يتناول أحمد منصور مع مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق أحمد بنّور ج8 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 2يناير 2013، الاضطرابات التي عاشتها تونس، بعد اشتداد مرض بورقيبة وزيادة نفوذ وسيلة بن عمار، وتفاصيل صراعها مع الوزير الأول الهادي نويرة، كما تتناول الأزمة المتصاعدة بين اتحاد الشغل والحكومة وتفاصيل الاستقالات الجماعية لوزراء في الحكومة التونسية..
أحمد بنّور ج8:
الاضطرابات في تونس بعد اشتداد مرض بورقيبة وزيادة نفوذ وسيلة
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد بنّور مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق سيد أحمد مرحبا بك..
أحمد بنور: أهلا وسهلا.
أحمد منصور: في 14 من يناير عام 1974 وبعد يومين فقط من توقيع الوحدة الفاشلة بين القذافي وبورقيبة في جربة تم تعيينك كاتبا للدولة للدفاع الوطني وكنت قبلها واليا لسوسة ما سر هذا التعيين في هذا الوقت؟
أحمد بنور:
كنتُ في مكتبي بمدينة سوسة حين اتصل بي الوزير الأول، الهادي نويرة، وأبلغني بأن مهمتي في سوسة قد انتهت، وأن رئيس الجمهورية عيّنني كاتبَ دولة. كان الأمر مفاجئًا بالنسبة إليّ، إذ لم أكن على علم مسبق بهذا القرار، ولم أفهم أبعاده في البداية. لكنني، وبحكم إحساسي السياسي، كنت أرى أن مشروع الوحدة – كما طُرح – مآله الفشل.
أحمد منصور:
هل كنتَ تدرك منذ اليوم الأول أن هذه الوحدة محكوم عليها بالفشل؟
أحمد بنور:
نعم، شخصيًا لم أكن مرتاحًا. لم تكن لديّ معلومات كافية أو معطيات دقيقة، لكن كيف يمكن تصوّر وحدة تُوقَّع في فندق خلال ساعة واحدة، ويُلغى فيها كيان الدولة وتاريخها في لحظة؟
الوحدة في جوهرها فكرة سامية وهدف نبيل، لكن ما حدث افتقر إلى التنسيق المرحلي، ولم تُدرس البرامج التربوية أو الثقافية أو الاقتصادية، فضلًا عن التناقض الواضح في التوجهات السياسية؛ فبينما كان العقيد القذافي يهاجم الولايات المتحدة والغرب باستمرار، كانت تونس حليفًا للولايات المتحدة. فكيف يمكن تحقيق الانسجام في مثل هذا الوضع؟
أحمد منصور:
وأنتم كنتم حلفاء للولايات المتحدة.
أحمد بنور:
نعم، وهذا ما زاد من شكوكي. كيف يمكن تحقيق هذا التناسق؟ وكيف يتم التنسيق؟ رغم قلة خبرتي آنذاك، كنت مقتنعًا بأن هذه الوحدة ستنتهي بالفشل. وفي اليوم نفسه، عُيّنتُ كاتبَ دولة، كما عُيّن الهادي خفشة – رحمه الله – وزيرًا للدفاع.
وزارة الدفاع ورجل الدولة
أحمد منصور:
الهادي خفشة كان وزير داخلية فاشلًا، وفي عهده هرب أحمد بن صالح من السجن. وكان بورقيبة، كما يُقال، يُدوّر الفاشلين في المناصب.
أحمد بنور:
أختلف مع هذا التوصيف. الهادي خفشة، رحمه الله، كان رجل دولة نزيهًا. هو في الأصل محامٍ، وعندما كلّفه الرئيس بوزارة العدل، أجرى إصلاحات قانونية مهمة وكان في مستوى المسؤولية. كان يحظى بثقة الرئيس، وأنا شخصيًا لم أعمل معه من قبل، لكنني اكتشفت فيه رجل دولة حقيقيًا.
أحمد منصور:
وما مفهوم “رجل الدولة” لديك؟
أحمد بنور:
رجل الدولة هو من يمتلك حسّ الدولة، ويحترم مؤسساتها وأصولها.
أحمد منصور:
لكن الفرق كبير بين رجل الدولة ورجل النظام، وأنتم كنتم رجال نظام أكثر من كونكم رجال دولة.
أحمد بنور:
يمكن أن تكون وفيًّا للنظام، لكن مع ذلك تمتلك حسّ الدولة. المشكلة في تاريخنا الحديث أن كثيرًا من المسؤولين افتقروا إلى الشجاعة للتعبير الصريح عن آرائهم.
