خالد حنفي ج2 : قناصة العيون وقصص إنسانية من ميدان التحرير

يستعرض أحمد منصور، مع منسق المستشفى الميداني بميدان التحرير خلال الثورة المصرية، د.خالد حنفي ج2 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، والذي جرى بثه بتاريخ 29 يناير 2012، وضع المستشفى الميداني وقصص الأطباء وجرائم قناصة العيون وقصص إنسانية من ميدان التحرير .
خالد حنفي

يستعرض أحمد منصور، مع منسق المستشفى الميداني بميدان التحرير خلال الثورة المصرية، د.خالد حنفي ج2 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، والذي جرى بثه بتاريخ 29 يناير 2012، وضع المستشفى الميداني وقصص الأطباء وجرائم قناصة العيون وقصص إنسانية من ميدان التحرير .


يستكمل د.خالد حنفي في الجزء الثاني من شهادته على الثورة الحديث عن تطور أحداث موقعة الجمل، وظهور الإصابات بالرصاص الحي بين المعتصمين وروى مشاهد الثبات بالميدان، وما شاهده من مواقف مؤثرة بين المصابين والشباب المعتصم.
وكشف تفاصيل الأعداد التي قام المستشفى بتقديم الدعم لها سواء الإصابات أو شهداء، ووصف المستشفى الميداني من الداخل خلال تلك الأحداث ونقل صورة عن عمل الأطباء وتضحياتهم ودورهم، وموعد تركه للميدان ورؤيته لمستقبل الثورة المصرية.

نص حوار د.خالد حنفي ج2 :

قناصة العيون وقصص إنسانية من ميدان التحرير

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على الثورة حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور خالد حنفي المنسق العام للمستشفى الميداني في ميدان التحرير خلال أيام ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، دكتور مرحبا بك.

خالد حنفي: أهلا بك.

جهود المستشفى الميداني في التحرير

أحمد منصور:

فجر الأربعاء، فجر الخميس 3 فبراير كانت المعارك لا زالت مستمرة بين بلطجية الحزب الوطني وفلول النظام السابق وبين المعتصمين في ميدان التحرير بدأت حينما بدأت المعارك بداية بالخيول والجمال والحمير في الساعة الثانية بعد الظهر أصبحت بعد ذلك بالحجارة وبالسيوف والسنج والآلات الحادة ثم قنابل المولوتوف لكن بعد الساعة الثانية تغير المشهد وأصبح يستخدم الرصاص الحي.

خالد حنفي: صحيح.

أحمد منصور:
هنا تغيّرت طبيعة الجرحى والإصابات.

خالد حنفي:
صحيح.

أحمد منصور:
ماذا رأيت بعد الساعة الثانية فجر الخميس 3 فبراير؟

خالد حنفي:
حتى تلك اللحظة كانت الإصابات تقتصر على الجروح القطعية والرضوض.
كنت أرجو الشباب وأقول لهم: أرجوكم، لا تموتوا.
عادت إلى ذهني صورة يوم السبت 29 يناير، أن يصلني شاب مصاب بطلق ناري، وأنا عاجز عن تقديم أي شيء له في المستشفى.
هذا الشعور بالعجز… أن ترى شابًا في قوة ابنك، مصابًا برصاصة، ولا تستطيع إنقاذه، أو يسلم الروح بين يديك، أو يدخل في رعشة الموت.
كنت أخاف من تكرار هذه الصورة.
وعندما سمعت الطلقات النارية، ركضت فورًا باتجاه عبد المنعم رياض.

أحمد منصور:
كنت قد عدت إلى المستشفى مرة أخرى؟

خالد حنفي:
نعم، عدت إلى المستشفى، وعندما سمعنا إطلاق النار ركضت مجددًا نحو عبد المنعم رياض.

أحمد منصور:
ماذا شاهدت هناك؟

خالد حنفي:
كانت هناك مسافات فاصلة بين مؤيدي مبارك وبين شبابنا.

