يستعرض أحمد منصور، مع المحامية والناشطة من مدينة تالة التونسية، منية بوعلي ج1، من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، والذي جرى بثه بتاريخ 24 يونيو 2012، قصص مؤلمة من الثورة التونسية، وقعت في مدينة تالة..
و تناولا في الحوار مدينة تالة وأهميتها التاريخية، ودورها في أحداث الثورة التونسية، وقصص الشهداء في المدينة.
نص حوار منية بوعلي ج1:
قصص من الثورة التونسية
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامجنا “شاهد على الثورة”. ضيفتنا في هذه الحلقة هي أستاذة القانون “منية بو علي”، التي ستدلي بشهادتها حول الأحداث الجسيمة التي شهدتها مدينتا “تالة” و”القصرين” في تونس. أستاذة منية، مرحباً بكِ.
منية بو علي: مرحباً بك، أهلاً وسهلاً.
تالة: جغرافيا الظلم وتاريخ الصمود
أحمد منصور: هلاّ حدثتِنا عن “تالة”؛ عن أهميتها، ومكانتها التاريخية؟
منية بو علي: مدينة تالة هي “معتمدية” تابعة لولاية القصرين. يعود أصل تسميتها إلى العصور القديمة والعهد الروماني، ومعناها “العيون الجارية”، فهي حتى يومنا هذا تُعد مجمعاً للينابيع.
أحمد منصور: هل تنبع تلك العيون من الجبال المحيطة بها؟
منية بو علي: المدينة في حد ذاتها منطقة جبلية، وهي أعلى نقطة مأهولة في الجمهورية التونسية، إذ ترتفع عن سطح البحر بنحو ألف وأربعين متراً.
أحمد منصور: لقد زرتها صيفاً وكانت تتمتع ببرودة ملحوظة.
منية بو علي: بالتأكيد، فمناخها رائع صيفاً رغم قسوته البالغة في الشتاء.
أحمد منصور: قيل لي إن الثلوج تتساقط فيها في وقت مبكر جداً.
منية بو علي: هذا صحيح، فبجوارها “جبل الشعانبي”، وهو أعلى قمة في تونس (1544 متراً). تلك القسوة المناخية جعلت البعض يقول إن تالة ظلمها التاريخ والجغرافيا معاً. تاريخياً، كانت قلعة رومانية حصينة، وتلتها مدينة “حيدرة”. كما كانت دائماً معقلاً للثورات التونسية، بدءاً من ثورة “علي بن غذاهم” وصولاً إلى ثورة “الفراشيش” عام 1906 ضد المستعمر الفرنسي. تالة ولّادة للثوار، وكان لها دور محوري في مسار الثورة التي اندلعت في السابع عشر من ديسمبر عقب إضرام الشهيد “محمد البوعزيزي” النار في جسده بمدينة سيدي بوزيد.
عزلة التهميش وعروبة الانتماء
أحمد منصور: لعل قربها من الحدود الجزائرية منحها طابعاً خاصاً؟
منية بو علي: بلا شك، فقربها من الجزائر منحها بعداً عروبياً وإسلامياً وحدوياً. كانت تالة معقلاً للحركة “اليوسفية” في عهد بورقيبة، ولهذا السبب طالها التهميش منذ الاستقلال. كان الأهالي يشعرون وكأنهم لم يخرجوا من حقبة الاستعمار أبداً، حتى بعد استقلال تونس عام 1956.
أحمد منصور: حين زرت تالة، التف حولي الناس يشكون من كل شيء؛ كانت أوضاعهم المعيشية في غاية الصعوبة.
منية بو علي: الأوضاع بلغت حداً من السوء دفع الكثيرين للهجرة، فمعظم أبناء تالة إما مغتربون في أوروبا (فرنسا، إيطاليا، بلجيكا، إسبانيا) أو نازحون إلى العاصمة تونس أو سوسة وصفاقس بحثاً عن لقمة العيش. لقد هُمشت المدينة وأهلها بسبب مواقفهم السياسية الرافضة للنظام البورقيبي ثم نظام بن علي الديكتاتوري، وحُرموا من أبسط حقوق المواطنة والحياة الكريمة.
