في الحلقة العاشرة من شهادته على العصر، يستعرض أحمد منصور، مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط، حرب الدروز ضد السنة وحركة أمل ضد الفلسطينيين، وكذا خفايا الدور السوري في اللعب على وتر الأقليات في لبنان، وأهداف حافظ الأسد من وراء ذلك، وتفجيرات المارينز في بيروت، وخروج المارينز، والقوات المتعددة الجنسيات على إثر ذلك من لبنان، التي وصف بمقبرة الإمبراطوريات.
وأوضح جنبلاط في الحوار، أن تفجيرات المارينز أثرت على معنويات الجيش اللبناني؛ ما دعاه لشن عملية عسكرية؛ لاستعادة منطقة الشحار، قضاء عالية، من اللواء الثالث، والتي كانت تضم قبراً لـ عبد الله التنوخي، أحد أبرز أعلام وزعماء الموحدين الدروز في القرن الخامس عشر.
وأشار وليد جنبلاط إلى أن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، كان يعمل في الثمانينات تحت العباءة الإسرائيلية.

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية
وتحدث الزعيم الدرزي عن عصر الدويلات في لبنان بعد سيطرة ميلشياته، مع نبيه بري، على بيروت الغربية، وعن مدى صوابية أو خطأ قتاله، التنظيم المسلح للسنة في لبنان، المرابطون، الذين كان يقودهم إبراهيم قليلات، صديق والده الراحل كمال جنبلاط، قال جنبلاط: “عندما تتقاتل الميليشيات، يدفع الثمن المواطن”.
وكشف جنبلاط أنه طٌلب منه المشاركة في حرب المخيمات مع حلفائه في حركة أمل ضد حلفائه الفلسطينيين، لكنه رفض، ما تسبب له في حرج شديد مع القيادة السورية.
وأضاف أن هدف ضرب الوجود الفلسطيني في لبنان كان الهدف منه خنق وتحجيم ياسر عرفات، وأن حافظ الأسد كان دائماً ما يردد له القول: “لا توجد فلسطين .. فلسطين جنوب سوريا!!.” وأشار إلى أن مشكلة عرفات كانت رغبته في القيام بثورة على أرض الغير.
وقال جنبلاط إنه يتحمل بسبب ما وصفه بفائض الغرور، مسؤولية الاشتباكات بين الحزب التقدمي الاشتراكي، وحركة أمل، بين 1986، و 1987.
وذكر جنبلاط قصة أبو هيثم واختراقه للحزب الاشتراكي، وللوضع الأمني، وفرضه السطوة والسيطرة في بيروت، وتحذير حكمت الشهابي منه.
يُذكر أن هجوماً انتحارياً مزدوجاً وقع في الساعة السادسة وستٍّ وعشرين دقيقة من صباح 23 أكتوبر 1983، استهدف مبنىً كان يضم قوات مشاة البحرية الأميركية (المارينز)، في مطار بيروت الدولي، مما أسفر عن مقتل 241 جندياً أميركياً. وبعده بدقائق، استهدفت شاحنة أخرى مبنىً مجاوراً للجنود الفرنسيين، مما أسفر عن مقتل 58 مظلياً فرنسياً، في أكبر خسارة بشرية تكبدتها القوات الأميركية في عملية واحدة منذ الحرب العالمية الثانية. ونفذت الهجوم “الجهاد الإسلامي” بدعم وتخطيط من إيران.

نص حوار وليد جنبلاط ج10 من شهادته على العصر:
حرب الدروز ضد السنة وحركة أمل ضد الفلسطينيين
أحمد منصور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان. وليد بك، مرحباً بك.
وليد جنبلاط
أهلاً، مرحباً.
أحمد منصور
أنت مستكثر الفترة من 1983 إلى 2026؟
وليد جنبلاط
نعم، شوي.

