أحمد بنّور ج5 : التضليل الإعلامي في عهد بورقيبة

يتناول أحمد منصور مع مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق أحمد بنّور ج5 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، طبيعة عمل جهاز المخابرات في عهد بورقيبة وتأسيس نظام بوليسي قمعي، وآلية التنصت والرقابة في الدولة التونسية، كما تطرقا للحديث عن ممارسة بورقيبة للتضليل الإعلامي للرأي العام..
أحمد بنّور

يتناول أحمد منصور مع مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق أحمد بنّور ج5 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 12 ديسمبر 2012، الحديث عن طبيعة عمل جهاز المخابرات في عهد بورقيبة وتأسيس نظام بوليسي قمعي، وآلية التنصت والرقابة في الدولة التونسية، كما تطرقا للحديث عن ممارسة بورقيبة للتضليل الإعلامي للرأي العام..

نص حوار أحمد بنّور ج5 :

التضليل الإعلامي في عهد بورقيبة

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد بنّور، مدير الأمن والمخابرات الأسبق في تونس. سيد أحمد، مرحبًا بك.

أحمد بنّور: أهلاً وسهلاً.

طبيعة عمل جهاز المخابرات في زمن بورقيبة

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند عملك مديرًا لجهاز المخابرات في تونس بعد أحداث عام 1967. وذكرت أن تعيينك لم يكن محل قبول لدى كثير من الضباط، باعتبار أنك جئت من خارج المؤسسة الأمنية، ولم يتجاوز عمرك الثلاثين عامًا، لكنك كنت خيار الرئيس بورقيبة. ما أهم الملفات التي اطلعت عليها بعد توليك المنصب؟

أحمد بنّور: صحيح، وأحب أن أضع الأمور في نصابها. في تلك الفترة لم يكن لدينا برنامج كبير أو هيكلة متطورة لجهاز المخابرات، لأن الرئيس لم يكن مهتمًا بالتنظيم الأمني على النحو المعروف في بعض دول المشرق، من حيث التصنت أو تتبع الأشخاص. كان هناك مدير عام للأمن الوطني، أما الجانب الاستخباراتي فلم يكن محل تركيز كبير.

أحمد منصور: لكن ذلك من صميم عملكم.

أحمد بنّور: نعم، هو من طبيعة العمل. لكنني شخصيًا، بحكم حداثة سني وقلة تجربتي، لا أستطيع القول إن مسؤوليتي كانت أوسع من الإطار الإداري. الفضل في اختياري يعود إلى الأستاذ بلخوجة الذي اقترح اسمي على الرئيس. وقد واجهت رفضًا من بعض الضباط، لأنني لم أكن من أبناء المؤسسة الأمنية، ولا أملك تكوينًا متخصصًا في هذا المجال. حاولنا قدر الإمكان ضبط العمل وإجراء تعديلات جزئية، لا تغييرات جذرية.

أحمد منصور: كيف كان بورقيبة يختار رجاله، وأنت بلا خلفية أمنية وتُعيَّن مديرًا للمخابرات؟

أحمد بنّور: أغلب المسؤولين بعد الاستقلال كانوا من الإطارات الشابة المحيطة ببورقيبة. مثل الطيب المهيري، الذي أصبح وزيرًا للداخلية في سن مبكرة جدًا. كانت تلك طبيعة المرحلة.

أحمد منصور: لكن عمل المخابرات عمل فني يتطلب خبرة ودراية.

أحمد بنّور: صحيح. في البداية كان دوري تنسيقيًا بين أمن الدولة، والتصنت، والحدود، وإبلاغ التعليمات. لكن في عام 1980، عندما أصبحت مديرًا عامًا للأمن والمخابرات، اكتسبت خبرة أكبر، واكتشفت بعض الاختلالات.

