يستعرض أحمد منصور مع الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي ج 2 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر ، الذي جرى بثه في 16 يناير 2005، تفاصيل الاتصالات السرية بين مصر وإسرائيل تمهيدا لزيارة السادات إلى القدس وكواليس رحلة السادات إلى القدس وخطابه في الكنيست وتأثير خطاب بيجين على مجريات مبادرة السلام
مقتطفات من الحوار
تحدث الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي في الحلقة الثانية من شهادته على العصر عن زيارة السادات للقدس، والاتصالات السرية بين مصر وإسرائيل.
وكشف غالي أن اتصالات جرت بين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وإسرائيل قبل إعلان الرئيس الراحل أنور السادات في مجلس الشعب المصري عام 1977 أنه ينوي زيارة القدس المحتلة.
الاتصالات السرية
وأضاف غالي أن عشرات من الاتصالات السرية جرت بين الطرفين المصري والإسرائيلي قبل خطاب السادات في مجلس الشعب يوم 9 نوفمبر 1977، وأعلن فيه “استعداده للذهاب إلى أقصى مكان حتى لو كان القدس من أجل الصلح أو السلام مع إسرائيل”.
واعتبر غالي أن مبادرة السادات وزيارته للقدس بالعام 1977 “أنقذت الوحدة الإقليمية المصرية”، بحسب رأيه، لافتا إلى أن السادات كان دائما يؤيد فكرة التحاور مع العدو الإسرائيلي. وأكد أيضا أن ثلاث أو أربع شخصيات فقط كانت على علم بالاتصالات السرية التي تمت بين القاهرة وتل أبيب.
ونفى غالي علمه المسبق بما جاء في خطاب السادات، وقال إنه لم يدرك أن الرئيس سيزور القدس إلا بعد تكليفه من طرف حسني مبارك نائب الرئيس في ذلك الوقت بتحضير كلمة السادات التي سيلقيها في الكنيست الإسرائيلي. ولكن السادات ألقى خطابا آخر أمام الكنيست.
وبحسب الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي فقد تم تعيينه خلال تلك الفترة في منصب وزير دولة للشؤون الخارجية ووزير خارجية بالنيابة، وأخبروه بأنه سيرافق السادات في رحلة القدس، وكان ذلك بعد استقالة وزير الخارجية إسماعيل فهمي.
وكشف عن طلب موشي ديان له، بتذكير السادات بتجنب ذكر منظمة التحرير الفلسطينية في الكلمة التي يلقيها، لافتا إلى أنه عقب وصوله إلى تل أبيب وجد نفسه في سيارة إلى جانب موشي ديان.
وأدلى بطرس غالي برأيه حول شخصية موشي ديان وقال إنه كان ذكياً لكنه معقد، كما ذكر انطباعاته عن بيجن و وايزمان
نص حوار بطرس غالي ج 2 :
زيارة السادات إلى القدس..ووصية موشي ديان له
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة، دكتور مرحباً بك.
زيارة السادات للقدس بين الوهم والحقيقة.
بطرس غالي: أهلاً.
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة، دكتور مرحباً بك.
زيارة السادات للقدس بين الوهم والحقيقة.
بطرس غالي : أهلاً.
أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند الخطاب الذي ألقاه الرئيس السادات في مجلس الشعب المصري في التاسع من نوفمبر عام 1977، وأعلن فيه استعداده للذهاب إلى أقصى مكان حتى لو كان القدس من أجل الصلح أو السلام مع إسرائيل، حتى لو كان الكنيست كما قال، وتحدثنا عن بعض الأشياء الجزئية في هذا الموضوع والتفسيرات المختلفة. ماذا كان تفسيرك أنت لعبارة السادات؟
بطرس غالي: كما قلت، لم يفهم أحد أنه ينوي أن يذهب إلى القدس. فيما بعد تم الإعلان أنه سيذهب إلى القدس…
أحمد منصور [مقاطعاً]: لا، أنا سأقف عند المرحلة هذه لسبب. دكتور محمود رياض، الأمين العام السابق للجامعة العربية، يقول في مذكراته صفحة 585: “لقد بدت لنا تلك العبارة ونحن نستمع إليها داخل قاعة مجلس الشعب مجرد نوع من المبالغة…
بطرس غالي [مقاطعاً]: أيوه…
أحمد منصور [متابعاً]: المبالغة الكلامية في التحدي، ولذلك لم يخطر لي أو لياسر عرفات، الذي كان يجلس إلى جواره، الاستفهام عن مغزى عبارته تلك عندما صافحناه بعد انتهاءه من الخطاب.” حتى لم يكترثوا ليسألوه، لكن إسماعيل فهمي يقول شيئاً غريباً إن…
بطرس غالي: أنا أؤيد هذا التفسير، هذا التفسير الصحيح في رأيي.
أحمد منصور: أيضاً حافظ إسماعيل، رئيس المخابرات الأسبق ومستشار الأمن القومي، يقول في مذكراته: “كانت زيارة السادات من الوهم والحقيقة. حينما استمعنا إلى خطابه في مجلس الشعب في التاسع من نوفمبر لم نكن نصدق أن الرئيس يعني ما يقوله حول استعداده للتوجه إلى القدس”.
بطرس غالي: إذاً الكلام الذي أقوله إن في رأيي، باستثناء ثلاثة أو أربعة شخصيات التي كانت على علم بالاتصالات السرية التي تمت بين القاهرة وتل أبيب… باستثناء هذه الشخصيات، ولم أعلم بأن هذه الشخصيات تعرف هذا التحرك إلا فيما بعد سنة 1992 و1993 في بوسطن، عندما قابلت هيرمن آيتس، وكان وقتها أستاذاً يدرّس في جامعة من جامعات بوسطن، وقعدنا نناقش معاً التفاصيل… الرأي العام لم يكن ملمّاً بهذا.
أحمد منصور: أنت لم يكن لديك أي علم بالموضوع؟
بطرس غالي: أبداً.
أحمد منصور: ولم يكن لديك توقع بأن السادات يعني ما يقوله؟
بطرس غالي: لا أبداً.
أحمد منصور: وكذلك معظم أو باقي المسؤولين من الوزراء المصريين؟
بطرس غالي: نعم.
أحمد منصور: أنتم أركان الدولة الأساسية لا تعلمون شيئاً عن هذا الموضوع الخطير، فكيف يقرر مصير مصر؟
بطرس غالي: في عشرات من الحالات، رئيس الدولة يستطيع أن يتخذ قراراً.
أحمد منصور: هي عزبة؟
بطرس غالي: لا يا فندم ليست عزبة… عندك سوابق موجودة في مختلف أنحاء العالم حيث إن الرئيس يتصل بمجموعة محدودة من الشخصيات ويناقشها ويتخذ القرار.
أحمد منصور: لكن واضح هنا أن الشخصيات التي يفترض أن يناقش الرئيس معها هذا الأمر لم يناقشها فيه؟
بطرس غالي: أنا لا أعرف إن كان ناقشها أم لا، بدليل…
استقالة إسماعيل فهمي
أحمد منصور [مقاطعاً]: ومن مذكرات إسماعيل فهمي أنه خرج عن نص الخطاب.
بطرس غالي [متابعاً]: بدليل أنه ناقشها، وأن لديك شخصية من هذه الشخصيات رفضت وقدمت استقالتها.
أحمد منصور: بعد ذلك، حينما همّ بالفعل أن يذهب.
بطرس غالي: أيوه، تمت مناقشة بين هذه الشخصية والرئيس السادات، وبعدين…
أحمد منصور: ويقول أيضاً إسماعيل فهمي…
بطرس غالي: هذه الشخصية…
أحمد منصور: إسماعيل فهمي يقول: “عاد السادات في 15 نوفمبر وتحدث مع إسماعيل فهمي مرة أخرى…
بطرس غالي: أريد أن أقول لك، وبعدين…
أحمد منصور: هذا كان 9 نوفمبر، كان رد فعله لكلمات السادات، وتبعه مناقشة عنيفة، تجادلنا في التليفون لأكثر من ساعة، ومرة ثانية اعترضت على قراره بالذهاب إلى القدس”.
بطرس غالي: إذاً تمت المناقشة، ثم يضاف إلى ذلك أنه ذهب وزار…
أحمد منصور: لم يوافقه أحد.
بطرس غالي: هذا موضوع آخر، أنت تقول إنه اتخذ القرار من غير مناقشة.
أحمد منصور: مع شخص أو اثنين.
بطرس غالي: وهذا يكفي، لست ملزماً حين أتخذ قراراً…
أحمد منصور: هذا مصير بلد.
بطرس غالي: أيوه، ومش مصير بلد… هو انتُخب كرئيس جمهورية وله الحق أن يتخذ هذا القرار.