أحمد منصور:
وتطوّر مسار المواجهة، وظهرت حواجز ومنطقة خالية.

خالد حنفي:
صحيح.
مؤيدو مبارك تراجعوا بعيدًا عن الكوبري، وبدأ شبابنا يتقدمون، وظهر نوع من الهجوم، واقتربوا أكثر.

أحمد منصور:
وارتفعت المعنويات؟

خالد حنفي:
نعم، لأنك تشعر أنك أزحت الطرف الآخر من موقعه.
كما أن القبض على من كانوا فوق العمارات خفّف قلقًا شديدًا، لأن وجودهم كان يمنع التقدم.
بدأ الشباب يحمون أنفسهم، وبدأ التفكير في إطلاق نداء في اليوم التالي.

أحمد منصور:
هل كان يصل إليكم جرحى من هؤلاء الذين تم أسرهم، أم كنتم تعالجونهم؟

خالد حنفي:
كانوا يُسلَّمون للجيش.
وأتذكر أن الناس، أثناء إنزالهم من العمارات، كانوا يضربونهم وهم يهتفون: سلمية، سلمية.
هذا هو المشهد العالق في ذهني.
عدت بعدها إلى نقطة المتحف، وتوسلت إلى الشباب من جهتنا أن يتراجعوا قليلًا حتى لا يكونوا في مرمى الرصاص.

أحمد منصور:
كان الرصاص قد بدأ بالفعل؟

خالد حنفي:
نعم، وكنت لا أعرف مصدره.

أحمد منصور:
هل بدأت تظهر إصابات؟

خالد حنفي:
نعم، إصابات في اليد، وإصابة في الفخذ، وإصابة في أعلى الصدر.

أحمد منصور:
وماذا كنتم تفعلون في هذه الحالات؟

خالد حنفي:
كانت سيارات الإسعاف تدخل في ذلك الوقت.
بالنسبة لي، المصاب بطلق ناري كان من الأفضل إخراجه من الميدان، لأنني لا أملك ما أقدمه له طبيًا.
كنت أُفضّل أن يخرج حيًّا، لا أن يموت أمامي وأنا عاجز.
وعندما بدأ إطلاق النار، اقتربت كثيرًا من مصدره، وبدأت أرجو الشباب أن يتراجعوا.
كان إطلاق النار متفرقًا، وليس كاليوم 29، حيث كان مكثفًا ومقصودًا.
ثم شاع أن مصدره من ناحية هيلتون رمسيس.

أحمد منصور:
وليس من سميراميس؟

خالد حنفي:
بالضبط، من ناحية هيلتون رمسيس.
بدأ الشباب يرون أضواء تنبعث، ثم يسمعون صوت الطلقة، ثم يسقط أحدهم أرضًا.
فعادت إليّ صورة يوم 29 يناير.
كنت أقول: أصيبوا ألف إصابة، لكن لا تأتوني بميت واحد.
أن يموت شاب في العشرينات أو الثلاثينات، خرج من أجل لقمة العيش والحرية والرأي… هذا ثمن باهظ، ثمن غالٍ جدًا.

موقعة الجمل… يوم النصر الحقيقي

أحمد منصور:
ثمن الحرية غالٍ، والحرية لم تأتِ للشعب المصري إلا بالدم.

خالد حنفي:
صحيح.
وأقول إن هذه الجراح كان بداخلها النصر.
يوم النصر الحقيقي لثورة 25 يناير، في رأيي كطبيب وشاهد، ليس يوم التنحي، بل يوم الثبات في موقعة الجمل.
لو أُجلي الناس من الميدان يومها، وخافوا على سلامتهم الشخصية، وتراجعوا، لانتهت الثورة من أساسها.

