يتناول أحمد منصور مع مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق أحمد بنّور ج9 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر الذي جرى بثه في 9 يناير 2013، أحداث الخميس الأسود في تونس، والتي شهدت سقوط مئات القتلى والجرحى بعد مواجهات بين الشعب التونسي وعناصر الجيش والشرطة، ومن المسؤول عنها، وتفاصيل دعم القذافي لهجوم قفصة عام 1980 واستنجاد بورقيبة بالأميركيين والفرنسيين كما تتناول نشأة الحركة الإسلامية ومواجهة بورقيبة لها
نص حوار أحمد بنّور ج9 :
أحداث الخميس الأسود في تونس، ونشأة الحركة الإسلامية
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد بنّور، مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق، سيد أحمد مرحبا بك.
أحمد بنّور: أهلا وسهلا.
الخميس الأسود
أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند أحداث السادس والعشرين من يناير عام 1978، كنت أنت قد قدمت استقالتك في الشهر السابق أنت وستة من الوزراء فيما اعتبر أنه هي الحادثة الأولى في تاريخ الجمهورية التونسية بعد الاستقلال.
أحمد بنّور: بعد استقالة أحمد المستيري عام 1962.
أحمد منصور: أن يقوم مجموعة، هي المرة الوحيدة التي قام فيها 6 وزراء مرة واحدة بتقديم استقالتهم مما هز القصر وأدى إلى.
أحمد بنّور: اهتز الرئيس.
أحمد منصور: وقعت أحداث السادس والعشرين من يناير عام 1978، فتحت النيران على الجوعى الذين خرجوا يحتجون على الأوضاع المتردية، كانت حصيلة ذلك الخميس الأسود أكثر من 500 ضحية بين قتيل وجريح، بدت تونس العاصمة وبقية مدنها من الشمال إلى الجنوب وكأنها ساحة حرب حقيقية، حرائق ودخان ودماء وصراخ وجنازات لم يعرفها أبدا ذلك الجيل الذي ولد في أحضان دولة الاستقلال، كانوا يحلمون بالتغيير فإذا بهم يسقطون ضحايا الرصاص الأعمى، انتهت المعركة في مساء ذلك اليوم لصالح الحزب والجيش والأثرياء الجدد ودعاة التطرف والتسلط، أما الخاسرون في ذلك الوقت فقد كان في مقدمتهم القصر ووسيلة ومعها بورقيبة الذي تهشمت صورته كزعيم والنقابات والشعب الذي تهشم كعشب طري تحت أقدام فيلة مصابة بالسُّعار لخلافة الأسد المريض.
أحمد بنّور: والله أنا.
أحمد منصور: وصف به شيء من البلاغة.
أحمد بنّور: والمبالغة.
حجم الضحايا – جدل الأرقام
أحمد منصور:
لكن حين تسيل دماء الشعب من البسطاء، فلا يمكن الحديث عن مبالغة.
أحمد بنّور:
صحيح، وحتى لو كانت ضحية واحدة. نحن، المجموعة التي استقالت في ديسمبر، كنا نتوقع أن تؤدي هذه المواجهة إلى إراقة الدماء، وعبّرنا عن ذلك كتابةً في رسالة. لكن لديّ تحفظ على الأعداد؛ فالسيد الطاهر بلخوجة يذكر في كتابه سقوط مئتي ضحية، بينما تشير المعلومات التي أملكها، بعد مراجعة المعطيات الأمنية، إلى أن عدد القتلى والجرحى لم يتجاوز 56 قتيلاً ونحو مئة جريح، وليس 200.
أحمد منصور:
أي ما مجموعه 256 بين قتيل وجريح؟
أحمد بنّور:
وهو عدد كبير، بل أكثر مما ينبغي، وأنا أتفق معك.
أحمد منصور:
ومن الشعب البسيط، على أيدي الجيش والأمن.
أحمد بنّور:
يا سيد أحمد، لقد تأثرتُ كثيرًا بما حدث، وتأثرت أكثر خلال مظاهرات الخبز. دعاني آنذاك مدير الأمن، وكنت كاتب دولة للداخلية، وكنت الوزير الوحيد الذي توجه إلى شارع بورقيبة، وتحدثت معه بشأن الزيادة التي أُقرت في سعر الخبز عام 1984.
كنت شديد الحساسية تجاه هذه المسائل.
أحمد منصور:
سنعود إلى ذلك لاحقًا حتى لا نخلط الأمور.
المسؤولون عن الجريمة
أحمد منصور:
من المتهمون بارتكاب هذه الجريمة ضد الشعب التونسي؟
أحمد بنّور:
بطبيعة الحال، تتجه أصابع الاتهام إلى المجموعة التي شجعت السيد الهادي نويرة، في الحزب والحكومة، على قطع العلاقة مع اتحاد الشغل.
أحمد منصور:
من هؤلاء تحديدًا؟
أحمد بنّور:
في ذلك الوقت، كان من أبرزهم وزير الدفاع عبد الله فرحات، ومحمد الصياح مدير الحزب، وهي مجموعة معروفة.
أحمد منصور:
لكن هذه معلومات لا تعرفها أجيال كاملة في تونس والعالم العربي.
أحمد بنّور:
هذه المجموعة هي التي أقنعت الهادي نويرة بأنه لا حل آخر.
أوامر إطلاق النار بأمر كتابي من الرئيس
أحمد منصور:
من الذي أصدر أوامر إطلاق النار على الشعب؟
أحمد بنّور:
أُعطي أمر إطلاق النار بأمر كتابي من الرئيس.