أحمد منصور: هناك مجلس شعب، هناك استشارات… مصائر الدول تقرر بشكل آخر.
بطرس غالي: يا سيدي هذا كلام نظري. دعنا نتكلم بطريقة عملية.
أحمد منصور: قل لي الطريقة العملية.
بطرس غالي: السوابق التاريخية في مختلف أنحاء العالم، عندما تريد أن تتخذ قراراً هاماً، ليس مفروضاً أن تناقش مع كافة الأطراف.
أحمد منصور: هل كان هناك مجلس أمن قومي نوقش معه هذا الموضوع؟
بطرس غالي: نوقش بعد ذلك، نعم.
أحمد منصور: لا، قبل أن يأخذ القرار وقبل أن يعلن عنه.
بطرس غالي: أيوه، مجرد ما أعلن القرار تمت الاتصالات.
أحمد منصور: ما زالت مصر تُحكم بالشكل الفرعوني؛ ما يريده الرئيس يوافق عليه الجميع…
بطرس غالي: لا، أنا لا أوافق…
أحمد منصور: قبل أن يقرر الرئيس هذا الأمر، هل نوقش مع مجلس الأمن؟
بطرس غالي: أنا لا أوافقك على هذا، لأنني أقول لك: بالنسبة لبعض القرارات الهامة، من المفروض أن تكون المناقشة في أضيق مجموعة ممكنة. سأقول لك شيئاً آخر.
أحمد منصور: قل لي.
بطرس غالي: عندما حصل الهجوم في حرب أكتوبر واقتحام خط بارليف…
أحمد منصور: هذا سر عسكري، ولا بد أن يكون على أضيق نطاق.
بطرس غالي: هذا أيضاً نفس الوضع.
أحمد منصور: الوضع مختلف.
بطرس غالي: نفس الوضع.
أحمد منصور: لا، ليس نفس الوضع.
بطرس غالي: اسمح لي: سر عسكري، سر سياسي، سر لا أعرف ماذا… من سلطة رئيس الدولة أن يتصرف في حدود ضيقة من أجل نجاح هذه العملية.
أحمد منصور: الآن هي عملية ستتم في غرفة مظلمة.
بطرس غالي: من قال؟
أحمد منصور: هذه عملية ستتم أمام العالم كله وعلى شاشات التلفزيون.
بطرس غالي: لماذا تقبل السر العسكري ولا تقبل السر السياسي؟
أحمد منصور: الوضع مختلف.
بطرس غالي: لماذا؟
أحمد منصور: قرار الحرب يختلف عن هذا القرار.
بطرس غالي: يا حبيبي، السر العسكري لا يختلف عن السر السياسي.
أحمد منصور: لا، هناك اختلاف.
بطرس غالي: أنا أقول لك وأنت تقول لا… هذا رأيك. رأيي أن السر السياسي لا يختلف عن السر العسكري، وبالتالي من حق…
أحمد منصور: نحن الآن أمام سر سياسي شيء، والقرار السياسي شيء آخر.
بطرس غالي: لا يا فندم، وبالتالي من حق الرئيس أن يتصرف كما يريد. وبعدين…
أحمد منصور: يعني ما فعله السادات صحيح؟
بطرس غالي: طبعاً.
أحمد منصور: أن ينفرد بالقرار ويخالف مستشاريه في الموضوع؟
بطرس غالي: يخالف اثنين من المستشارين، أما الباقون فوافقوا.
أحمد منصور: لا، هؤلاء الذين قدموا استقالاتهم.
بطرس غالي: أيوه، الآخرون موافقون.
أحمد منصور: لا، نحن سنأتي للآخرين. الآخرون: هل سألهم أصلاً؟ لم يسألهم.
بطرس غالي: ولماذا لم يقدم الآخرون استقالاتهم؟
أحمد منصور: كل واحد متشبث بالوظيفة والمصالح.
بطرس غالي: لا أبداً، هذا رأيك أنت. بالعكس…
أحمد منصور: هذا هو الواقع يا فندم.
بطرس غالي: أنا لا أوافق على هذا الواقع. طيب، عندك تضامن وزاري حقيقي، وعندك احترام للقيادة. إذا اتخذ القائد قراراً، فأنا من المفروض أن أؤيد القائد في هذا القرار…
أحمد منصور: طيب، عندي شاهد من كتابك…
بطرس غالي: لو لم أؤيد القائد في هذا القرار وقتها أستقيل.
أحمد منصور: عندي شاهد من كتابك أنت: حينما كنت وزيراً وكان ممدوح سالم رئيس الوزراء، وعند نقاش بعض الأشياء كنت تحاول أن تبدي رأيك، وكان الجميع تقريباً، كل الوزراء، يقولون “آمين” لرئيس الوزراء، وكل الذين حول رئيس الجمهورية يقولون “آمين” للرئيس. حينما حاولت أن تبدي رأيك، ماذا قال لك النبوي إسماعيل الذي كان يجلس إلى جانبك؟
بطرس غالي: بالنسبة لأي قضية؟ لا أتذكر.
أحمد منصور: بغض النظر، في موضوع معين كنت تتناقش فيه وتُبدي رأيك، فقال لك: “اسكت، لا تُغضب رئيس الوزراء”. الجميع يصمتون كي لا يُغضبوا الرئيس ورئيس الوزراء.
بطرس غالي: يا سيدي هذه…
أحمد منصور: أليست هذه هي السياسة التي تتم في النقاش؟
بطرس غالي: ما أريد أن أقوله أنك، معلهش لا تزعل مني، لست ملمًّا بالتفاصيل التي تحدث… انتظر فقط…
أحمد منصور: ليست مشكلة، أنا لا أدّعي الإلمام بكل شيء.
بطرس غالي: في البلاد الأخرى نفس الوضع…
أحمد منصور: أنا لا علاقة لي بالدول الأخرى، أنا هنا أتكلم عن مصر.
بطرس غالي: أريد أن أقول لك إن ظاهرة الحكم تكاد تكون واحدة في مختلف أنحاء العالم.
أحمد منصور: قل لي ما هي إذن؟
بطرس غالي: أن الرئيس، بما أنه تم انتخابه وله السلطة التامة، في كثير من الحالات يتخذ القرار دون أن يأخذ رأي الوزارة ورأي المجموعة كلها. في حالات… في مئات من الحالات، أنت تأتي لتقول لي…
أحمد منصور: حتى في المصير الأساسي للدولة؟
بطرس غالي: نعم، أنت تتحدث عن السر العسكري. أنا أقول لك لا؛ هناك أسرار سياسية تكاد تكون أهم بكثير من الأسرار العسكرية، وحينئذ، لكي تنجح في هذه العملية يجب أن تكون عملية سرية. أنا شخصيًا، في عشرات من الحالات نجحت… طبعًا قضايا بسيطة جدًا على مستواي كأمين عام للأمم المتحدة، نجحت في كثير من الحالات أن أجد تسوية بشرط أن تبقى القضية سرية.
أحمد منصور: في حدود صلاحياتك.
بطرس غالي: لا، ليست في حدود صلاحياتي أبداً.
أحمد منصور: وفي الآخر هناك وثائق.
بطرس غالي: لا، أبدًا ليس…
أحمد منصور: وفي الآخر هناك وثائق.
بطرس غالي: ليست في حدود صلاحياتي، بالعكس حدود صلاحياتي أنه كان يجب أن آخذ إذن مجلس الأمن أو أتصل بالدول الكبرى وآخذ رأيهم.
أحمد منصور: لكن ربما لا تكون قضايا جوهرية بشكل أساسي يؤثر على علاقاتكم.
بطرس غالي: لم يقل أحد ذلك… بالنسبة لمستواي أنا، كانت القضية جوهرية. كل شيء نسبي.
أحمد منصور: بالنسبة لمستوى مصر وقرار مصر ومستقبل مصر، هل كانت هذه هي الطريقة التي يُقرَّر بها مستقبل مصر، مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي؟
بطرس غالي: هذه هي الطريقة التي أنقذت مصر، إذا أردت رأيي.
أحمد منصور: سنأتي الآن بالتفاصيل لما حدث…
بطرس غالي: نعم، أنا أقولها لك من الآن.
الاتصالات السرية بين مصر وإسرائيل
أحمد منصور: ولكن نحن نُفسِّر كيف كان يُتخذ القرار، وكيف أن الناس الذين حول الرئيس… كيف كانوا يتقبلون عملية اتخاذ القرار. من كان يناقش ومن كان لا يناقش، من كان يبدي رأيه ومن كان لا. أنتم لم تُبدوا رأيكم في المسألة، لم يسألكم أحد. أنتم جالسون مثل كل الناس الذين يجلسون في بيوتهم يشاهدون السادات في التلفزيون يقول: أريد أن أذهب إلى القدس.