تفجيرات المارينز في بيروت
أحمد منصور
أنا كما قلت لك، ذاكرت من أكثر من 22 ألف صفحة تقريباً. عندي 220 صفحة من الأسئلة، لا أعرف متى أنتهي منها. سأحاول قدر المستطاع التركيز على المحاور والأشياء الرئيسية، لكن أيضاً أنا أنبش في ذاكرتك، وأنت تتذكر أشياء مهمة جداً.
في 23 أكتوبر 1983، في الساعة السادسة وستٍ وعشرين دقيقة صباحاً، وقعت العملية الانتحارية المزدوجة التي قتلت 241 من المارينز الأمريكي و58 من المظليين الفرنسيين، والتي تبنتها منظمة الجهاد الإسلامي. أين كنت في ذلك الوقت؟ وكيف بلغك الخبر؟
وليد جنبلاط
كنت في بيروت، كنت في بيروت، لأننا بقينا في مرحلة معينة من عام 1983، بعد عودتي من جنيف، كنت في بيروت. ثم خرجت من بيروت في شباط/فبراير 1984، لأن السياسة أو البقاء في بيروت أصبح خطراً، نتيجة الفلتان الأمني واستباحة بيروت من قبل الميليشيات اليمينية.
أحمد منصور
الميليشيات كانت تملأ بيروت في ذلك الوقت.
وليد جنبلاط
نعم، تملأ بيروت. وهنا أيضاً أخالف الشيخ أمين، إذ يقول إنه كان يسيطر على بيروت من خلال جيش، لكنه لم يكن يسيطر على شيء. كانت الميليشيات تسيطر على كل شيء.
أحمد منصور
ما ردة فعلك عندما جاءك هذا الخبر؟ أنت كنت قد أعلنت الحرب على المارينز وعلى الأمريكيين قبل قليل، فأكيد أن أصابع الاتهام ستتوجه إليك.
وليد جنبلاط
لم نكن أبداً نعلم. هذا “الجهاد الإسلامي” آنذاك كان إحدى الأسلحة الخفية لحافظ الأسد.
أحمد منصور
لم يكن معروفاً عن “الجهاد الإسلامي” شيء قبل ذلك، تقريباً كانت هذه أول عملية كبيرة يقوم بها.
وليد جنبلاط
أظن—قد أكون مصيباً أو لا—أن أول تفجير حدث من هذا النوع عندما فجر “الجهاد الإسلامي” السفارة العراقية، حيث قُتلت زوجة الشاعر…
أحمد منصور
زوجة الشاعر؟
وليد جنبلاط
بلقيس، زوجة نزار قباني.
أحمد منصور
نعم، وكتب نزار قباني رثاءها في قصيدته الشهيرة. ما أثر هذه العملية؟ وُصفت بأنها أكبر ضربة يتعرض لها المارينز منذ حادث بيرل هاربر في الحرب، إذ قُتل 241 في يوم واحد وفي لحظة واحدة.
وليد جنبلاط
كان الأثر زعزعة معنويات الجيش اللبناني، وكنا لاحقاً قادرين على استعادة منطقة الشحار إلى جانب بيروت، فقمنا بعملية على الجيش اللبناني واستعدنا الشحار من اللواء الثالث.
أحمد منصور
لماذا قصفت البارجة الأمريكية “يو إس إس نيو جيرسي” عليكم في 14 نوفمبر بعد الحادثة بقليل؟
وليد جنبلاط
لا أحد يعرف. حاولوا أيضاً القصف باستخدام الطيران، وأسقطت طائرتان أمريكيتان. ولاحقاً جاء القس جيسي جاكسون إلى دمشق وأخذ الطيارين.
أحمد منصور
طبعاً سوريا هي التي أخذت الطيارين. صحيفة “السفير” اللبنانية نشرت تقريراً في 15 نوفمبر 1983 قالت فيه إن القصف الأمريكي كان يستهدف وليد جنبلاط شخصياً في المختارة.
