يستعرض أحمد منصور مع رئيس سوريا الأسبق الفريق أمين الحافظ ج1 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر ، والذي جرى بثه بتاريخ 26 مارس 2001 نضال الشعب السوري ضد الاحتلال الفرنسي، وكيف اعتقل في أول مظاهرة شارك فيها عام 1936 وكيف حصلت سوريا على استقلالها.
استكمل أمين الحافظ رئيس سوريا الأسبق، شهادته على العصر، بالحديث عن الكتلة الوطنية ونضالها ضد الفرنسيين، وكيف اعتقل في أول مظاهرة شارك فيها عام 1936..
نضال الشعب السوري ضد الاحتلال الفرنسي
كما تحدث عن تفاصيل استقلال سوريا.
وقال الحافظ إنه ولد في حي، ينتمي إلى الكتلة الوطنية، وهو الحزب الذي حقق الاستقلال لسوريا، وكان الشعب يلتف حول قياداته، لافتا إلى أن الكتلة الوطنية تجمع مختلف الفئات لتحقيق هدف واحد وهو استقلال سوريا.
سلطان باشا الأطرش
وأوضح الحافظ أن قيادات الكتلة الوطنية كانت بالجنوب كان على رأسها سلطان باشا الأطرش قائد ثورة الـ 25، وبالغرب جبل العلويين الشيخ صالح العلي، وفي حلب إبراهيم هنانو، وفي مدينة حماه توفيق الشيشكلي وصالح، وبحماه الشعب الحموي شجاع كريم، مقاتل، بحمص هاشم -بيه-، في دمشق شكري القوتلي.
وتطرق رئيس سوريا الأسبق إلى محاولاته دخول الكلية الحربية، لكنه قوبل برفض فرنسي في البداية بسبب شغبه وعدم ولاءه، لافتا إلى أنه قبل الاستقلال كانت المظاهرات يومية لا تنقطع.
خروج الفرنسيين من سوريا عام 1946
وتحدث الحافظ على خروج الفرنسيين من سوريا في 17 أبريل 1946م، وإنقاذ الانجليز للفرنسيين في حماة .
وأوضح الحافظ أن الخريطة السياسية لسوريا بعد الاستقلال كانت تضم، البعثيين، والحزب الاشتراكي، والأحزاب القديمة الشيوعية والقومية السورية، لافتا إلى أنه انجذب تجاه البعثيين.
نص حوار أمين الحافظ ج1 :
نضال الشعب السوري ضد الاحتلال الفرنسي ..وتقسيم سوريا لـ 5 دويلات
أحمد منصور:
ولد الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ في حي (البياضة) أحد الأحياء القديمة في مدينة (حلب) عام 1921م، حيث كانت تخضع سوريا آنذاك للانتداب الفرنسي. بدأ نشاطه السياسي في وقت مبكر، حيث شارك عام 36 في مظاهرة حاشدة ضد الفرنسيين، اعتقل على إثرها وحكم عليه مع بعض رفاقه بالسجن، حيث قضى به عدة أسابيع، سعى مراراً للالتحاق بالكلية العسكرية إلا أنه لم يتمكن من دخولها إلا بعد خروج الفرنسيين من سوريا عام 1946م.
تخرج من الكلية العسكرية وشارك في حرب العام 48، كان أول من استجاب لدعوة مصطفى حمدون للانقلاب على أديب الشيشكلي عام 54، وكان أبرز الضباط الذين مهدوا لقيام الوحدة بين مصر وسوريا عام 58، أقام في مصر عدة أشهر أثناء الوحدة حيث عمل مدرباً في كلية أركان الحرب عام 61. أوفد بعد ذلك في بعثة عسكرية إلى الاتحاد السوفيتي، وبقي هناك حتى وقوع الانفصال بين مصر وسوريا في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 61، حيث عاد من بعثته الدراسية إلى دمشق وعمل مع رفاقه من البعثيين والوحدويين لضرب الانفصال، فأبعدته حكومة الانفصال إلى الأرجنتين ملحقاً عسكرياً، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تعين فيها سوريا ملحقاً عسكرياً في الأرجنتين، حيث بقي هناك خمسة عشر شهراً، استدعى بعدها للعودة إلى سوريا إثر انقلاب الثامن من مارس عام 63، حيث عين عضواً بمجلس قيادة الثورة ووزيراً للداخلية.