أحمد منصور:
من الرئيس مباشرة؟
أحمد بنّور:
نعم، مباشرة.
أحمد منصور:
إذن بورقيبة هو المسؤول الأول؟
أحمد بنّور:
ليس قتل الشعب، بل التعامل مع مظاهرات.
أحمد منصور:
وهل مواجهة الشغب تكون بإطلاق النار على الناس؟
أحمد بنّور:
لا، بالطبع.
أحمد منصور:
من له الحق في إصدار أوامر للجيش والأمن؟
أحمد بنّور:
الرئيس أصدر أمرًا كتابيًا للجيش بتحمل مسؤوليته وإطلاق النار.
أحمد منصور:
إذن وزير الدفاع متورط؟
أحمد بنّور:
أنت تقول متورط، وأنا أقول تخلّى عن مسؤوليته.
أحمد منصور:
وكان بإمكانه الاستقالة بدل قتل المواطن البسيط.
أحمد بنّور:
هذا رأيك.
دور زين العابدين بن علي والداخلية
أحمد منصور:
ما مسؤولية مدير الأمن؟
أحمد بنّور:
تنفيذ التعليمات، واستتباب الأمن، والتصرف بما يراه مناسبًا.
أحمد منصور:
وكان زين العابدين بن علي مديرًا للأمن؟
أحمد بنّور:
نعم.
أحمد منصور:
ومن كان وزير الداخلية؟
أحمد بنّور:
الضاوي حنابلية، وكان مسؤولًا كذلك.
أحمد منصور:
كيف كانت نتائج الأحداث على الشعب التونسي؟
أحمد بنّور:
خلقت جوًا من الفزع والخوف والحزن، وعدم الاطمئنان للمستقبل. تم اعتقال قيادة اتحاد الشغل وإيداعها السجن، ومحاكمتها أمام محكمة أمن الدولة.
أحمد منصور:
ولُفقت القضايا للاتحاد كما جرت العادة.
أحمد بنّور:
نعم، وخاصة للحبيب عاشور، وتم تنصيب قيادة جديدة، لكن وضع البلاد كان سيئًا للغاية.
أحمد منصور:
هل فُتح تحقيق في هذه الجرائم؟
أحمد بنّور:
لا، لم يتم التحقيق، على حد علمي.
أحمد منصور:
ما أثر ذلك على بورقيبة ونظامه؟
أحمد بنّور:
تأثر كثيرًا، لكنه كان يعتبر أن الأمن شرط أساسي لبقاء الدولة، وكان دائم الخوف من الفتنة، بحكم معرفته بتاريخ تونس وتركيبتها الاجتماعية، فكان الأمن هاجسه الدائم.
صراع الهادي نويرة والحبيب عاشور
أحمد منصور:
كانت فرصة للهادي نويرة للتخلص من الحبيب عاشور.
أحمد بنّور:
لا أعتقد أنه كان يسعى للقضاء عليه، بل لإبعاده. نويرة كان يعرف خطورة الحبيب عاشور كسياسي ونقابي ذكي، وكان يرى أن الحل الأفضل هو خروجه من الساحة.
أحمد منصور:
كانت صحة بورقيبة تتدهور.
أحمد بنّور:
عام 1977 لا أذكر ذلك، ولم يغادر تونس.
أحمد منصور :
كان المرض يسيطر عليه، وكانت زوجته وسيلة طبيبته الخاصة، تتحكم في علاجه وأدويته، وتعاني مفاصله من آلام شديدة، مع رعشة في يديه وفكيه، لكنه ظل محتفظًا بذاكرته ومداركه أحيانًا.
أحمد بنّور:
هذا الوصف أسمع به الآن، ولم يكن يصلنا شيء واضح، ولم نكن نراه، وكانت الأخبار محدودة، ينقلها كاتبه الخاص علاء العويتي رحمه الله.
أحمد منصور:
علاء كان سيقول لك إن الرئيس كان كالأسد، قويًّا ووحشيًّا.
أحمد بنّور:
كنا نراه في التلفزيون، نشاهده نشيطًا، ويمشي على قدميه.
أحمد منصور:
في أوقات الصحو، لأن هناك فترات كان يغيب فيها.
أحمد بنّور:
هذا الوصف، في تقديري، أشك في صحته. كان رجلًا متقدمًا في السن، وله أمراض عولج منها سابقًا، لكنه لم يكن في وضع شخص طريح الفراش طوال اليوم، تتألمه مفاصله، ويعجز الأطباء عن تشخيص حالته. من أين جاء كاتب هذه الروايات بهذه الأخبار؟
أحمد منصور:
عندما أجمع كل المراجع وأضعها جنبًا إلى جنب، تتشكل لدي هذه الصورة.
أحمد بنّور:
كان متعبًا، نعم.
أحمد منصور:
المشكلة أن الوزراء كانوا معزولين عنه، ولم تكن وسيلة تسمح بالوصول إليه.
أحمد بنّور:
أنا لم أكن وزيرًا في تلك الفترة.
أحمد منصور:
لكن عندما غبتَ عن المشهد، وصلك هذا الوصف.
أحمد بنّور:
أؤكد لك، لم أكن وزيرًا، وحتى وسيلة كانت تبلغنا بالحقيقة فيما يخص صحة بورقيبة.