أحمد منصور: كشأن أغلب المدن التونسية، نجد الشارع الرئيسي يُسمى شارع “الحبيب بورقيبة”، حيث تكتظ المقاهي بالعاطلين عن العمل طوال الوقت.
منية بو علي: نعم، وفي عهد بن علي أضيف شارع “البيئة” الذي يرمز له بـ “لبيب”، لكن “لبيباً” (بمعناه الحقيقي) لم يزر مدينتنا قط ليرى حالنا.
تالة سبقت سيدي بوزيد
أحمد منصور: ما هي الأجواء التي سبقت حادثة البوعزيزي في سيدي بوزيد، علماً بأن تالة تبعد عنها مسافة ليست بالبعيدة؟
منية بو علي: المسافة بين تالة والقصرين تبلغ 50 كيلومتراً، أما بينها وبين سيدي بوزيد فتصل إلى 120 كيلومتراً تقريباً. ما قد يجهله الكثيرون هو أن شرارة الانتحار حرقاً بدأت في تالة قبل البوعزيزي؛ ففي مايو 2010، أضرم شاب من تالة النار في جسده في مدينة المنستير، بعد أن سُدّت في وجهه أبواب الرزق من قِبل السلطات المحلية.
أحمد منصور: رغم كونك محامية، إلا أنكِ اخترتِ البقاء في تالة. كيف كانت أصداء حادثة البوعزيزي بين الناس في تلك اللحظات التاريخية؟
منية بو علي: استرجاع تلك الذكريات يثير الشجن. حادثة البوعزيزي أعادت للأذهان مأساة الشاب التونسي الذي فقد الأمل في غدٍ أفضل. سادت حالة من الاحتقان الشديد والغضب العارم داخل تالة، وبدأ الناس يتساءلون: ماذا تبقى لنا في هذا الوطن سوى الموت؟
غضب الأحياء المهمشة
أحمد منصور: كيف تطور الأمر ميدانياً من 17 إلى 27 ديسمبر، حيث خرجت أول مظاهرة في تالة؟
منية بو علي: الغليان كان في ذروته، خاصة بين الشباب المتابع للشبكات الاجتماعية وقناة “الجزيرة”. لم يكن الأمر مجرد تضامن مع شخص، بل كان شعوراً جماعياً بوجع مشترك. هذا ما يفسر اندلاع الاحتجاجات في أغلب المدن والأحياء المهمشة.
أحمد منصور: تحركت مدن أخرى مثل “الرقاب” و”منزل بوزيان”، وسقط أول شهيد في 24 ديسمبر. ماذا عنكم في تالة؟
منية بو علي: في القصرين، خرجنا نحن المحامين بزينا الرسمي في 22 ديسمبر تعبيراً عن نصرتنا لأبناء سيدي بوزيد. كان التحامنا بالشارع تلقائياً، وشعرنا بمدى اعتزاز المواطن بوجود المحامي في الصفوف الأمامية. لقد لعب المحامون دوراً قيادياً في توجيه التحركات، وتعرضوا لاعتداءات وحشية في سوسة والعاصمة وغيرها.
ملحمة يناير: مواجهة الرصاص بالصدور العارية
أحمد منصور: في 3 يناير، ومع عودة المدارس، بدأت مواجهات عنيفة في تالة.
منية بو علي: كان يوم 3 يناير يوماً مشهوداً؛ حيث خرجت مسيرة حاشدة من مدرسة “ابن شرف”، شارك فيها التلاميذ والأساتذة والعمال، وقُوبلت بقمع أمني غير مسبوق.
