بقلم/ أحمد منصور:
«لا نيّة لديّ للعودة إلى إسرائيل. صفر». قالها رونالد لاودر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي منذ عام 2007، ووريث إمبراطورية «إستي لودر»، وسفير الولايات المتحدة لدى النمسا في عهد رونالد ريغان، في مقابلة نشرتها صحيفة «هآرتس» في الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، ونقلتها «تايمز أوف إسرائيل» في اليوم التالي. وكان الرجل قد باع شقته في تل أبيب وبيته التاريخي في ميدان بياليك، وتبرّع ببيته في بئر السبع للصندوق القومي اليهودي، بعد عقود كان يقضي فيها أسابيع من كل عام هناك.
قالها -لاودر- غاضباً من رئيس وزراء، وهي في جوهرها نعيٌ لدولة. فالرجل الذي يعلن القطيعة ليس ناشطاً في حملة مقاطعة، ولا أستاذاً في جامعة أوروبية، بل واحد من أكبر ممولي المشروع الصهيوني في نصف القرن الأخير، وأقرب أصدقاء بنيامين نتنياهو منذ كان سفيراً لإسرائيل لدى الأمم المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي. وهو نفسه يقرّ بأنه صمت «عشرين عاماً، ثلاثين عاماً»، فالسؤال ليس عمّا قاله وحده، بل عمّا رآه حتى قرّر أن يقوله الآن.
والمشاريع الكبرى لا تُنعى بأقلام خصومها، فهؤلاء ينعونها منذ يوم ولادتها. إنما يبدأ النعي الحقيقي حين يتكلم بُناتها، وذلك يجري على ثلاث درجات متتابعة: أولاً يتغيّر الوصف، فيرى الباني في الدولة غير ما بناه؛ وثانياً يعلن أن العالم الذي كان يحميها قد انفضّ عنها؛ وثالثاً يحمل متاعه ويغادر. وقد قطع لاودر الدرجات الثلاث في مقابلة واحدة.
لنبدأ بالوصف. قال لاودر: «من الأشياء التي جعلت إسرائيل مميزة مقارنة بغيرها أنها كانت ديمقراطية حقيقية»، ثم أضاف: «ما نراه الآن أقرب إلى جمهورية موز». وعن نتنياهو، قال: «لدينا ديكتاتور، عرض الرجل الواحد»، و«إسرائيل ديمقراطية، لكن نتنياهو لا يلعب وفق قواعد الديمقراطية».
ونقلت عنه صحيفة «يوديشه ألغماينه»، الصادرة عن المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، في الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، قوله: «بيبي يضع مسيرته فوق كل شيء. لا يفعل إلا ما ينفعه، ولا يبالي بمن يؤذي». ثم حمّله مسؤولية إطلاق يد إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وقال إنهما إذا دخلا الحكومة المقبلة، فإن «إسرائيل هالكة».
وليس هذا حكم مراقب من بعيد، بل خلاصة عِشرة طويلة. فقد كان لاودر يتحدث إلى نتنياهو «أسبوعيًا، ويوميًا أحيانًا»، وفتح له أبواب واشنطن ونيويورك. ثم بدأ التحوّل بعد زواج نتنياهو من سارة.
ونقلت «هآرتس» عن مساعدين سابقين للاودر أنه رفض طلبين تقدّمت بهما سارة: هدية بقيمة خمسة وعشرين ألف دولار لحفل «بار متسفا» لابنهما يائير عام 2004، ومنتجات من شركته بقيمة نحو خمسة عشر ألف دولار.
وحين اشترى لاودر حصة في القناة العاشرة الإسرائيلية بتشجيع من نتنياهو نفسه، ثم بثّت القناة تحقيقات تنتقده، انقلب الصديق شاكياً. وعندما سُئل لاودر عمّا فعلته القناة بعلاقتهما، أجاب بكلمة واحدة: «دمّرتها».
وفي المقابلة ما هو أبعد من الخلاف الشخصي. فقد روى لاودر أن نتنياهو كلّفه، في أواخر التسعينيات، بإجراء مفاوضات سرية مع حكومة حافظ الأسد، بمشاركة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. وقال إن المفاوضات انتهت إلى وثيقة من عشر نقاط، كان الأسد مستعدًا لتوقيعها، وإن نسختيها الوحيدتين لا تزالان بحوزته.
ثم اشترط نتنياهو أن يوقّع أرييل شارون قبله. وقال لاودر: «اختار السياسة على حساب السلام. لقد خانني. هذا هو بيبي».
وكان نتنياهو قد نفى سابقًا موافقته على الانسحاب من الجولان، ولم يصدر عنه أي رد على المقابلة حتى نشرها.
أما الدرجة الثانية فهي الأخطر. قال لاودر إن إسرائيل خسرت أوروبا، وخسرت يهود الشتات الذين «لا يشعرون بأن إسرائيل تحميهم»، ثم خاطب الإسرائيليين قائلًا: «خسرتم الحزب الديمقراطي، وأنتم تخسرون الحزب الجمهوري».