وليد جنبلاط
لا، قصفوا الشويفات وقصفوا منطقة في الجبل اسمها المتن، وقصفوا ضهر البيدر أيضاً. ثم جاءت “نيو جيرسي” لاحقاً إلى بحمدون، وظننا أننا نستطيع السيطرة على معقل سوق الغرب، لكننا لم نكن نملك قوات كافية. فقامت “نيو جيرسي” بحماية ذلك الموقع إلى أن جاء الجيش، وخلقت ما يشبه “زناراً نارياً” حول سوق الغرب، ولم نكن نستطيع اختراقه.
تخبط إدارة ريجان
أحمد منصور
لجنة “يونغ–روبرت لونغ” الأمريكية التي شُكلت لدراسة وضع المارينز في لبنان أعدت تقريراً قالت فيه إن وجود المارينز في لبنان كان بلا هدف عسكري محدد، ووصفته بأنه مهمة غير واضحة. هل يكشف هذا حالة من التخبط داخل إدارة ريغان في ذلك الوقت؟
وليد جنبلاط
أرسل ريغان قوات عسكرية إلى لبنان في محاولة للوصول إلى حل سياسي، وهذا الحل كان يتطلب إقصاء كل من هو معادٍ للنظام اللبناني، أي الشيخ أمين واليمين اللبناني، لكن ذلك فشل.
أحمد منصور
أنتم كنتم المعادين، أنتم والسوريون والحزب الشيوعي؟
وليد جنبلاط
نعم، والتقت مصالحنا مع السوريين والسوفييت، وكذلك الإيرانيين لاحقاً.
أحمد منصور
الإيرانيون دخلوا على الخط لأول مرة في لبنان؟
وليد جنبلاط
دخلوا على الخط، لكن القرار كان بيد حافظ الأسد. كيف تمت العملية؟ وكيف خُطط لها؟ لا أدري، هناك دوائر خفية.
أحمد منصور
لكن لديك علاقات، وأكيد عرفت معلومات… لماذا لا تكشف لنا شيئاً منها؟
وليد جنبلاط
لا، لا أملك معلومات.
أحمد منصور
ولا حاولت أن تسأل؟
وليد جنبلاط
بعد هذه العملية، كنت على اتصال بالعماد حكمت الشهابي.
أحمد منصور
علاقتك به كانت قوية جداً.
وليد جنبلاط
نعم، قوية جداً. للتاريخ، كان يُعتبر من الدروز في حلب، في منطقة جبل السماق. كانوا يعتبرونه درزياً رغم أنه من آل شهاب، الذين يعود أصلهم إلى بني مخزوم من قريش، ولعبوا دوراً كبيراً في لبنان لاحقاً.
أحمد منصور
كان من القسم السني؟
وليد جنبلاط
نعم، من القسم السني.
أحمد منصور
لكن كانت علاقته بك وثيقة، وكان يطلعك على أشياء من داخل نظام الأسد ربما لم يكن يعطيك إياها أحد غيره.
وليد جنبلاط
كان يقول لي: انتبه يا وليد، ليس كل الناس في الشام يحبونك. وكانت لديه ملفات أمنية، وكان يرأس المخابرات العسكرية العميد علي دوبا. لم تكن هناك علاقة ودية بيني وبينه، فكان حكمت يطلع على ملفي ويبلّغني بما يمكن، طبعاً بإذن من الرئيس. واستمرت علاقتنا حتى بعد تركه المنصب.
أحمد منصور
حتى بعد ما ترك المنصب؟
وليد جنبلاط
نعم، وحتى بعده. وهو الذي قال لي في مارس 2011: هذا بشار الأسد، هذا الولد مجنون، وسيقود سوريا إلى حرب أهلية وتقسيم.