أحمد منصور:
محمد المزالي قال في شهادته معي في برنامج مع العصر إن الرئيس في تلك المرحلة كان يغضب، حتى إنه كان يضرب بعض الوزراء بالعصا ويتفوه بألفاظ نابية.
أحمد بنّور:
لم أسمع قط أنه ضرب الوزراء.
أحمد منصور:
لم تسمع إطلاقًا؟
أحمد بنّور:
لم يحدث. عمره ما ضرب أحدًا.
أحمد منصور:
لكن هذه رواية متواترة.
أحمد بنّور:
مستحيل، من سابع المستحيلات.
أحمد منصور:
الصافي سعيد ينقل عنك أنك قلت إن بورقيبة كان يطوف بعصاه حول الطاولة وينقر أحد الوزراء على رأسه.
أحمد بنّور:
هذا كذب. لم ألتقِ الصافي سعيد في حياتي، لا في باريس ولا في أي مكان، ولم أتحدث معه يومًا في شأن يخص النظام أو بورقيبة. وأنا مستعد لمواجهته أمامك. لم أرَ الرئيس يحمل عصًا أصلًا.
أحمد منصور:
لكن المزالي قال ذلك أيضًا.
أحمد بنّور:
أنا أكذّب هذا الكلام، سواء نُسب للصافي أو لغيره.
أحمد منصور:
ربما لم يضرب أمامك، وربما فعل ذلك في غيابك.
أحمد بنّور:
مستحيل. بورقيبة لا يضرب وزيرًا. أتذكر حادثة واحدة فقط غضب فيها من وزير في مجلس الوزراء، وكنت حاضرًا ومعي محمد المزالي. غضب لأنه بلغه أن الوزير غير مهتم بالمشاريع المكلف بها.
أحمد منصور:
وتلفظ بألفاظ نابية؟
أحمد بنّور:
غضب بشدة، نعم، لكنها المرة الوحيدة التي أتذكرها.
أحمد بنّور:
في المساء استدعى الوزير نفسه، وبكى الاثنان معًا، وطلب منه السماح، لأن الوزير قدم استقالته قائلاً إنه لم يعد محل ثقة. فرفض الرئيس استقالته واعتذر له.
أما القول إنه كان يضرب الوزراء، فهذه من المستحيلات.
أحمد منصور:
لكن المزالي قال ذلك على الهواء.
أحمد بنّور:
لا أذكر هذا، ولم أشهد شيئًا من هذا القبيل.
أحداث قفصة
أحمد منصور:
القذافي كان يشكل قلقًا كبيرًا لبورقيبة، ومنذ فشل الوحدة لم يتركه، وظهرت أزمة الجرف القاري، ثم أُعدّت خطة الهجوم على قفصة فجر 27 يناير 1980. ما معلوماتك عن ذلك، وأنت كنت خارج السلطة؟
أحمد بنّور:
كنت خارج السلطة، نائبًا في البرلمان فقط. فوجئنا بعملية خطيرة، أعلنت الحكومة أن مجموعة من التونسيين دخلوا عبر الحدود الجزائرية، مكثوا ثلاثة أسابيع، ثم هاجموا مدينة قفصة.
أحمد بنّور:
هاجموا الثكنتين العسكريتين، وقتلوا جنودًا مجندين، وكان برنامجهم السيطرة على قفصة وإعلان حكومة مؤقتة.
أحمد منصور:
أربعون شخصًا ليقيموا حكمًا؟
أحمد بنّور:
قُتل ما لا يقل عن 46 أو 47 شخصًا، منهم 24 من الجيش و22 مدنيًا، ومن المجموعة المهاجمة قُتل ثلاثة فقط.
قيادات العملية – خلفيات قديمة
أحمد منصور:
من العربي العكرمة وعز الدين الشريف؟
أحمد بنّور:
من بقايا مؤامرة 1962. العكرمة من عائلة العكرمي، والشريف كان محكومًا بعشر سنوات سجن.
أحمد منصور:
ما طبيعة الترتيب بين ليبيا والجزائر؟
أحمد بنّور:
حسب ما اطلعت عليه، الجزائر لم تكن طرفًا مباشرًا. التنظيم بدأ الإعداد منذ 1978، بتنسيق مع مكتب العالم العربي في ليبيا، وتحت اسم حركة جبهة تحرير تونس.
أحمد منصور:
كان بورقيبة يخاف من بومدين كما كان يخاف من القذافي.
أحمد بنّور:
لم يكن يرتعب. كان واثقًا بنفسه وبوطنيته، وبالعلاقات التي بناها لتونس، وبسمعته الشخصية غير المرتبطة بالفساد.
أحمد منصور:
لكنه أحاط نفسه بالفاسدين.
أحمد بنّور:
هو شخصيًا لم يكن فاسدًا.
أحمد منصور:
معلوماتك اعتمدت على اطلاعك على ملفات الجزائر عندما أصبحت مديرًا للأمن.
أحمد بنّور:
صحيح. كنت مؤمنًا بأن العلاقة التونسية الجزائرية يجب أن تكون في أفضل حال. أول ما قمت به هو ربط الصلة مع الأمن الجزائري، وقد أكدوا لي أن بعض العناصر كانت تُستعمل لنقل السلاح من ليبيا إلى الصحراء الغربية لصالح البوليساريو، وكان عز الدين الشريف من بين المكلفين بذلك.
أحمد منصور: عزّ الدين الشريف.
أحمد بنّور: عزّ الدين الشريف حين مرّ بالجزائر.