بورقيبة كان يسمع الرأي، وقد يغضب، لكنه كان يتراجع إذا اقتنع. غير أن ذلك كان يتطلب شجاعة، وهذه الشجاعة – للأسف – كانت مفقودة لدى كثير من الإطارات الحكومية والإدارية، وهي من صفات رجال الدولة لا رجال الأنظمة.
أحمد منصور:
ما الفرق بين كاتب الدولة والوزير؟
أحمد بنور:
الوزير هو المسؤول الأول، أما كاتب الدولة في تونس فصلاحياته محدودة، بخلاف فرنسا حيث يتمتع كاتب الدولة بصلاحيات واضحة وميزانية مستقلة يحددها القانون.
في تونس، كاتب الدولة لدى وزير الدفاع لا يتمتع إلا بالصلاحيات التي يمنحه إياها الوزير نفسه.
أحمد منصور:
لكنكم كنتم أعضاء في مجلس الوزراء.
أحمد بنور:
نعم، لكن الفارق في التجربة والمكانة كان واضحًا. الهادي خفشة كان وزيرًا منذ بداية الستينيات، ويتمتع بمكانة مرموقة في الدولة، أما أنا فكنت ما أزال شابًا أتعلم وأتدرّب.
أحمد منصور:
لم تكن لديك خبرة في الدفاع، كما لم تكن لديك خبرة في المخابرات عندما تولّيت رئاسة أمن المخابرات.
أحمد بنور:
صحيح، لكن الدفاع والمخابرات مجالان مختلفان. ثم إن الوزير أو كاتب الدولة ليس مطلوبًا منه أن يكون فنيًا، بل سياسيًا يحدد الأهداف ويساعد على تحقيقها.
وقد اتفقنا مع الهادي خفشة على وضع برنامج دفاعي لتونس، انطلاقًا من تقييم المخاطر التي كانت تهدد البلاد.
أحمد منصور:
وما هي تلك المخاطر؟
أحمد بنور:
في الأساس، كنا نخشى من مغامرات أو عمليات ليبية محتملة.
أحمد منصور:
رغم أنكم كنتم قد وقّعتم على الوحدة؟
أحمد بنور:
نعم، لكن العلاقات تأزمت بعد تراجع الرئيس بورقيبة عن فكرة الوحدة، ورفض الإطارات الحزبية لها، إضافة إلى رفض الجزائر. هذا الوضع وضع تونس في موقع صعب، واكتشفنا حينها غياب برنامج دفاعي متكامل ومتفق عليه.
أحمد منصور:
كم كان عدد الجيش آنذاك؟
أحمد بنور:
حوالي ثلاثين إلى خمسة وثلاثين ألف جندي.
أحمد منصور:
وماذا عن التسليح؟
أحمد بنور:
كان تسليحًا محدودًا. حصلنا على بعض المعدات من الولايات المتحدة، وأخرى قديمة من ألمانيا الغربية، إضافة إلى كميات محدودة من تشيكوسلوفاكيا في بدايات الاستقلال.
بورقيبة كان يرى أن الأولوية للتنمية الاقتصادية، ولذلك لم تُخصّص إمكانيات كبيرة للتسليح.
أحمد منصور:
لكن ميزانية الداخلية كانت أعلى من ميزانية الدفاع.
أحمد بنور:
لأن وزارة الداخلية تواجه مشكلات يومية: الجريمة، الأمن الحدودي، والاستقرار العام. وكان هناك تنسيق وتعاون بين الدفاع والداخلية، لكن وزارة الدفاع لم يكن لها دور مباشر في الأمن الداخلي.
أحمد منصور:
إذًا، ما كان دورها الأساسي؟
دور وزارة الدفاع في الأمن الداخلي والمناسبات الكبرى
أحمد بنور:
كان دور وزارة الدفاع يقتصر، في الغالب، على المساندة في المناسبات الكبرى، كالمهرجانات الرياضية، مثل المباريات الدولية بين تونس ومصر.
أحمد منصور:
هل كنتم ترسلون الجنود للجلوس في المدرجات؟
أحمد بنور:
لا، إطلاقًا. كانت الشرطة العسكرية تساهم في دعم أجهزة الأمن والشرطة التونسية، لأن إمكانيات الشرطة لم تكن كافية لتنظيم الأمن في مثل هذه المناسبات الكبرى.