في العاشر من يوليو/ تموز عام 63 رفع إلى رتبة لواء، وأصبح رئيساً للأركان العامة للجيش والقوات المسلحة ووزيراً للدفاع بالوكالة. قام بدور بارز في القضاء على محاولة الناصريين القيام بانقلاب في الثامن عشر من يوليو/تموز عام 63، انتخب رئيساً لسوريا بعد استقالة لؤي الأتاسي وبقي في منصبه في الفترة من السابع والعشرين من يوليو/ تموز عام 63 وحتى الثالث والعشرين من فبراير/شباط عام 66 حيث أنهيت فترة حكمه بانقلاب دموي حوصر فيه بيته عدة ساعات، دارت أثناءها معركة طاحنة بقيادته بين حرسه والانقلابيين، قتل فيها العشرات وأصيب خلالها أحد أبنائه وإحدى بناته. أعتقل بعد ذلك وأودع السجن حتى العاشر من يونيو عام 67، حيث أفرج عنه وانتقل إلى بيروت ومنها إلى بغداد بعد قيام البعث بثورته في العراق عام 68، ولا زال يقيم في بغداد حتى الآن. يصف المؤرخون فترة رئاسته لسوريا بأنها من أخطر الفترات وأهمها، حيث مثلث مفصلاً هاماً في تاريخ سوريا الحديث المليء بالانقلابات العسكرية، والتي كان له دور بارز في كثير منها، كما شهدت فترة رئاسته القمم العربية الأولى الثلاث، القمة الأولى لدول عدم الانحياز، وقضية الجاسوس الإسرائيلي الشهير (إيلي كوهين) التي لا زال يدور حولها كثير من الجدل والغموض، كما قصفت في فترة رئاسته مدينة حماه للمرة الأولى في إبريل عام 1964م.
نتناول في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على العصر من خلال الأحداث التي شارك في صناعتها خلال الفترة الماضية.
فخامة الرئيس مرحباً بيك.
أمين الحافظ:
وبكم.
النشأة في حلب ودور الكتلة الوطنية في ترسيخ الوحدة الوطنية
أحمد منصور:
أشكركم على قبول الدعوة للمشاركة معنا في هذا البرنامج والإدلاء بشهادتكم للأجيال التي عاصرت تلك الفترات، وللأجيال التي لم تعشها، وكذلك للأجيال القادمة التي تتطلع إلى معرفة التفاصيل من صانعيها. أود أن أبدأ معكم من مدينة حلب، حيث وُلدتم ونشأتم عام 1921م.
أمين الحافظ:
بسم الله الرحمن الرحيم، أستهل حديثي بتقديم جزيل الشكر لبرنامج «شاهد على العصر»، ولقناة الجزيرة، ولدولة قطر التي أتاحت هذا البرنامج.
واسمحوا لي، قبل أن أبدأ، أن أتوجه بالشكر إلى العراق، البلد الكريم، والشعب الشهم الشجاع، وإلى رئيسه المناضل الشجاع الكريم آنذاك. وهذا واجب وفاء؛ فقد جئت إلى بغداد برسالة خطية من رئيس الجمهورية الراحل أحمد حسن البكر، وقد حُكم عليَّ بالإعدام مرتين من دمشق، فلم أجد من الشعب العراقي الطيب الشجاع، ومن رئيسه صدام حسين، إلا كل عطف وتكريم. لقد آوونا فأكرمونا، وحمونا فكانوا أهل مروءة، وأحسنوا إلينا، فجزاهم الله خير الجزاء. وأكرر شكري لكم أستاذ أحمد.
أحمد منصور:
عفوًا، فخامة الرئيس.
أمين الحافظ:
وكما تفضلتم، وُلدت في حيٍّ كان يسير تحت راية الكتلة الوطنية، وهي الحزب الذي حقق استقلال سوريا بفضل قادته والتفاف الشعب حولهم. وكان في الحي الذي نشأت فيه راية مطرزة بعبارة جميلة تقول: «الدين لله والوطن للجميع».