بطرس غالي: يا سيدي طُلب مني أن أحضر الكلمة التي سيلقيها السادات في الكنيست الإسرائيلي.
أحمد منصور: هذا الكلام بعد ذلك، أنا أتكلم عن خطاب مجلس الشعب.
بطرس غالي: معلهش انتظر فقط… أريد أن أقول لك إنه كان من السهل عليّ، لو أنني غير موافق، أن أعتذر. بالعكس…
أحمد منصور: كثير من الناس الذين كتبوا قالوا إن الدكتور بطرس غالي تحديدًا لم تكن الأمور فارقة معه.
بطرس غالي: أبدًا، من قال؟ أنا متحمس لهذه الفكرة، ولو قرأت ما تقوله حضرتك… لو قرأت المقالات والندوات التي قمت بها في السياسة الدولية لوجدت أنني أدافع عن هذه الفكرة: أنه لابد أن نبدأ نتحاور مع هذا العدو.
أحمد منصور: إسماعيل فهمي لم يكن ضد فكرة السلام، هو كان ضد الأسلوب والطريقة، طريقة التنازل، الإهانات التي كانت تُوجَّه. كان يريد سلامًا مُشرِّفًا لمصر.
بطرس غالي: هذا الأسلوب هو الذي أنقذ الوحدة الإقليمية المصرية.
أحمد منصور: أي أسلوب؟
بطرس غالي: الذي فعله السادات. وبعد عشرين سنة تجد كل كتب التاريخ…
أحمد منصور: سنأتي الآن بالتفصيل إلى الآثار التي ترتبت على ذلك عربيًا ومصريًا…
بطرس غالي: لقد سمعت هذا الكلام كثيرًا.
أحمد منصور: وكل شيء بشكل… لكننا الآن في المفصل التاريخي لكيف يُتخذ القرار.
بطرس غالي: أنا أختلف تمام الاختلاف. أنا مختلف معك…
أحمد منصور: نحن نختلف، نعم نحن نختلف…
بطرس غالي: أنت عندما تأتي لتقول سر عسكري، نعم. أنا أقول لك السر السياسي يكاد يكون أهم من السر العسكري، ومن اختصاص رئيس الدولة في بعض الحالات الخطيرة أن يتصرف بهذه الطريقة. أما أن تستطيع أن تنتقد، فمن السهل الانتقاد وتقول: كان يجب أن يفعل كذا، وكان يجب أن يطلب رأي العام… أبدًا. وبعدين…
أحمد منصور: الإسرائيليون فعلوا ذلك. هل الإسرائيليون تعاملوا مع المسألة بنفس الطريقة التي يتعامل بها المصريون؟
بطرس غالي: إسرائيل عندما تم الاتفاق على قبول زيارة السادات كان ذلك بطريقة سرية أيضًا.
أحمد منصور: لا، كان هناك كنيست، والكنيست وافق عليها.
بطرس غالي: يا سيدي لا، أبدًا تمت بطريقة سرية. من قال كنيست؟ تمت بطريقة سرية أيضًا.
أحمد منصور: حسنًا، سأتي معك بالتفصيل، لكن هنا هناك نقطة معينة ذكرتها: قلت إنك لم يكن لديك علم بالاتصالات السرية مع الإسرائيليين قبل أن يعلن السادات ذلك في مجلس الشعب المصري. هل كانت هناك علاقات أو اتصالات سرية بين مصر وإسرائيل؟
بطرس غالي: طبعًا، كان هناك اتصالات مع جمال عبد الناصر وإسرائيل. لديك كتب مثل الرز ظهرت في أميركا، كلهم حاولوا الاتصال… ماذا جرى لك؟ هل سنضحك على بعض؟
أحمد منصور: لا لم يجر لي شيء، أنا قرأت… لكن قل لنا أنت.
بطرس غالي: هناك عشرات من الاتصالات السرية.
أحمد منصور: وليم كوانت ذكر أشياء كثيرة في كتابه عملية السلام، وغيرُه كثيرون…
بطرس غالي: نعم، غير وليم كوانت… كم من الاتصالات السرية حدثت.
أحمد منصور: حتى هناك كتاب كامل يتحدث عن العلاقات السرية صدر أيضاً…
بطرس غالي: كانت هناك علاقات سرية، هذا شيء عادي.
أحمد منصور: بين عبد الناصر وإسرائيل، لكنني أقصد في هذه المسألة.
بطرس غالي: يعني أريد أن أقول لك…
أحمد منصور: لا أحد يريد أن يصدق أن عبد الناصر كان يتصل بالإسرائيليين.
بطرس غالي: لا يهم، ربما الإعلام نجح… هذا موضوع آخر. لكن أريد أن أقول لك إن الاتصالات السرية… العمل الدبلوماسي مرتبط بالاتصالات السرية.
أحمد منصور: اشرح لنا، نريد أن نفهم.
بطرس غالي: نعم، أقول لك: العمل الدبلوماسي هو الاتصالات السرية، الاتصالات الجانبية التي تُسهِّل المقابلة الرسمية.
أحمد منصور: ما الاتصالات السرية التي تمت قبل إعلان السادات في مجلس الشعب؟
بطرس غالي: لا أعرف. لم أعرفها. كنت أعرف أنه كانت هناك اتصالات سرية في…
أحمد منصور: ولم تعرفها بعد ذلك؟
بطرس غالي: نعم، عرفتها بعد ذلك.
أحمد منصور: حسنًا، قل لنا ما عرفته.
بطرس غالي: الاتصالات السرية كانت موافقة الجانب الإسرائيلي على قبول زيارة السادات.
أحمد منصور: قبل أن يعلنها السادات في مجلس الشعب؟
بطرس غالي: لا أعرف بالضبط متى تمت الموافقة.
أحمد منصور: لأن في مذكرات القادة الإسرائيليين، بيغن في مذكراته، ديان في مذكراته، حتى شارون في مذكراته ـ ورجعت إليها ـ لم يشروا حتى هم…
بطرس غالي: مذكرات شارون تُرجمت؟
أحمد منصور: نعم، مذكرات شارون مُترجمة.
بطرس غالي: بأي لغة؟
أحمد منصور: باللغة العربية.
بطرس غالي: لم أكن أعلم.
أحمد منصور: نشرها دار بيسان، والمترجم اسمه أبو خليل. في هذه المذكرات قالوا إنهم لم يكونوا متيقنين حتى تلك اللحظة من إعلان السادات، رغم ما قاله في مجلس الشعب.
بطرس غالي: إذن أعود وأقول لك: كانت هناك سرية في إسرائيل، وهذا يُؤكِّد كلامي.
أحمد منصور: إسرائيل حرة. في النهاية هي دولة عندها نظام. أنا الآن أتكلم عن النظام عندنا.
بطرس غالي: تقول إسرائيل تدّعي أنها النظام الديمقراطي الأمثل في هذه المنطقة، والرأي العام الدولي مقتنع بهذا، ومع ذلك لجؤوا إلى السرية. انظر: السرية ركن من أركان العمل الدبلوماسي. لا يوجد عمل دبلوماسي دون سرية.
أحمد منصور: هل كان لديك أي علم بالزيارة التي قام بها حسن التهامي إلى المغرب والتقى فيها ديان؟
بطرس غالي: سمعت عنها بعدين، لكن لم يكن لها أي تأثير بالنسبة لهذه الزيارة.
أحمد منصور: لم يكن لها علاقة بزيارة السادات إلى القدس؟
بطرس غالي: في رأيي لم يكن لها علاقة. لا، كان ذلك محاولة من المغرب أن يلعب دورًا. وبدليل أنه بعد كامب ديفد ذهبنا كلنا إلى المغرب على أمل أن ملك المغرب سيؤيد المبادرة أو اتفاقية كامب ديفد.
أحمد منصور: في هذه الفترة أيضًا، وأنت كنت وزير الدولة، عُقد في القدس مؤتمر برئاسة بيير منديس فرانس، رئيس وزراء فرنسا الأسبق، وأنت الذي أعددت ورقة ووجهت دعوة للسادات أو طلبًا للسادات، وأعددت هذا وكان الكلام كله قبل رحلة السادات إلى القدس.
بطرس غالي: مضبوط.
أحمد منصور: هل استشفيت شيئًا في هذا الموضوع؟
بطرس غالي: لا.
أحمد منصور: لكن هذا كان شيئًا غير عادي.
بطرس غالي: نعم، أنا معك، استغربت. استغربت أن يبعث ببرقية، وحتى دخلنا في التفاصيل: كيف يبعث هذه البرقية؟ قالوا نبعثها عن طريق قبرص أو عن طريق باريس. ولكن لم أستخلص فكرة أنه سيترتب على ذلك… أو أنها تمهيد لزيارة السادات إلى القدس.