أحمد منصور:
ألم تكن للشرطة التونسية مهام أخرى؟
أحمد بنور:
بل كانت مهامها كثيرة، لكنها لم تكن كافية وحدها.
أحمد منصور:
مثل حماية الرئيس وقمع الناس؟
أحمد بنور:
فيما يخص الرئيس، كنتُ مسؤولًا عن أمنه، ولم يكن مهووسًا به، ولم يكن يسألنا عنه باستمرار، ولم يكن يشكّل لديه هاجسًا.
أحمد منصور:
لكن وزارة الداخلية ومدير الأمن كانا من أهم المناصب التي كان يهتم بها الرئيس.
أحمد بنور:
كان اهتمامه بالأمن نابعًا من قناعته بأن الاستقرار شرط أساسي للتنمية الاقتصادية والتقدم والتحديث. فدون أمن مستتب، لا يمكن تحقيق تنمية أو وعي أو تطور اقتصادي.
صياغة عقيدة دفاعية في ظل شح الإمكانيات
أحمد منصور:
ما الدور الذي قمتَ به في وزارة الدفاع؟
أحمد بنور:
عملتُ بالتنسيق مع وزير الدفاع ومع كبار الضباط في الجيش، وعقدنا اجتماعات مكثفة وطويلة، إلى أن توصّلنا إلى وضع خطة دفاعية واضحة، معقولة، وموضوعية.
أحمد منصور:
في العقيدة العسكرية دائمًا يوجد عدو مفترض.
أحمد بنور:
نعم، لكن في تلك المرحلة لم نكن نعتبر أن لنا أعداء مباشرين. ليبيا لم تكن عدوًا، وإنما مصدر قلق واحتياط.
الجيش كان يعاني من ضعف الإمكانيات، إلى درجة أن ميزانية وزارة الدفاع كانت تنفد خلال بضعة أشهر في حال الاستنفار. لذلك اقتنع كل من الوزير الأول والرئيس بضرورة زيادة ميزانية الدفاع ووضع مخطط تجهيز واضح للجيش.
وبالفعل، في أواخر سنة 1974 توصّلنا إلى برنامج دفاعي مرحلي، متفق عليه بين الضباط والحكومة، يراعي الإمكانيات المالية ويحدّد مراحل التسلّح ومصادره.
صفقات السلاح مع الولايات المتحدة والجدل حول العمولات
أحمد منصور:
هل عقدتم صفقات سلاح؟
أحمد بنور:
نعم، عقدنا صفقات مع الولايات المتحدة.
أحمد منصور:
وهذه الصفقات لا تخلو من عمولات.
أحمد بنور:
في حالتنا، لم تكن هناك عمولات، لأن التعاقد كان يتم مع الحكومة الأميركية، وهي التي تتولى الاتفاق مع الشركات.
أحمد منصور:
لا توجد صفقة سلاح بلا عمولات.
أحمد بنور:
هذا هو المعروف عالميًا، لكنني لم أسمع يومًا عن فضائح تخص تونس في هذا المجال.
وقد تعاقدنا على اقتناء طائرات نفاثة من طراز F-5، بعدد محدود. وتم تسلّمها لاحقًا، بعد مغادرتي وزارة الدفاع.
أحمد بنور:
في تلك الفترة، كانت لدينا مخاوف من حجم التسليح الليبي، خاصة دبابات T-72 التي قُدّر عددها بنحو 3500 إلى 4000 دبابة.
وكان السفير السوفييتي يطمئننا بأن هناك اتفاقًا عالي المستوى مع ليبيا يمنع استخدام هذا السلاح ضد تونس أو أي دولة عربية.
أحمد منصور:
هذه ضمانات ورقية لا قيمة لها وقت الحرب.
أحمد بنور:
ربما، لكن التعامل مع الاتحاد السوفييتي لم يكن أمرًا هيّنًا آنذاك، وكان لتأكيداتهم وزن سياسي.
كما عرض علينا السوفييت تزويدنا بالسلاح بأسعار مناسبة مع قروض ميسّرة. نقلتُ هذا العرض إلى الوزير الأول، وارتحت للفكرة نظرًا لغلاء السلاح الغربي.
رفض بورقيبة للسلاح الشرقي
أحمد بنور:
عندما عرضتُ الأمر على الرئيس بورقيبة، قال لي بوضوح:
«لا سبيل إلى السلاح الروسي».