أحمد منصور:
ما هي الكتلة الوطنية، فخامة الرئيس؟
أمين الحافظ:
هي تجمع وطني ضم مختلف الفئات بهدف واحد، هو تحقيق استقلال سوريا. ففي الجنوب كان على رأسها سلطان باشا الأطرش، قائد ثورة عام 1925.
أحمد منصور:
تقصد جبل الدروز؟
أمين الحافظ:
نعم، جبل الدروز، أو جبل العرب كما نسميه. وفي الغرب، في جبل العلويين، قاد الشيخ صالح العلي ثورة ضد الفرنسيين. وفي حلب برز القائد البطل إبراهيم هنانو. وفي مدينة حماة كان توفيق الشيشكلي وصالح قمباز وعدد من رفاقهما. وكان الشعب الحموي شجاعًا كريمًا، مقاتلًا، وله دور مشهود في تحقيق الاستقلال.
وفي حمص برز هاشم الأتاسي وعدد من رفاقه، وفي دمشق شكري القوتلي، المناضل الذي تولى الرئاسة عدة مرات، ووقف بصلابة في وجه الفرنسيين، فنُفي مرات وسُجن مرات.
وأهم ما قامت به الكتلة الوطنية، ويُذكر لها ما بقي التاريخ، أنها حققت أمرًا عظيمًا، وهو الوحدة الوطنية.
تقسيم سوريا ل 5 دويلات
أحمد منصور:
لكن في ذلك الوقت كانت سوريا مقسمة إلى نحو خمس دويلات تحت الانتداب الفرنسي.
أمين الحافظ:
صحيح.
أحمد منصور:
وقد سمحت فرنسا للعلويين بإقامة دويلة، وللدروز كذلك، وكانت هناك كيانات أخرى. فكيف يمكن الحديث عن الوحدة الوطنية في ظل هذا الواقع؟
أمين الحافظ:
لا نستطيع القول إنهم كانوا راضين عما فرضته فرنسا. فالشيخ صالح العلي ثار مع جماعته في وجه الفرنسيين، وسلطان باشا الأطرش قاد ثورة عام 1925 والتف حوله أبناء جبل العرب. والتاريخ يشهد بذلك. ففي إحدى معارك الجبل ضد حملة فرنسية بقيادة الجنرال ميشو، سقط من الفرنسيين أكثر من أربعة آلاف قتيل، وهاجم أبناء الجبل المصفحات والمدرعات بسيوفهم، وكانوا في قمة الشجاعة والوطنية.
أحمد منصور:
لكن يُذكر أيضًا أن الفرنسيين كانوا يدعمون الأقليات ويمنحونها امتيازات أكثر من الأغلبية السنية.
أمين الحافظ:
هذا صحيح. فقد كان قسم كبير من «جيش الشرق» الذي أنشأته فرنسا يتكون من أبناء الأقليات، وكان المستعمر يسعى إلى أن يكون ضباطه من العائلات الكبيرة ومن الأقليات. غير أن وجود القادة الوطنيين العرب حال دون نجاح المخطط الفرنسي في تفتيت البلاد.
وقد أسهمت ثورات سلطان باشا الأطرش، والشيخ صالح العلي، وإبراهيم هنانو، وغيرهم في حلب وحماة وحمص ودمشق والجزيرة السورية، في إحباط تلك المخططات.
أحمد منصور:
الجزيرة هنا جزء من سوريا، حتى لا يختلط الأمر على المشاهد بينها وبين الجزيرة العربية.
أمين الحافظ:
نعم، الجزيرة السورية، أي منطقة الفرات والحسكة. هناك قبائل عربية أصيلة مثل شمر والبقارة وطي وغيرها، وبعضها ممتد في العراق، فهم أبناء عمومة، وهذه هي الوحدة العربية التي مزقها الاستعمار وأضعفها.