على سبيل المثال، كان بعض المسؤولين يطلبون التصنت على أشخاص دون أن يكون مدير المخابرات على علم بذلك. حدث أن أبلغني وزير بأن هاتفه تحت التصنت رسميًا، ولم يكن لدي علم بالأمر. فقررت إصدار منشور ينظم العملية: كل من يرغب في إجراء تصنت لأسباب مهنية، عليه أن يوقع طلبًا رسميًا يُرفع إليّ مع مبرراته.

أحمد منصور: حتى لا ينفرد أحد بالتصنت؟

أحمد بنّور: بالضبط. وبعد صدور المنشور، لم يتقدم أحد بطلب رسمي.

أحمد منصور: ربما كانوا يتصنتون بطرق أخرى؟

أحمد بنّور: لا. كانت جهة واحدة فقط مخوّلة بالتصنت، ولا يتم ذلك إلا بالتنسيق مع وزارة البريد والمواصلات.

آلية التنصت والرقابة

أحمد منصور: كيف كانت تتم عملية التصنت؟

أحمد بنّور: آنذاك كانت الآلية تقليدية. تُسلَّم قائمة بالأرقام إلى وزارة البريد، حيث يوجد مسؤول يتولى تحويل الخطوط بالتنسيق مع مندوب من جهاز الأمن. تُسجَّل المكالمات على أشرطة تحفظ في مكاتبنا.

أحمد منصور: كم كان عدد الهواتف الخاضعة للتصنت؟

أحمد بنّور: عام 1980 كان العدد نحو 200 خط فقط.

أحمد منصور: من هم أصحابها؟

أحمد بنّور: سفارات أجنبية تُعد معادية أو ذات نشاط مشبوه، بعض الاتصالات العربية والأجنبية، وكالات أنباء، وأشخاص لهم سوابق.

أحمد منصور: هل شمل التصنت وزراء الحكومة؟

أحمد بنّور: مستحيل. لم يكن ذلك من مبادئنا ولا من أخلاقيات العمل.

أحمد منصور: لكن كانت هناك اتهامات بأن وزير الداخلية يتصنت على رئيس الحكومة.

أحمد بنّور: وُجه لي هذا الاتهام أيضًا. ذات مرة قال لي السيد محمد مزالي إنه تحت المراقبة. فذهبت إلى منزله، وأكدت له أننا نستطيع التحقق فورًا. كنت أرفع له شخصيًا كل شهر قائمة الأسماء الخاضعة للتصنت.

أحمد منصور: من الذي كان يحدد الأسماء؟

أحمد بنّور: المصالح الأمنية المختصة، وفق تقديرها المهني.

أحمد منصور: من الذي كان يحدد الأسماء الخاضعة للتصنت؟

أحمد بنّور: أنا شخصيًا كان لي رأي بصفتي مديرًا للأمن.

أحمد منصور: أنت كمدير أمن، إذا قلت ضعوا فلانًا تحت المراقبة، يُوضع فورًا؟

أحمد بنّور: نعم، لكن بناءً على معطيات.

أحمد منصور: من دون إذن قضائي؟ وأنت رجل درست القانون، ألا يُحال الأمر إلى النيابة؟ أم ينتهي كل شيء بحجة أمن الدولة؟

أحمد بنّور: في معظم الدول الأمر مشابه. في فرنسا مثلًا هناك نوعان: تصنت قضائي بأمر من العدالة، وتصنت إداري توافق عليه لجنة خاصة في الوزارة بباريس. لكن إذا قرر الوزير الأول أو وزير الداخلية، تُحال المسألة إلى اللجنة لإقرارها شكليًا. نحن في تونس لم تكن لدينا لجنة، ولذلك أصدرت المنشور حتى أتحمل مسؤوليتي وأوقع على كل إجراء. وأؤكد أنه لم يكن هناك تصنت على الوزراء.

أحمد منصور: سنعود إلى عام 1980 لاحقًا.

أحمد بنّور: أكملت حديثي مع السيد محمد مزالي، وقلت له: لنذهب الآن إلى وزارة الداخلية، ومن حقك الاطلاع. وأكدت له أن الحديث عن تصنت على الوزراء غير صحيح، وهذه كانت السياسة المتفق عليها.