بطرس غالي وخطاب السادات في الكنيست
أحمد منصور: بيغن وجه الدعوة إلى السادات لزيارة القدس بالفعل. متى أدركت فعلاً أن السادات سيتوجه إلى القدس؟
بطرس غالي: أدركت أن السادات سيزور القدس عندما قال لي ممدوح سالم: رئيس نائب الرئيس حسني مبارك يريد مقابلتك. لماذا لم تذهب إليه؟ لم يقل لي أحد. قال لي: لا، اذهب له فورًا. ذهبت لأقابل الرئيس مبارك فقال لي: لقد كُلِّفتَ بتحضير كلمة السادات التي سيلقيها في الكنيست. وقتها عرفت أن هناك زيارة للقدس للرئيس السادات. قبل ذلك لم يكن لدي أي معلومات.
أحمد منصور: كان رد فعلك ماذا؟
بطرس غالي: قلت له: ما المطلوب أن أقول في هذه الكلمة؟ مكتوب…
أحمد منصور: هكذا فقط؟ وأخذت الموضوع ببساطة يعني؟
بطرس غالي: نعم طبعًا.
أحمد منصور: لم تُصَدَم؟ لم يحدث لك رد فعل؟
بطرس غالي: لا صدمة ولا أي شيء. بالعكس، لقد رأينا كثيرًا من هذه الأمور. قلت له: حاضر. ما المطلوب؟ بأي لغة أكتبها أولاً؟ قال لي: باللغة الإنجليزية. قلت له: الإنجليزية اللغة الثالثة لديّ، فأنا ضعيف في الإنجليزية. قال: معلهش، اكتبها بالإنجليزية. ما المفروض أن أقول؟ أعطاني بعض النقاط.
أحمد منصور: ما أهم النقاط التي أعطاها لك؟
بطرس غالي: أهم النقاط الربط بين قضية الانسحاب من الأراضي المصرية والانسحاب من الأراضي الفلسطينية، وأننا نبحث عن حل شامل لهذه القضية باختصار. طبعًا أحضرت كتبًا وقتها: كتب بيغن، كتب موشي ديان، لأقرأ… لأدخل الجو. وكتبت الكلمة، وكان مكتب النائب يتصل بي كل ساعة: هل انتهيت من الكلمة؟ قلت له: لا، أعطوني وقتًا… جلست طوال الليل، أربعًا وعشرين ساعة أعمل. ثم اتصلوا بي مرة أخرى فقالوا لي: نحن لا نتصل بشأن الكلمة؛ صدر قرار بتعيينك وزير دولة للشؤون الخارجية ووزير خارجية بالنيابة، وسترافق السادات في رحلة القدس.
أحمد منصور: طبعًا كان إسماعيل فهمي قد قدم استقالته حسب ما قال في مذكراته يوم 17 نوفمبر، لكنها أعلنت في 19.
بطرس غالي: كان يوم ماذا؟ يوم 17؟
أحمد منصور: كان يوم ثلاثاء على ما أعتقد.
بطرس غالي: الزيارة تمت يوم السبت على ما أذكر، لا أتذكر الآن، ليس مهمًا.
أحمد منصور: يوم 19 ذهبتم إلى…
بطرس غالي: 19 كان السبت.
أحمد منصور: 19 كان يوم سبت.
بطرس غالي: نعم، بعد “شبّاط” عندهم يعني وصلنا بالليل.
أحمد منصور: نعم. إسماعيل فهمي في مذكراته يقول إنه أرسل استقالته للسادات يوم 17 نوفمبر، وكان يوم خميس، وأنتم ذهبتم في 19 نوفمبر 1977.
بطرس غالي: إذن طلبوا مني يوم 17 أن أحضر الكلمة أو ربما قبلها أن أحضر الكلمة.
أحمد منصور: ما كان شعورك وأنت تحضر الكلمة التي ربما ستقرر مستقبل مصر؟
بطرس غالي: طبعًا شعور بالمسؤولية. شعور بصعوبة وضع هذه الكلمة لأنني سأقول ماذا؟ هناك مواجهة… هناك حالة حرب. لا تنسَ أنني قانوني، أستاذ قانون دولي، فهناك حالة حرب، والتيار القانوني يتغلب في تفكيري. فهناك حالة حرب بين مصر وإسرائيل، فكيف نفسر أنه رغم وجود حالة حرب يذهب رئيس مصري إلى البرلمان الإسرائيلي ويخاطب هذا البرلمان؟
أحمد منصور: أنت كأستاذ قانون دولي أيضًا، كان الموضوع معقدًا بالنسبة لك؟
بطرس غالي: نعم طبعًا.
أحمد منصور: كنت تريد أن تربط بين الوضع القانوني والوضع السياسي والوضع على الأرض؟
بطرس غالي: مضبوط.
أحمد منصور: وكيف استطعت أن تجمع هذه المتناقضات في الكلمة؟
بطرس غالي: نجحت إلى حد ما بعد عدة ساعات من العمل…
أحمد منصور: كم مرة كتبت ومزّقت الكلام؟
بطرس غالي: كتبتها خمس أو ست مرات، ثم أرسلتها. وفوجئت في الكنيست بأنه لم يستخدم الكلمة.
أحمد منصور: بينما قرأ كلمة أخرى سنأتي إليها بالتفصيل. إسماعيل فهمي عندما قدّم استقالته، وبعده بست دقائق كما قال في مذكراته، قدم محمد رياض استقالته. ما معلوماتك عن ظروف استقالة الرجلين؟
بطرس غالي: ليس لديّ معلومات. لديّ علاقة شخصية مع محمد رياض ومع إسماعيل فهمي؛ كانا الاثنين في القنصلية أو السفارة الفرنسية عندما كنت أحضر الدكتوراه في باريس. أعرفهما شخصيًا، كان لدي علاقة ودية مع الاثنين. فوجئت بهذه الاستقالة، سواء استقالة إسماعيل فهمي أو محمد رياض. فيما بعد، عُيّن محمد رياض نائبًا أو أمينًا عامًا مساعدًا لجامعة الدول العربية، وتولى إدارة الجامعة العربية حين نُقلت إلى تونس.
أحمد منصور: إلى تونس.
بطرس غالي: وأنا أردت أن أكون جامعةً في القاهرة مع بعض الدول العربية التي أيَّدت مصر وهي السودان والصومال وسلطنة مسقط.
أحمد منصور: سلطنة عُمان.. سلطنة عُمان تقصد.
بطرس غالي: آه، سلطنة عُمان آه.
أحمد منصور: طيب، ألم تكن تشعر أن السادات كان يريد أن يتخلَّص من إسماعيل فهمي، لاسيَّما أن إسماعيل فهمي ربما كان الوحيد في مجلس الوزراء الذي كان صوته عاليًا على السادات؟
بطرس غالي: هذا الكلام قيل فيما بعد.. يعني سمعنا كلامًا كثيرًا جدًّا فيما بعد.
أحمد منصور: لكن وقتها لم تكونوا تشعرون بالأمر؟
بطرس غالي: لا، وقتها لم أكن أفكّر إلا في الخطبة التي كان يجب أن أكتبها، أو فيما يتعلّق بما هي الاتصالات التي ستتم بيني كمسؤول وبين القيادات الإسرائيلية.
أحمد منصور: ألم تكن استقالة إسماعيل فهمي هزّةً للسادات، وزير خارجيته في ليلة ذهابه إلى إسرائيل؟
بطرس غالي: أبدًا.
أحمد منصور: لا أبدًا كيف؟
بطرس غالي: أبدًا في رأيي..
أحمد منصور: يعني هو عبارة عن إيه ده؟ وزير خارجية مصر، وكان إسماعيل فهمي من أقوى وزراء الخارجية الذين جاؤوا في تاريخ مصر.
بطرس غالي: كيف؟؟.
أحمد منصور: الحديث يعني عن الفترة التي بعد الثورة يعني.
بطرس غالي: الرئيس السادات أثبت في هذه العملية كلّها أنه رغم أننا كنا نعارض في كثير من الحالات أن..
أحمد منصور: تعارضون ماذا بالضبط؟
بطرس غالي: عندما ناقشنا تفاصيل كامب ديفيد كان لنا.. كنا نحن خائفين من أن هذه المبادرة قد لا تنجح.
أحمد منصور: وما المشكلة في أنها لا تنجح؟
بطرس غالي: لا، ما هو خطّ الرجعة الذي ينبغي أن أعمله؟ الـ Full back position، وهذا يحتاج دراسة.
أحمد منصور: أنتم لم تكونوا عاملين خطّ رجعة أصلًا.
بطرس غالي: أومّال عاملين.. عاملين دراسة.
أحمد منصور: أي دراسة؟ السادات أعلن المبادرة ولم يكن لديه وضوح فيما يريد.