وبرّر ذلك بقوله إنه يتوقع انهيار المعسكر الشرقي، وأنه يفضّل شراء السلاح من “الأصدقاء”، وأضاف أن الروس قد يبيعون السلاح، لكنهم قد يبتزون لاحقًا بقطع الغيار.
أحمد منصور:
أي أن الأميركيين كانوا، في نظره، أخفّ الضررين.
أحمد منصور:
هل كان تسليح الجيش كافيًا لصد أي عدوان؟
أحمد بنور:
لا. كانت عقيدتنا الدفاعية تقوم على أن يصمد الجيش 42 ساعة في وجه أي اعتداء، إلى أن ينعقد مجلس الأمن الدولي.
أحمد منصور:
أم إلى أن يتدخل الأسطول السادس الأميركي؟
أحمد بنور:
إلى مجلس الأمن. كنا متمسّكين بالقانون الدولي.
أحمد منصور:
الطاهر بلخوجة تحدث كثيرًا عن الأسطول السادس الأميركي ودوره في حماية تونس.
أحمد بنور:
لا أعلم من أين استقى تلك المعلومات. ما كان موجودًا هو تعاون عسكري محدود: تدريب، قطع غيار، وتكوين عسكري، وكل ذلك موثّق.
انتخابات الـ99% وثقافة المبايعة والرئاسة مدى الحياة
أحمد منصور:
كيف كان الرئيس المريض يحصل على 99% في الانتخابات؟
أحمد بنور:
الانتخابات لم تكن من صلاحيات الأمن، بل من صلاحيات الولاة.
لكن هذه النسب كانت نتيجة جو عام من المبايعة لبورقيبة.
أحمد منصور:
جو تزوير عام.
أحمد بنور:
وجو مبايعة أيضًا.
أحمد منصور:
تعديل دستور 1976 جعل بورقيبة رئيسًا مدى الحياة. ما أثر ذلك على محيطه؟
أحمد بنور:
كثيرون من المقربين لم يكونوا مرتاحين لهذا التعديل، ولم يكونوا مقتنعين بفكرة الرئاسة مدى الحياة.
أحمد منصور:
هل لعب هذا الوضع دورًا في تحركات الحبيب عاشور؟
أحمد بنور:
لا أعتقد أن ذلك كان السبب المباشر. في تقديري الشخصي، كانت هناك دوافع أخرى أكثر عمقًا.
أحمد منصور:
وما هي؟
الدور الليبي وتصاعد نفوذ اتحاد الشغل
أحمد بنور:
بحسب تقديري الشخصي، كان هناك أولًا تأثير ليبي مباشر على الحبيب عاشور، رحمه الله. فقد زار ليبيا مرتين، وقدّم له العقيد القذافي مبلغ مئة ألف دولار.
أحمد منصور:
لبناء مقرّ لاتحاد الشغل، وليس رشوة شخصية.
أحمد بنور:
بالطبع، لم أقل إنها رشوة، بل مساعدة.
الأمر الثاني أنه زاره مرة أخرى في صيف سنة 1977، وكان في استقباله القذافي بحضور محمد المصمودي، وزير الخارجية السابق، الذي لم يعد عضوًا في الحكومة. وقد اعتبر الهادي نويرة، رحمه الله، أن هذه الزيارة موجّهة ضده سياسيًا.
أحمد منصور:
خصوصًا أن المصمودي كان خصمًا لدودًا لنويرة.
أحمد بنور:
نعم، وكان نويرة غير مرتاح تمامًا لهذا التحرك.
أحمد بنور:
السبب الثالث للأزمة هو أن الحبيب عاشور أصبح واقعًا تحت ضغط قيادات شابة داخل الاتحاد، ذات توجهات يسارية.
ومع غياب التعددية الحزبية وسياسة الحزب الواحد، تحوّل اتحاد الشغل إلى ملجأ للمعارضين، وخصوصًا اليساريين، الذين سيطروا على نقابات التعليم العالي والثانوي والابتدائي.
بدأت هذه النقابات تضغط لرفع الأجور، حتى أصبحت المطالب تعجيزية في نظر الحكومة، وهو ما اعتبره الهادي نويرة مأزقًا اقتصاديًا خطيرًا.
بورقيبة بين المرض والعزلة السياسية
أحمد منصور (ناقلًا عن الطاهر بلخوجة):
خلال خريف 1976، تعرّض الرئيس بورقيبة لنوبات انهيار عصبي متكررة، انعزل خلالها في قصر قرطاج، ولم يكن يستقبل إلا قلّة من المقربين. كان يعيش فترات ارتباك طويلة، تتخللها لحظات وعي يتحدث فيها بصراحة عن كل شيء، وكان هاجسه الوحيد هو مستقبل تونس بعده.