أحمد منصور: كيف تطورت مُظاهرات يوم ثلاثة يناير إلى أن وصلت إلى يوم ثمانية يناير حيث سقط الشُهداء، يوم سقوط الشهداء في تالا؟
منية بو علي: هو خروج المواطنين مع الطلبة والأساتذة والمُعلمين وحتى المُحامين كذلك في مدينة تالا جوبه بالقمع، فما كانت ردة فعل المواطن في تالا إلى الصمود والإصرار على أن على أن لا يعود إلى كما نقول كأن لا يعود إلى بيته دون معناتها دون الوصول إلى مُبتغاه خاصةً..
أحمد منصور: إيه اللي دفع الناس إلى العناد؟
منية بو علي: المجابهة بالقمع الوحشي الذي مورس..
أحمد منصور: إيه أشكال القمع التي مورست على الناس؟
منية بو علي: معناتها استعمال الغاز المُسيل للدموع بشكل كثيف ومستغرب داخل المدارس وداخل المعاهد، استعمال العنف الشديد تجاه معناتها أطفال المدارس الإعدادية أول مُصاب معناتها في مدينة تالا كان أيضاً طفل معناتها في الخامسة عشر من العمر..
أحمد منصور: أول مُصاب كان بأي تاريخ؟
منية بو علي: أصيب على ما أظن يا إما في ضربة بمؤخرة البندقية..
أحمد منصور: البندقية..
منية بو علي: أو بساق رجل الأمن تم فتح معناتها وجه الطفل من هُنا إلى هُنا بهذا الشكل العملية واضحة يا إما بمؤخرة البندقية أو بالساق..
أحمد منصور: كيف تفاعلت الأحداث بعد ذلك؟
منية بو علي: الوتيرة تصاعدت.
أحمد منصور: أنتِ هُنا انحزتِ إلى الناس وبقيتِ في تالا أو كُنتِ تتحركين بين تالا وتونس وتالا والقصرين.
منية بو علي: لأ في تلك الفترة أمام استقررت بوجودي في داخل مدينة تالا وهذا..
أحمد منصور: كانت الأحداث في القصرين تقريباً في نفس الوقت كانت هُناك تصاعد في المُظاهرات.
منية بو علي: في القصرين، لأ، المرحلة التي تحركت فيها مدينة تالا كان نوع من..
أحمد منصور: الهدوء.
منية بو علي: الهدوء داخل مدينة القصرين لكن الهدوء..
أحمد منصور: تقلص.
منية بو علي: تقلص الهدوء الذي يسبق العاصفة.
أحمد منصور: لكن يوم 8 حينما تصاعدت الأمور في تالا تصاعدت في القصرين في نفس الوقت.
منية بو علي: طبعاً بعد سقوط الشهداء في مدينة تالا .. .
صيحات الجياع: حين صار الخبز مطلباً سياسياً
أحمد منصور: ما هي الهتافات والشعارات التي صدحت بها الحناجر في ذلك الوقت؟
منية بو علي: كان الشعار الأبرز منذ اليوم الأول هو: “خبز وماء.. وبن علي لا”، وهو شعار يعكس حالة الفقر المدقع التي وصل إليها الناس؛ فقد أعلنوا اكتفاءهم بالكفاف من العيش مقابل رحيل بن علي ونظامه وعائلته. كما تردد شعار “تشغيل، استحقاق.. يا عصابة السراق”، وهو الهتاف الذي انطلق من سيدي بوزيد في السابع عشر من ديسمبر وسرى كالنار في الهشيم في سائر المدن التونسية.
أحمد منصور: وكيف تحركت المسيرة في شارع “الحبيب بورقيبة”؟ وفي أي ساعة تحديداً؟
منية بو علي: بدأت المواجهات عقب صلاة العصر واستمرت حتى ساعات الليل المتأخرة.
أحمد منصور: إذن، بدأ الناس في السير عبر تلك المجموعات الثلاث في الشارع الصاعد تدريجياً؟
منية بو علي: نعم، كانوا يتقدمون من الجهة العليا للشارع نحو الأسفل، يهتفون بشعاراتهم في تجمعات مهيبة.