هاجس الأمن في عهد بورقيبة

أحمد منصور: إذن كان الهاجس الأساسي الذي يؤرق الرئيس هو أمنه الشخصي؟

أحمد بنّور: نعم.

أحمد منصور: كان اختيار مدير الأمن ووزير الداخلية ومدير المخابرات من اختصاصه المباشر، وكان الأمن هاجسه الأساسي، وكذلك متابعة الوزراء والإمساك بملفات أخلاقية عليهم؟

أحمد بنّور: لا، هذا غير صحيح. أؤكد لك أنني طوال عملي معه لم أسمعه يومًا يطلب تقريرًا عن شخص بعينه، وزيرًا كان أو معارضًا. لم يكن هذا أسلوبه.

أحمد منصور: ربما لم يطلب، لكنكم كنتم تقدمون له من دون أن يطلب؟

أحمد بنّور: لم نكن نقدم له، ولم يكن يسأل. كان يهتم بالرأي العام، بالطلبة، بالعمال، بالمهاجرين، بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالأحزاب وزعمائها، لكنه لم يكن مهتمًا بالأفراد كأشخاص.

أحمد منصور: أليس هؤلاء هم موضع المتابعة بطبيعة الحال؟

أحمد بنّور: أؤكد لك، وأتحدى من يقول غير ذلك، لم يكن هناك تصنت على الوزراء أو ملاحقتهم.

النظام البوليسي وتطوره

أحمد منصور: النظام البوليسي بدأ في عهد بورقيبة وتطور لاحقًا في عهد بن علي.

أحمد بنّور: في عهدنا كان عدد الشرطة والحرس نحو أربعين ألفًا، وميزانية وزارة الداخلية سبعين مليون دينار. اليوم أصبحت الميزانية سبعمئة مليون، وعدد الأعوان نحو مئتي ألف.

أحمد منصور: أكثر من عدد الشرطة في فرنسا؟

أحمد بنّور: هذا ما هو معلن.

أحمد منصور: وماذا عن الشرطة السرية؟

أحمد بنّور: أتحدث عن الأعوان عمومًا. وأكرر أن الرئيس لم يطلب مني يومًا تقرير تصنت.


وسيلة بن عمار وحاشية بورقيبة

أحمد منصور: كيف كانت الحاشية تتقرب إليه؟

أحمد بنّور: كانت الأخبار تصله بطرق مختلفة.

أحمد منصور: ألم تكن علاقتك جيدة بوسيلة؟

أحمد بنّور: لم تكن تهتم بمثل هذه الأمور. كانت مشاغلها مختلفة، ومنها القضية الفلسطينية.

أحمد منصور: هل كانت تهتم فعلًا بالقضية الفلسطينية؟

أحمد بنّور: نعم. كانت تحترم بعض القيادات الفلسطينية وتستقبلهم، من دون مبالغة في ما يُقال.

المحاولة الانقلابية في الجزائر (1967)

أحمد بنّور: من الملفات التي عشناها عن قرب محاولة الانقلاب في الجزائر في ديسمبر 1967، بقيادة اللواء طاهر زبيري ومعه كريم بلقاسم. بعد فشل المحاولة، دخلا الأراضي التونسية.

أحمد منصور: هربا إلى تونس؟

أحمد بنّور: نعم، واستقبلتهما شخصيًا على الحدود الشمالية بتكليف من الطاهر بلخوجة، مدير الأمن العام آنذاك، ووُضعا في مكان آمن.

أحمد منصور: ماذا حدث بعد ذلك؟

أحمد بنّور: طلب الرئيس الجزائري هواري بومدين تسليمهما. فأجابه الرئيس بورقيبة بأن إنسانيته ومبادئه تمنعه من ذلك، وأكد أنهما لن يقوما بأي نشاط معادٍ للجزائر، وسيغادران تونس فورًا. وقد سافرا فعلًا إلى سويسرا.