وأكرر أن أفضل ما حققته الكتلة الوطنية هو إفشال ألاعيب الفرنسيين وترسيخ الوحدة الوطنية، رغم وجود قلة من المتعاونين من مختلف الطوائف.
أحمد منصور:
من هي أبرز الأقليات في سوريا، حتى يكون المشاهد على دراية بالتركيبة السكانية؟
أمين الحافظ:
نحن نعتبر أبناء الوطن واحدًا، ولكن لفهم الواقع نقول: هناك العلويون، والدروز، والمسيحيون، إضافة إلى المسلمين.
وأذكر من طفولتي في حلب أن الكتلة الوطنية كانت تدعو الناس إلى التجمع في الجامع الكبير، وبعد الصلاة وإلقاء الكلمات، كان رجال الدين المسيحي بلباسهم الكهنوتي وصلبانهم المذهبة يجلسون في مكان مخصص داخل المسجد. وعند خروج المظاهرات كانوا يسيرون معنا في الصفوف الأولى.
وفي إحدى المرات حاول ضابط لبناني مسيحي، بتحريض فرنسي، تأسيس حزب في حلب يُدعى «الشارة البيضاء» بهدف جذب المسيحيين إلى جانب فرنسا، لكنه فشل، ووقف المسيحيون، رجال دين وعامة، إلى جانب الكتلة الوطنية، زعماء وأفرادًا.
إن الوحدة الوطنية هي القوة الحقيقية التي ترهب الاستعمار بجميع أشكاله. وسوريا قدمت خلال نضالها ما لا يقل عن مائة ألف شهيد، رغم أن عدد سكانها آنذاك لم يتجاوز مليونين أو مليونين ونصف المليون نسمة. لقد كان شعبًا شجاعًا وطنيًا أصيلًا.
الاعتقال الأول عام 1936
أحمد منصور:
متى بدأتم المشاركة في مظاهرات الكتلة الوطنية؟
أمين الحافظ:
كما ذكرت لكم، كانت أحياؤنا في حلب ذات طابع وطني وحدوي، تقف إلى جانب الكتلة الوطنية وضد الاحتلال الفرنسي. فلا تستغرب أنني منذ صغري نشأت على حب الوطن؛ فقد أنعم الله علينا بأساتذة كرام، من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، وكانوا يغرسون فينا روح الوطنية ونحن لا نزال صغارًا.
أحمد منصور:
من كان الأكثر تأثيرًا في حياتكم من هؤلاء الأساتذة؟
أمين الحافظ:
كنا صغارًا في مدرسة «التجهيز»، وكنا نقف صباحًا مصطفين على هيئة سرايا، أعمارنا بين الثامنة والعاشرة. وكان أساتذتنا يقفون معنا. وفي ذروة قوة فرنسا وسطوتها، كان نشيدنا الصباحي: «بلاد العرب أوطاني»، من الشام إلى لبنان، ومن مصر إلى نجد، ومن بغداد إلى تطوان.
وكنا نردد أيضًا أبياتًا شعرية حفظناها منذ المرحلة الابتدائية، منها:
يا ظلامَ السجنِ خيِّمْ إنَّنا نهوى الظلاما
ليس بعدَ السجنِ إلا فجرُ مجدٍ يتسامى
أيها الحراسُ رفقًا واسمعوا منَّا الكلاما
وكنا نهتف ضد فرنسا ببراءة الصغار قائلين:
يا فرنسا لا تغالي وتقولي الفتحُ طابا
سوف تأتيك ليالٍ تطردين طردَ الكلابا
وإذا اندلعت مظاهرة في الحي أو في مكان قريب، كنا نخرج مع أساتذتنا. وكانت مهمتنا – نحن الصغار – أن نطرق أبواب الدكاكين بالحجارة الصغيرة لتنبيه أصحابها إلى إغلاقها خوفًا من التخريب أو العقوبات. وكان أساتذتنا في «التجهيز» شجعانًا يخرجون معنا في المظاهرات.
أحمد منصور:
تقصد المرحلة الإعدادية؟
أمين الحافظ:
نعم، ما كان يُسمى آنذاك «التجهيز»، أي المرحلة الثانوية أو الإعدادية بحسب التقسيم الحديث، ومنها ننتقل إلى الجامعة.