بطرس غالي: يا سيدي أنا أحدثك عن خطّ الرجعة والـ Full back position، ليس بعد ذلك..
أحمد منصور: لا أريد حضرتك أن تسبق.. لا نريد أن نسبق المراحل.
بطرس غالي: لا، بعد ذلك أثناء المفاوضات عندما تعطّلت..
أحمد منصور: أنا لا أريد أن أسبق المراحل، أنا أتحدث الآن عن ليلة الذهاب إلى القدس واستقالة إسماعيل فهمي.
بطرس غالي: لا، وقتها لم يكن أحد يفكر في هذا أبدًا.
أحمد منصور: وزير خارجية مصر استقال، وزير الدولة للشؤون الخارجية استقال.
بطرس غالي: So What?
أحمد منصور: So What إزاي؟
بطرس غالي: يا سيدي، وزير خارجية أميركا استقال في عزّ أهم عملية تمت بين أميركا وإيران عندما ذهبت الهليكوبتر هناك، قدّم استقالته.
أحمد منصور: لأن هناك عملية فشلت.
بطرس غالي: قبل أن.. هو قدّم استقالته قبل أن تفشل العملية، كان يعارضها.
أحمد منصور: ما هو لم يكن أحد يدري بها إلا بعد أن فشلت.
بطرس غالي: هاه؟
أحمد منصور: لم يكن أحد يدري بها إلا بعد أن فشلت.
بطرس غالي: أيوه لكن.. لا، هو استقال قبل العملية.
أحمد منصور: لكن سبب استقالته لم يُعلن بهذا الشكل.
بطرس غالي: وأُعلن كيف يعني لم يُعلن؟
أحمد منصور: بعد ذلك بعد أن فشلت.
بطرس غالي: لا يا فندم، أُعلن. أنا كنت موجودًا وأعرف التفاصيل. سير سبنسر صديقي، جلسنا نناقش هذا الموضوع. بالعكس، كم حدث أن وزراء خارجية استقالوا في عزّ المعارك واستمرّت، وكم حدث أن قيادات عسكرية أُبعِدت من المعركة أو من التحضير للمواجهة العسكرية واستمرّت.
أحمد منصور: في 20 نوفمبر أعلن مراد غالب، وزير الخارجية الأسبق وسفير مصر في يوغسلافيا، استقالته أيضًا احتجاجًا على ما قام به السادات.
بطرس غالي: وأنا أخفيتُ الاستقالة.
أحمد منصور: قل لي كيف أخفيتها ؟
بطرس غالي: كان أملي أن يتراجع فيها.
أحمد منصور: ولم يتراجع؟
بطرس غالي: لم يتراجع.
أحمد منصور: عُيّنتَ أنت وزير دولة للشؤون الخارجية وقائمًا بأعمال وزير الخارجية في سنة 1977. كان تفكيرك إيه؟ جاءتْك الدنيا من أبوابها الواسعة: وزارتان مرة واحدة؟
بطرس غالي: أبدًا، يعني الـ Background الخاص بي سواء الكتب.. الكتابات أو سواء الاتصالات الدولية لم يكن مكتوبًا..
أحمد منصور: كل هذا شيء والوزارة شيء.
بطرس غالي: يا سيدي، كمسؤول في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي وفقًا للنظام الشيوعي الذي كنّا إلى حدٍّ ما متأثرين به أهمّ بكثير من الوزارة.
أحمد منصور: من الناحية النظرية.
بطرس غالي: لا، ليس من الناحية النظرية، من الناحية الحقيقية، والاتصالات التي قمت بها مع الأحزاب السياسية تكاد تكون أهم بكثير.. كان حتى فيها بمثابة منافسة من وزارة الخارجية. بالنسبة لي لم يحدث أي.. كما تقول لم يحدث لي أي تغيير في موقفي ولا خفت ولا شيء، بالعكس اعتبرتها شيئًا..
أحمد منصور: يعني من وظيفة إلى وظيفة؟
بطرس غالي: من وظيفة إلى وظيفة.
أحمد منصور: يعني في الآخر هي وظيفة، ليست مركز صناعة قرار.
بطرس غالي: القرار يُتخذ من قبل الرئيس، لستُ أنا الذي أضع القرار، أنا أنفّذ القرار.
أحمد منصور: يعني الوزراء سكرتارية منفّذون؟
بطرس غالي: الوزراء ينفّذون قرارات الرئاسة، الوزراء..
أحمد منصور: يعني هكذا البلد يحكمها شخص واحد دائمًا؟
بطرس غالي: البلد عادة.. كافة بلدان العالم يحكمها الرئيس. عندما تأتي إلى فرنسا تجد أن الرئيس شيراك هو الذي يحكم البلد.
أحمد منصور: في القرارات الكبيرة وكده؟
بطرس غالي: لا يا فندم، في كل..
أحمد منصور: فيه مجلس أمن قومي أيضًا يُستشار..
بطرس غالي: في القرارات الكبيرة والقرارات الصغيرة.
أحمد منصور: يعني يظل الوزير سكرتيرًا؟
بطرس غالي: الوزير لا يظل سكرتيرًا، ولكن..
أحمد منصور: يعني هو اسمه سكرتير في أميركا كمسمّى باللغة الإنجليزية لكن ليس سكرتيرًا، هو صانع قرار في النهاية.
بطرس غالي: صانع قرار ولكن بناءً على توجيهات وتعليمات الرئيس، وهذا غير قاصر على مصر أحب أن أطمئنك، في مختلف أنحاء العالم.
أحمد منصور: كثير من الكتابات ظهرت بأنه ليس هناك مسلم يقبل مصاحبة الرئيس السادات إلى القدس، ولكنه اختار المسيحي بطرس غالي المتزوج من يهودية. هذا ما كتبته أنت في مذكراتك نقلاً عن الصحف العربية.
بطرس غالي: مضبوط، طب وبعدين؟ أنت ضمن الانتقادات. كثيرًا ما انتقدوني، كثيرًا ما هاجموني وانتُقدت.
أحمد منصور: أثره؟
بطرس غالي: ولا شيء. وانتقدوني في الأمم المتحدة وانتقدوني في عشرات الحالات.. الموقف السياسي.. المركز السياسي يتطلّب أن تكون لك القدرة على تحمّل الانتقادات وأن تستمر في العمل لو كنتَ مقتنعًا بهذا العمل رغم هذه الانتقادات.
أحمد منصور: ما مدى علمك ودرايتك بأساليب العمل في وزارة الخارجية وأنت قادم من قطاع أكاديمي وعمل أكاديمي بحت؟ وفجأة أصبحت وزارتين: الخارجية، والدولة للشؤون الخارجية؟ وأسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير. نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة شهادة الدكتور بطرس غالي على العصر فابقوا معنا.
[فاصل إعلاني]
غالي.. من العمل الأكاديمي إلى الوزارة
أحمد منصور: أهلًا بكم من جديد لمتابعة شهادة الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة على العصر. دكتور، ما هي الفوارق الأساسية التي وجدتها بين العمل الواقعي في وزارة الخارجية وبين العمل الأكاديمي والعمل النظري قبل ذلك؟
بطرس غالي: في الواقع أكثر من خمسين بالمئة من السفراء والدبلوماسيين الموجودين في وزارة الخارجية كانوا طلابًا عندي.
أحمد منصور: جميل.
بطرس غالي: فهذا سهَّل مهمتي. ثانيًا كان لي علاقات شخصية مع بعض القيادات الدبلوماسية الموجودة، فهذا أيضًا عنصر آخر ساعدني. ثالثًا، اهتماماتي على مدى ثمانٍ وعشرين سنة في التدريس، سواء في لاهاي، أو في أميركا، أو تدريس دبلوماسيين.. حلقات دبلوماسية، كنت قد عملتُ عدة حلقات دبلوماسية للشؤون الخارجية، فبالنسبة لي لم تكن شيئًا جديدًا. انتقلت من عالم أكاديمي يبحث في الدبلوماسية ويدرس الدبلوماسية والعلاقات الدولية والمنظمات الدولية إلى تطبيق هذه الناحية الأكاديمية.
أحمد منصور: لكن عادة هناك فوارق شاسعة بين الجوانب النظرية والجانب..
بطرس غالي: هناك فوارق، ليست شاسعة.. ليست شاسعة، لكن هناك فوارق.
أحمد منصور: لأن الكلام النظري كثيرًا ما لا يكون له وجود على أرض الواقع.
بطرس غالي: لا، لأن دراساتي كانت تطبيقية. عملت حلقات مع مجموعة دبلوماسيين سواء في الخليج أو في لاهاي، مراكز أبحاث، ومع من؟ كلهم كانوا دبلوماسيين ووكلاء وزراء؛ فإذاً بالنسبة لي لم تكن عملية جديدة. ثم كما قلت سابقًا، أجريت اتصالات دبلوماسية مع أحزاب سياسية في مختلف أنحاء العالم من آسيا في الهند إلى فرنسا إلى السنغال إلى تونس إلى المغرب.
