هل تخلّت بريطانيا عن إسرائيل؟

في الثامن من سبتمبر/أيلول 2026، وقف إد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني، أمام مجلس العموم ليقول ما لم يقله وزير خارجية بريطاني من قبل: «تقرّ الحكومة البريطانية بوجود تطهير عرقي للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية، يرتكبه مستوطنون إرهابيون». ثم أعلن حظر استيراد بضائع المستوطنات.
مقال أحمد منصور

بقلم/ أحمد منصور:

في الثامن من سبتمبر/أيلول 2026، وقف إد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني، أمام مجلس العموم ليقول ما لم يقله وزير خارجية بريطاني من قبل: «تقرّ الحكومة البريطانية بوجود تطهير عرقي للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية، يرتكبه مستوطنون إرهابيون». ثم أعلن حظر استيراد بضائع المستوطنات، وما سمّاه «قفلاً مزدوجاً» يُرفض بموجبه تصدير كل ما يسهم في الاحتلال، كما نقلت الإذاعة الأمريكية العامة «إن بي آر» في اليوم نفسه. وخرج رئيس الحكومة آندي بيرنهام ليؤكد، بحسب صحيفة «آيرش نيوز»، أن «بريطانيا ستواصل العمل دعماً لقيمها». 

بعد ثمانية أيام فقط، في السادس عشر من سبتمبر/أيلول، جاء الجواب في ردٍّ وزاري مكتوب على سؤال برلماني: «لم يُلغَ أو يُعلَّق أي ترخيص إضافي منذ الثامن من سبتمبر»، كما نشر موقع «ميدل إيست مونيتور» في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026 نقلاً عن «حملة مناهضة تجارة السلاح» البريطانية. الجملة الأولى قيلت للجمهور، والثانية كُتبت للسجلات، وبينهما تقع الحقيقة كلها.

وهذه ليست مفارقة عابرة، بل قاعدة تحكم سلوك القوى التي أسست إسرائيل وتدعمها بشكل مطلق في كل جرائمها، فحين يتّسع الغضب الشعبي على جرائم الحليف، ترتفع نبرة الإدانة بالقدر الذي يمتصّ الغضب الشعبي، ويبقى خط الإمداد على حاله بالقدر الذي يضمن بقاء الحليف يواصل جرائمه. الكلام يُوجَّه إلى الناخب البريطاني، والسلاح يُوجَّه إلى إسرائيل كي تواصل جرائمها في الضفة وغزة وما تشاء من دول ومناطق أخرى، ولا يلتقي الطريقان. 

ولنتابع هذا المشهد المسرحي الهزيل أولاً.
في الحادي والعشرين من مايو/أيار 2025 خاطب وزير الخارجية آنذاك ديفيد لامي حكومة نتنياهو قائلاً: «منع المساعدات، وتوسيع الحرب، وتجاهل مخاوف أصدقائك وشركائك. هذا لا يمكن الدفاع عنه، ويجب أن يتوقف»، وفي الرابع من يونيو/حزيران 2025 وصف رئيس الحكومة السابق كير ستارمر ما تفعله إسرائيل بأنه «لا يُحتمل»، كما نقلت «القناة الرابعة» البريطانية آنذاك. وفي التاسع من يونيو/حزيران 2026 قالت وزيرة الخارجية السابقة إيفيت كوبر، في بيان نشرته وزارتها، إنها «فضيحة أخلاقية كاملة أن يظل الأطفال جوعى بينما يتعفّن الطعام الذي يحتاجونه على الرفوف». 