هل يصلح رئيس بهذه الحالة أن يحكم بلدًا؟
أحمد بنور:
أنا شخصيًا لم أره في هذه الحالة، ولم تتسنّ لي فرصة مقابلته أثناء نوبات الاكتئاب تلك.
وسيلة بن عمار: نفوذ أم مبالغة؟
أحمد منصور (نقلًا عن سعيد الصافي):
قصر قرطاج أصبح ساحة صراع، ووسيلة بن عمار أدارت جزءًا كبيرًا من شؤون الحكم، ودخلت في مواجهة مع الهادي نويرة، وكانت قادرة – إن أرادت – على الإطاحة به في ليلة واحدة.
أحمد بنور:
أكذّب هذا الكلام جملة وتفصيلًا. هذه مبالغة كبيرة.
أحمد منصور:
ألم يكن هناك صراع بين وسيلة والهادي نويرة؟
أحمد بنور:
لم تكن وسيلة تدير الدولة، ولم تكن تعرقل عمل الهادي نويرة. كانت تنتقد بعض سياساته، نعم، لكنها لم تمسك بزمام الحكم كما يُقال.
مرض الرئيس وصراعات الحاشية
أحمد منصور:
ألم يكن مرض بورقيبة سببًا في أن تحاول أطراف الحاشية ممارسة نفوذها؟
أحمد بنور:
صحيح أن الرئيس كان يمرّ بفترات اكتئاب، لكنها لم تكن دائمة. كان يغيب شهرًا أو أقل ثم يعود.
ولم أشعر، من موقعي كعضو في الحكومة، بوجود صراع دموي أو حرب نفوذ كما صوّرها البعض.
الهادي نويرة كان رجل دولة، مسؤولًا عن الإدارة والخطة الاقتصادية، ولم ينجرّ إلى صراعات شخصية مع وسيلة.
أحمد منصور:
ما طبيعة اللعبة السياسية التي دخل فيها الحبيب عاشور مع المصمودي والقذافي؟
أحمد بنور:
أعتقد أنه فكّ تحالفه مع الهادي نويرة، وبدأ يحسب لنفسه حسابًا سياسيًا جديدًا، وربما رأى في نفسه مرشحًا محتملًا للخلافة.
أحمد منصور:
لكن الدستور كان ينصّ على أن الهادي نويرة هو الخليفة.
أحمد بنور:
نعم، هو الخليفة الدستوري والقانوني، لكن الحسابات السياسية كانت موجودة، وهذا أمر طبيعي في كل الدول.
أحمد منصور:
جمع بورقيبة الهادي نويرة والحبيب عاشور، ووقّعوا ما سُمّي بالميثاق الاجتماعي.
أحمد بنور:
نحن كنا في نظام رئاسي، وليس برلمانيًا.
أحمد منصور:
بل نظام استبدادي.
أحمد بنور:
لا أتفق. قارن استبداد بورقيبة بما تعيشه دول عربية اليوم. بورقيبة كان يسمع، يناقش، وقد يغيّر رأيه.
أما اليوم، فلا وزير يجرؤ على الدفاع عن مظلوم.
أحمد منصور:
لا توجد دكتاتورية يُترحَّم عليها.
أحمد بنور:
بورقيبة لم يكن مستبدًا بالمعنى المطلق، بل كان يعتبر نفسه أبًا للشعب، وكان مرتبطًا به عاطفيًا، ويبكي عندما يسمع عن أوضاع بائسة.
أحمد منصور:
لكن الشعب دفع دماء في عهده، في أحداث الخبز.
أحمد بنور:
أذكر مجزرة واحدة، سنة 1984.
الأزمة المتصاعدة بين اتحاد الشغل والحكومة (1978)
أحمد منصور:
كيف تصاعدت الأزمة بين اتحاد الشغل والحكومة؟
أحمد بنور:
وصلنا إلى مأزق حقيقي.
الحكومة، بقيادة الهادي نويرة، رأت أنها غير قادرة اقتصاديًا على تلبية مطالب الشغالين، بينما رأى الحبيب عاشور أن الوقت قد حان لرفع الأجور والاستجابة لضغوط النقابات.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، جرى اتفاق – بإشارة من بعض الوزراء – على إبعاد الطاهر بلخوجة عن وزارة الداخلية.
