إسرائيل تتصدّع من داخلها؟

في الحادي والعشرين من يوليو/تموز 2026، وقف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يخاطب الإسرائيليين قائلا : «أدعو شعب إسرائيل بصوت واضح: تذكّروا أن الانتخابات ليست حرباً أهلية»، ثم أضاف: «مرّتين في تاريخ شعبنا نلنا سيادةً مستقلّة في أرضنا. ومرّتين فشلنا. علينا ألّا نكرّر أخطاء الماضي».
أحمد منصور

بقلم: أحمد منصور

في الحادي والعشرين من يوليو/تموز 2026، وقف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يخاطب الإسرائيليين قائلا : «أدعو شعب إسرائيل بصوت واضح: تذكّروا أن الانتخابات ليست حرباً أهلية»، ثم أضاف: «مرّتين في تاريخ شعبنا نلنا سيادةً مستقلّة في أرضنا. ومرّتين فشلنا. علينا ألّا نكرّر أخطاء الماضي». وفي اليوم التالي أعلن بنيامين نتنياهو في كلمة مصوّرة: «منعنا خراب الهيكل الثالث… وبدل الحرب الأهلية كنّا إخوةً نقاتل كتفاً إلى كتف». وبعد خمسة أيام قدّمت نيابة الدولة إلى المحكمة العليا مذكّرة تحذّر من أن اعتقال المتهرّبين الحريديم من التجنيد قد يُفضي إلى «حرب أهلية في خضمّ حرب متعدّدة الجبهات».

حرب، الرئيس يحذّر منها، ورئيس الوزراء يدعي أنه منعها، ومحامو الدولة يحتجّون بها أمام القضاء دفاعاً عن التقاعس. وحين تنتقل عبارةٌ من لغة السجال إلى لغة المذكّرات القضائية تكون قد فارقت الاحتمالات إلي الخوف . ولن أستشهد في هذا المقال بحرفٍ واحد من خارج إسرائيل: كل رقم وكل شهادة ترد فيه صادرة عن مسؤول إسرائيلي أو مؤسسة إسرائيلية رسمية أو كاتبٍ أو حاخامٍ إسرائيلي، منشورة في وسيلة إعلام إسرائيلية بتاريخها. فالحجّة الخارجة من فم صاحب الشأن أمضى من كل تحليل.

وحينما نرصد ما يجري في المجتمع الإسرائيلي ندرك حقيقة تاريخية مفادها أن المجتمعات لا تتصدّع حين يختلف أهلها، بل حين تتحوّل الأدوات التي جمعت هذا الشتات من أنحاء العالم إلى موضوع الخلاف بينهم لاسيما مع بداية التمرد على أحكام القضاء لاسيما في ملف الهروب من التجنيد ففي الثاني عشر من أبريل/نيسان 2026 عرضت النيابة العامة الإسرائيلية على المحكمة العليا حصيلة تنفيذ حكمها الصادر في يونيو/حزيران 2024 بإلزام طلبة اليشيفوت بالخدمة: صدر 79,836 أمر تجنيد، حضر منها 7,029، والتحق بالجيش 2,178 فقط — أي 2.7 في المئة. وفي التاسع عشر من أغسطس/آب 2026 أضاف النائب العام أن 50 ألفاً من أصل 60 ألفاً صُنّفوا متهرّبين من التجنيد سنة 2025 هم من الحريديم، وهم لا يزيدون على 14 في المئة من السكان. 

وحينما نرصد ما يجري في المجتمع الإسرائيلي، ندرك حقيقة تاريخية مفادها أن المجتمعات لا تتصدّع حين يختلف أهلها، بل حين تتحوّل الأدوات التي جمعت هذا الشتات من أنحاء العالم إلى موضوع الخلاف بينهم، لا سيما مع بداية التمرّد على أحكام القضاء، خاصة في ملف الهروب من التجنيد. ففي الثاني عشر من أبريل/نيسان 2026، عرضت النيابة العامة الإسرائيلية على المحكمة العليا حصيلة تنفيذ حكمها الصادر في يونيو/حزيران 2024 بإلزام طلبة اليشيفوت بالخدمة: صدر 79,836 أمر تجنيد، حضر منها 7,029، والتحق بالجيش 2,178 فقط — أي 2.7 في المئة. 

