بقلم: أحمد منصور
لم أتوقّف مطلقًا عن التواصل مع وليد بك جنبلاط بعد الخلاف الذي نشأ بيننا بشأن استكمال شهادته على العصر، حتى عدت وفاتحته، مع دخول الشتاء الماضي في أكتوبر ٢٠٢٥، في أمر استكمال التسجيل، دون أن أُشير إلى وجود خلافٍ سابق، وكأنّه لم يكن. قلت له: «الطقس الشتوي في الدوحة دافئ، ما رأيك أن تأتي لنُكمل تسجيل شهادتك على العصر هنا؟». صمت قليلًا، ثم قال:«دعني أفكّر وأعود إليك».. ولم يفتح قضية الخلاف هو الآخر؛ فالزمن -كما قلت من قبل- يحلّ كثيرًا من الخلافات أو يُبرّدها، ويمنح كلّ طرفٍ مساحةً لينظر إليها من بعيد ويعيد تقييمها.
وهنا تعلّمت أنّ أمضى ما في يد المفاوض ليس الإصرار على نقطة الخلاف، بل القدرة على تجاوزها بصمت؛ فالخصم الذي تُواجهه بشرطه يتمترس خلفه، أمّا الذي تُحدّثه وكأنّ الشرط لم يكن، تسحب من تحته أرض المواجهة، وتترك له بابًا يتراجع منه دون حرج.
غير أنّي كنت قد أعددت حلًّا وسطًا لأستخدمه إن أصرّ على شرطه السابق؛ حلًّا لا يُمكّنه من مطالبه ولا يُلغي قراري، لكنّي لن أبوح به، لأنّي لم أُضطرّ إليه، فقد توقّف وليد جنبلاط تمامًا عن المطالبة بشرطه الصعب، ولم يفتحه معي مرّةً أخرى.
أرسل لي رسالةً يتعلّل فيها بأنّ حرب طوفان الأقصى لا تزال مستمرة، وأنّه لا يستطيع المجيء في ظلّ ظروف الحرب. قلت له: «إنّ الحروب لا توقف مسيرة الحياة، وأنت طوال عمرك تعيش في الحروب، والحياة لا تتوقف، دعنا نكمل». لكنّه طلب أجلًا حتى تتغيّر الظروف. لم أضغط عليه، ولم أيأس، وتواصلت معه مرّةً أخرى بعد شهر، فكرّر الأسباب نفسها.
وحين قرّرت القيادة الجديدة لشبكة الجزيرة إعادة بثّ برنامج «شاهد على العصر» على الشاشة، ذكرت لهم ما عندي وما أنا بصدد إعداده، ومنها شهادة وليد جنبلاط غير المكتملة، فطلبوا مني أن أقنعه مرة أخرى، وأن تكون شهادته بدايةَ البثّ على الشاشة.
فحاولت مجدداً، ونجحت هذه المرّة في إقناعه بالمجيء إلى الدوحة لاستكمال التسجيل دون أيّ شروط، كان ذلك في يناير الماضي قبل شهر رمضان. لكنّي فوجئت به، قُبيل ترتيبات السفر، يعتذر ويطلب التأجيل إلى ما بعد عيد الفطر، تواصلت معه بعد عيد الفطر فتردد، وأنا لا أمل من التواصل.
تعمّدت ألّا أُبلغ وليد بك جنبلاط بقرار الإدارة بدء البثّ إلّا يوم الشروع في الترويج للشهادة، ومارست معه سياسة الأمر الواقع باعتباره من أعمدة السياسة الواقعية
أحمد منصور
وحين جرى إعادة بثّ «شاهد على العصر» على شاشة الجزيرة، بدءاً بشهادة جنبلاط في ١٨ إبريل الماضي -رغم أنّ الجزء الذي سجّلته توقّف عند حرب الجبل بين الدروز والموارنة عام ١٩٨٣، وبقيت أحداث ثلاثةٍ وأربعين عامًا لم أسجّلها بعد- أصبحت أمام تحدٍّ كبير غير مسبوق طوال سنوات عملي في القناة؛ فلم يسبق أن وافقت على بثّ شهادةٍ لم تكتمل على الإطلاق، إلّا شهادة مراد غالب وزير الخارجية المصري الأسبق؛ لأنّه توفّي قبل أن أُكملها. لكنّي قبلت التحدّي، وقرّرت أن أخوض تجربةً جديدةً صعبة، مع شخصيةٍ صعبة المراس.