أحمد منصور: ألم يؤثر ذلك في العلاقات بين البلدين؟

أحمد بنّور: لا. ففي عام 1972 استقبل بومدين بورقيبة رسميًا في الجزائر بحفاوة كبيرة.

أزمة التعاضد

أحمد منصور: نعود إلى الملفات الداخلية.

أحمد بنّور: من أهمها أزمة التعاضد. كان الولاة ينقلون حالة التململ الشعبي وعدم الرضا عن الإصلاحات الاقتصادية.

أحمد منصور: هل كانت هذه التقارير تصل إلى الرئيس؟

أحمد بنّور: نعم. كان يرى أن الإصلاحات تحتاج وقتًا. لكن عندما جاءت تقارير البنك الدولي التي اعتبرت التجربة فاشلة وأن البلاد تتجه نحو الإفلاس، دخل في حالة نفسية صعبة.

أحمد منصور: كيف كنتم تستطلعون رأي الشعب؟

أحمد بنّور: عبر مراكز الشرطة المنتشرة في البلاد، ومن خلال التقارير الميدانية.

أحمد منصور: ألم يكن هناك انتشار أمني واسع حتى في المقاهي؟

أحمد بنّور: لم يكن نظامًا بوليسيًا كما يُقال. كثير من الأعوان كانوا مناضلين سابقين ضد الاستعمار، ويعملون بحماس والتزام.

أحمد منصور: هل كان لديكم أعوان سريون مدنيون؟

أحمد بنّور: كانت هناك عناصر تابعة لمصالح أمن الدولة، مدنية، لكنها لم تكن تتبعني شخصيًا، بل تتبع الإدارات المختصة.

أحمد منصور: طيب، أنت من أين كنت تأخذ معلوماتك؟

أحمد بنّور: من مدير المخابرات، مدير أمن الدولة، أو مدير الاستعلامات كما ذكرت لك.

أحمد منصور: لكن لم يكن لديك رجال مباشرون يتبعونك شخصيًا؟

أحمد بنّور: لا، لم يكن لدي رجال خاصون بي.

أحمد منصور: كان لديك تحليل معلومات، والحصول على معلومات من مصادر أمنية مختلفة؟

أحمد بنّور: نعم، من الأجهزة الأمنية.

أحمد منصور: كم جهازًا أمنيًا كان لديكم في تونس؟

أحمد بنّور: جهازان: جهاز الشرطة وجهاز الحرس.

أحمد منصور: جهازان فقط؟

أحمد بنّور: نعم، جهازان.

أحمد منصور: وأنتم تفعلون كل ذلك بهذين الجهازين؟ تلاحقون الناس في كل مكان؟

أحمد بنّور: أرى أن هذا مبالغات ودعايات. لم تكن لدينا الإمكانيات لذلك. في عامي 1967 و1968 لم يتجاوز عدد أعوان إدارة المخابرات ثلاثمئة عنصر.

أحمد منصور: والآن؟

أحمد بنّور: عندما كنت مديرًا أصبحوا نحو سبعمئة، أما الآن فربما بالآلاف حسب ما أرى من النشاط الحالي.

أحمد منصور: كم جهازًا أمنيًا في تونس الآن؟

أحمد بنّور: لا أستطيع الحصر، فالنظام تغير، وهناك تداخل بين أجهزة متعددة، وأجهزة رئاسة وغيرها.

أحمد منصور: يتجسس بعضهم على بعض؟

أحمد بنّور: نعم، وهناك ما يسمونه “المواطن الرقيب”، ولجان الأحياء التي تراقب المواطنين وترفع تقارير.

أحمد منصور: مخبرون؟

أحمد بنّور: نعم، وقد قيل إن بعضهم طلب دعمًا خارجيًا للتنمية، لكن تبين أنهم يعملون في المراقبة.