وفي عام 1936 اعتُقلتُ، وكنت في الصف السابع أو الثامن. وأقولها بصدق: لم أكن وحدي، بل كان الشعب كله يتقدم الصفوف، وكنت واحدًا من هؤلاء. كان رفاقي شجعانًا سبّاقين، وكانت روح التحدي عامة بين أبناء الشعب.
أحمد منصور:
كيف تصفون تلك الروح؟
أمين الحافظ:
كان شعبًا طيبًا كريمًا، يرفض بطبيعته الاحتلال؛ فالعروبة التي نشأنا عليها، وديننا الإسلامي القويم، لا يقبلان بالاستعمار. ومع ذلك، أقولها قناعة شخصية رغم ما في نفسي من مرارة تجاه السياسات الطورانية في أواخر العهد العثماني: ليتنا بقينا نقاتل تحت راية خليفة مسلم، بدل أن نتعرض لغدر الدول الكبرى التي قاتل العرب معها ثم جزأتهم إلى دول متفرقة.
أقولها بصراحة: المصالح تُفهم بين أجنبي وأجنبي، أو بين عربي وأجنبي، أما بين أبناء الوطن الواحد، وبين العرب بعضهم مع بعض، فالأصل أن يجمعهم وطن وعروبة ودين.
أحمد منصور:
تقصد البريطانيين تحديدًا؟
أمين الحافظ:
البريطانيين وغيرهم. لكل دولة مصالحها، لكن العتب الأكبر يكون علينا نحن إن تفرقنا.
أحمد منصور:
في عام 1936 شاركتم في إحدى المظاهرات، وتم القبض عليكم واعتقالكم. كان عمركم خمسة عشر عامًا، فما كان شعوركم وأنتم في هذا السن؟
أمين الحافظ:
نعم، اعتُقلت وكان عمري خمسة عشر عامًا تقريبًا، وبقيت في السجن نحو خمسة عشر يومًا.
أما الشعور، فقد كنا نرى أن السجن للرجال. ولو بلغ عمري مائة عام، إن رأيت أمرًا معوجًا لوقفت في وجهه. السيف لا يُشهر إلا في وجه العدو، أما السجن فليس عيبًا. العيب أن يفرّط الإنسان في كرامته أو يستقيم على غير الحق.
أتذكر أن والدي – وكان قويًّا مهيبًا – قال لي: «يا أبا عبده، أعزِز نفسك تجدها، وإن تُهنها تُهن. الإنسان هو الذي يعز نفسه أو يذلها». فهذه الكلمات رسخت في نفسي أن السجن لا يهين الإنسان، وإنما يذله سلوكه إن لم يكن مستقيمًا.
أحمد منصور:
ما الذي تركه الاعتقال الأول في نفسكم؟
أمين الحافظ:
كنا ندخل المعركة ونحن نعلم أن السجن أو حتى القتل وارد. وكثيرًا ما اعتقلتنا الشرطة وأودعتنا المخفر القريب من المدرسة، وكانوا يصفوننا بالمشاغبين لا بالمناضلين.
كان معي رفاق من مختلف الاتجاهات، إسلاميين وقوميين وغيرهم، لكنهم كانوا يدًا واحدة. أذكر منهم ناظم سقّال، ومصطفى حمداني، وأحمد بنقوسلي، والدكتور فوزي حمد، ومصطفى الدواليبي، وبهجت شلبي، وبدر الدين نيشي، وعشرات غيرهم.
أحمد منصور:
هل كان ذلك في فترة الثلاثينيات؟
أمين الحافظ:
نعم، في تلك الفترة.
أحمد منصور:
هل كانت الكتلة الوطنية هي التي تجمع هؤلاء جميعًا، أم كانت هناك قوى سياسية أخرى على الساحة؟
أمين الحافظ:
كانت هناك قوى سياسية أخرى أيضًا.