تكتيكات الميدان: قنصٌ تحت الأضواء الكاشفة
أحمد منصور: البوليس كان يتمركز في منتصف الشارع، أليس كذلك؟
منية بو علي: لقد نُشرت القوات الأمنية وفق خطة لتقسيم الشباب؛ فتمركزت فرقة عند مركز الأمن، وأخرى لدى “المعتمدية”، وفرقة ثالثة في الجهة المقابلة للبنك الموجود في الشارع.
أحمد منصور: عند المنعطف قبل الأخير؟ لعل المشاهد يتخيل معي الطبيعة الجغرافية للمكان.
منية بو علي: تماماً، كانت القوات تتواجد أيضاً قرب محطة الحافلات ومحطة الوقود. وبحكم أن مكتبي يقع خلف محطة الحافلات، ولأن تالة مدينة جبلية ذات مبانٍ متدرجة، كنت أعتلي سطح المكتب فأرى المسيرة منذ بدايتها وأراقب كافة التحركات.
أحمد منصور: لقد قابلت شاباً يدعى “بلقاسم الساحل”، وقد وثق تلك الأحداث بعدسته.
منية بو علي: نعم، بلقاسم الساحل، هو من وثق الكثير.
القمع بخراطيم المياه الساخنة
أحمد منصور: لنصف الآن للمشاهدين كيف اندلعت المواجهات بين المسيرة القادمة من أعلى الشارع وقوات الشرطة التي تتربص بها؟
منية بو علي: تطورت الأحداث لتصبح معارك “كر وفر”؛ الشباب يرشقون الحجارة، والشرطة ترد بالغاز المسيل للدموع والمياه الساخنة.
أحمد منصور: هل كانوا يرشون المتظاهرين بمياه ساخنة في ذلك الجو القارس؟
منية بو علي: نعم، مياه ساخنة تُطلق من شاحنات أمنية خاصة. والمفارقة المذهلة أن الشباب كانوا يستقبلون تلك المياه بصدور عارية وكأنهم يغتسلون بها، في حركة استفزازية لإظهار عدم اكتراثهم بأدوات القمع الأمنية.
أحمد منصور: كيف استطاع هؤلاء الشباب إنهاك قوات البوليس؟
منية بو علي: كان الشباب يقفون تحت خراطيم المياه الساخنة صامدين، فإذا حوّل البوليس وجهة الماء نحو جهة أخرى، نادى الشباب من الطرف الآخر بلهجتهم: “ونحن أيضاً.. نريد الاستحمام!”، وسط تصفير وهتافات تهكمية كشفت عن الوجه القبيح والضعيف للآلة الأمنية في آن واحد.
ليلة الرصاص: القنص في عتمة تالة
أحمد منصور: متى تحول المشهد من المناوشات إلى إطلاق الرصاص الحي؟
منية بو علي: وقع ذلك ما بين الساعة الثامنة والنصف والتاسعة ليلاً. كنت حينها لا أزال في قلب الشارع أتابع وتيرة الأحداث المتصاعدة.
أحمد منصور: هل جرت أي محاولة للتفاوض مع البوليس؟
منية بو علي: التفاوض حدث في اليوم الموالي، أما في تلك الليلة، فقد كانت الأمور تسير نحو التصعيد بشكل غير مفهوم.
أحمد منصور: كانت الأجواء مظلمة والإنارة مطفأة في المدينة، فكيف تمت العملية؟
منية بو علي: بالفعل، كانت العتمة تلف المكان، لكن قوات الأمن استخدمت آلة تشبه الدبابة مجهزة بكشافات ضوئية عملاقة وُضعت في مكان مرتفع بالشارع الرئيسي. كانت الأضواء تُسلط بدقة نحو تجمعات الشباب، ومن خلف تلك الأضواء الكاشفة، بدأت عمليات القنص بدقة وبشاعة.
أحمد منصور: إذن، سقطت أول رصاصة في حوالي الساعة التاسعة ليلاً..