قصص إنسانية من قلب المستشفى

أحمد منصور:
كثيرون تحدثوا عن مشاهد تفوق الوصف في يومي 2 و3 فبراير. هل هناك مواقف توقفت عندها وتأثرت بها؟

خالد حنفي:
إحدى الطبيبات في المستشفى، الدكتورة نغم، حكت لي قصة لا تُنسى.
قالت إنها جلست ساعتين تحاول إقناع شقيق أحد الشهداء بأن يتصل بأهله.

أحمد منصور:
جاء بأخيه شهيدًا إلى المستشفى؟

خالد حنفي:
نعم، مصابًا بطلق ناري، بعد الساعة الثانية فجرًا.
وكانت تحاول إقناعه بالاتصال بأهله ليأخذوا الجثمان ويدفنوه.

أحمد منصور:
وهو رفض؟

خالد حنفي:
رفض لأنه كان مقتنعًا أن أهله إذا حضروا فسيأخذون الشهيد، وسيأخذونه هو أيضًا، ولن يسمحوا له بالبقاء في الميدان.
كان يريد البقاء.
كما لا أنسى مشهد الشباب وهم يضعون الجرائد والأقفاص على رؤوسهم اتقاءً للحجارة.
ثم ظهرت فكرة أن نطلق نداءً لسيدات البيوت حول الميدان لإرسال أغطية الطهي لحماية الرؤوس.

أحمد منصور:
لكن أغطية صغيرة بحجم الرأس.

خالد حنفي:
نعم، وبهذا الشكل كانت تتطور الأفكار.
وكان الثبات عجيبًا، خاصة عندما ترى عشرات حالات فقدان العيون.

قناصة العيون

أحمد منصور:
عيون مفقوءة؟

خالد حنفي:
نعم، حوالي خمسين إصابة في العين، منها عشر حالات فقدان عينين معًا.
عندما يأتي فجر الخميس، وتدرك أن هناك ثمنًا يُدفع…

أحمد منصور:
حتى اليوم نرى مصابين بالعيون. أحدهم قال لي: لم أعد أرى، لكن العين باقية شكلًا.
يبدو أن إصابات العيون كانت مرتفعة جدًا.

خالد حنفي:
صحيح.

أحمد منصور:
هل أحصيتم عددها؟ يُقال إنها تجاوزت ألفي إصابة.

خالد حنفي:
هذا على مستوى مصر كلها.
أما في موقعة الجمل، فقد أحصينا قرابة خمسين إصابة.

أحمد منصور:
كم عدد المصابين الذين عالجتموهم يومي 2 و3 فبراير؟

خالد حنفي:
المسجّل لدينا 1087 مصابًا، لكن فعليًا عالجنا قرابة 2000، لأن كثيرين عولجوا في نقاط خارجية ولم يُسجَّلوا.

أحمد منصور:
لأنها كانت إصابات بسيطة؟

خالد حنفي:
نعم، من يحتاج غرزة أو ضمادة فقط، كان يعتبر نفسه بخير.

أحمد منصور:
وماذا عن الشهداء؟

خالد حنفي:
ثمانية شهداء في ذلك اليوم، وثلاثة في اليوم التالي.
لكن الأرقام تختلف حسب المصادر.

أحمد منصور:
نعم، هناك أرقام أعلى.

خالد حنفي:
صحيح، هناك تباين.

أحمد منصور:
بعض الأرقام تحدثت عن 18 شهيدًا في اليومين، وأرقام أخرى قالت أقل من 20، وأخرى قالت رقمًا مختلفًا.

خالد حنفي:
هذا التباين يحدث لأن هناك حالات كانت خطيرة جدًا، ويتم نقلها إلى المستشفى.

أحمد منصور:
فتتوفى هناك.

خالد حنفي:
فتتوفى في المستشفى، لذلك…

أحمد منصور:
لكن الذين استشهدوا أمامكم في الميدان كانوا ثمانية؟

خالد حنفي:
لا، هذا العدد يشمل أيضًا من كانوا في المستشفى، لأن كان لدينا تواصل دائم مع من نُقلت إليهم الحالات.