أحمد منصور:
وهنا انقسمت الحكومة إلى نصفين.
انقسام الحكومة في ظل أزمة قيادة
أحمد بنور:
نعم، انقسمت الحكومة إلى نصفين.
أحمد منصور:
الطاهر بلخوجة ومعه بعض الوزراء، وأنت منهم.
أحمد بنور:
صحيح.
أحمد منصور:
في مقابل الوزير الأول الهادي نويرة، ومعه مدير الحزب محمد الصيّاح وعدد من الوزراء الآخرين، بينما كان الرئيس في قصر قرطاج.
أحمد بنور:
صحيح، لكن الرئيس في تلك الفترة، سنة 1977، لم يكن مريضًا كما يُقال.
أحمد منصور:
هو مريض منذ سنة 1967.
أحمد بنور:
كان متقدمًا في السن، مثل أي شخص تجاوز الثمانين، لكن لم يكن عاجزًا عن الحكم آنذاك.
أحمد منصور:
من يُصاب بانهيارات عصبية متكررة يصبح مريضًا عصبيًا.
أحمد بنور:
كثير من رؤساء العرب اليوم يعانون أمراضًا، فلماذا نُحمّل بورقيبة وحده المسؤولية؟
ثم إن مرض السرطان لم يُصب به إلا لاحقًا، وليس سنة 1977.
أحمد منصور:
هل عرفتَ صلاح خلف (أبو إياد) في تلك المرحلة؟
أحمد بنور:
نعم، عرفته.
أحمد منصور:
ما طبيعة دوره آنذاك؟
أحمد بنور:
كان يحب تونس ويحترمها ويحترم رئيسها. بحكم علاقاته، خاصة مع محمد المصمودي والطاهر بلخوجة، حاول أن يلعب دور الوسيط بين التونسيين.
وكان حاضرًا في عشاء نظّمه الطاهر بلخوجة، حضره الحبيب عاشور أيضًا.
أحمد منصور:
هل كان يسعى دائمًا للإصلاح؟
أحمد بنور:
نعم، كان يحاول الإصلاح قدر المستطاع.
أحمد منصور:
قصي صالح الدرويش تحدث عن حفلات صاخبة وماجنة برعاية الحاشية، بل وحتى وسيلة.
أحمد بنور:
لم أكن حاضرًا في مثل هذه الحفلات.
أحمد منصور:
لكن يُقال إن أبا إياد كان ضيفًا دائمًا فيها.
أحمد بنور:
هذا غير صحيح.
ما حدث أن وسيلة أقامت حفلة أو اثنتين تكريمًا للأمير تركي بن عبد العزيز، بحكم علاقتها بالعائلة المالكة السعودية، وربما دُعي أبو إياد في إحدى تلك المناسبات، لا أكثر.
وأؤكد أن أبو إياد كان مناضلًا صادقًا، ومجندًا بالكامل للقضية الفلسطينية.
أحمد منصور:
ألم تكن أحداث قصر هلال إنذارًا بما هو أخطر؟
أحمد بنور:
المأساة أننا لم نأخذ العبرة سريعًا. وقعت أحداث خطيرة بالفعل.
أحمد منصور:
الجيش تدخّل بالمروحيات.
أحمد بنور:
لا أذكر أن الجيش تدخّل في قصر هلال.
التدخل العسكري الوحيد الذي أذكره كان في 26 يناير 1978.
أحمد منصور:
هناك حادثة خطيرة: شخص يُدعى مبروك الورداني، متورط في اغتيال صالح بن يوسف، هدّد الحبيب عاشور بالسلاح نفسه.
أحمد بنور:
سمعت بهذه الحادثة، وقد ساهمت بلا شك في تأزيم الوضع، وأثّرت نفسيًا على الحبيب عاشور.
أحمد منصور:
عاد محمد المصمودي إلى تونس في ديسمبر 1977، وكان حليفًا للحبيب عاشور، ما أثر ذلك؟
أحمد بنور:
لم يكن التأثير مباشرًا، لكن الهادي نويرة لم يكن مرتاحًا لعودته.
وعندما علم أن أبا إياد استقبله، اعتبر الأمر جزءًا من “مؤامرة”، ولم يكن مرتاحًا لذلك.
لكن أؤكد أن أبا إياد كان محل احترام كبير في تونس، وقد لعب دورًا مهمًا سابقًا في حلّ أزمة اختطاف الطائرة البريطانية، وهو ما رسّخ مكانته لدى التونسيين.