ليلة الرصاص الحي
أحمد منصور: حين سمعتِ ذاك الدوي، ما الذي حلّ بكِ وبمن كان حولك؟
منية بو علي: سادت حالة من الذعر والذهول؛ تدافع الشباب من حولي يتساءلون في هلع: “أستاذة، أهذا رصاص حي أم ماذا؟”.
أحمد منصور: هل كانت رصاصة واحدة أم رشقات متتالية؟
منية بو علي: بل كانت رشقات من سلاح أوتوماتيكي (رفال)، دفعة واحدة من الرصاص المصبوب.
أحمد منصور: وهل كان مصدر الإطلاق قريباً منكم؟
منية بو علي: نعم، كان قريباً جداً. وفي الحقيقة، أغلب الشهداء سقطوا في ذات المنطقة الجغرافية، باستثناء الشهيد السادس الذي طاردوه إلى مكان آخر. لقد ارتقى خمسة شهداء في تلك الليلة، بدءاً من التاسعة مساءً وحتى ساعات الفجر الأولى.
الشهيد الأول مروان الجملي
أحمد منصور: هلاّ ذكرتِ لنا قصة سقوط هؤلاء الشهداء واحداً تلو الآخر، بصفتكِ محامية الضحايا والمطلعة على التقارير الطبية؟
منية بو علي: الشهيد الأول كان “مروان الجملي”، وقد ارتقى برصاصة قناص وُجهت بدقة متناهية إلى قلبه مباشرة. الاختبارات الطبية ونوعية الرصاص المستخرج أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الفاعل “قناص” محترف.
أحمد منصور: من هو هذا الشاب؟ وكيف كانت سماته؟
منية بو علي: مروان شاب في مقتبل العمر، لم يتجاوز السابعة عشرة. والمفارقة المؤلمة أن الشهداء الأربعة الأوائل كانوا جيراني. كنت أعرفه جيداً، وكان يلقي عليّ التحية بابتسامة تفيض بالأمل كلما مرّ من أمام مكتبي. كان شاباً بشوشاً، ذا هيبة ووسامة، وروحه مرحة. حتى اليوم، كل ركن في مكتبي يذكرني به وبصحبته من شباب تالة.
أحمد منصور: في أي مرحلة دراسية كان؟
منية بو علي: كان في مرحلة التكوين المهني، يتعلم حرفة يدوية. لقد ترك رحيله فراغاً موحشاً في قلوب رفاقه.
أحمد منصور: وأين كان يقف لحظة إصابته؟
منية بو علي: كان في مقدمة المواجهات، فقد كان شاباً مقداماً وشجاعاً إلى أبعد الحدود. أتذكر أنني كنت أناديه بلهفة: “يا مروان، تراجع.. ارجع يا مروان”، لكنه كان يتحدى الخوف بصدور عارية.
أحمد منصور: إذن، يبدو أن البوليس تعمد استهدافه كونه عنصراً بارزاً ومؤثراً في وسط الشباب؟
منية بو علي: بالتأكيد، كانت عملية اختيار واضحة وممنهجة لتصفية الرموز الشابة الأكثر جسارة.
المطاردة في ردهات المستشفى
أحمد منصور: كيف كان المشهد لحظة سقوطه؟
منية بو علي: حين أسترجع تلك اللحظة الآن، أشعر بالعجز عن الوصف. كان على بُعد نحو مئتي أو ثلاثمئة متر مني. عند سماع الرصاص، لم نكن ندرك في البداية حجم الفاجعة، وكان همّنا إرجاع الشباب إلى الأزقة الجانبية التي لا تستطيع سيارات الأمن دخولها بسبب الحواجز التي وضعها الشباب مسبقاً.
أحمد منصور: ومن أخبركِ باستشهاده؟
منية بو علي: سمعنا صرخات رفيق كان بجانبه لحظة سقوطه. لن أنسى ما حييت مشهد مروان مسجىً على الأرض ورفيقه يمسك بوجهه ويصرخ بمرارة: “استيقظ يا مروان.. استيقظ!”. حملوه إلى المستشفى على أمل إنقاذه، لكن البوليس التونسي أظهر سادية منقطعة النظير، إذ لاحقوهم بالرصاص وبالقنابل المسيلة للدموع داخل أسوار المستشفى.