أحمد منصور:
إذًا 13 تقريبًا؟

خالد حنفي:
نعم، كان لدينا تواصل، وكأطباء كنا نُرجّح أن هذه الحالة، بهذه الإصابة…

أحمد منصور:
لن تصمد طويلًا.

خالد حنفي:
بالضبط، الإصابة برصاصة في القلب أو في الرأس تكون قاتلة، وهذا ما كنا نعرفه طبيًا.

أحمد منصور:
هل يمكن القول إن هذا رصاص قناصة حقيقي، لأن القناص يستهدف الرأس أو القلب؟

خالد حنفي:
مصطلح “قناصة” قد يكون أدق عند غيري، فأنا لست عسكريًا.

أحمد منصور:
ولا تستطيع تقييمه عسكريًا.

خالد حنفي:
بالضبط. سألني البعض عن مدى الرصاصة أو نوع السلاح، ولم أستطع تحديد ذلك.

أحمد منصور:
هناك بنادق قنص يصل مداها إلى ألف متر.

خالد حنفي:
أنا حتى لم أتجند في الجيش أصلًا.

أحمد منصور:
كيف أصبح عليكم صباح الخميس 3 فبراير؟

خالد حنفي:
أذكر أننا قرابة الفجر… لا أذكر تفاصيل كثيرة.
كل ما أتذكره أنني نمت على أرض المستشفى من شدة الإرهاق.
لا أعرف أين نمت تحديدًا، ولا من كان بجانبي أو تحتي.
خلعت حذائي، وضعته تحت رأسي، ونمت.
كان كثيرون نائمين من شدة الإنهاك.
وأذكر أننا كأطباء كنا نستغل وضعنا في دخول دورات المياه في أي وقت،
بينما كان الناس يصطفون قبل صلاة الفجر بساعة للوضوء.

أحمد منصور:
وهذا جزء من إدارة “جمهورية ميدان التحرير”.

خالد حنفي:
صحيح.

أحمد منصور:
من الناحية الصحية والتنظيمية، كيف أُدير مكان بهذا الحجم؟
مكان يصل أحيانًا إلى مليون إنسان، نظيف، بلا قمامة، بلا روائح كريهة.

خالد حنفي:
هذا صحيح.
كان هناك انضباط ذاتي وتفاعل من الناس، وانصياع لتنظيم زملائهم.
شخص يقف ساعة كاملة أمام دورة المياه دون تذمر.

أحمد منصور:
وكان ممكن أن ترى طبيبًا ينظف دورة المياه؟

خالد حنفي:
نعم.
رأيت رجل أعمال وصاحب شركة عقارات ينظف دورة المياه في صمت.
لم يُعرف إلا عندما جاء أحد موظفيه ووجده ينظف، فقال له: ماذا تفعل؟
قال: أنظف.
فقال له: أريد أن أعمل معك.
قال له: دورك بعد ساعتين، هذا الوقت محجوز لي.

أحمد منصور:
حدثني عن الأطباء الذين كانوا معك، هؤلاء الجنود المجهولون.

خالد حنفي:
أنشأنا مجلس إدارة حقيقي للمستشفى، يجتمع ويتخذ قرارات.

أحمد منصور:
مثل ماذا؟

خالد حنفي:
تنظيم الدخول والخروج،
تنظيم استخدام دورات المياه،
التعامل مع تكدس الأدوية.

أحمد منصور:
كنتم تعانون من نقص الأدوية يومي 2 و3؟

خالد حنفي:
في يومي 2 و3 نعم، لكن بعد ذلك لا.

أحمد منصور:
وصلتكم كميات كبيرة؟

خالد حنفي:
بعد النداءات الإعلامية، وبعد اتصالات الناس ببعضهم،
رغم الحصار والشائعات عن مصادرة الإمدادات.
لكن الحقيقة أن الشعب كان عظيمًا:
ناس أخرجت القطن والشاش والمضادات الحيوية من بيوتها،
واخترقوا الحصار، وواجهوا البلطجية.