أحمد منصور: وهناك ما يسمى “المواطن الرقيب”؟

أحمد بنّور: صدر قانون يُمكّن موظفين من مراقبة الإدارات ورفع تقارير عن توجهات الأشخاص، ويُطلق عليهم هذا الاسم.

أحمد منصور: وهل أُدخل مساجين إلى جهاز الشرطة؟

أحمد بنّور: قيل إن بعض المنحرفين لأول مرة أو من صدرت بحقهم أحكام بسيطة جرى إدماجهم.

أحمد منصور: أصبحوا شرطة؟

أحمد بنّور: هكذا قيل.

سياسة التضليل الإعلامي

أحمد بنّور: قيل إن وزير الداخلية آنذاك، زين العابدين بن علي، تحدث في اجتماع عن “سياسة تضليل للرأي العام”، أي بث معلومات لتشويه المعارضين.

أحمد منصور: مثلما فعلت بعض الدول عبر حملات إعلامية منظمة؟

أحمد بنّور: نعم، شملت تشويه أشخاص، ونُسبت إليّ اتهامات مختلفة.

أحمد منصور: هذا ملف آخر سنعود إليه.

أحمد بنّور: أقول إن التضليل الإعلامي بلغ مستويات كبيرة لاحقًا.

أحمد منصور: لكنه بدأ في عهد بورقيبة عندما شُوهت صورة الباي وأسرته في الصحف.

أحمد بنّور: بورقيبة كان يتابع الصحف، ويشكر أو يعاتب، وإذا اختلف مع وزير يطلب توضيح موقفه للرأي العام، لكن لم يكن أسلوب الشتائم هو الأصل.


استقالة أحمد المستيري

أحمد منصور: استقالة أحمد المستيري عام 1968 كانت موقفًا تاريخيًا.

أحمد بنّور: أحدثت تصدعًا داخل الحزب والحكومة، لأنها أول استقالة علنية لوزير ثقيل مثل وزير الدفاع احتجاجًا على التوجه الاقتصادي.

أحمد منصور: كيف تعاملتم أمنيًا مع ذلك؟

أحمد بنّور: الحزب تحرك لتفسير موقف الرئيس وفصل المستيري من الحزب، وأكد مواصلة التجربة التعاضدية.

أحمد منصور: الرئيس خشي أن يستقيل أحمد بن صالح أيضًا؟

أحمد بنّور: لذلك منحه صلاحيات واسعة حتى لا يقول إنه لم تُتح له الفرصة الكافية.

أحمد بن صالح ودوره

أحمد منصور: كيف كانت علاقتك بأحمد بن صالح؟

أحمد بنّور: لم تكن بيننا علاقة مباشرة.

أحمد منصور: هل كنتم ترصدون تحركاته؟

أحمد بنّور: نتابع أخباره وتصريحاته وخطبه كغيره من المسؤولين.

أحمد منصور: وماذا عن سلوكه الشخصي؟

أحمد بنّور: لم نكن نركز على ذلك إلا بقدر ما يرد من معلومات.

أحمد منصور: وهو كان يتولى خمس وزارات.

أحمد بنّور: عُيّن بقرار من الرئيس، ونحن كنا نهتم أساسًا بمدى تأثير سياساته الاقتصادية على الرأي العام.

أحمد منصور: ما مدى تأثير السياسات على الرأي العام؟ أخبرني.

أحمد بنّور: كان التأثير سلبيًا. أعطيك مثالًا: لو كنت أنتمي إلى عائلة من مستوى شعبي، لا تملك ضيعة ولا دراجة ولا سيارة، فمن المفترض أن أتضامن مع الاشتراكية لأنها تقوم على العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة. لكنني أشرت إلى أن هذا البرنامج سيدفع البلاد نحو الهاوية، وأن نتائجه ستكون سيئة. اتخذت موقفًا منه، ثم اكتشفت أنني تسرعت، خاصة بعد الأزمة القلبية التي أصابت الرئيس، وكأن الأولويات تغيّرت فجأة.