أحمد منصور: هل كانوا يطلقون القنابل بشكل مباشر؟
منية بو علي: نعم، لم تكن تُطلق بشكل قوسي لتسقط بعيداً، بل كانت تُصوّب بشكل أفقي مباشر نحو الأجساد، مما يجعلها أداة قتل فتاكة إذا أصابت الرأس أو الصدر.
انكسار حاجز الخوف
أحمد منصور: ما هو الأثر الذي تركه استشهاد مروان في نفوس المتظاهرين؟
منية بو علي: لم يزدهم إلا إصراراً وعزيمة. تحولت مشاعر الحزن إلى رغبة عارمة في الثأر والانتقام لدم مروان.
أحمد منصور: وهل تغيرت لهجة الهتافات؟
منية بو علي: تماماً، أصبحت الشعارات أكثر حدة وعنفاً تجاه رجال الأمن. وصموهم بالعمالة لـ “آل الطرابلسي” (عائلة زوجة بن علي)، وجردوهم من صفة “رجال أمن الوطن”، واعتبروهم مجرد حرس خاص للعصابة الحاكمة. ومن هنا توالى سقوط الشهداء.
أحمد منصور: ومن كان الشهيد الثاني؟
منية بو علي: الشهيد “أحمد ياسين الرتيبي”، وقد قُتل بطريقة بشعة للغاية؛ حيث اخترقت جسده أربع رصاصات، والخامسة أصابت معصمه. كان أحمد ياسين رفيقاً لمروان، ولم يفصل بين استشهادهما سوى ساعة ونصف أو ساعتين، وإن كان الزمن في تلك الليلة الدامية قد فقد معناه الحقيقي تحت وطأة الهول.
إليك الجزء الأخير من الحوار، تمت صياغته بأسلوب أدبي بليغ وتنسيق احترافي، يبرز تلاحم أهالي “تالة” في تلك الليلة التاريخية:
ملحمة الصمود
أحمد منصور: إذن، اندفع الناس جميعاً إلى الشوارع في تلك اللحظة؟
منية بو علي: نعم، خرجوا رجالاً ونساءً، في مشهد مهيب لا أظنني سأرى مثله في حياتي مرة أخرى. رأيت الأطفال الصغار يحملون الحجارة ببريق في أعينهم، والنسوة في الستين والسبعين من العمر يقفن أمام المنازل لتفتيت الحجارة وتجهيزها للشباب. كانت ثورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ لم يبقَ في البيوت إلا عاجز. لكن القسوة التي واجه بها الأمن هؤلاء الشباب كانت تفوق الوصف؛ فالمشهد الذي لن يغيب عن مخيلتي هو سقوط شهيد، ثم تقدم أحد رفاقه لحمله، ليقوم ذات القناص بإطلاق النار على الرفيق ليقتله فوق جثمان صديقه.
قصة الشهيدين “بُلعابي” و”الشنتلي”
أحمد منصور: من هما الشهيدان اللذان سقطا في تلك المحاولة الفدائية؟
منية بو علي: الشهيد الثالث كان “أحمد بُلعابي”، وقد ارتقى برصاصة غادرة في منتصف الليل تقريباً.
أحمد منصور: وكم كان يبلغ “أحمد” من العمر؟
منية بو علي: كان في الثلاثين من عمره، بينما كان البقية في ربيع العمر. حين سقط “بُلعابي”، اندفع الشاب الرابع ليحمله فسقط فوقه بطلقة أخرى.
أحمد منصور: ومن هو هذا الشهيد الرابع؟
منية بو علي: هو “الشنتلي”، ابن زميلنا الطيب الشنتلي (عدل التنفيذ). كان شاباً مقبلاً على الحياة، لم يتجاوز العشرين من عمره. هؤلاء الشباب، رحمهم الله، كانوا يمثلون خيرة أبناء المدينة، وقد عاشوا بشخصية “الصعاليك” بمفهومها الإيجابي والنبيل.