أحمد منصور:
هل وصل الأمر إلى وفرة؟

خالد حنفي:
نعم.
يوم الخميس 3 فبراير أطلقنا نداءً: من فضلكم، لا ترسلوا مستلزمات طبية.
كانت هناك كومة داخل المستشفى تشبه الهرم.
طلبنا فقط بطاطين وطعام.

أحمد منصور:
وصادفت أناسًا بسطاء؟

خالد حنفي:
نعم.
أحدهم جاء بحقيبة أنيقة مليئة بالبطاطين،
قال لي: هذه نزلت معي من الطائرة، وجئت بها مباشرة إليكم.

أحمد منصور:
اذكر لنا أعضاء مجلس الإدارة.

خالد حنفي:
الدكتور عمر بهاء،
الدكتور هشام إبراهيم،
الدكتور عاصم محرم،
وأنا خالد حنفي.
وأضفنا صيادلة: محمد لطفي وأشرف عبد الرحمن.
ثم أضفنا مسؤول الخدمات المعاونة الأستاذ عماد الشربيني من اتحاد الأطباء العرب.

أحمد منصور:
رتبتم للبقاء في الميدان إلى متى؟

خالد حنفي:
بعد مليونية الجمعة 4 فبراير، قررنا البقاء أسبوعين على الأقل.

أحمد منصور:
كم نقطة طبية أنشأتم؟

خالد حنفي:
12 نقطة داخل الميدان.

أحمد منصور:
تحولتم من الطوارئ إلى الحالات المزمنة؟

خالد حنفي:
نعم.
بدأنا نستقبل مرضى الضغط والسكر وأزمات الصدر.
وأصدرنا نشرة طبية.

أحمد منصور:
ماذا تضمنت؟

خالد حنفي:
نصائح بتجنب الزحام،
الوقاية من البرد،
تناول التمر،
الإكثار من السوائل،
توزيع فيتامين (ج)،
التعامل الصحي مع القمامة،
وتعقيم دورات المياه.

أحمد منصور:
كم بلغ عدد من عملوا معكم؟

خالد حنفي:
550 طبيبًا ومسعفًا وممرضًا مسجلين.

أحمد منصور:
اذكر لنا مواقف إنسانية لا تُنسى.

خالد حنفي:
مرة احتجنا 2000 جنيه لشراء صفائح دم لمصاب.
بعد دقيقتين فقط، كان المبلغ في جيبي من تبرعات الأطباء.

25% من الفريق كانوا طبيبات.
الدكتورة نغم، أستاذة أشعة، تركت بيتها وبقيت في الميدان حتى التنحي.
كانت تطبخ للثوار، ونامت حيثما تيسّر.
يوم التنحي أمسكت الميكروفون وقالت: الرجال هم من سيطبخون اليوم.

ومنهم شيماء، صيدلانية شابة، كانت تعمل ليلًا ونهارًا.
زوجها كان معنا في الميدان أيضًا.
لم تطلب أن يبقى بجانبها، بل أصرت أن يواصل العمل.

أحمد منصور:
سمعت أن بعض الأطباء رفضوا تنظيف الأرض من الدم؟

خالد حنفي:
نعم.
قالوا: هذه دماء الشهداء، لا نزيلها.
كانوا بحاجة إلى دعم نفسي.

وأسسوا رابطة سموها: أطباء بلا حمّامات.
بعضهم كان ينام في سيارته ساعتين ثم يعود للعمل.

خالد حنفي:
لا أنسى خالد الديب،
ولا عائلة كاملة شاركت: هالة حسن، نرمين حسن، عبد الرحمن، فاطمة الزهراء.
ولا منال الصندل، الممرضة التي كانت تعمل في صمت.