القوى السياسية وأجواء الاستقلال
أحمد منصور:
من أبرز القوى السياسية التي كانت موجودة آنذاك غير الكتلة الوطنية؟
أمين الحافظ:
برزت لاحقًا جماعة الإخوان المسلمين، وكان لهم دور في الصفوف العليا، لكن ظهورهم كان متأخرًا نسبيًا، في الأربعينيات. أما الشيوعيون فلم يكن لهم وزن يُذكر في تلك المرحلة، ولم يكن لهم حضور شعبي واسع.
وكان هناك الحزب القومي السوري، الذي كان يرى أن الأمة تتمثل في سوريا ولبنان وأجزاء أخرى، وهذه الفكرة لم تكن تتوافق مع قناعتنا؛ إذ كنا نؤمن بأن الأمة العربية تمتد من المحيط إلى الخليج، وهي أمة واحدة.
ظهرت أيضًا تشكيلات مثل حزب العمل القومي لفترة محدودة، لكن الحزب الأقوى والأوسع تأثيرًا في تلك المرحلة كان الكتلة الوطنية، وكنا نسير تحت رايتها.
أحمد منصور:
كيف كان الجو العام تحت الانتداب الفرنسي؟ وما هي مشاعر الناس؟
أمين الحافظ:
كان الجو مشحونًا بروح وطنية عالية. عندما كنا ننزل من «التجهيز» إلى أحياء المدينة القديمة في حلب، كنا نلمس النخوة والشهامة في الناس.
كان أصحاب الدكاكين يغلقون محالهم عند اندلاع المظاهرات، ويفتحون أبوابهم الداخلية في الأزقة لتلبية حاجات الناس الأساسية. كانت هناك مظاهرات واحتجاجات متواصلة، وسوريا – رغم أن عدد سكانها آنذاك لم يتجاوز مليونين أو ثلاثة ملايين – قدمت ما يقارب مائة ألف شهيد.
وقد شملت التضحيات الجميع، من مختلف الطوائف والانتماءات. لم نكن ننظر إلى المجتمع باعتباره أقليات وأكثرية، بل وطنًا واحدًا يضم الجميع. نعم، هناك من يُصيب وهناك من يُخطئ، لكن الانتماء للوطن كان هو الجامع.
أحمد منصور:
متى بدأتم التفكير في الالتحاق بالكلية العسكرية؟
أمين الحافظ:
كنت منذ صغري أحب الجيش. كنت رياضيًا، ورأيت أن الاحتلال الفرنسي لا يُواجه إلا بالقوة والسلاح، كما فعل كثير من أبناء شعبنا الذين حملوا السلاح وضحوا.
بعد سقوط باريس في الحرب العالمية الثانية، بدأت الكلية الحربية تقبل الطلاب، ولكن بشروط صارمة في زمن الانتداب الفرنسي.
أحمد منصور:
ولماذا كانت الشروط صارمة؟
أمين الحافظ:
لأن فرنسا كانت تريد ضباطًا يدينون لها بالولاء، ويكونون مستعدين لتنفيذ أوامرها حتى لو وُجهوا ضد أبناء شعبهم.
قدمت عدة مرات، وكان يُقال لي في المقابلة: «أنت مشاغب، عليك سوابق مظاهرات وأحكام». فكنت أجيبهم بأن ذلك شرف لي.
أحمد منصور:
هناك من يقول إن فرنسا كانت تسمح لأبناء بعض الأقليات بالدخول إلى الكلية العسكرية دون شروط، في حين كانت تمنع أبناء السنة.
أمين الحافظ:
كانت فرنسا تسعى إلى تمزيق النسيج الوطني، وهذا نهج معروف في سياسات الاستعمار؛ تستغل أي ثغرة لصالحها. وقد قبلت أبناء عائلات معينة، ومنحت فرصًا لأفراد من أقليات، وأحيانًا لأبناء عائلات سنية كبيرة بشكل محدود.
أنشأت فرنسا ما عُرف بجيش الشرق، وهو جيش سوري تحت القيادة الفرنسية، لتستخدمه في تنفيذ سياساتها. غير أن كثيرًا من الضباط الذين تخرجوا في تلك المرحلة وقفوا لاحقًا إلى جانب الشعب، خاصة في انتفاضة عام 1945.