أحمد منصور: ضابط جزائري؟
أحمد بنّور: ضابط جزائري في الأمن العسكري، لكن تلك الفترة صادفت انتقال السلطة من هواري بومدين إلى الشاذلي بن جديد، فعاشت الجزائر مرحلة خاصة.
أحمد منصور: مرحلة عدم استقرار.
أحمد بنّور: ليس عدم استقرار بالمعنى الدقيق، بل كان الجيش والسلطة يفكران في كيفية سدّ الفراغ الكبير الذي خلّفه بومدين، إذ إن وفاته لم تكن متوقعة. وحسب ما أفادني به الإخوة في الجزائر، فإن هذا الضابط لم يبلّغ بالمعلومات التي كانت لديه، لأن الجزائر كانت على اتصال وتودّ معرفة نوعية الأسلحة التي تصل إلى البوليساريو وتمر عبر أراضيها.
المهم أن المجموعة دخلت إلى تونس، ونُفذت العملية بأسلحة ليبية، وجوازات سفر مزوّرة في ليبيا، وجيء بمجموعة من التونسيين الموجودين في بيروت للمشاركة، ومكثوا في تونس نحو ثلاثة أسابيع.
والأمر اللافت، والذي أعتبر من واجبي أن أصرّح به للمواطنين، أنه كان هناك مخبر، اطّلعت على ملفه في أرشيف الأمن، وكان على اتصال بالأمن التونسي، وقد قدّم لهم معلومات عن هذه المجموعة.
أحمد منصور: قدّم لهم معلومات؟
أحمد بنّور: نعم، وذلك ليلة 31 ديسمبر.
أحمد منصور: تقصد الأمن التونسي التابع لزين العابدين بن علي آنذاك؟
أحمد بنّور: نعم، سيدي. هذا الشخص، وقد نسيت اسمه، توجّه ليلة غرّة يناير إلى سفارتنا.
أحمد منصور: أي سفارة؟
أحمد بنّور: السفارة التونسية.
أحمد منصور: أين؟
أحمد بنّور: في طرابلس.
أحمد منصور: في ليبيا؟
أحمد بنّور: نعم.
أحمد منصور: أي إن هذا الشخص حصل على المعلومات في ليبيا، وكان يعمل مع الأمن التونسي الذي كان يرأسه زين العابدين بن علي.
أحمد بنّور: صحيح. توجّه إلى السفارة التونسية وطرق باب القائم بالأعمال، واسمه عزّ الدين منصور، دبلوماسي من قرقنة، رجل كفء وما زال حيًا. قال له: لديّ أمر مؤكد يجب تبليغه إلى تونس. فاستقبله، وحرر برقية مشفّرة.
أحمد منصور: سرية.
أحمد بنّور: نعم، سرية، وأرسلها إلى تونس، إلى الأمن التونسي، مضمونها أن مخبركم فلان جاءني في الليلة الفلانية، وأبلغني أن المجموعة تحركت من ليبيا إلى الجزائر ثم إلى تونس في التوقيت الفلاني.
أحمد منصور: قبل العملية بكم؟
أحمد بنّور: بعشرين يومًا.
أحمد منصور: عشرون يومًا؟
أحمد بنّور: نعم. والبرقية موجودة في وزارة الخارجية التونسية. والسؤال الذي يطرحه المرء: لماذا لم تُتخذ الاحتياطات؟ لماذا لم تُفعّل الإجراءات؟ لماذا لم يقع استنفار أمني؟ ولماذا لم يُكتشف وجود المجموعة إلا صباح 26 يناير، حين خرجوا من أماكنهم وتوجهوا إلى الثكنة وبدأوا إطلاق النار؟
أحمد منصور: أصدروا بيانًا، والطاهر بلخوجة نقل عن وكالة الأنباء الفرنسية أن التدخل جاء في الذكرى الثانية لمجزرة 26 يناير 1978، كنقطة انطلاق لتحرير البلاد من دكتاتورية الحزب وهيمنة الاستعمار الجديد.
أحمد بنّور: هذه المجموعة كان لها برنامج سياسي، وكانت مرتبطة بليبيا.
أحمد منصور: وكانوا نحو أربعين شخصًا.
أحمد بنّور: تقريبًا أربعون، وقد حوكموا.
أحمد منصور: هل كان الهدف مجرد زعزعة النظام؟
أحمد بنّور: زعزعة قد تؤول إلى السيطرة على منطقة كاملة في الجنوب التونسي.
أحمد منصور: أو تحريض فصائل أخرى من الجيش في ظل حالة التذمر.
أحمد بنّور: التذمر موجود في كل بلد، ولا يوجد بلد يعيش أهله جميعًا في رفاه كامل.
أحمد منصور: لكن التذمر في تونس كان أكبر بسبب الظلم والاستبداد.
أحمد بنّور: اسمح لي أن أقول إن تونس لا تملك بترولًا ولا موارد طبيعية كبيرة، ومع ذلك وضعها أفضل من بلدان أخرى غنية بالموارد.
أحمد منصور: الناس لا تبحث عن القليل، بل عن العدالة، عن الثروة التي تتركز في يد فئة واحدة، بينما يعاني باقي الشعب من الفقر والبطالة.
أحمد بنّور: هذا لم يكن قائمًا في عهد بورقيبة، على مستوى شخصه.
أحمد منصور: إذن لماذا خرج الناس بسبب الجوع؟
أحمد بنّور: خرجوا مطالبين بحقوقهم وزيادة الأجور.
أحمد منصور: ثم خرجوا بسبب الخبز.