أحمد منصور
سأعود إلى تلك المرحلة. نحن أمام حدث تاريخي مهم. إدارة ريغان وقعت في مأزق كبير. كاسبر واينبرغر، وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، يقول في مذكراته القتال من أجل السلام إنه عارض إرسال المارينز إلى بيروت، لكن وزير الخارجية جورج شولتز هو الذي ضغط لإرسالهم. كيف كنت تقرأ هذا الصراع داخل إدارة ريغان؟
إليك النص بعد تحويله إلى العربية الفصحى، وتصحيح الأخطاء الإملائية وعلامات الترقيم، مع إبراز أسماء المحاور والضيف بالخط العريض:
وليد جنبلاط:
لم نكن نقرأ الصراع في الداخل، صراحةً، فقد كان فوق طاقتنا. كان همّنا الأساسي تحرير ما تبقّى من الجبل. آنذاك قمنا بتلك العملية العسكرية ضد اللواء الثالث، وحررنا أرضًا تُعدّ بالنسبة إلينا، وبالنسبة إلى الدروز، أرضًا مقدسة؛ لأنها تضم قبر الولي الكبير السيد عبد الله التنوخي. والسيد عبد الله التنوخي هو الذي رسّخ المذهب الدرزي في الإسلام، وكان يؤمّ المؤمنين في الجامع الأموي بدمشق.
أحمد منصور:
أنا لا أزال أريد أن أبقى عند حادثة المارينز؛ فقد كانت حادثة مفصلية. حتى إن جورج شولتز، وزير الخارجية الأمريكي في عهد ريغان، قال إنها كانت أكبر فشل شهدته إدارة ريغان، وريغان كانت له مكانته الخاصة. هل تعلّمت أمريكا من هذا الدرس أم كررته مرة أخرى في أماكن عدة؟
وليد جنبلاط:
الإنزال الأمريكي الوحيد الذي نجح، برأيي، هو الإنزال الذي جرى عام 1958 لتسوية الأوضاع في لبنان.
أحمد منصور:
هذا تحدثنا عنه في عهد كميل شمعون.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
وفي عهد الرئيس فؤاد شهاب.
وليد جنبلاط:
نعم، شهاب.
أحمد منصور:
لا أريد أن أطيل أكثر في موضوع المارينز؛ لأن لديّ تفاصيل كثيرة حوله. ولكن الآن، هل تؤكد أن الذين نفذوا تفجير المارينز كانوا الإيرانيين، بترتيب مع حافظ الأسد؟
وليد جنبلاط:
نعم.
مغادرة المارينز لبيروت
أحمد منصور:
غادرت آخر وحدة من قوات المارينز شاطئ بيروت في 26 شباط/فبراير 1984. كما انسحبت بريطانيا في 8 شباط/فبراير، وإيطاليا في 20 شباط/فبراير، وفرنسا في 31 آذار/مارس. ماذا كان يعني لكم هذا الانسحاب، بعدما أصبحت لبنان مقبرةً للإمبراطوريات؟ وقد تحدثنا سابقًا عن ذلك منذ أحداث عام 1860.
وليد جنبلاط:
رحلت الإمبراطوريات. وبرأيي، أسيء استخدام تلك القوات. وعندما تتعرض قوة عسكرية لمثل هذه الكارثة، فإنها تكتشف أن الأرض ليست كلها مرحبة بها؛ فبعض المناطق اللبنانية كانت معادية لها، وقد دخلت تلك القوات في أزقة لم تكن تعرف طبيعتها.
أحمد منصور:
لبنان مصيدة لمن يدخل إليها، أليس كذلك؟
وليد جنبلاط:
أطرف ما في الأمر أن البريطانيين أرسلوا تسعةً وتسعين جنديًا فقط.
أحمد منصور:
وليس مئة؟
وليد جنبلاط:
ليس مئة.
أحمد منصور:
ولماذا؟
وليد جنبلاط:
ثم انسحبوا بطريقتهم الخاصة، ولم يشعر بهم أحد.
أحمد منصور:
ولماذا كانوا تسعةً وتسعين لا مئة؟ وأنت تعرف البريطانيين جيدًا، وقرأت تاريخهم.
وليد جنبلاط:
لا أعرف السبب. كانوا متمركزين في أحد أحياء بيروت، ولم يسمع بهم أحد.