أحمد منصور:
بلخوجة ألقى خطابًا في البرلمان أغضب نويرة، ثم سافر إلى فرنسا، ليُبلّغ لاحقًا بإقالته.
أحمد بنور:
نعم، عرفتُ بالتغيير عبر اتصال بمدير الأمن، الذي أخبرني بتعيين زين العابدين بن علي مديرًا للأمن.
لم أكن على علم مسبق، وهذا أسلوب غير لائق.
أحمد منصور:
في 25 ديسمبر 1977، أعلن ستة وزراء استقالتهم، وكنتَ أحدهم.
أحمد بنور:
صحيح.
أحمد منصور:
حدث غير مسبوق منذ الاستقلال.
أحمد بنور:
كان حدثًا سياسيًا كبيرًا، وكل وزير قدّم استقالته بطريقته.
أحمد منصور:
هناك من يقول إنك كنت المحرّك الأساسي للاستقالات.
أحمد بنور:
لم أحرّض أحدًا.
الزملاء استشاروني، وقلت لهم إنني سأستقيل لأنني لم أعد قادرًا على الاستمرار.
أحمد بنور:
السبب الرئيسي هو الطريقة التي أُقيل بها الطاهر بلخوجة:
محاصرة مكتبه، تلفيق اتهامات بالتآمر مع الليبيين، واعتبار من زاروا جربة “غير مرغوب فيهم”.
هذه طريقة غير أخلاقية وغير سياسية لإقصاء الخصوم.
أحمد منصور:
كنتَ كاتب دولة للدفاع في موقف مخالف لوزير الدفاع.
أحمد بنور:
كان بيننا حوار.
كان يقول لي إن الحل هو إزاحة الحبيب عاشور، وكنت أجيبه بأن هذه الأساليب تنتمي إلى سنة 1956، لا إلى سنة 1977.
أحمد منصور:
ألم تخشَ عواقب الاستقالة؟
أحمد بنور:
بالعكس، شعرت بارتياح. عدتُ إلى بيتي بعد تقديمها.
أحمد منصور:
هل كانت إعلان موقف؟
أحمد بنور:
نعم، إعلان موقف وجرأة.
أحمد بنور:
قلت في استقالتي إن المؤشرات تدل على أننا متجهون إلى أزمة خطيرة مع اتحاد الشغل، وأن الحكومة لم تستنفد إمكانيات الحوار.
تونس بلد حوار، ولا تتحمل مواجهة مع الطبقة الشغيلة، والمجابهة ستؤدي إلى نتائج دموية.
ولم أرد أن أتحمل مسؤولية سياسية أو أخلاقية في هذا المسار.
أحمد منصور:
عبد الله فرحات لم يبقَ في منصبه وزيرًا للداخلية سوى يومين، إضافة إلى توليه وزارة الدفاع.
أحمد بنور:
صحيح.
أحمد منصور:
وفي 26 ديسمبر، عُيّن الضوي حنابلية وزيرًا للداخلية بدلًا منه، بينما بقي زين العابدين بن علي مديرًا للأمن.
أحمد بنور:
نعم، هذا صحيح.
كيف صعد زين العابدين بن علي إلى إدارة الأمن؟
أحمد منصور:
ما الذي مكّن زين العابدين بن علي من هذه القفزة ليصبح مديرًا للأمن؟
أحمد بنور:
كان محل ثقة عبد الله فرحات.
أحمد منصور:
هو الذي اختاره، بحكم أنه كان يعمل سابقًا في المخابرات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع.
أحمد بنور:
نعم، وكان أيضًا ملحقًا عسكريًا في الرباط.
أحمد منصور:
لكن تعيينه هناك كان بمثابة إبعاد.
أحمد بنور:
بل كان تعيينًا، وإن كنا قلقين آنذاك.
بعد عشر سنوات في منصب مدير المخابرات، يصبح التغيير أمرًا ضروريًا، فالتداول سنة الحياة.
أحمد منصور:
قلت سابقًا إن هناك قلقًا من اختياره، خاصة في سياق علاقته بالقذافي.
أحمد بنور:
كان هناك قلق وحيرة، نعم.
أحمد منصور:
لكن الأمن ليس كالجيش، فهو يمسّ حماية النظام والرئيس.
أحمد بنور:
لم يُطلب رأيي، ولم أُستشَر في القرار.
أحمد منصور:
وأنت عضو في الحكومة.