أحمد بنّور: مسألة أخرى، وليست هي نفسها. وهذه المجموعة كان برنامجها ذا توجه قومي عربي، يهدف إلى إلحاق تونس بليبيا.
أحمد منصور: أول ما فعله بورقيبة أنه استنجد بالأميركيين والفرنسيين، كما قال الطاهر بلخوجة: فرنسا أرسلت طائرات نقل ومروحيات ومستشارين عسكريين، والولايات المتحدة أرسلت سفنًا حربية وطائرات، كما أرسل الحسن الثاني دعمًا جويًا.
أحمد بنّور: لم تُسلَّم لنا طائرات، كان وجود الأسطول السادس معنويًا فقط.
أحمد منصور: وجوده بحد ذاته رسالة.
أحمد بنّور: تونس بلد صديق للولايات المتحدة.
أحمد منصور: والصداقة ليست بلا مقابل، ماذا قدمتم؟
أحمد بنّور: قدمنا الاستقرار، والاتفاق على القيم، ومقاومة الشيوعية.
أحمد منصور: وغير ذلك؟
أحمد بنّور: كان بورقيبة صديقًا قديمًا لأميركا وفرنسا، ولم يكن من مصلحتهما سقوط النظام.
أحمد منصور: قُتل ستون وجرح مئة شخص.
أحمد بنّور: لا، العدد 47: خمسة وعشرون عسكريًا واثنان وعشرون مدنيًا.
أحمد منصور: ما أثر المحاولة على بورقيبة ونظامه؟
أحمد بنّور: لم يغير برنامجه، كان في نفطة، على بعد مئة كيلومتر من قفصة، وخلال أربع وعشرين ساعة تمت السيطرة على الوضع.
أحمد منصور: ألم تكشف هشاشة النظام؟
أحمد بنّور: لا أتصور ذلك، فقد أُلقي القبض عليهم سريعًا.
أحمد منصور: لكنكم استنجدتم بالأميركيين والفرنسيين.
أحمد بنّور: كانت صدمة سياسية، لأن المؤامرة جاءت من دولة جارة، لا من غضب شعبي داخلي.
أحمد منصور: النظام كان هشًا.
أحمد بنّور: لا، الذي تصدى هو الجيش والشرطة والحرس الوطني التونسي.
أحمد منصور: بورقيبة عاد بقوة، بينما أُصيب الهادي نويرة بجلطة، وأقال بورقيبة وزير الداخلية ومدير الأمن، وعيّنك أنت مديرًا للأمن.
أحمد بنّور: لا أعلم لماذا يقال إن بن علي لم يكن يحبني، كنت رئيسه، وعملنا معًا فترة قصيرة.
أحمد بنّور: احترمته.
أحمد منصور: حياتك كلها دفعت ثمن هذا الأمر، كما ذكرت إحدى الصحف الفرنسية أنك تدفع ثمن كون زين العابدين بن علي كان رئيسك في فترة ما، وكان يحييك.
أحمد بنّور: ربما كان لديه هذا المركّب. كنت أذهب إلى تونس وأخاطبه قائلًا: سيدي الرئيس، وانتهى الموضوع. على كل حال، ليس هذا هو الموضوع الآن.
أحمد منصور: كيف تلقيت خبر تعيينك مديرًا للأمن؟
أحمد بنّور: والله لم أكن سعيدًا، لم أكن سعيدًا إطلاقًا.
أحمد منصور: لماذا؟
أحمد بنّور: لأنني أعرف أن الهادي نويرة انتهى به الأمر إلى السجن.
أحمد منصور: مدراء الأمن إما يذهبون إلى السجن أو يصبحون رؤساء.
أحمد بنّور: كانت الأمور تسير بطبيعتها، ولا أحد يقول لك “بارك الله فيك” إلا الرئيس، هو وحده من يقول ذلك.
أحمد منصور: وكلما قمعت الناس قالوا لك “بارك الله فيك”.
أحمد بنّور: وإذا أخطأت خطأً واحدًا وقعت في مشكلة.
أحمد منصور: وتذهب إلى السجن.
أحمد بنّور: نعم، أو تصبح محل شبهة وتدخل في متاعب. لذلك، اتصل بي السيد إدريس قيقة رحمه الله، وقال لي: أنا والرئيس قررنا كذا وكذا. قلت له: وماذا لديّ؟ قال: لأن لديك ميزة، تعرف الأمن وتعرف الدفاع، ونحن بعد أحداث قفصة نعيش وضعًا خطيرًا، ونحتاج إلى إعادة النظر في التنظيم الأمني. ليس معقولًا أن تعيش مجموعة من 40 أو 45 شخصًا في قفصة عشرين يومًا، يأكلون ويشربون دون أن ينتبه إليهم أحد، ثم ينفذون ما نفذوه.
تحدثنا ساعتين كاملتين، وقلت له: حسنًا، لكنك ستذهب إلى الرئيس لتخبره بعدم موافقتي؟ قال: نعم. قلت له: اذهب إليه، وهو يعاني من مشاكل، وتقول له إن فلانًا رفض؟ تفضل.
أحمد منصور: مدير الأمن هو الأقوى، ومعه وزير الداخلية في تونس.
أحمد بنّور: مدير الأمن يختاره الرئيس دائمًا، ويحرص على أن تكون له علاقة خاصة به. ومن حسن الحظ أن الرئيس كان يعرفني جيدًا، فقد كنت واليًا وكاتب دولة للدفاع. وعندما ذهبت إليه بعد تعييني وسلمت عليه، كان فرحًا ومسرورًا، وقال إن الأمور عادت إلى مجراها.