طموح أحمد بن صالح

أحمد منصور: هل كان أحمد بن صالح يهيئ نفسه ليكون خليفة للرئيس بعد الأزمة القلبية؟

أحمد بنّور: في تقديري، المؤشرات كانت تدل على ذلك. كان لديه مشروع وبرنامج، وحوله مجموعة من الأشخاص. ومن خلال ما قام به من إبعاد وإقصاء، واتهام من لم يثق بهم بالتآمر، وإقصاء من أبدى تحفظًا على السياسة الاقتصادية، واستقدام الملتزمين معه، بدا وكأنه يُهيئ أجواء خلافة.

أحمد منصور: الطاهر بلخوجة يقول إن بن صالح لم يكن يعير أحدًا اهتمامًا، حتى وزراء السيادة، بل ولا رئيس الحكومة الباهي الأدغم.

أحمد بنّور: هذا ما كان ظاهرًا، وشعر به الرأي العام، إذ بدا مسيطرًا على مفاصل الحكم.

علاقته بعائلة وسيلة

أحمد منصور: هل كانت علاقته بشقيقة وسيلة تلعب دورًا في دعمه؟

أحمد بنّور: ما أعرفه أنه في مرحلة سابقة، وبفضل علاقاته المميزة مع عائلة بن عمار، أصبح كاتب دولة للصحة بعد إعلان الجمهورية، عام 1957، بعدما كان الرئيس غاضبًا عليه عام 1956. هذا ما أعلمه.

أحمد منصور: هل كان التقرب من وسيلة مدخلًا للمناصب؟

أحمد بنّور: نعم، كان هناك من يتقرب إليها طمعًا في المناصب.

أحمد منصور: وكيف كانت وسائل التقرب؟

أحمد بنّور: كانت متعددة. أحيانًا كانت تستدعي من تسمع عنه، ترغب في التعرف إليه، وتدعوه للحديث. كانت تشجع الصراحة، وتقول: إن كان لديك رأي فقله للرئيس مباشرة.

أحمد منصور: هل كان بورقيبة يتصرف بالطريقة نفسها؟

أحمد بنّور: نعم، كان ينتقي أشخاصًا يسمع عنهم. مثلًا، استدعى الأستاذ صالح القرمادي بعد أن سمعه في الإذاعة، وتحاور معه مطولًا، لكنه لم يغير قناعاته. ومع ذلك، لم يُقصه أو يمنعه من عمله الإعلامي.


علاقة بورقيبة بفرنسا والولايات المتحدة

أحمد منصور: كان يُنظر إليه كعميل لفرنسا أو للـCIA.

أحمد بنّور: لم يكن عميلًا لفرنسا ولا للـCIA. كان يرى أن العلاقة مع فرنسا بعد الاستقلال يجب أن تكون علاقة ندٍّ لندٍّ وتعاون، وأن لا تُختزل في عداء مطلق. كان يعتبر أن تونس بحاجة إلى فرنسا في مجالات التحديث والتعليم والتكنولوجيا والاستثمار.

أحمد منصور: وماذا عن علاقته بالـCIA؟

أحمد بنّور: لم يكن هناك ما يُقال. لم يزرنا مدير الـCIA في تونس، والعلاقات كانت سياسية عامة بين الدول.

أحمد منصور: وأنت عندما أصبحت مديرًا للأمن، هل التقيت مسؤولين من هناك؟

أحمد بنّور: في الولايات المتحدة فقط، في إطار علاقات رسمية، وكان السؤال دائمًا عن استقرار تونس.

الحركات السياسية عام 1968

أحمد منصور: في فترة التعاضد والغضب الشعبي، هل كانت هناك حركات سياسية ترصدونها؟

أحمد بنّور: الفترة كانت قصيرة، نحو عام ونصف.

أحمد منصور: هل كانت هناك ملفات للشيوعيين أو الإسلاميين؟

أحمد بنّور: لم يكن الإسلاميون موجودين آنذاك. القلق كان من اليسار المتطرف، خاصة في الجامعة.