وفي التاسع عشر من أغسطس/آب 2026، أضاف النائب العام أن 50 ألفًا من أصل 60 ألفًا صُنّفوا متهرّبين من التجنيد سنة 2025 هم من الحريديم، وهم لا يزيدون على 14 في المئة من السكان. 

بلغ الأمر بالقاضي المتديّن ديفيد مينتس أن قال لممثّل الحريديم حين احتجّ بأن التوراة تحظر التجنيد: «لا أصدّق ما أسمع

وفي الرابع عشر من يوليو/تموز 2026، أقرّ الكنيست بأغلبية 58 مقابل 54 قانونًا يحظر اعتقال المتهرّبين الحريديم حتى مطلع 2027، فجمّدته المحكمة العليا خلال أربع وعشرين ساعة. وحين عقدت المحكمة جلستها في القانون أمام هيئة موسّعة من تسعة قضاة في الثامن والعشرين من يوليو/تموز 2026، قاطعت الحكومة الجلسة، فلم توفد من يمثّلها أصلًا، وبلغ الأمر بالقاضي المتديّن ديفيد مينتس أن قال لممثّل الحريديم حين احتجّ بأن التوراة تحظر التجنيد: «لا أصدّق ما أسمع». 

من ناحية أخرى فقد أفاد مراقب الدولة متانياهو إنغلمان في الثامن عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بأن 318 ألف إسرائيلي استُدعوا للاحتياط بين أكتوبر 2023 ويوليو 2024، بمعدّل مئة وعشرة أيام لكل واحد، وأن من خدم فعلاً من الإسرائيليين بين الثالثة والعشرين والسابعة والأربعين لم يتجاوز 11 في المئة. أي أن عُشر المجتمع يحمل الحرب عن تسعة أعشاره. ونسبة تلبية أوامر الاحتياط التي بلغت 120 في المئة بعد السابع من أكتوبر هبطت إلى ما دون 60 في المئة في يوليو/تموز 2025 بأرقام الجيش نفسه.

وقد كتب رئيس الأركان إيال زامير إلى نتنياهو ووزير دفاعه، في الثاني عشر من يوليو/تموز 2026، معترضًا على تجميد تجنيد الحريديم، بأن مسارًا كهذا «سيُحدث صدعًا عميقًا مع من يحملون عبء القتال منذ عامين ونصف، وسيوسّع الفجوة». وكان قد أبلغ المجلس الوزاري المصغّر، في مارس/آذار من العام نفسه، وفق ما نقلت القناة 13: «أرفع أمامكم عشرة أعلام حمراء… منظومة الاحتياط لن تصمد». 

قبل ذلك بثلاثة أسابيع بثّت القناة 12 تسجيلاً مسرّباً لاجتماع الحاخامات، يُسمع فيه الحاخام موشيه هيلل هيرش يقول عن قانون التجنيد: «ستسقط القوانين بعد سنوات، لكننا نكون قد ربحنا سنوات… علينا أن ندفع العربة حتى يأتي المسيح».

ولم يقف الأمر عند هذا الحد ففي الثاني عشر من فبراير/شباط 2026 أعلن الحاخام دوف لاندو، أرفع مرجعية للحريديم الليتوانيين: «سواء وافقت السلطات أم لم توافق، لن يذهب طالب يشيفا واحد، إلى الجيش». وقبل ذلك بثلاثة أسابيع بثّت القناة 12 تسجيلاً مسرّباً لاجتماع الحاخامات، يُسمع فيه الحاخام موشيه هيلل هيرش يقول عن قانون التجنيد: «ستسقط القوانين بعد سنوات، لكننا نكون قد ربحنا سنوات… علينا أن ندفع العربة حتى يأتي المسيح». هذا تمرّد كامل من الحريديم على النظام القضائي وعلى التجنيد، يصل لمرحلة العصيان المدني الشامل. 