المصادقة على إلغاء اتفاق 17 أيار
أحمد منصور:
صادق مجلس النواب اللبناني، في آذار/مارس 1984، على إلغاء اتفاق 17 أيار. وأنت كنت تقاتل من أجل إسقاطه.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
والآن تم إلغاؤه، وبالتالي حققت انتصارًا سياسيًا.
وليد جنبلاط:
نعم، تحقق ذلك.
أحمد منصور:
سمير جعجع قال لك، في حواره معك في كليمنصو، إنكم خدمتم الأسد بإسقاط الاتفاق أكثر مما خدمتم لبنان.
وليد جنبلاط:
اسمح لي، آنذاك كان سمير جعجع قريبًا جدًا من إسرائيل. وإذا خُيّر بين إسرائيل وسوريا، فأنا أفضّل سوريا، وأقول ذلك بصراحة.
أحمد منصور:
أمين الجميل قال في شهادته معي في شاهد على العصر إنكم عندما طالبتم بإسقاط اتفاق 17 أيار لم تقدموا أي بديل. فما كان البديل لديكم؟
وليد جنبلاط:
لم يكن لدينا بديل واضح. كان المطلوب إعادة فتح طريق دمشق – بيروت، ثم ما كنا نسميه «التحرير». لكن كلمة «التحرير» نفسها تحمل أحيانًا معنى سلبيًا، لأن دخول أي قرية مختلطة بين الدروز والمسيحيين كان يعني أن الطرفين سيدفعان الثمن. الدرزي كان ضحية، والمسيحي أيضًا كان ضحية. وكما دفعنا نحن الثمن في بلدة عَبَي، عندما دخل الجيش اللبناني مع بعض العناصر اليمينية، ووقعت مجزرة هناك. يجب النظر إلى الأمور من جميع جوانبها.
أحمد منصور:
وأنا أقلب في هذه الصفحات أحاول فهم التركيبة المعقدة لما كان يجري آنذاك. هل كنتم تدركون نتائج كل خطوة تقومون بها؟ أم أن الأمر الواقع كان يفرض عليكم تصرفات مختلفة كل يوم؟
وليد جنبلاط:
لا يمكن السيطرة على كل شيء عندما تكون ضمن جيش غير نظامي أو ميليشيا. في مثل هذه الظروف، لا تسيطر أنت على الواقع، بل الواقع هو الذي يسيطر عليك.
مؤتمر لوزان للمصالحة اللبنانية
أحمد منصور:
هناك أمر طريف أريد منك شرحه. ففي 12 آذار/مارس 1984 انعقد مؤتمر لوزان للمصالحة الوطنية. وأنت قلت لغسان شربل في حوار مع صحيفة الحياة: «اتبهذلنا كثيرًا، وفي النهاية كفر السويسريون بنا». ماذا كنت تقصد؟
وليد جنبلاط:
لأن مؤتمر لوزان انعقد بعد إسقاط اتفاق 17 أيار، وبعد عودة أمين الجميل والمجلس النيابي. والغالبية ممن عادوا كانوا قد وافقوا سابقًا على الاتفاق ثم غيّروا موقفهم. حاولنا، نحن المسلمين، ومعنا قوى أخرى، إجراء تغيير في النظام.
أحمد منصور:
ومن كان معك؟
وليد جنبلاط:
كان معنا صائب سلام، والرئيس نبيه بري، وأنا. حاولنا تغيير النظام.
أحمد منصور:
أي أن السنة والشيعة كانوا معك؟
وليد جنبلاط:
نعم. وكان معنا أيضًا، ضمن جبهة الخلاص الوطني التي أسقطت اتفاق 17 أيار سياسيًا وعسكريًا، رمز مسيحي كبير هو سليمان فرنجية.
أحمد منصور:
صحيح.
وليد جنبلاط:
لكن عندما وصلنا إلى مسألة تغيير النظام أو تحسين مشاركة المسلمين فيه، رفض الرئيس سليمان فرنجية ذلك.
أحمد منصور:
طبعًا.
وليد جنبلاط:
ومن هنا تعثر الحوار.
أحمد منصور:
لأن الأمر كان يمس التوازنات بين الموارنة والسنة والدروز والشيعة وغيرهم.