أحمد منصور: مثل مجموعة “آفاق” عام 1968؟

أحمد بنّور: نعم، مجموعة من الشباب المتطرفين، اعتبروا أن الاشتراكية المطبقة في تونس تخلق برجوازية جديدة. كثرت مناشيرهم ومظاهراتهم، واشتدت المواجهات مع الشرطة، خصوصًا خلال زيارة مسؤولين أجانب، مثل مساعد الرئيس الأميركي، وكذلك وزير خارجية فيتنام الجنوبية.

أحداث صفاقس والغضب الشعبي

أحمد منصور: الطاهر بلخوجة ذكر حادثة في صفاقس عام 1967، حيث استُقبل رئيس الحكومة بالصفير ورشق الحجارة، واضطر إلى الاحتماء بالشرطة. ألم يكن ذلك كافيًا ليعيد بورقيبة النظر في سياسة الاشتراكية؟

أحمد بنّور: صحيح أن تلك الحادثة وقعت، وكانت مؤشرًا على حجم الغضب. لكنها لم تكن كافية وحدها لتغيير التوجه فورًا، لأن الرئيس كان يرى أن الإصلاحات تحتاج وقتًا. غير أن تراكم المؤشرات، داخليًا وخارجيًا، هو الذي أدى لاحقًا إلى مراجعة التجربة.

أحمد بنّور: أعاد النظر وتراجع عام 1969، وكانت لديه الجرأة على التراجع وتحمل المسؤولية. وقد تراجع عندما اطّلع على التقرير الذي حصلنا عليه، والذي أعدّه سفراء دول السوق الأوروبية المشتركة.

أحمد منصور: هذا هو تقرير عام 1968 الذي أعدته مجموعة سفراء الدول الأوروبية المشتركة. الطاهر بلخوجة يقول أيضًا إن تقارير الأمن حول تجربة الاشتراكية التي كان يقودها أحمد بن صالح كانت تنذر بالخطر. هل كنتم في المخابرات تعدّون هذه التقارير أم جهاز الأمن؟

أحمد بنّور: تقارير الأمن كانت تستند إلى تقارير المخابرات.

أحمد منصور: إذن أنتم كنتم تعدّونها؟

أحمد بنّور: كنّا نجمع تقارير الجمهورية كلها ونعدّ خلاصة تحليلية مبنية على تقارير المصالح ومراكز الشرطة.

الاستعانة بخبراء أجانب

أحمد منصور: الطاهر بلخوجة ذكر أنه حين تسلّم إدارة الأمن لم يكن هناك تنظيم واضح، وأن ضابطين أميركيين ساعدا في إعداد أول استعراض للفرقة الجديدة، كما ساهم خبراء من الشرطة الألمانية والسويسرية والفرنسية. أنت كنت مدير أمن أم مدير مخابرات؟

أحمد بنّور: لم تكن لي علاقة بهذا الموضوع، فذلك يخص جهاز الشرطة.


التعاون الاستخباراتي مع الغرب

أحمد منصور: هل كنتم تتعاونون مع أجهزة مخابرات خارجية؟

أحمد بنّور: نعم، كان لنا تعاون مع أجهزة أميركية وإنجليزية وفرنسية.

أحمد منصور: ما طبيعة هذا التعاون؟

أحمد بنّور: في تلك الفترة كان التركيز على مكافحة الشيوعية. كنّا نرصد نشاط السفارات السوفييتية وسفارات دول أوروبا الشرقية.

أحمد منصور: لصالح أميركا؟

أحمد بنّور: لصالح تونس أولًا، حتى نعرف ما تقوم به تلك السفارات.

أحمد منصور: وماذا يمكن أن يفعلوا في تونس؟

أحمد بنّور: كانت هناك مخاوف من تنامي نفوذ الحزب الشيوعي. وفي عام 1976 اكتُشفت شبكة تجسس تورّط فيها مسؤول من وكالة “نوفوستي” الروسية مع مجموعة تونسية.