وروى، بحسب ما نقله موقع «ديلي كوس» في الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، أنه تحدث إلى ملك الأردن قبل أسابيع، وأن الأردن كان «من أكثر الدول وفاءً لإسرائيل»، ثم قال: «حوّلنا أكثر الدول وفاءً إلى دولة كارهة لإسرائيل» بسبب سلوك بن غفير. واختتم متسائلًا: «إلى أي حد يمكن أن يكون المرء غبيًا؟».
ولعل قيمة هذه الشهادة أن الأرقام سبقتها. ففي استطلاع أجراه مركز «بيو» على 3,507 أمريكيين بين الثالث والعشرين والتاسع والعشرين من مارس/آذار 2026، ونشر نتائجه في السابع من أبريل/نيسان 2026، بلغت نسبة من ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية 60 في المئة، بعدما كانت 53 في المئة قبل عام، وارتفعت إلى نحو 80 في المئة بين الديمقراطيين، فيما بلغت 57 في المئة بين الجمهوريين دون سن الخمسين.
وفي استطلاع «غالوب»، الذي أُجري على 1,001 أمريكي بين الثاني والسادس عشر من فبراير/شباط 2026، أعرب 41 في المئة عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، مقابل 36 في المئة مع الإسرائيليين. وقبل ثلاث سنوات، كانت النسبتان 31 في المئة للفلسطينيين و54 في المئة للإسرائيليين.
فالجمهوريون الشباب هم من بين الفئات التي قال لاودر إن إسرائيل تخسرها، وقد عبّر عن ذلك بلسان صاحب البيت، لا بلغة المحلّل. أما الدولة التي تخسر حلفاءها في أوروبا، وأوفى جيرانها، والدعم داخل الحزبين في واشنطن، وقطاعات من يهود الشتات، فتواجه خطر العزلة السياسية، وهو ما يختزله وصف «الدولة المنبوذة» في قاموس السياسة.
ثم تأتي الدرجة الثالثة. «لقد قطعتُ عمليًا كل روابطي هناك»، قال لاودر. والرجل في الثانية والثمانين من عمره، فلا يبيع بيوته طلبًا لصفقة، بل يقرّر أين لا يريد أن يكون.
والعجيب أن هذا الطريق سبقه إليه رجل آخر من قلب المؤسسة الصهيونية. ففي حوار أجراه آري شافيط في صحيفة «هآرتس» في يونيو/حزيران 2007، سُئل أبراهام بورغ، رئيس الكنيست الأسبق والرئيس الأسبق للوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، عمّا إذا كان ينبغي لكل إسرائيلي أن يحمل جواز سفر ثانيًا، فأجاب: «كلُّ من يستطيع».
وكان بورغ قد كتب في مقال نشرته «يديعوت أحرونوت»، ثم صحيفة «الغارديان» البريطانية في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول 2003، أن «الثورة الصهيونية قامت دائمًا على ركيزتين: طريق عادل، وقيادة أخلاقية»، وأن أيًّا منهما لم تعد قائمة. ثم خلص إلى أن «الدولة التي تفتقر إلى العدل لا يمكن أن تبقى». وتنبّأ بما سيأتي، فقال: «قد تبقى هنا دولة يهودية، لكنها ستكون من نوع آخر، غريبة وقبيحة».
يومها، رُمي بورغ بالخروج على الصف، وعُدّ يساريًا حالمًا. واليوم، يقول الشيء نفسه رجل أعمال جمهوري موّل حملات دونالد ترامب، ودعم مؤسسات يهودية في إسرائيل وأوروبا الشرقية على مدى عقود.
القصة، إذاً، ليست قصة كراهية. فلا بورغ ولا لاودر انقلب على المشروع الصهيوني لأنه يبغضه، بل لأنه رأى أسسه تترنّح. وقد قالها لاودر صراحةً: إنه ما زال صهيونيًا، وإن نقده نابع من «الحب والحرص»، وإن «نحن عند نقطة تحوّل».
وهذا بالضبط ما يجعل كلامه أقرب إلى النعي منه إلى الهجاء؛ فالهجاء يكتبه الخصم، أما النعي فلا يكتبه إلا من كان من أهل الفقيد.
قد يعترض معترض على هذا التحليل، فيقول إن لاودر لا ينعى إسرائيل، بل ينعى نتنياهو، وإن خصومته شخصية في أصلها: طلبات رُفضت، وقناة تلفزيونية دفعت الثمن، ووثيقة سلام أُجهضت. وهذه الحجة ليست بلا سند؛ فالرجل نفسه قال إنه لو اضطر إلى التصويت، لاختار غادي آيزنكوت، أي إنه ما زال يرى بديلًا.
لا تُنعى المشاريع حين يلعنها خصومها، بل حين يبيع بُناتها بيوتهم فيها.
غير أن هذا الاعتراض يقيس بالأداة الخطأ. فالخصومة الشخصية تفسّر توقيت الكلام، لكنها لا تفسّر مضمونه، ولا تفسّر أرقام «بيو» و«غالوب» التي سبقته. ثم إن من ينعى زعيمًا لا يبيع بيوته في بلده؛ فالزعماء يرحلون، والبيوت تبقى. وقد باعها لاودر قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، فلم ينتظر نتائجها ليحكم على المكان.
لا تُنعى المشاريع حين يلعنها خصومها، بل حين يبيع بُناتها بيوتهم فيها.