ولم يبقَ هذا محصوراً في الحريديم. ففي الثالث من يونيو/حزيران 2026 وقّع كبار حاخامات الصهيونية الدينية — ومنهم دوف ليئور وشموئيل إلياهو ويعقوب شابيرا — بياناً يقرّر أن «ثمة حظراً هالاخياً على طاعة الأحكام التي تناقض تعليمات الحاخامية»، وأن تدخّل المحكمة «يخلق مواجهة داخلية تشكّل خطراً قومياً جسيماً». وقبل ذلك بشهر أعلن الحاخام يعقوب مِدان، أحد رأسَي يشيفا «هار عتصيون» وهي معقل الجناح الليبرالي في الصهيونية الدينية، أن طلابه لن يخدموا في وحدات مختلطة. هذا التمرد لا يتضمن فئة محدودة بل فئة تشكل نسبة كبيرة في المجتمع الإسرائيلي الذي يقوم أساسا علي أن التجنيد والحروب. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلي حد نزع الشرعية عن الكيان والحكومة الدولة ففي السابع من يونيو/حزيران 2026 قال الحاخام حاييم فاينشتاين في مؤتمر بنتيفوت: «يوجد هنا شعبان. شعبٌ يتمسّك بالقدوس تبارك اسمه وبتوراته… وحكومةٌ أخرى هي كفرٌ خالص، اقتلاعٌ لكل ما هو مقدّس». هذه ليست معارضةً لحكومة، بل نزعُ شرعيةٍ عن دولة.

واجتمع القضاة في السادس من يوليو/تموز 2026، فأصدر رؤساء المحكمة العليا الخمسة الأحياء بيانًا مشتركًا يصف رفض تنفيذ الأحكام بأنه «المسمار الأخير في نعش الديمقراطية»، وأنه «يجعل وجود مجتمع قادر على العمل أمرًا مستحيلًا». 

وفي هذا المناخ، صار الحديث عن نهاية المشروع الصهيوني الذي كان سائدًا قبل حرب السابع من أكتوبر 2023 يجري داخل البيت لا خارجه، وأقوال أصحابه فيه كثيرة، أقتصر منها على ثلاثة. قال زعيم المعارضة ورئيس الوزراء الأسبق يائير لبيد، في الأول من سبتمبر/أيلول 2025، إن فوز ائتلاف نتنياهو مجددًا «سيكون نهاية الصهيونية»، وأضاف: «الدولة ستنهار… هذه آخر فرصة لإنقاذها، وإن لم نُنقذها الآن فلن يبقى بعد عامين ما يُنقذ». وقال المؤرّخ يوفال نوح هراري، في لندن في الثامن من يونيو/حزيران 2025: «ما يجري الآن في إسرائيل يمكن أن يمحو ألفَي عام من الفكر اليهودي وثقافته ووجوده»، وأن ما ينتظرها هو «تفكّك الديمقراطية الإسرائيلية، وقيام إسرائيل جديدة قائمة على أيديولوجيا التفوّق اليهودي». أما أبراهام بورغ، رئيس الكنيست الأسبق ورئيس الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية سابقًا، فكتب أن «نهاية المشروع الصهيوني باتت على عتبة بابنا. وثمة احتمال حقيقي أن يكون جيلنا هو آخر جيل صهيوني». 

الهروب الكبير من إسرائيل

أما الكارثة الكبرى فهي الهروب الكبير من إسرائيل والهجرة المعاكسة. فبحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية ومركز أبحاث الكنيست غادر إسرائيل 82,800 شخص سنة 2023 — وهو رقم قياسي لم يُسجَّل من قبل — ولم يَعُد منهم إلا 24,200، أي أقل من ثلثهم. 