أحمد منصور: هل كلفك بشيء خاص في البداية؟
أحمد بنّور: لا، قال لي: انظر في ملف قفصة، تابع الموضوع، واقترح إصلاحات وتغييرات، وتعاون مع إدريس قيقة، وبلغه بما تستطيع القيام به.
أحمد منصور: بخلاف قفصة، هل كانت هناك ملفات أساسية أخرى؟
نشأة الحركة الإسلامية
أحمد بنّور: الملف الأساسي آنذاك كان ملف الاتجاه الإسلامي، فقد بدأت الحركة الإسلامية في تونس تتطور.
أحمد منصور: كيف نشأت حركة الاتجاه الإسلامي؟ وماذا وجدت في الملف الأمني عندما توليت المسؤولية؟
أحمد بنّور: بصراحة، لم أجد شيئًا متكاملًا. كانت هناك معرفة عامة بالجذور والأشخاص، لكن في مارس 1981 اندلعت إضرابات عنيفة.
أحمد منصور: قادها الاتجاه الإسلامي في الجامعة خصوصًا.
أحمد بنّور: في الجامعة وفي المدارس الثانوية. فقمنا بإعداد خريطة تنظيمية جديدة للاتجاه الإسلامي في تونس.
أحمد منصور: كيف كانت هذه الخريطة؟
أحمد بنّور: اكتشفنا أمورًا غريبة، وجدنا تنظيمًا يغطي البلاد كلها، اتحادات جهوية ومكاتب جهوية، وفي كل مدرسة مجموعة من التلاميذ تمثل فرعًا، وفي كل كلية فرع للاتجاه الإسلامي.
أحمد منصور: هل وُلد هذا بين ليلة وضحاها؟
أحمد بنّور: لا، لا بد أنه بُني خلال ثلاث سنوات على الأقل.
أحمد منصور: منذ متى بدأ هذا التنظيم؟
أحمد بنّور: ربما منذ 1977 أو 1978 أو 1979، وفي عام 1981 أصبح التنظيم قويًا جدًا. وعندما أُعلم الرئيس بذلك، ذُهل.
أحمد منصور: من أعدّ هذا الملف؟
أحمد بنّور: الأمن، ووزعناه على الحكومة.
أحمد منصور: لكن في فترة بن علي لم تكن هناك ملفات واضحة عن الاتجاه الإسلامي.
أحمد بنّور: الملفات التي رأيتها كانت محدودة، وليست عملًا علميًا دقيقًا.
أحمد منصور: لكنك أول من عمّق دراسة هذا الملف.
أحمد بنّور: هذا موجود في الأرشيف، وأنا لا أقول إلا الحقيقة.
أحمد منصور: والذي دفعك لذلك مظاهرات مارس 1981.
أحمد بنّور: نعم، كانت مظاهرات عنيفة، خصوصًا في المدارس. كنت أستدعي بعض التلاميذ الموقوفين إلى مكتبي خارج أوقات العمل، وأحاورهم: لماذا انضممتم إلى الاتجاه الإسلامي؟ فوجدت نوعًا من غسل الأدمغة، من خلال المساجد، سواء مسجد المدرسة أو الحي، وبوجود مدرسين وغيرهم. التنظيم كان محكمًا.
كان أحدهم يقول لي: لا نريد الخمر في تونس. فقلت له: وماذا عن السياحة؟ من أين نأتي بالعملة الصعبة؟
أحمد منصور: ومن الخمر والدعارة.
أحمد بنّور: دعنا من الدعارة.
أحمد منصور: لا.
أحمد بنّور: قلت له إن السياحة مورد أساسي، ولا يمكن أن تأتي السياحة دون بعض الأمور التي يعتبرونها محرمة.
أحمد منصور: أنت تبني السياحة على الخمر والدعارة.
أحمد بنّور: السياحة ليست دعارة، وفي كل بلد توجد انحرافات، لكنها ليست أساس السياحة.
أحمد منصور: لكنها معلنة رسميًا في تونس.
أحمد بنّور: لا، ليست معلنة رسميًا، هناك سلوكيات فردية ومحدودة، وليس كل السياح كذلك.
أحمد منصور: تونس جميلة من دون خمر ومن دون دعارة.
أحمد بنّور: لكن السائح الأوروبي لا يأتي إلا إذا كان مرتاحًا.
أحمد منصور: سيأتي.
أحمد بنّور: لا أعتقد.
أحمد منصور: أنت تبني موارد البلد على ما يراه الناس حرامًا، ثم تستغرب صدامك مع هويتهم.
أحمد بنّور: أنا مسؤول عن دولة، وعن ميزانية، وعن تنمية.
أحمد منصور: تنمية بالخمر والدعارة.
أحمد بنّور: السياحة مورد أساسي، ولا يمكن أن تُدار الدولة بناءً على رأي شاب عمره 16 سنة.
أحمد منصور: هو صاحب بلد.
أحمد بنّور: له حق الرأي، لكن ليس فرض رأيه.
أحمد منصور: فقمتم بقمعه وتجفيف منابع الدين.
أحمد بنّور: لم تُغلق المساجد في عهد بورقيبة.
أحمد منصور: كانت تُفتح من الفجر إلى العشاء.
أحمد بنّور: أنا أتحدث عن تلك الفترة، لا عن الوضع الحالي.
أحمد منصور: لكنها بدأت في عهد بورقيبة.