أحمد منصور: ماذا تقصدين بهذا المفهوم في هذا السياق؟
منية بو علي: أقصد “الفتوة” والمروءة؛ تلك الشجاعة الإنسانية الفطرية الممزوجة بالشهامة والجسارة، تماماً كما نقرأ في قصائد الفروسية العربية القديمة. لقد كانت شجاعة نادرة لا تعرف الخوف.
غدر القناصة
أحمد منصور: إذن، سقط أربعة شهداء في غضون ثلاث ساعات فقط، فماذا عن الشهيد الخامس؟
منية بو علي: سقط الشهيد الخامس في أواخر الليل بذات الطريقة البشعة؛ قنصٌ محكم استهدف المناطق القاتلة كقلب والحنجرة والرأس. ومنهم من أُصيب برصاصة من الخلف نفذت إلى القلب.
أحمد منصور: من هو الشهيد الخامس؟
منية بو علي: هو “محمد العمري”، شاب في الحادية والعشرين من عمره. كان يتيماً وقد تولت أخته الكبرى “عفاف” (أستاذة التعليم الثانوي) تربيته واحتضانه بعد وفاة والدتهما.
أحمد منصور: لعل جرح فقده كان غائراً في نفس أخته؟
منية بو علي: لقد كانت أختـاً بروحِ أم. في جنازته، رأيت فيها لوعة الأم التي تفقد وحيدها. كانت تسميه “ابني الذي لم أنجبه”، وقد وهبت حياتها لتربية إخوتها. “عفاف” لم تغب عن جلسات المحاكمة يوماً، كانت تحمل صورته وتطالب بالعدالة؛ فإذا سألتها عن أمنيتها، قالت بمرارة: “أريد أن ينال قاتلُ ابني جزاءه العادل”، فهي لا تراه أخاً، بل تراه ابناً وفلذة كبد.
أحمد منصور: قصة الشهيد السادس تبدو مختلفة، سأكمل معكِ تفاصيلها في الحلقة القادمة. شكراً لكِ أستاذة منية.
منية بو علي: شكراً لك.
أحمد منصور: نُكمل في الحلقة القادمة.
محاور الحوار
0:00 المقدمة
0:35 أهمية مدينة تالة
3:30 البُعد العروبي والإسلامي لمدينة تالة
4:33 الأوضاع الاقتصادية في تالا ونزوح أبنائها
6:35 أجواء سبقت الثورة التونسية
8:37 أصداء حادث قيام البوعزيزي بحرق نفسه
10:37 حالة الغليان منذ 17 ديسمبر
12:15 تحركات تالة ومسيرة المحامين في القصرين
13:18 قيادة المحامين للتحركات في المدن التونسية
14:27 عودة الطلاب وتصاعد الغضب وخروج المسيرات
15:25 قمع الأمن التونسي لمظاهرات الطلبة
18:30 تصاعد الأحداث في تالة والقصرين
19:37 إطلاق النار على المتظاهرين وسقوط
22:20 الشعارات في مسيرة تالة 3 يناير والتحركات
26:06 المواجهات بين الأمن والمتظاهرين
27:21 إنهاك الثوار للأمن واستفزازهم
28:23 التصاعد يوم 5 يناير وبداية إطلاق الرصاص
30:23 سقوط الشهداء يوم 5 يناير
31:21 حادثة سقوط الشهيد مروان جملي 17 عام
38:14 تأثير استشهاد مروان وتغير الشعارات
39:10 قصة سقوط الشهيد أحمد ياسين الرتيبي
41:15 إطلاق النار على الشهيد بُلعابي بعد حمله جثة شهيد
43:35 شجاعة الشهداء وانسانيتهم
45:00 مقتل الشهيد الخامس محمد العَمري