، وأن الولايات المتحدة سوف تتآكل غدا. أبدا لم أقل ذلك، ولكن ما يجري هو إعادة توزيع أدوار وبناء قوي وشراكات إقليمية مما يعني أننا أمام مرحلة التعددية القطبية التي تنهي الهيمنة الأمريكية وتدخل حلفائها في إطار إنشاء شبكات إقليمية تشتري لنفسها هامشاً وتُبقي في الوقت نفسه خطوطها مفتوحة مع واشنطن. والدولة المهيمنة في مثل هذه اللحظة لا تُهزم في معركة، وإنما تجد نفسها تدفع أكثر لتحصل على أقل، وتُنفق لإقناع شركائها ما كانت تُوفّره لأن الإقناع قبل ذلك بل التسابق نحوها كان يجري من غير كلام.

والإمبراطوريات لا تسقط يوم يعجز جيشها عن تحقيق النصر في المعارك، وإنما حينما يكف حلفاؤها عن الثقة فيها، أو نصرتها، أو انتظارها، ويبدؤون في بناء بدائل وأحلاف جديدة.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جِنبلاط ج 18 والأخير من شهادته على العصر: رؤية جنبلاط لطوفان الأقصى والحرب الأمريكية الإيرانية 

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share