أحمد منصور:
هل يمكن توثيق مسألة انضمام بعض القوميات أو الأقليات إلى القوات الفرنسية؟
أمين الحافظ:
كان هناك أفراد من قوميات غير عربية، كالأرمن مثلًا، انضم بعضهم إلى التشكيلات التي أنشأتها فرنسا، لكنهم ظلوا قلة. وكثير منهم أثبتوا لاحقًا مواقف وطنية، خاصة في حرب فلسطين عام 1948.
ولا بد من التأكيد أن المواقف لم تكن حكرًا على طائفة دون أخرى؛ فقد تجد مسلمًا سنيًا يتعاطف مع فرنسا، كما تجد مسيحيين يحملون الصلبان ويسيرون معنا في المظاهرات. العبرة بالموقف الوطني، لا بالانتماء الديني.
أحمد منصور:
كيف كانت الأوضاع في سوريا بين عام 1936 – حين اعتُقلتم أول مرة – وبين دخولكم الكلية العسكرية عام 1946؟
أمين الحافظ:
كانت المظاهرات لا تنقطع. كنا في مواجهة دائمة مع الشرطة. كانت أجواء المقاومة حاضرة في معظم المدن، وكان الاحتكاك مع سلطات الانتداب مستمرًا.
أحمد منصور:
استقلت سوريا في 17 أبريل 1946، وخرجت فرنسا رسميًا. كيف كانت أجواء الاستقلال؟
أمين الحافظ:
الشعب الذي قدم التضحيات وصل إلى استقلاله بدمه وسيفه. صحيح أن هناك دعمًا عربيًا، وقيل إن للإنجليز دورًا في الضغط على الفرنسيين، بل إن القوات البريطانية تدخلت في حماة لإنقاذ القوات الفرنسية التي كانت محاصَرة من قبل الأهالي.
كان أهالي حماة يقاتلون بشجاعة، وطوقوا الفرنسيين، فجاءت القوات البريطانية وأجلت الفرنسيين.
لكن في النهاية، كان الجو العام وطنيًا بامتياز؛ شعب مقاتل، مؤمن بحقه، وصل إلى استقلاله بعد سنوات طويلة من النضال.
بدايات الارتباط بالفكر البعثي
أحمد منصور:
الخريطة السياسية في عام 1946 اختلفت عمّا كانت عليه في الثلاثينيات، وظهرت قوى جديدة على الساحة، أليس كذلك؟
أمين الحافظ:
نعم، برز البعثيون، وظهر حزب البعث.
أحمد منصور:
في عام 1947 تحديدًا.
أمين الحافظ:
صحيح، وكانت لهم مواقف طيبة. كما كان الأستاذ أكرم الحوراني يقود الحزب الاشتراكي في حماة، إضافة إلى الأحزاب القديمة، كالحزب الشيوعي والحزب القومي السوري.
أحمد منصور:
ما القوة التي جذبتك في تلك المرحلة للالتحاق بها؟
أمين الحافظ:
بطبيعتي كنت أميل إلى نصرة الفقراء وأشعر بمسؤولية تجاههم. لم يكن ذلك تعصبًا، بل إحساسًا بالواجب؛ فمن يملك القدرة عليه أن يعين غيره، ولو اقتسم معه رغيف الخبز.
لم أكن ميّالًا إلى الشيوعية، إذ كنت أراها بعيدة عن الجذور الدينية التي نشأت عليها؛ فقد تربيت في بيت يقوم على الإسلام، والقرآن، والصلاة. قد يخطئ الإنسان، فالكمال لله وحده، لكن في دمي نخوة الدين ونخوة العروبة.
أؤمن أن الإسلام كان الحصن الذي حمى الأمة عبر القرون، منذ الغزوات التترية والحروب الصليبية. العروبة أصيلة، لكن الإسلام أعزّنا وحفظ هويتنا. ومع ذلك، أرى أن تفرّق العرب إلى دول متناحرة أضعفهم وجعلهم عرضة للضغوط والهزائم.