ثلاثة وزراء خارجية ورئيسا حكومة في ستة عشر شهراً يدينون إسرائيل وجرائمها بالكلام الناعم الذي يدغدغ عاطفة الشعب الغاضب، والمعجم يتصاعد من «لا يمكن الدفاع عنه» إلى «التطهير العرقي». لكن على الجانب الآخر فماذا تغيّر في المصانع التي تمد إسرائيل بالسلاح والطائرات البريطانية التي تجوب فضاء غزة تزود إسرائيل بالمعلومات على مدار الساعة؟ 

لم يتغيّر شيء يُذكر. في الثلاثين من يونيو/حزيران 2025 نظرت المحكمة العليا في لندن في دعوى مؤسسة «الحق» الفلسطينية ضد تصدير قطع طائرات «إف-35»، التي تصّنع بريطانيا نحو 15 في المئة من كل طائرة منها، فأقرّ القضاة بأن هذه القطع «قد تُستخدم بما يخالف القانون الإنساني الدولي»، ثم ردّوا الدعوى لأن الأمر «مسألة تعود إلى السلطة التنفيذية»، كما نشرت قناة «الجزيرة». واحتفظت الحكومة البريطانية بالاستثناء، وظل قائماً حتى بعد «القفل المزدوج» ». معنى ذلك أن كل طائرة تقصف غزة تحمل في جسدها جزءاً بريطانياً، وأن المحكمة رأت الخطر ثم تركته لمن صنعه ليقرر مصالحه.

ولم تتوقف التراخيص بعد وقف إطلاق النار. ففي الربع الأخير من عام 2025، وهو الربع الذي أُعلن فيه وقف إطلاق النار في غزة في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت لندن تراخيص تصدير عسكرية إلى إسرائيل بقيمة 20.5 مليون جنيه إسترليني، منها ترخيص بقيمة 8.7 مليون جنيه لـ«مكوّنات وتقنيات معدات استهداف»، وفق تحليل «حملة مناهضة تجارة السلاح» للبيانات الرسمية، الذي نشره «ميدل إيست مونيتور» في الثامن من مايو/أيار 2026. وما زالت شركة «إلبيت»، كبرى شركات السلاح الإسرائيلية، تدير مشروع «فولكان» لتدريب أطقم الدبابات البريطانية بقيمة 57 مليون جنيه، كما ذكر موقع «ذا كناري» في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني 2026. 

فماذا جرى في غزة خلال هذا «السلام»؟ أحصت وزارة الصحة في غزة، كما نقلت «الجزيرة» في الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2026، 1431 فلسطينياً قُتلوا منذ وقف إطلاق النار، ثم ارتفع العدد إلى 1454 قتيلاً و5090 جريحاً بحلول الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، وفق ما نقله موقع «ألترا صوت». أي نحو أربعة قتلى كل يوم، على مدى عام كامل، في زمن تسمّيه لندن هدنة.

لماذا إذن هذا الصخب في الإدانة؟ لأن الشارع البريطاني يضغط على ساسته. ففي استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» يومي الثاني والثالث من يوليو/تموز 2026 لصالح «مجلس التفاهم العربي البريطاني»، رأى 50 في المئة من البريطانيين أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، ولم يرَ فيها حليفاً ينبغي الإبقاء عليه إلا 15 في المئة، وأيّد 72 في المئة من ناخبي حزب العمال حظراً كاملاً لتصدير السلاح إليها، بحسب صحيفة «عرب نيوز». ودفع الحزب الثمن في صناديق الاقتراع، فخسر في دوائر عدة أمام مستقلين رفعوا راية غزة، وحين تقدّم بيرنهام لخلافة ستارمر أقرّ بأن كثيرين رأوا أن الحكومة «لم تُصب» في موقفها من غزة، وقال لصحيفة «الغارديان» في التاسع من يوليو/تموز 2026: «أنا آسف لذلك». 