أحمد منصور: شعورك إيه وأنت تصحب السادات في 19 نوفمبر إلى القدس؟
بطرس غالي: أعجبتُ بهدوء السادات.
أحمد منصور: في الطائرة؟
بطرس غالي: في الطائرة. سألتني: هل الكلمة التي أعجبتك؟ فقال لي: آه ممتازة.
أحمد منصور: ضحك عليك يعني؟
بطرس غالي: قال لي: برافو يعني..
أحمد منصور: جاملك يعني. هل كنت تدرك أنه طلب من آخرين أن يكتبوا؟
بطرس غالي: لا، طبعًا فيما بعد عرفتُ أن أي مسؤول يطلب كلمة من عدة جهات ويقارن، أو كخطوة أولى يطلب من مدير مكتبه المقارنة ثم يختار، ثم يلجأ إلى.. وأنا لجأت إلى هذا الأسلوب في الأمم المتحدة ووجدته صعبًا.. يعني يضيع الوقت خصوصًا لو أردت أن تُنقل الكلمة في أكثر من لغة لكي تحافظ على التوازن بين اللغات. فحينئذ تُكتب الكلمة بالإنجليزية وتُترجم إلى العربية أو الفرنسية، فتجد أن العملية.. فبالنسبة لي لم أكن أعرف إطلاقًا أنه لجأ إلى شخصيات أخرى.
أحمد منصور: مَن الذي لجأ إليه غير موسى صبري؟
بطرس غالي: الظاهر أنه لجأ إلى أسامة الباز الذي كتب شيئًا، ولجأ إلى موسى صبري الذي كتب شيئًا أيضًا.
أحمد منصور: وفي النهاية ألقى خطاب موسى صبري في الكنيست؟
بطرس غالي: لا أعرف إن كان خطاب موسى صبري أو خليطًا بين خطاب أسامة الباز وموسى صبري.
أحمد منصور: هل فوجئت حينما وجدته في الكنيست يلقي خطاب شخص غير الذي كتبته؟
بطرس غالي: فوجئت، نعم، طبعًا.
أحمد منصور: كنت تتوقع أنك ستسمع كلمتك؟
بطرس غالي: لا، على الأقل.. ليس كذلك فقط، على الأقل أن بعض الأفكار التي ذكرتُها في كلمتي سوف تُستعمل في الكلمة التي ألقاها.
أحمد منصور: لكنه لم يتطرق لها مطلقًا.
بطرس غالي: لم يلجأ إلى أي كلمة أو أي فكرة من الأفكار التي قدمتُها.
أحمد منصور: هل أخبرت أحدًا أنك كتبت كلمة السادات؟
بطرس غالي: لا.
أحمد منصور: ولا حتى زوجتك؟
بطرس غالي: لا.. لا طبعًا زوجتي كانت تعرف، لأنني طلبت مساعدة الدكتور..
أحمد منصور: مجدي وهبة.
بطرس غالي: مجدي وهبة لكي يساعدني فيما يتعلق باللغة الإنجليزية، ولم يكن هناك سوى الدكتور مجدي وهبة وأنا والرئيس مبارك وزوجتي الذين كانوا يعرفون.
أحمد منصور: صحيح أن الدكتور مجدي وهبة كان هو المرشح للمنصب كوزير دولة، وهو الذي رشّحك؟
بطرس غالي: هذا كلام محمد حسنين هيكل.
أحمد منصور: ما مدى مصداقية الكلام؟
بطرس غالي: أظنّه غير صحيح.
أحمد منصور: والكلام الآخر الذي كتبه عنك؟
بطرس غالي: أيضًا غير صحيح. أنا لدي رأي في هذا الموضوع، ومستعد أن نراه..
أحمد منصور: نسمعه منك.
بطرس غالي: في حلقة مقبلة.
أحمد منصور: لا، نسمعه منك الآن، لأني أنا تطرقت لبعض الأشياء، ولم أتطرق لما ذكره هيكل عنك في مقال كامل نُشر في «وجهات نظر».
بطرس غالي: لا أتذكر الآن ما قاله، لأنه استخدم الفكرة الأساسية التي يرددونها: الحظ.
أحمد منصور: آلهة الحظ.
بطرس غالي: أنا موافق..
أحمد منصور: ظلت تلعب لصالح بطرس غالي.
بطرس غالي: أنا لا أوافق على هذا، لماذا؟ لأنني أتحدث كأستاذ مربٍّ لجيل أو لأجيال. لو قلت هذا الكلام فإن الشباب لن يعمل. لا يوجد حظ؛ هناك عمل. ما زلت أعمل عشر ساعات يوميًا، وأنا عمري اثنان وثمانون عامًا. فالعمل هو الذي يساعدك.
أحمد منصور: لكن اسمح لي أن أقول لحضرتك شيئًا: هل أنت على قناعة بأن المناصب حظوظ وأقدار أكثر منها كفاءات وقدرات؟
بطرس غالي: الكفاءة تمثل ثمانين بالمئة.
أحمد منصور: هناك أناس كثيرون غير أكفاء موجودون في مواقع صناعة القرار.
بطرس غالي: ليس شرطًا.. أنت..
أحمد منصور: وربما نحن في زمن الأغلبية فيه في غير أماكنها.
بطرس غالي: انتظر.. أنت تربط الكفاءة بالمنصب. الكفاءة في حد ذاتها تكفي، وليست بالضرورة مرتبطة بالمنصب.
أحمد منصور: لكن كفاءة معطّلة غير موجودة في منصب..
بطرس غالي: لا، ليست معطّلة، هي موجودة في ميدان آخر غير المنصب السياسي.
أحمد منصور: كيف؟ يعني الرجل غير المناسب موجود في غير مكانه؟
بطرس غالي: لا.. لا، هذه نظرة تشاؤمية.
أحمد منصور: أليس هذا الواقع الذي حولك؟
بطرس غالي: لا، لماذا؟ يجب أن تقارن بدول أخرى.
أحمد منصور: سنظل نقول الفساد موجود في كل الدول كما هو موجود عندنا.
بطرس غالي: لا، لا أقول الفساد..
أحمد منصور: الدول الأخرى تفعل، إذن نحن نفعل؟ نحن نتحدث عن ما ينبغي أن نكون عليه. ولو نظرنا إلى أن الدول الأخرى فيها سوء، سيقودنا هذا إلى أسوأ وضع ونقول: أصل الآخرين سيئين.
بطرس غالي: ما ينبغي العمل عليه.. أنا معك، ولكن المقارنة تساعدك على نوع من النسبية في الأمور.
أحمد منصور: نحن دائمًا نقارن بالفاسد، نقارن بالأسوأ، نقارن..
بطرس غالي: لا.. لا، لو نحب نقارن، نقارن بالأحسن. نحب أن نقارن بدولة مثل كوريا التي كانت ممسوحة في عام 1950 وأصبحت أقوى دولة صناعية في العالم.
أحمد منصور: طيب وأين نحن وأين كوريا؟
بطرس غالي: أيوه، لكي أعطيك مثالًا.
أحمد منصور: كانت ماليزيا في 1980 شكلها إيه، والآن أصبحت ماذا، ونحن ماذا؟
بطرس غالي: أنا أول واحد أقول لك أننا متخلّفون، أنا معك.
أحمد منصور: طيب، أريد أن أرجع إلى النقطة المتعلقة بكلمة ونصف: هل يلعب الحظ والقدر دورًا أساسيًا في تولّي كثير من الناس للمناصب؟
بطرس غالي: لا، يلعب دورًا ولكن ثانويًا. الدور الأساسي هو القدرة على العمل، والإرادة السياسية لتحقيق هدف معيّن.
أحمد منصور: هناك أناس كثير يملكون هذه الأشياء وللأسف مركونون على الرف.
بطرس غالي: أنا لا أوافق على ذلك.
زيارة القدس وبداية الحوار مع إسرائيل
أحمد منصور: طيب، أرجع لزيارتكم أو لزيارة السادات إلى القدس ووجودك معه في الطائرة. ما كان توقّعكم حينما.. قبيل أن تهبط الطائرة في القدس أو مطار بن غوريون؟
بطرس غالي: لم يكن لنا توقّع. كنّا جميعًا لا نفهم ما هي الأبعاد التي ستترتّب على هذه الزيارة. طبعًا الهدف من الزيارة كان حركة تاريخية لأجل بداية حوار مع الجانب الإسرائيلي.
أحمد منصور: لكن لم تكن هناك رؤية واضحة لدى السادات أو لديكم حول مخطط واضح للعملية.