أحمد بنور:
مع ذلك، سمعت بتعيينه مديرًا للأمن عبر الإذاعة، وأنا كاتب دولة للدفاع.
عبد الله فرحات اقترح اسمه على الهادي نويرة، والرئيس وقّع القرار.
أحمد منصور:
أُقيل عبد الله فرحات بعد يومين، لكن بن علي بقي مديرًا للأمن مع الضوي حنابلية، ثم مع عثمان كشريت.
ولم يغادر جهاز الأمن إلا بعد سقوط حكومة الهادي نويرة، ثم عاد مديرًا للأمن سنة 1984، ثم وزيرًا للداخلية، ثم رئيسًا للحكومة، قبل أن يُزيح بورقيبة ويصبح رئيسًا للجمهورية.
أحمد بنور:
صحيح.
أحمد منصور:
استقالتكم الجماعية في ديسمبر 1977 لم تُهدّئ الأوضاع، بل استمر الاحتقان.
أحمد بنور:
الاستقالة لم تكن بهدف التهدئة، بل كانت تعبيرًا عن موقف سياسي.
خروجنا من الحكومة زاد قناعة قيادة اتحاد الشغل بأن الحكومة تتجه إلى المواجهة، خصوصًا بعد إقصاء الطاهر بلخوجة.
وبعد شهر فقط، وقعت أحداث 26 يناير 1978.
الخميس الأسود: يوم الانفجار
أحمد منصور:
اتحاد الشغل دعا إلى الإضراب العام يوم 26 يناير.
أحمد بنور:
نعم.
أحمد منصور:
الحزب استعد بالمليشيات، وقوات الأمن بقيادة بن علي، والحرس الوطني والجيش لمواجهة المضربين. أين كنتَ آنذاك؟
أحمد بنور:
كنت في تونس العاصمة.
أحمد منصور:
هل توقعت ما حدث؟
أحمد بنور:
توقعت وقوع مشاكل بسبب التشنج، لكن لم أتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحجم من الدماء.
أحمد منصور:
الإحصاءات تشير إلى سقوط نحو 500 قتيل وجريح.
أحمد بنور:
المعلومات الرسمية التي سمعتها تحدثت عن 56 قتيلًا.
أحمد منصور:
حتى لو كانوا 56 فقط، فهذا كثير.
أحمد بنور:
نعم، كثير وخطير، وهذه مسؤولية الحكومة.
الدماء سُفكت لأن باب الحوار أُغلق، واتحاد الشغل كان يطالب فقط بمواصلة الحوار.أحمد منصور:
أبدأ معك الحلقة القادمة من هذه الجريمة الكبرى التي ارتكبت في حق الشعب التونسي حينما فتح الرصاص من قبل قوات الأمن على المدنيين العزل الذين كانوا يعترضون على الوضع المتأزم آنذاك في 26 يناير عام 1978، شكرا جزيلا لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد بنّور مدير الأمن والمخابرات التونسية الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
0:00 سر تعيين بنّور كاتبا للدفاع
2:48 الهادي خفشة وإخفاقه في وظائفه
4:30 مهام كاتب الدولة وعلاقتها بصلاحيات بوزير الدفاع
6:52 وضع الجيش ومستوى الخطر المهدد لتونس
10:25 دور بنّور في وزارة الدفاع
12:06 صفقات السلاح في تونس وخطط الدفاع التونسية
16:05 الحماية الأميركية لتونس وطبيعة الاتفاقات بين تونس والولايات المتحدة
19:57 مهزلة الانتخابات الرئاسية ونسبة الـ 99 و98 %
21:21 تعديل الدستور 1976
22:04 إثارة الحبيب عاشور القلاقل في تونس
24:05 انعزال بورقيبة بسبب مرضه وصراع وسيلة مع نويرة
29:40 لعبة سياسية بين الحبيب عاشور والمصمودي مع القذافي
33:42 تصاعد الأزمة بين اتحاد الشغل والحكومة
35:15 طبيعة دور أبو إياد في تونس
37:18 أحداث قصر هلال وتدخل الجيش
38:21 مبروك عبد الله الورداني وتهديده للحبيب عاشور
40:28 إقالة الطاهر بالخوجة وتعيين زين العابدين واستقالة 6 من الوزراء
43:45 تقديم بنور استقالته وأسبابها
44:50 اختيار عبد الله فرحات لزين العابدين مديرا للأمن
47:35 أحداث 26 يناير 1978