وليد جنبلاط:
نعم، ولهذا بقينا في لوزان عشرة أيام.
أحمد منصور:
وقد قيل إنك طالبت بوضع خاص للدروز في الجبل.
وليد جنبلاط:
لا، أبدًا.
أحمد منصور:
لكن أمين الجميل قال لي في شهادته إنك طالبت بما كان الإسرائيليون يطالبون به للدروز.
وليد جنبلاط
بعد سقوط معركة بحمدون، أنشأنا ما يُسمّى “إدارة مدنية”، أي إدارة مدنية بمعنى…
أحمد منصور
تأخذون ضرائب ورسومًا ومحاكم؟
وليد جنبلاط
نعم، ومحكمة أيضًا. لكننا لم ننجح في موضوع الضرائب، ونجحنا فقط في “الضريبة” أو الرسم على السيارات، لأن الإدارة المدنية لم تكن تقتصر على منطقة درزية فقط، بل كانت تشمل نطاقًا أوسع بكثير، وهو إقليم الخروب، وغالبيته من المسلمين السنة، وفيه شيعة ومسيحيون، ويمتد حتى صيدا. نحن وقفنا عند حدود صيدا.
أحمد منصور
كأنها دويلة داخل الدولة اللبنانية.
وليد جنبلاط
الفريق الآخر كان يفعل الشيء نفسه أيضًا. اليمين اللبناني كان يعمل بالطريقة نفسها، والدولة في مكان ما كانت غائبة.

حكومة قادة الميليشيات
أحمد منصور
بعد عودتكم من لوزان، تم تشكيل حكومة، وأنت دخلت وأصبحت وزيرًا.
وليد جنبلاط
تم تشكيل حكومة سمّيناها “حكومة الوفاق الوطني” أو “حكومة الإنقاذ الوطني”، ومن مهامها كان مطلوبًا تغيير قيادة الجيش. وكان أمين الجميل يريد مرشحًا معيّنًا. ولصدفة التاريخ، في تلك الجلسة طرحتُ شخصيًا اسم إميل لحود، الذي أصبح لاحقًا من أشد خصومي. لأن والده جميل لحود كان معروفًا في اليسار اللبناني، وكان وزير الشؤون الاجتماعية في الستينات، وكان يُلقّب بـ”الوزير الأحمر”. لكن المفارقة أن الاسم لم يمر، وتم تعيين ميشال عون.
إميل لحود
ميشال عون
أحمد منصور
هل صحيح أنك طالبت بأن تكون وزير الدفاع في هذه الحكومة؟
وليد جنبلاط
لا، لا.
أحمد منصور
كانت حكومة من عشر وزراء فقط.
وليد جنبلاط
لا أتذكر الآن.
أحمد منصور
كان يُقال إن هذه الحكومة هي حكومة قادة الميليشيات نهارًا ووزراء دولة ليلًا.
وليد جنبلاط
لا، عبد الله الراسي لم يكن قائد ميليشيا، بل كان وزير الداخلية… لا، ليس بهذه الصورة.
عبد الله الراسي
أحمد منصور
أنت أصبحت وزير الأشغال العامة من 30 أبريل 1984 حتى 22 أبريل 1988، صحيح؟
وليد جنبلاط
نعم.
أحمد منصور
هناك اتهام كبير بأن وزارة الأشغال في عهدكم وفّرت للحزب التقدمي الاشتراكي تمويلًا يقارب 120 مليون دولار. أكيد قرأت هذا كثيرًا.
وليد جنبلاط
قمنا بجباية عبر الإدارة المدنية، وكانت تأتينا أيضًا مساعدات من ليبيا في مرحلة من المراحل.
أحمد منصور
للدولة أم للمليشيا؟
وليد جنبلاط
للمليشيا. كنت وزيرًا وفي الوقت نفسه قائد ميليشيا، مثل غيري.
أحمد منصور
والميزانية كانت تدخل؟
وليد جنبلاط
لا.