بطرس غالي: لا، لم تكن. الفكرة الأساسية أن من هذه الزيارة نبدأ حركة.
أحمد منصور: يعني كما قال إسماعيل فهمي فعلًا في مذكراته إن السادات كان يريد أن يذهب ليسجّل زيارة ويلقي خطابًا ويرجع.
بطرس غالي: مضبوط.
أحمد منصور: فعلًا.
بطرس غالي: فعلًا. وهذا ما كان يسمى Electric Shock، صدمة كهربائية للرأي العام. وقد نجح، ليس فقط بالنسبة للرأي العام الإسرائيلي، بل بالنسبة للرأي العام الدولي.
أحمد منصور: أنتم كوفد مرافق بخلاف الخطاب، هل كانت لديكم رؤية لأي شيء ستتفاوضون عليه أو ستتحدثون عنه؟
بطرس غالي: طبعًا بدأنا..
أحمد منصور: ما كانت الرؤية التي لديكم؟
بطرس غالي: بدأنا أولًا بالرؤية الأولى: كيف يتم الاتصال؟ لم تكن هناك مواصلات.. لم تكن هناك اتصالات بين الطرفين. كانت الاتصالات تتم عن طريق باريس أو عن طريق لندن. لا يوجد اتصال مباشر.
أحمد منصور: لا، هذا الكلام بعد كده لما أنتم بدأتم تتفاوضون وفتحتم زجاجة الويسكي المعتّق.
بطرس غالي: أي مشكلة بالنسبة لنا: كيف يتم الاتصال؟
أحمد منصور: قبل كده.. قبل ذلك، أنتم ذاهبون، هل كانت لديكم أي رؤية قبل أن تهبط الطائرة؟ أي رؤية؟
بطرس غالي: لا، لم تكن مطلوبة رؤية، لأن الهدف من الزيارة كما قلنا هو بداية تحرك تاريخي لكي نبدأ فيما بعد التفاوض.
أحمد منصور: هل ناقشتم السادات؟
بطرس غالي: هاه؟
أحمد منصور: هل ناقشتم السادات؟
بطرس غالي: هو قال لنا كده أه.
أحمد منصور: هو قال لكم كده.
بطرس غالي: أيوه.
أحمد منصور: لكن محدش ناقشه.
بطرس غالي: لا ناقشنا.. بدأنا نحن نناقش فيما بعد مع القيادات الموجودة.
أحمد منصور: أنا بقصد وأنتم الآن رايحين مع السادات في الرحلة تناقشتم مع السادات، قلتم له هل هذا الأمر له ما بعده؟ هل هناك أشياء نتفاوض عليها؟ هل هناك أسس لهذه العملية؟ ولا كنتم أنتم ساكتين ومرافقين وخلاص؟
بطرس غالي: لا كنا عارفين أن الهدف من الزيارة كما قلت هو مجرد تحرك تاريخي، وفيما بعد سننتقل إلى مرحلة ثانية، حينئذٍ في المرحلة الثانية.. المرحلة اللاحقة سنناقش كيف تتم هذه الاتصالات، إيه هي المبادئ.. هو ذكر في الخطبة بتاعته، الخطبة بتاعته هو برنامج عمل.
أحمد منصور: حينما نزلت الطائرة ووجدت الزعامات والقيادات الإسرائيلية التي دائماً من المفترض أنك تتعامل معها على أنها كانت من العدو طوال السنوات الماضية، كان شعورك إيه؟
بطرس غالي: كان شعوري غريب كأنني وصلت إلى القمر أو إلى قطب آخر، ولكن هذا يتطلب أن تتأقلم للوضع، وجدت نفسي في السيارة إلى جانب موشي ديان.
أحمد منصور: لماذا اختاروا ديان، هل لأنه كان وزير خارجية؟
بطرس غالي: كان وزير خارجية وأنا وزير خارجية.
أحمد منصور: ما الذي دار بينك وبين ديان في السيارة؟
بطرس غالي: أنا قرأت بقى مذكرات ديان عشان أعرف أكلمه.
أحمد منصور: قل لي.
بطرس غالي: فدار الحديث عن الآثار، سواء الآثار المصرية أو الآثار الفرعونية، واهتمامه بتاريخ مصر، وأنا طبعاً ذاكرت وقتها تاريخ مصر عشان أثبت له أن عندي إلمام تام..
أحمد منصور: تكلمتم عن الآثار فقط؟
بطرس غالي: تكلمنا عن الآثار وتكلمنا..
وصية موشى ديان للسادات
أحمد منصور: عن التاريخ؟
بطرس غالي: لا تكلمنا عن موضوع هام.
أحمد منصور: ما هو؟
بطرس غالي: إنه طلب مني أن أذكر للرئيس السادات أن يتجنب ذكر منظمة التحرير الفلسطينية في الكلمة التي يلقيها.
أحمد منصور: قلت له إيه؟
بطرس غالي: ما قلتش حاجة.
أحمد منصور: رغم أن كلمتك كان مكتوب فيها عن منظمة التحرير.
بطرس غالي: أه طب ما هو مكتوب..
أحمد منصور: وكانت جزءاً رئيسياً من الطلب الذي طلبه منك نائب الرئيس حسني مبارك أن تضمنه الخطاب.
بطرس غالي: لا الطلب مكانش إني أذكر منظمة التحرير الفلسطينية..
أحمد منصور: إنك تذكر الوضع الفلسطيني.
بطرس غالي: الربط بين القضية الفلسطينية وقضية الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وقضية الانسحاب من الأراضي المصرية..
أحمد منصور: كان مغزى الطلب ده إيه؟
بطرس غالي: وذكر هذا في خطبة في كلمة السادات.
أحمد منصور: كان مغزى الطلب إيه؟
بطرس غالي: مغزى الطلب أن هما مش معترفين بمنظمة التحرير الفلسطينية وعايزين يتجنبوا ذكر منظمة التحرير الفلسطينية.
أحمد منصور: موسى صبري في مذكراته بيقول في صفحة 748: “وجلست إلى جانبي من هي في قمة الجمال”. يبدو الإسرائيليين كانوا متوصيين في المرافقات اللي كانوا جايين يستقبلوا أو المضيفات.
بطرس غالي: جنب موسى؟
أحمد منصور: موسى صبري.
بطرس غالي: كان عنده واحدة حلوة جنبه؟
أحمد منصور: بيقول حلوة جدا، بيقول يعني حاجة مفيش بعد كده.
بطرس غالي: أنا ما كنش عندي إلا قرشانة بس، أنا اللي شفت هي مدام جولدا مائير.
أحمد منصور: جولدا مائير اللي جابوها لك؟
بطرس غالي: دي كانت تقطع الخميرة من البيت على مدى شهرين.
أحمد منصور: انطباعاتك إيه عن ديان؟
بطرس غالي: عن؟
أحمد منصور: ديان.
بطرس غالي: ديان شخصية معقدة، ذكي ذكاء لامع، وهو اللي نجح في التفاوض، ولكن كان معقد.
أحمد منصور: إيه اللي معقده؟
بطرس غالي: قيل لي، لأني أنا دلوقتي بعمل.. بنطلع كتاب بنشتغل فيه بقالي يمكن سنتين، وده خبر، وهيطلع بعد سنتين لأن لسه فيه وقت، كتاب مع شيمون بيريز.
أحمد منصور: أنت وشيمون بيريز؟
بطرس غالي: وهو ما يسمى حوار متناقض، الناشر هو بيسأل أسئلة لي ويسأل أسئلة لشيمون بيريز، وطبعاً فيه تعارض بين الموقفين، وهيطلع هذا الكتاب، ولسه مازال محتاج الوقت، لأني بعدل فيه، والثاني يعدل فيه.
أحمد منصور: لا زال الحوار مستمراً؟
بطرس غالي: آه لا زال الحوار مستمر. فهو ناقشني عن شخصية موشيه ديان، فقال لي إنه لما ضاعت عينه ترتب على ذلك أنه كان بيجيله صداع فظيع، وبالتالي بسبب هذا الصداع كان ينطوي على نفسه، فهذا قد يفسر أنه كان متقلباً؛ يوم هادئ ويوم ناقد. يعني كان إلى حد كبير مريض، وبالتالي المرض كان بيخليه رغم ذكائه، القعاد معه غير.. متعب، بخلاف عذرا ووايزمان.
أحمد منصور: رأيك إيه في وايزمان؟
بطرس غالي: وايزمان كان..
أحمد منصور: أنت مولع أنت والدكتور مصطفى خليل بوايزمان.
بطرس غالي: لا، وايزمان نجح أن ينال ثقة الوفد المصري.