وفي الثالث من أغسطس/آب 2026 خلصت دراسة لباحثين من جامعة تل أبيب يقودها الأستاذان إيتاي أتير ونيتاي برغمان إلى أن الهجرة ظلّت في مستوياتها القياسية للسنة الثالثة على التوالي، وأن نحو 91 ألفاً غادروا البلاد ثلاثة أشهر متّصلة فأكثر خلال 2025 وحدها، وكتب أتير: «في 2025 ما زلنا نرى أعداداً مقلقة بعمق من الإسرائيليين يغادرون البلاد لمدد طويلة». 

وفي العاشر من أغسطس/آب 2026 أظهر استطلاع لهيئة البث «كان» أن 18 في المئة من الإسرائيليين فكّروا في الهجرة خلال العامين الأخيرين، وأن ثلث الإسرائيليين يعرفون شخصاً غادر فعلاً. 

وكتب تسفي هاوزر، سكرتير حكومة نتنياهو الأسبق، في صحيفة «إسرائيل هَيوم» المحسوبة على اليمين في الأول من يناير/كانون الثاني 2026: «بدل أن تؤدّي إسرائيل مهمّتها الصهيونية في استقدام المهاجرين، وجدت نفسها تصدّر البشر، وتقوّض جوهر قوّتها الوطنية». 

وتقول هيئة الابتكار الإسرائيلية في تقريرها الصادر في الحادي والثلاثين من مايو/أيار 2026 إن نسبة العاملين في شركات التقنية الإسرائيلية المقيمين داخل البلاد تراجعت إلى 62 في المئة بعد أن كانت 69 في المئة سنة 2019.

لعنة العقد الثامن

وفوق ذلك، فقد عاد الحديث عن لعنة العقد الثامن، وهو الخطاب الذي كان سائدًا قبل حرب السابع من أكتوبر، من جديد. فقد كتب اللواء احتياط عوزي ديان، نائب رئيس الأركان الأسبق ورئيس مجلس الأمن القومي الأسبق، مع الدكتور مئير بن شاحر في صحيفة «معاريف»، في الثاني من يونيو/حزيران 2021: «الدول القومية تشهد في الغالب أزمةً وجودية في عقدها الثامن… مملكة إسرائيل الموحّدة التي أسّسها داود تفكّكت في عقدها الثامن، والدولة الحشمونية انحدرت إلى حرب إخوة واحتلّتها روما بعد سبع وسبعين سنة من قيامها»، ثم قرّرا في جملة واحدة: «لعنة العقد الثامن ليست تصوّفًا». كُتب هذا قبل الحرب بعامين ونصف. وبعدها بخمس سنوات، وفي عامها الثامن والسبعين، عاد رئيس الدولة نفسه إلى الأطروحة ذاتها، فقال: «مرّتين نلنا السيادة، ومرّتين فشلنا». 

هناك دولتان داخل الكيان الإسرائيلي الآن: دولة علمانية مدنية، هي التي أسّسها بن غوريون والصهاينة العلمانيون، ودولة متطرّفة يحكمها الحاخامات.

ليس معنى هذا أن دبّابات ستجتاح شوارع تل أبيب غدًا؛ فمع كل هذا التشرذم والتفكّك والصراع الداخلي، لا تزال الذاكرة الجماعية تخشى الخراب الثالث، والخطر الخارجي يفرض تماسكًا مؤقّتًا. لكن عملية التفكّك تجري بهدوء وعمق من خلال حالة التمرّد على الأحكام التي تصدر، ونسبة المستجيبين للحروب في مجتمع يقوم على الحروب منذ أنشئ. 

هناك دولتان داخل الكيان الإسرائيلي الآن: دولة علمانية مدنية، هي التي أسّسها بن غوريون والصهاينة العلمانيون، ودولة متطرّفة يحكمها الحاخامات. وفوق هؤلاء وأولئك هناك أرض مغتصبة هي فلسطين، يصرّ شعبها على استردادها، ولا يزال وسيظل يقاوم حتى يستردّها، ويعود الصهاينة إلى المنافي التي جاؤوا منها، ولو بعد حين. 

المزيد

Total
0
Shares
السابق
مقال أحمد منصور

التآكل الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية؟

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share