أحمد منصور:
هل ترى أن العرب يملكون القوة اليوم؟
أمين الحافظ:
الشعوب تملك القوة، إذا توحدت. التجربة أثبتت أن الإرادة الشعبية أقوى من القيادات حين تتفرق. وأرى أن المفاوضات ينبغي أن تكون من موقع قوة، لا من موقع ضعف. فالتفاوض في حال الانتصار يختلف عن التفاوض في حال الهزيمة.
أحمد منصور:
سنأتي إلى هذه التفاصيل لاحقًا. لكن ما هو توجهك السياسي في الأربعينيات، خاصة بعد التحاقك بالكلية العسكرية؟
أمين الحافظ:
كانت عواطفي تميل إلى الاشتراكيين والبعثيين، وإن لم أكن قد انتسبت رسميًا في البداية.
أحمد منصور:
في 7 أبريل 1947 تأسس حزب البعث على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار. هل التحقت به مباشرة بعد تأسيسه؟
أمين الحافظ:
لا، لم أنضم فورًا، لكنني كنت متعاطفًا معه، ومتأثرًا بأفكاره.
أحمد منصور:
خلال وجودك في الكلية العسكرية بين عامي 1946 و1948، ما أبرز المؤثرات التي شكلت وعيك؟
أمين الحافظ:
كنت محبًا للقراءة، ومتأثرًا بتجربة الكتلة الوطنية في تحقيق الوحدة الوطنية. قرأت لأكرم الحوراني، ولميشيل عفلق، ولصلاح الدين البيطار، وكانت تصدر لهم صحيفة «الإحياء العربي». كنا – نحن الشباب – نجتمع ونتداول هذه الأفكار، وكان في الكلية عدد من الطلاب البعثيين، فازداد احتكاكي بهم.
وعندما بدأت طلائع المجاهدين تتوجه إلى فلسطين قبل اندلاع الحرب الرسمية عام 1948، كنت من أوائل من دعوا بعض زملائي إلى الالتحاق بهم.
أحمد منصور:
في عام 1948 تخرجت من الكلية العسكرية وشاركت في الحرب، وكنت شاهدًا على الهزيمة.
أمين الحافظ:
نعم، هذا صحيح.
أحمد منصور:
في الحلقة القادمة سنبدأ معك من مشاركتك في حرب 1948، وما شهدته فيها من أحداث، وأسباب الهزيمة من الجبهة السورية. أشكرك فخامة الرئيس جزيل الشكر.
أمين الحافظ:
الشكر لكم، بارك الله فيكم.
أحمد منصور:
كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. في الحلقة القادمة، نواصل الاستماع إلى شهادة الفريق أمين الحافظ، الرئيس السوري الأسبق. تقبلوا تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
00:00 – المقدمة
– 00:30 – السيرة الذاتية للرئيس أمين الحافظ
- 05:12 – نضال الشعب السوري ضد الاحتلال الفرنسي لنيل الاستقلال
– 08:42 – نضال الكتلة الوطنية ضد الفرنسيين
– 10:54 – تقسيم سوريا تحت حكم الفرنسيين إلى خمس دويلات
– 12:23 – دعم الفرنسيين للأقليات في سوريا
– 14:29 – أهم الأقليات داخل التركيبة السورية
– 17:55 – متى بدأت تشارك في مظاهرات الكتلة الوطنية؟
– 20:30 – طبيعة مشاركة أمين الحافظ في مظاهرات الكتلة الوطنية
– 22:55 – كيف اعتقل أمين الحافظ في أول مظاهرة شارك فيها عام 1936 ؟
– 25:25 – القوى السياسية في سوريا أثناء فترة الثلاثينات
– 27:38 – تفكير أمين الحافظ في الالتحاق بالكلية العسكرية
– 30:23 – فرنسا كانت تسمح بدخول العلويين والدروز وغيرهم من الأقليات للكلية العسكرية
– 33:02 – الوضع الداخلي في سوريا منذ عام 1936 حتى عام
– 34:43 – كيف حصلت سوريا على استقلالها 1946 ؟
– 39:43 – أمين الحافظ ونضال الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار اليهودي
– 41:14 – توجهات أمين الحافظ السياسية في فترة الأربعينات –