أحمد منصور: لصالح السوفييت؟

أحمد بنّور: نعم. وقد سُجن، ثم جاءت رسالة من بريجنيف إلى الرئيس بشأنه.

أحمد منصور: هل كان التعاون يشمل تدريبًا؟

أحمد بنّور: نعم، كان التعاون في مجال التكوين، لأننا لم تكن لدينا خبرة كبيرة في العمل الاستخباراتي. كما كان هناك تعاون محدود مع بلجيكا، وكذلك مع الفرنسيين.

أحمد منصور: وكل ذلك لم يكن بلا مقابل.

أحمد بنّور: كان الهدف استقرار تونس، وهذا في مصلحة الجميع.

“مدرسة بورقيبة” في العلاقات الدولية

أحمد منصور: ما هي “مدرسة بورقيبة” الاستخباراتية؟

أحمد بنّور: كانت تقوم على أن العلاقات بين الدول مبنية على المصالح. كان يرى أن فرنسا وأميركا تدافعان عن مصالحهما، لكن لا مصلحة لهما في خلق فوضى في تونس. وكان يعتقد أن صداقته مع الولايات المتحدة قد تساعد في خدمة قضايا عادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

أحمد منصور: وكان ذلك وهمًا في رأيي.

أحمد بنّور: على كل حال، كان صريحًا في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين.

تقرير السفراء الأوروبيين 1968

أحمد منصور: التقرير الاقتصادي الذي أعده سفراء المجموعة الأوروبية في فبراير 1968، كيف حصلتم عليه؟ هل سُرّب إليكم؟

أحمد بنّور: لا أستطيع أن أشرح كيفية حصولنا عليه لأسباب أمنية، لكن لم يُسرّب من قبلهم. كان تقريرًا داخليًا يُرفع إلى حكوماتهم.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة نبدأ بأهم محتويات هذا التقرير السري الذي أنهى تجربة الاشتراكية الدستورية وقضى على أحمد بن صالح، وأدى إلى اعتقالك أنت والطاهر بلخوجة. شكرًا لك، وشكرًا لمشاهدينا، وإلى اللقاء في حلقة قادمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار


0:00
الملفات الأساسية لبنّور بعد توليه مدير للمخابرات وطبيعة العمل

2:54 أسس اختيار بورقيبة لرجاله في السلطة

4:22 طبيعة التنصت في تونس

5:45 ملف السفارات العربية والأجنبية المعادية لتونس

7:08 آلية التنصت في تونس خلال تولية بنّور

10:45 الأمن هاجس بورقيبة الأكبر

14:20 المحاولة الانقلابية في الجزائر 1967 وهرب قادتها لتونس

15:50 رفض بورقيبة تسليم قيادات الانقلاب لبومدين

18:02 ملف أزمة التململ في جهاز المخابرات

20:24 الأعوان السريين وعدد الأجهزة الأمنية في تونس

25:32 التضليل الإعلامي وتشويه الخصوم في عهد بورقيبة

26:38 الاستقالة التاريخية للمستيري

29:03 العلاقة بين بنّور وأحمد بن صالح

31:50 علاقة بن صالح بشقيقة وسيلة بن عمار

32:42 أساليب التقريب إلى وسيلة للحصول على السلطات

36:46 نظرة خصماء بورقيبة له كعميل للفرنسيين والسي أي آيه

38:14 الحركات السياسية وقت التعاضد وأزمة أفاق

40:35 تراجع بورقيبة عن الاشتراكية بعد احتجاجات كبيرة

41:42 العلاقة بين الأمن التونسي والمخابرات الخارجية

46:00 أسبقية تونس في التعاون الاستخباراتي

48:22 التقرير الاقتصادي لسفراء المجموعة الأوروبية عن تونس

Total
0
Shares
السابق

الأيدى التى تعبث بمصر وأمنها

التالي

عقبتان أمام الاستقرار فى مصر

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share