هنا تنكشف وظيفة الإدانة: إنها تُقال لاسترداد أصوات الناخبين وليس من أجل وقف جرائم الحرب في غزة، ولدغدغة مشاعر جمهور غاضب لا لتغيير مسار الشحنات التي تخرج من المصانع وتُشحن إلى إسرائيل كل يوم حتى تواصل جرائمها. والدليل أن الدولة التي تعتذر للناخب تعتقل المحتجّ على جرائم إسرائيل ودعم بريطانيا لها. فمنذ حظر جماعة «فلسطين أكشن»، التي اشتهرت باقتحام منشآت «إلبيت» في بريطانيا، في يوليو/تموز 2025، اعتُقل قرابة أربعة آلاف شخص لأنهم رفعوا لافتات تؤيّدها، بينهم أكثر من 230 أمام أول مؤتمر حزبي يقوده بيرنهام في ليفربول في السابع والعشرين من سبتمبر/أيلول 2026، ومنهم المحامية الحقوقية مارغريت أوين ذات الأربعة والتسعين عاماً، كما نشرت صحيفة «مورنينغ ستار». وهنا يظهر ليس التناقض وإنما الاستغباء؛ فالاعتذار تشتري به الحكومة الأصوات، والاعتقال تحمي به منهجها الذي لم يتغير والذي أخذت به تصريحاً مفتوحاً من المحكمة العليا. 

وليس هذا جديداً على لندن وحكوماتها منذ وعد بلفور المشئوم . ففي الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917 كتب وزير الخارجية آرثر بلفور رسالته التي تعهّد فيها بإقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، وأضاف إليها في نصّها التزاماً بألّا يُفعل ما «قد يمسّ الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين». نُفّذ الشطر الأول كاملاً، وبقي الشطر الثاني حبراً على ورق. وبعد مرور مئة عام، في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2017، قالت رئيسة الحكومة تيريزا ماي: «نحن فخورون بدورنا الريادي في إنشاء دولة إسرائيل»، ورفضت الاعتذار عن الوعد بكلمتين: «قطعاً لا»، كما نشرت «تايمز أوف إسرائيل». من رسالة وزير خارجية عام 1917 إلى بيان وزير خارجية عام 2026، تتكرّر المعادلة نفسها: ضمانات لفظية للفلسطينيين، وضمانات ودعم فعلي مفتوح سياسي وعسكري واقتصادي لإسرائيل.

قد يعترض البعض على هذا التحليل ويقول إن بريطانيا علّقت منذ سبتمبر/أيلول 2024 تسعة وعشرين ترخيصاً ورفضت ستة وخمسين طلباً، كما وثّقت «حملة مناهضة تجارة السلاح» نفسها، وإن حكومة بيرنهام ذهبت في معاقبة المستوطنات أبعد من كل سابقاتها. والاعتراض صحيح في أرقامه، لكنه يقيس بالأداة الخطأ؛ فالتخلّي لا يُقاس بعدد التراخيص المعلّقة، بل بما إذا كانت الطائرة التي تقصف غزة ما زالت تُزوَّد بما تنتجه وتصدّره بريطانيا لها أم لا، وهي ما زالت. 

إن ما تمارسه لندن ليس تناقضاً بين القول والفعل، بل تقسيم متقن للعمل بينهما: تصريحات تُطفئ غضب الشارع، وتراخيص تُبقي الطائرات في الجو تمارس جرائم الحرب كل يوم . وحظر بضائع المستوطنات مع استمرار تزويد الجيش الذي يحميها بالسلاح ليس موقفاً أخلاقياً، بل أكاذيب تُقال للناخبين، وخداع يُدار به غضبهم، بينما يُقتل في غزة أربعة فلسطينيين كل يوم.

إن بريطانيا لا تتخلى عن إسرائيل حين تحظر بيع برتقال المستوطنات في أراضيها، أو يتحدث رئيس وزرائها أو وزير خارجيتها بكلام يدغدغ به عواطف الناخبين البريطانيين، بل حين تتوقف عن صنع قطع الطائرات وإمداد إسرائيل بالقذائف التي تقصف غزة، وحين تتوقف عن تزويد إسرائيل بالمعلومات الاستخباراتية التي تقوم من خلالها بمواصلة جرائمها في غزة، وحينما يعتذر ساستها عن منح أرض فلسطين لليهود ويعملوا على إعادة فلسطين لأهلها، أما ما سوى ذلك فهو أكاذيب وخداع لا يصدقه أحد.

Total
0
Shares
السابق
مقال أحمد منصور

ما الذي تعلّمه نتنياهو من هتلر؟

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share