أحمد منصور
يعني ميزانية الوزارة وحدها؟
وليد جنبلاط
ذكرت لك سابقًا: كان هناك موازنة خاصة للإدارة المدنية، وموازنة للجيش الشعبي، ووزارة تعهدات أيضًا.
أحمد منصور
من أين كانت تأتي ميزانية الوزارة؟
وليد جنبلاط
من موازنة الدولة.
أحمد منصور
لكن الخزينة واحدة.
وليد جنبلاط
لا، لم تكن خزينة واحدة، كانت منفصلة.
أحمد منصور
يُقال 180 مليون دولار…
وليد جنبلاط
يا أستاذنا الكريم، عندما قامت حملات مكافحة الفساد في لبنان قالوا إن وليد جنبلاط سرق 500 مليون دولار، ثم أصبحت المبالغ 5 مليارات. حتى الآن هناك لجان تحقيق، وحديث عن أموال لدى رياض سلامة الذي كان يسيطر على مصرف لبنان.
رياض سلامة
أحمد منصور
كان إذا ليس 180…
وليد جنبلاط
لا شيء من هذا دقيق. لا يمكن إجراء تدقيق حقيقي بهذه الطريقة.
أحمد منصور
أمين الجميل قال في شهادته إن هناك فريقًا رابعًا في الحكومة هو أنت ونبيه بري، وكان هناك تنسيق مع السوريين.
وليد جنبلاط
في موضوع الوزارة لم يكن هناك شيء من هذا النوع داخل الحكومة، لكن البلد كان مقسومًا. وعندما ذهب أمين الجميل إلى دمشق، في غيابه حصل انقلاب عليه بقيادة إيلي حبيقة.
أمين الجميل
نبيه بري
إيلي حبيقة
أحمد منصور
في الفترة من 1984 إلى 1985 حصلت انتفاضة 6 شباط، وأصبحت بيروت الغربية تحت سيطرة…
وليد جنبلاط
مع الرئيس بري، نعم.
أحمد منصور
سيطرتم على بيروت الغربية.
وليد جنبلاط
ثم حدثت الفوضى في بيروت الغربية.
أحمد منصور
صحيفة “السفير” قالت إن الميليشيات كانت تدير بنوكًا ومرافئ غير شرعية وتستفيد من كل سفينة تدخل مرفأ بيروت أو الشويفات. هل كان هذا عصر الدويلات في لبنان؟
وليد جنبلاط
إذا أردت، أولاً لا يوجد مرفأ في الشويفات.
أحمد منصور
لا، مرفأ بيروت.
وليد جنبلاط
مرفأ بيروت كان تحت إمرة القوات، أي اليمين اللبناني. لم يكن مرفأ بيروت بيد اليسار أو حركة أمل، ربما كان هناك شيء بسيط في بعض المناطق.
أحمد منصور
لا، هناك مرفأ آخر، سأذكره لك.
وليد جنبلاط
هناك مرفأ صغير جدًا في خلدة، نعم.
أحمد منصور
كان تابعًا لكم هذا؟
وليد جنبلاط
كان يستقبل بعض الشاحنات… ليس الشاحنات فقط.
أحمد منصور
البواخر.
وليد جنبلاط
نعم، بواخر نفط.
أحمد منصور
وكان يُفرض عليه ضرائب وجمارك وكل شيء؟
وليد جنبلاط
نفس الشيء عندهم أيضًا.
أحمد منصور
روبرت فيسك في ويلات وطن يقول إن بيروت كانت “بيروت الميليشيات”، وأنها كانت حكم أمراء الحرب. وفي تلك الفترة كان هناك ما يسمى “الحوض الخامس” في المرفأ، أليس كذلك؟
وليد جنبلاط
الحوض الخامس.
أحمد منصور
نعم، الحوض الخامس.
وليد جنبلاط
الحوض الخامس في مرفأ بيروت. لا أدري إن كان تحت سيطرة الدولة أو الكتائب، لست متأكدًا.