لماذا لم يُكمل مراد غالب شهادته على العصر ؟
تعمّدت ألّا أُبلغ وليد بك جنبلاط بقرار الإدارة بدء البثّ إلّا يوم الشروع في الترويج للشهادة، ومارست معه سياسة الأمر الواقع باعتباره من أعمدة السياسة الواقعية، وقلت له وأنا أبلغه: «هذا قرارٌ من الإدارة لا رجعة فيه، والمسئولية التاريخية في عدم استكمال تسجيل الشهادة أصبحت عليك الآن، وأرجو أن تأتي في أقرب وقتٍ حتى نستكمل التسجيل». وكعادته، لم يُعطني جوابًا فوريًّا، فتركته أسبوعين لا أتّصل به، ليقيني أنّه سوف يقيس ردود الفعل على الشهادة قبل أن يحسم أمره باستكمالها.
وهنا يحضرني درسٌ آخر في فنّ إدارة المواقف: أنّ أقوى ما يُحرّك المتردّد ليس الإلحاح عليه، بل أن تضعه أمام واقعٍ تشكّل من تلقاء نفسه؛ فحين يتحوّل القرار إلى أمرٍ نافذٍ لا رجعة فيه، تنتقل المسألة من حسابات الموافقة والرفض إلى حسابات الموقع: أين يريد أن يقف من حدثٍ يجري يتعلق به سواء شارك فيه أم تخلّف عنه؟ ولأنّ السياسيّ المحنّك يقرأ اللحظة قبل أن يقرأ الشروط، فإنّ الواقع المتشكّل يُقنعه بما عجزت عنه ألف حجّة وشرح. لقد كنت علي يقين أنه سيأتي لكني كنت متخوفًا من تقلباته التي كانت تفاجيء أصدقاءه قبل أعدائه. لكن عليك أن تكون شجاعا في القرار، وأن تتحمل عواقبه وأن تدفع الطرف الآخر للقبول به، والمغامرة المحسوبة نصف النجاح، ومن يدير عملاً مثل هذا، يجب أن يكون لديه مع المغامرة، سيناريوهات بديلة.
أصبح وليد جنبلاط، رغم الحرب القائمة في المنطقة، حديث الناس داخل لبنان وخارجها، كأنّما شكّلت شهادته على العصر ولادةً سياسيةً جديدةً له.
أحمد منصور
أعتقد أنّ ردود الفعل الهائلة التي بدأت تظهر -ليس في لبنان وحده، وإنّما في أنحاء العالم منذ بثّ أوّل حلقة- هي التي شجّعته على اتّخاذ قرار استكمال التسجيل.
فقد أصبح وليد جنبلاط، رغم الحرب القائمة في المنطقة، حديث الناس داخل لبنان وخارجها، كأنّما شكّلت شهادته على العصر ولادةً سياسيةً جديدةً له. واقتطع الناشطون اللبنانيون وغيرهم مئات المقاطع من الشهادة وأعادوا نشرها وبثّها على مواقع التواصل الاجتماعي، كلٌّ حسب توجّهه ومقصده، ممّا شكّل حالةً فريدةً ساهمت بشكلٍ كبير في اتّساع رقعة المشاهدة التي تجاوزت ملايين المشاهدات، والتعليقات بالإيجاب والسلب، والإعجاب والنقد.
أصبحت أتواصل معه وأشعر بارتياحه ممّا يجري، وأخيرًا حدّدت معه موعدًا للمجيء إلى الدوحة لاستكمال تسجيل الشهادة، وقمنا بترتيب وإعداد كلّ الترتيبات اللوجستية والفنية. لكنّي فوجئت به صباح اليوم الذي يُنتظر فيه وصوله، يُرسل رسالة اعتذارٍ بسبب طارئٍ صحّي، وهذا ما كنت أخشاه؛ لأن اليوم الذي اعتذر فيه عن المجيء كان موعد بث الحلقة الثامنة والأخيرة من الحلقات التي سجّلتها معه، وبهذا يكون قد وضعني في مأزقٍ كبيرٍ للغاية. تنفّست بعمق وتناولت فنجان القهوة الصباحي الذي أُعدّه بنفسي، وأضع فيه عدة خلطات توقظ الحواس، وجلست أفكّر بهدوء قبل أن أتّخذ أيّ قرار. وغدًا نُكمل كواليس شهادة جنبلاط على العصر.