أحمد بنّور: لا، لم تبدأ حينها. المهم أنني قلت للرئيس إن الاعتقالات لا تحل المشكلة.
أحمد منصور: ومع ذلك قُبض على راشد الغنوشي.
أحمد بنّور: للتاريخ، أنا كنت غائبًا. الغنوشي ذهب إلى المنستير، ثم ألقى خطبة، وطاردته الشرطة، فاعتبر الرئيس ذلك تحديًا، وأصدر التعليمات بنفسه.
أحمد منصور: أي أن الرئيس هو من أمر بالقبض عليه.
أحمد بنّور: نعم.
أحمد منصور: وجئتم بأئمة تابعين للأمن.
أحمد بنّور: لا، حدثت اعتراضات محلية على تعيين إمام معين.
أحمد منصور: الخطباء كانوا يمجدون السلطة.
أحمد بنّور: لم يكن تمجيد بورقيبة شائعًا في المساجد آنذاك.
أحمد منصور: اليوم تقول إن الإسلاميين لهم حق التنظيم.
أحمد بنّور: نعم، الآن أرى ذلك، لكن وقتها كان الرئيس يضع فيتو.
أحمد منصور: لأنه لا يرى إلا نفسه.
أحمد بنّور: بورقيبة لم يكن دكتاتورًا، وكان يغير رأيه.
أحمد منصور: كل هذا وليس دكتاتورًا؟
أحمد بنّور: المشكلة في النفاق السياسي. لو كان المسؤولون صرحاء معه لتغيرت الأمور.
أذكر أنه اتصل بي أثناء إضرابات الطلبة، وقال لي: أوقفهم. فذكّرته بخطابه عام 1960 عن حكم الشعب الواعي. قلت له: دع وزير التعليم العالي يتفاوض، فالإيقافات لا تحل المشكلة. تأثر وبكى واحتضنني.
أحمد منصور: أضحك على شخصية بورقيبة.
أحمد بنّور: كان صادقًا حين يجد من يصارحه.
أحمد منصور: لكنكم في النهاية قمتم بالقمع.
أحمد بنّور: لا في ملف الطلبة، لكن لاحقًا حُسم ملف الاتجاه الإسلامي، خاصة بعد العثور على وثائق تدعو إلى التغلغل في الجيش والأمن.
أحمد منصور: التغلغل؟ أليسوا مواطنين تونسيين؟
أحمد بنّور: لا، بصفة تنظيمية حزبية.
أحمد منصور: وماذا في ذلك؟
أحمد بنّور: ماذا تقصد بالاندساس؟ هل يعني أن يندسّ المناضل داخل الجيش؟
أحمد منصور: أي يصبح عضوًا في الجيش، لا مجرد مواطن تونسي.
أحمد بنّور: الاندساس لا يعني دخول الجيش بحد ذاته، بل يعني ربط صلات بأفراد الجيش، وبمسؤولي الأمن، وبأعوانه، واستدراجهم، والحصول منهم على معلومات. هذا هو المقصود.
أحمد منصور: الوصول إلى السلطة في العالم العربي، بل في العالم عمومًا، يتم بطريقتين.
أحمد بنّور: أنت تبرر ذلك.
أحمد منصور: إما اغتصاب السلطة عبر انقلاب عسكري، كما فعل معظم حكام العرب، وإما الوصول إليها بطريقة ديمقراطية، وهو أمر شبه معدوم في الدول العربية.
أحمد بنّور: والحل إذن هو الاندساس؟
أحمد منصور: من حق كل طرف أن يحاول الوصول إلى السلطة، حتى عبر الانقلاب.
أحمد بنّور: سأشرح لك أن هذا الأمر، والذي وقع قبل خمسة وعشرين عامًا، وضع الحكومة في حيرة كبيرة، خصوصًا مسألة تغيير الأئمة. ثم إن الشيخ راشد الغنوشي لم يكن يفهم وجهة نظرنا، كان يقول: أنا في بلادي، ومرتاح، ثم تأتي لتتحداني وتلقي خطابًا في الجامع.
أحببت أن أشرح لك الظروف التي جعلت الرئيس يتخذ ذلك القرار. ففي عام 1983، وبعد سنتين، حاول السيد محمد المزالي إقناع الرئيس بأن عبد الفتاح مورو، الأمين العام، الذي كان محكومًا بعشر سنوات، يقضي بقية العقوبة في منزله، وقد عاد فعلًا إلى بيته. وفي عام 1984 تمت مراسلة وُقّعت من عبد الفتاح مورو ومحمد المزالي ووقّعها الشيخ راشد، فعفا عنهم الرئيس في 3 أغسطس.
أحمد منصور: قصي صالح الدرويش في كتابه «حدث في تونس» يقول إن حركة الاتجاه الإسلامي ليست كغيرها من الحركات الإسلامية، فهي تؤمن بالمشروع السياسي القائم، ولا تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، بل هي حركة سياسية كبقية الحركات، ومع ذلك لم يستطع النظام استيعابها أو التعايش معها.
أحمد بنّور: أود أن أوضح أمرًا هنا. ما ذكره قصي الدرويش يعبر عن موقف لاحق من الاتجاه الإسلامي وتجربته، لكن في تلك الفترة كانت لديّ كتابات تدل على وجود ازدواجية في الخطاب.
أحمد منصور: لكنه كتب كتابه في وقت مبكر.
أحمد بنّور: نعم، لكنه في تلك المرحلة كانت هناك مؤشرات على ازدواجية اللغة والخطاب.