أحمد منصور:
هي التي كانت تنام على الكرسي؟

خالد حنفي:
نعم…

أرقام الشهداء والرصاص القاتل

أحمد منصور:
بعض الأرقام قالت 18 شهيدًا خلال يومين، وأرقام أخرى أقل من 20، وهناك من قال إن العدد واحد فقط.

خالد حنفي:
هذا التباين يحدث لأن هناك حالات تكون خطِرة جدًا، فنقوم بنقلها إلى المستشفى.

أحمد منصور:
فتموت هناك؟

خالد حنفي:
نعم، تموت في المستشفى.

أحمد منصور:
لكن الذين ماتوا أمامكم في الميدان كانوا ثمانية؟

خالد حنفي:
لا، هذا العدد يشمل من نُقلوا إلى المستشفى أيضًا، لأننا كنا على تواصل مع من يذهبون.

أحمد منصور:
إذن 13؟

خالد حنفي:
نعم، كنا على اتصال، وكأطباء كان يغلب على ظننا أن بعض الحالات…

أحمد منصور:
لن تطول.

خالد حنفي:
بالضبط، فالرصاصة الموجودة في القلب أو الرأس بهذا الشكل…

أحمد منصور:
هل هذا رصاص قناصة فعلًا؟ القناص يستهدف الرأس أو القلب؟

خالد حنفي:
مصطلح “قناصة” قد يكون أدق عند من هو أكثر خبرة عسكرية مني.

أحمد منصور:
أنت لست عسكريًا ولا تستطيع تقييم ذلك.

خالد حنفي:
نعم، سُئلت عن المدى ونوع السلاح، لكنني لا أستطيع تحديد ذلك، ولم أخدم في الجيش أصلًا.

أحمد منصور:
أنا صحفي حروب وأعرف هذه الأمور. دعنا نعود إلى صباح الخميس 3 فبراير.

خالد حنفي:
أتذكر أننا قرب الفجر كنت مرهقًا للغاية، نمت على أرضية المستشفى، لا أعرف أين، ولا من كان بجانبي. خلعت حذائي، وضعته تحت رأسي، ونمت. كنا كأطباء نستغل وضعنا للدخول إلى دورات المياه في أي وقت، بينما كان الناس يقفون قبل الفجر بساعة للوضوء.

أحمد منصور:
هذا جزء من إدارة “جمهورية ميدان التحرير”.

خالد حنفي:
صحيح.

أحمد منصور:
كيف كان يُدار مكان فيه أحيانًا مليون إنسان، نظيف، منظم، بلا قمامة أو روائح؟

خالد حنفي:
كان هناك تفاعل وانضباط ذاتي. من يقف في طابور دورة المياه ساعة لا يتذمر.

أحمد منصور:
وكان من الممكن أن ترى طبيبًا ينظف دورة مياه؟

خالد حنفي:
رأيت صاحب شركة عقارات ينظف دورة المياه في صمت، دون أن يعرفه أحد.

الأطباء… الجنود المجهولون

أحمد منصور:
حدثني عن الأطباء الذين عملوا معك، هؤلاء الجنود المجهولون.

خالد حنفي:
أنشأنا مجلس إدارة حقيقي للمستشفى، يجتمع ويتخذ قرارات.

أحمد منصور:
مثل ماذا؟

خالد حنفي:
تنظيم الدخول والخروج، تحديد أوقات استخدام دورات المياه، وفرز الأدوية المتراكمة.

أحمد منصور:
كان هناك شح في الأدوية يومي 2 و3 فبراير؟

خالد حنفي:
بعد 3 فبراير، لا.

أحمد منصور:
جاءتكم كميات كبيرة؟

خالد حنفي:
نعم، بعد نداءات الإعلام. الشعب المصري أخرج القطن والشاش والمضادات من بيته، واخترق الحصار.

أحمد منصور:
حتى أوقفتم استقبال المستلزمات الطبية؟

خالد حنفي:
نعم، وطلبنا بطاطين وطعامًا فقط.