أحمد منصور: من أي جانب؟
بطرس غالي: من جانب أنه كان متفائل، وكان يلعب دور الوسيط، وكان بيتغلب على بعض الصعوبات، ويلعب دور الوسيط إذا وقعت أزمة بين.. أصلها مفاوضات، ياما قعدنا ساعات مفاوضات، أزمة بيننا وبين موشيه ديان، فيلعب دور الوسيط بيني وبين موشيه ديان.
أحمد منصور: مكانش جزء من توزيع أدوار الإسرائيليين؟
بطرس غالي: ما أظنش، لا، لأن طبيعة وايزمان كانت كده.
أحمد منصور: هو في النهاية كان بيخدم مصلحة بلده.
بطرس غالي: طبعاً، كلهم بيخدموا مصلحة بلدهم، ده لا شك فيه، وكلهم متضامنين مع بعض.
أحمد منصور: بالضبط.
بطرس غالي: ولكن إلى جانب هذا، وايزمان كان له شخصيته، له القدرة أن يلعب دور الوسيط، بينما موشيه ديان..
أحمد منصور: دون تنازل.
بطرس غالي: موشيه ديان مكانش له هذه القدرة.
أحمد منصور: بيغن؟
بطرس غالي: بيغن كان شخصية ثالثة تختلف تمام الاختلاف، برضه رجل كان متدين وله مفاهيم دينية هي..
أحمد منصور: توراتية.
بطرس غالي: وكان برضه متأثر بموشيه ديان، موشيه ديان كان له قدرة أن يؤثر على بيغن.
أحمد منصور: إيجل يادين؟
بطرس غالي: إيجل يادين أبعد عن المفاوضات.
أحمد منصور: رغم أنه كان موجود في البداية.
بطرس غالي: كان موجود في البداية، وجاء في زيارة رسمية في مصر.
أحمد منصور: نعم. هل أنتم كأعضاء وفد مرافق كنتم تعرفوا ما يدور في ذهن السادات وما يفكر فيه السادات؟ وكان فيه رؤية واضحة في الموضوع؟ أم أنتم كنتم تعتمدوا على أن القضية كلها في دماغ السادات، وهو وقت ما يحب يقول لكم حاجة هيقول لكم؟
بطرس غالي: لا كنا بنتناقش مع بعض.
أحمد منصور: إيه يعني النقاشات اللي أتناقشتم معه فيها؟
بطرس غالي: السادات كان يقول رد الفعل إنه ما ارتحش من كلمة بيغن، ومتضايق من هذه الكلمة، في أثناء العشاء كان الجو متوتر بسبب أن كلمة بيغن..
أحمد منصور: لما رد على السادات بعد الكلمة اللي ألقاها في الكنيست.
بطرس غالي: وارتجل وكانت كلمته ضعيفة.
أحمد منصور: مش كلمته ضعيفة، هو عبر عن الموقف الإسرائيلي.
بطرس غالي: لا يعني ضعيفة من حيث محضرهاش، ما قرأهاش.
أحمد منصور: شعرت أنها ممكن تنهي الزيارة وتؤدي إلى..
بطرس غالي: لا، يعني “الاختلاف بين الموقف المصري والموقف الإسرائيلي اتضح من خلال الكلمة التي ألقاها السادات والكلمة التي ألقاها بيغن”. إحنا رايحين على أساس عاوزين نحل مشكلة، وإذا بنا نجد أن الموقف المصري يختلف تمام الاختلاف عن الموقف الإسرائيلي.
أحمد منصور: هل كنتم تدركوا أن هيكون فيه تطابق بين الموقفين؟
بطرس غالي: محدش قال إن فيه تطابق، ولكنه يعني كون أن الزيارة دي تحاول أن تجد بداية لمصالحة، فوجئنا.. يعني زي ما بيقولوا رجعنا ثاني للواقع، والواقع أن هناك هوة كبرى بين الموقف الإسرائيلي والموقف المصري.
أحمد منصور: شعوركم إيه لما حصلت هذه الهوة بعد الخطابين؟
بطرس غالي: إننا هنحتاج، لو استمرت هذه المبادرة، هنحتاج إلى سنوات أو إلى أشهر طويلة من العمل الدبلوماسي حتى نستطيع أن نتغلب على تلك الهوة.
أحمد منصور: وأنت كان رأيك أن هذه المسيرة هتتحل في يوم وليلة؟
بطرس غالي: لا محدش قال، ولكن السادات كان مقتنع أن المسيرة تستطيع أن تتم تسويتها بالطريقة السريعة.
أحمد منصور: سريعة وخلال أد إيه؟
بطرس غالي: ما أقدرش أقول لك خلال أد إيه، ولكن كان فيه..
أحمد منصور: كان صراعات.. يعني أنت كأستاذ قانون دولي وكرجل متمرس وتعرف الصراعات الدولية بتأخذ وقت طويل جداً.
بطرس غالي: سنة.. سنتين مفاوضات في رأيي.
أحمد منصور: في رأيك أنت، وفي رأي السادات؟
بطرس غالي: معرفش، هو كان مقتنع.. خلاص إحنا عملنا كل حاجة.
أحمد منصور: السادات كان بيناقش تفاصيل ولا فقط عموميات؟
بطرس غالي: في بعض الحالات يخش في التفاصيل الدقيقة، وفي بعض الحالات يكتفي بالعموميات. طلب مني إني أعمله ورقة عن.. مش عارف إذا كانت نشرت، نشرها الحزب، عن موقف مصر من العالم العربي.
أحمد منصور: آه الكلام ده بعدين.
بطرس غالي: بعدها بسنة.. بسنتين. لا، أنا بقول لك لقيت أنه بخطه وصلح كل حاجة، وشد وداني: “أنت محتاج إني أصلح النحو بتاعك” مش عارف إيه. لا، كان أحياناً يخش في تفاصيل دقيقة.
أحمد منصور: لكن على الأغلب كان يتكلم في العموميات؟
بطرس غالي: لا مش على الأغلب. الصورة اللي كانت منتشرة أن السادات لا يقرأ وهذا غير صحيح، كان بيقرأ.
أحمد منصور: أنت نفسك قلت أن السادات لا يقرأ.
بطرس غالي: أنا بقول كده ولكن أنا غلطان.
أحمد منصور: أنت الآن تُقر أن ما ذكرته في كتابك غلط؟
بطرس غالي: لا، بقول إنه كان بيقرأ كثير قوي.
أحمد منصور: أنت قبل كده قلت إنه ما بيقرأش وكتبت إنه مكانش بيقرأ.
بطرس غالي: الرأي العام بيقول إن السادات مكانش بيقرأ، أنا بعد كده بقول لا غلطان، السادات كان بيقرأ، وبدليل ورقتي.
أحمد منصور: ده همّ بيقولوا اللي جاب أجل السادات إنه مكانش بيقرأ.
بطرس غالي: شوف إزاي الإشاعات حاجة، والواقع حاجة ثانية، والمؤرخين بتوع بكرة اللي هيعرفوا يردوا على هذا الكلام. أنا في رأيي..
أحمد منصور: المؤرخين هيردوا منين، والمعلومات كلها بتقول إنه مكانش بيقرأ؟
بطرس غالي: لا صدقني، النهارده المؤرخ يقدر يجدها. أنا في رأيي أنه كان بيقرأ، ويقرأ بدقة، ويقرأ بكثرة.
أحمد منصور: جلسنا ومعنا وايزمان وبيغن على مائدة مستديرة عليها زجاجة ويسكي، وهكذا كانت زجاجة من الويسكي الإسكتلندي المعتق هي بمثابة الخط الساخن الأول للاتصال بين مصر وإسرائيل..
بطرس غالي: مضبوط قلت.
أحمد منصور: هذا ما كتبته أنت في كتاب طريق مصر إلى القدس. نفتح زجاجة الويسكي في بداية الحلقة القادمة لنعرف كيف فتحت الطريق بين مصر وإسرائيل. أشكرك شكراً جزيلاً، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نتابع أو نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
00:00 – المقدمة –
00:30 – تفسير بطرس غالي لخطاب السادات في مجلس الشعب -
03:40 – رفض بعض الشخصيات خطة السادات للسلام مع إسرائيل -
07:10 – خلافات بطرس غالي مع حسين سالم -
11:44 – اتصالات بين جمال عبد الناصر وإسرائيل -
14:42 – بداية تمهيد السادات لزيارة إسرائيل -
17:35 – إسماعيل فهمي يقدم استقالته -
22:42 – خطة مصر لمبادرة السلام مع إسرائيل -
28:48 – شعور بطرس غالي في رحلته مع السادات إلى الكنيست -
34:23 – توقعات السادات من زيارة القدس -
38:22 – الإسرائيليين يطلبون من بطرس غالي تجنب ذكر منظمة التحرير الفلسطينية -
41:34 – رأى بطرس غالي في عيزرا فايتسمان -