أحمد منصور: لكنكم لفّقتم أيضًا اتهامات، مثل ربط حركة النهضة بإيران والتخابر معها، مع أن إيران نظام شيعي، والحركات الإسلامية السنية مختلفة تمامًا.
أحمد بنّور: ما وجدناه آنذاك أن مراجعهم الفكرية لم تكن مقتصرة على سيد قطب فقط.
أحمد منصور: سيد قطب مفكر إخواني سني من مصر.
أحمد بنّور: نعم، لكن كانت هناك أيضًا مرجعية علي شريعتي، وهو إيراني.
أحمد منصور: علي شريعتي، رغم إيرانيته، فكره قريب من أهل السنة، وفكره يقرأه الجميع.
أحمد بنّور: صحيح، لكن كانت هناك ملاحظات أخرى. ومع ذلك، أنا اليوم من أفضل الناس علاقة بالإخوة في الاتجاه الإسلامي، وكنت منذ زمن من الداعين إلى الاعتراف بالنهضة في تونس، وأن يكون لها نشاط سياسي قانوني، وأن تدخل كحزب سياسي.
أحمد منصور: لكنك أول من ذبحهم.
أحمد بنّور: لا، لست أول من ذبحهم.
أحمد منصور: أنت من كشف التنظيم.
أحمد بنّور: نعم، كشف التنظيم كان عملي، لكنني لم أكن موافقًا على التوقيت. تنفيذ التعليمات شيء، والموقف الشخصي شيء آخر. ثم إن الخطاب السياسي للنهضة اليوم واضح، سواء في ما يتعلق بالشريعة أو بنظام الحكم أو بعدم الخلط بين الدين والسياسة. أما في عام 1981، وحتى بعد مؤتمرَي 1985 و1986، فكان الخطاب فيه ازدواجية.
أحمد منصور: وفي عام 1987 كانت هناك محاكمة أخرى، وسنصل إليها، وقد بدأ آنذاك جو من الانفتاح النسبي.
أحمد بنّور: دعني أوضح نقطة، الرئيس كان سياسيًا بامتياز.
أحمد منصور: من تقصد؟
أحمد بنّور: الرئيس. قيل له إن عبد الفتاح مورو قد تجاوز محنته، فقال: ليتفضل. ثم قالوا له إن الغنوشي أرسل رسالة يعترف فيها بأن الاتجاه الإسلامي لا يتجه إلى العنف، ففتح الباب وأفرج عنهم.
أحمد منصور: عبد الفتاح مورو من أرقى الشخصيات، كان خطيبًا مفوهًا، صاحب كاريزما، يجمع الناس حوله، وهذا ما يخيف الأنظمة، ولذلك شُوّهت صورته لاحقًا بشكل مؤذٍ.
أحمد بنّور: نعم، كان ذلك عيبًا، وأنا أتفق معك، وأدين ما فُعل به. والله عيب، ولا يستحق ما تعرض له. وللعلم، منذ دخوله تونس عام 1988 لم يغادرها. قابلته حين عدت إلى تونس عام 1988، وكان قادمًا من السعودية إلى باريس ثم إلى تونس. وهذه أول مرة أذكر هذا الأمر. تحدثنا طويلًا، وقلت له: يا سي عبد الفتاح، لن تغادر تونس ما دمت حيًا، وقد حدث فعلًا. حتى حين دُعي إلى المغرب لحضور مناسبة في رمضان، مُنع من السفر في المطار. تخيل، شخص مثقف ومحترم يُمنع من السفر عشرين سنة.
أحمد منصور: في الأول من نوفمبر عام 1981 أُجريت أول انتخابات تعددية في تونس، وتم تزويرها بشكل واسع. كنت آنذاك مدير الأمن، وأحد المشرفين على عملية التزوير. في الحلقة القادمة نبدأ في كشف كيف زُورت انتخابات 1981.
أحمد بنّور: للمعلومة فقط…
أحمد منصور: سنرى التفاصيل في الحلقة القادمة. شكرًا جزيلًا لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد بنّور، مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق.
في الختام، تقبلوا تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
0:00 1978احتجاجات على الأوضاع المتردية 26 يناير عام
2:38 ضحايا ودماء بعد مواجهات من الجيش والشرطة والمسؤولون عن الجريمة
5:36 اصدار أمر كتابي بإطلاق النار على المتظاهرين ونتائج الخميس الأسود
8:50 سيطرة المرض على بورقيبة ودور وسيلة في فترة مرضه
11:45 ضرب بورقيبة الوزراء بالعصا
14:20 القذافي وخطة للهجوم على قفصة
17:20 الدور الجزائري في هجوم قفصة 1980
21:05 معلومات للسفارة التونسية بطرابلس بشأن مجموعة الهجوم
25:03 استنجاد بورقيبة بالأميركان والفرنسيين
26:16 47 قتيل في هجوم قفصة
28:48 موت بنويرة وتعيين إدريس قيقة وأحمد بنّور في الوزارة
31:58 نشأة حركة الاتجاه الإسلامي في تونس
33:58 تمحيص بنّور لقضية الاتجاه الإسلامي
37:03 تعارض الاتجاه الإسلامي مع توجه الدولة للسياحة والخمر والدعارة
38:42 القبض على راشد الغنوشي والقيادات والكثير من الطلاب
43:26 وثائق للاندساس داخل الجيش
45:30 اتجاه الإسلاميين في تونس