أحمد منصور:
كم عيادة أنشأتم في الميدان؟

خالد حنفي:
12 نقطة طبية.

أحمد منصور:
12 نقطة!

خالد حنفي:
نعم، ومع تحول الوضع من إصابات حادة إلى حالات مزمنة: ضغط، سكر، أزمات صدرية.

أحمد منصور:
وأصدرتم نشرة طبية.

خالد حنفي:
صحيح، تضمنت تعليمات غذائية وصحية، ووزعنا فيتامين (ج)، وبدأنا التفكير في النظافة والتعقيم وإدارة القمامة.

قصص إنسانية لا تُنسى

أحمد منصور:
هل صادفت مواقف إنسانية مؤثرة؟

خالد حنفي:
احتجنا مرة 2000 جنيه لشراء صفائح دم، وخلال دقيقتين فقط كان المبلغ قد جُمع من جيوب الأطباء.

أحمد منصور:
هذا مذهل.

خالد حنفي:
25% من الأطباء كنّ من النساء، مثل الدكتورة نغم، أستاذة الأشعة، التي باتت في الميدان حتى التنحي، وكانت تطبخ للناس.

أحمد منصور:
هل واجهتم حالات انهيار نفسي؟

خالد حنفي:
نعم، خاصة في الأسبوع الأخير. بكاء مفاجئ، هذيان، أرق، مشاهد صادمة. فهمنا لاحقًا أنها أعراض انهيار عصبي.

أحمد منصور:
حتى بعد التنحي؟

خالد حنفي:
نعم، بعضهم انهار من شدة الفرح.

أحمد منصور:
هل تعتقد أن روح ميدان التحرير يمكن أن تتكرر؟

خالد حنفي:
لا أظن. كانت لحظة تاريخية فريدة. لا يمكن استعادتها، فقط نتذكرها.

أحمد منصور:
هل تخاف على الثورة؟

خالد حنفي:
لا. من رأى هذا النقاء لا يخاف.

أحمد منصور:
متى تقول إن الثورة نجحت؟

خالد حنفي:
حين تتحول أخلاق الميدان إلى سلوك دائم في المجتمع.

أحمد منصور:
ماذا تقول لأولادك؟

خالد حنفي:
أقول: هرمنا لنرى هذه اللحظة. الشباب كسروا الخوف الذي في صدورنا وعقولنا.

أحمد منصور:
هل تخشى أن يكرر من يحكم أخطاء الماضي؟

خالد حنفي:
لا. الشعب تغيّر. الوعي تغيّر. القادم أفضل بإذن الله.أحمد منصور:
الدكتور خالد حنفي، المنسق العام للمستشفى الميداني خلال الثورة في ميدان التحرير، شكرًا جزيلًا لك.
وشكرًا لكم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. إلى لقاءٍ آخر مع شاهد جديد على الثورة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار

00:00 مقدمة

00:35 تطور الأحداث داخل الميدان 3 فبراير وظهور الرصاص الحي

05:31 الثبات في موقعة الجمل هو النصر الحقيقي

06:10 مشاهد وقصص مؤثرة والثبات من المتظاهرين

08:50 أعداد المصابين والشهداء المسجلين يومي 2 و 3 فبراير

13:00 قصص من داخل المستشفى الميداني ووضع المستشفى

19:52 قصص لأطباء المستشفى الميداني

29:07 مليونيات 6 و8 فبراير ودورالمستشفى الميداني

31:49 حالات الانهيار العصبي والآثار النفسية

35:05 رؤيته لاحتمالية تكرار أحداث ميدان التحرير

36:53 ترك الدكتور خالد للميدان، ورؤيته للاطمئنان على مصيرالثورة

38:09 متى تنجح الثورة

38:45 رسالة لأطباء المستشفى الميداني ورؤيته لمستقبل مصر

Total
0
Shares
السابق

تعذيب المصريين فى المواصلات العامة

التالي

الوزراء الفلول فى الحكومة المصرية

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share