أحمد منصور
لم يكن تابعًا لكم؟
وليد جنبلاط
لا أبدًا.
أحمد منصور
ويُقال إنك حصلت على سبعين مليون دولار من البحر.
وليد جنبلاط
الحوض الخامس كان في المنطقة التي نعتبرها الشرقية آنذاك.
ضرب جنبلاط للمرابطين، وسيطرة الفوضى على بيروت
أحمد منصور
في نيسان/أبريل 1985 اندلعت معارك ضارية بين “المرابطون” بقيادة إبراهيم قليلات وبين تحالف الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل.
إبراهيم قليلات
وليد جنبلاط
في ذلك الوقت وصل “المرابطون” إلى محاصرة منزل نبيه بري في بربور، في رأس النبع، فاتخذنا قرارًا—ربما كان خطأ أو صوابًا—وهاجمنا “المرابطون”.
أحمد منصور
خطأ أو صواب؟
وليد جنبلاط
عندما تتقاتل الميليشيات في مدينة، من يدفع الثمن؟ المواطن العادي فقط.
أحمد منصور
إبراهيم قليلات كان صديق والدك.
وليد جنبلاط
نعم، كان صديق والدي.
أحمد منصور
وكان صديقك أيضًا.
وليد جنبلاط
هو كان يقود حركة المرابطين.
أحمد منصور
وذهبتم إلى مصر في حضور جمال عبد الناصر وكان مع كمال جنبلاط.
كمال جنبلاط
صحيح.
أحمد منصور
بعد حرب الدروز والموارنة جاءت حرب الدروز والشيعة والسنة، لأن “المرابطون” كانوا التنظيم السني الأقوى.
وليد جنبلاط
جاءت الفوضى… الفوضى عمّت بيروت كلها.
أحمد منصور
صحيفة “الديار” في 15 أبريل 1985 قالت إن مليشياتكم اقتحمت مقر “المرابطون” في جامع جمال عبد الناصر، ودمرت المسجد. ونجاح واكيم في الأيادي السود قال إن ذلك تم بتنسيق سوري للقضاء على آخر قوة سنية مستقلة.
وليد جنبلاط
لم يُدمَّر المسجد. حصل اقتحام، وتمت السيطرة على مقر فيه إذاعة تابعة للمرابطون، وأخذنا الإذاعة فقط ولم نستخدمها. المسجد بقي موجودًا.
أحمد منصور
يعني قصف.
وليد جنبلاط
نعم.
أحمد منصور
الشيخ صائب سلام قاطعك بعد هذه الحادثة؟
صائب سلام
مش متأكد… ربما حصل قطيعة، لكن لا أتذكر بالتحديد.
أحمد منصور
كنت تقول دائمًا إن السنة مستضعفون ويجب أن يكون لهم وضع، واليوم أنتم ونبيه بري قضيتم على وجودهم في بيروت.
وليد جنبلاط
لم نقل “قضينا”، بل حدثت اشتباكات، ثم دخل البلد في فوضى شاملة.
دور حافظ الأسد في إبادة الوجود الفلسطيني في لبنان
أحمد منصور
في مايو من نفس السنة اندلعت حرب المخيمات بين حركة أمل والمخيمات الفلسطينية. أين كان موقعك؟
وليد جنبلاط
كنت بين الشام وبيروت، وطُلب مني الاشتراك في حرب المخيمات ضد الفلسطينيين.
أحمد منصور
إلى جانب من؟
حرب المخيمات: أمل ضد الفلسطينيين
وليد جنبلاط
إلى جانب حركة أمل في حرب المخيمات ضد الفلسطينيين.
أحمد منصور
ومن كان يقاتل الفلسطينيين؟
وليد جنبلاط
الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية، وأحمد جبريل كانوا يقاتلون معنا في الجبل، خصوصًا على جبهة سوق الغرب.
أحمد جبريل
وليد جنبلاط
لكن استُنزفنا كثيرًا، وسقط مئات الشهداء. طلبت من حافظ الأسد أن يرسل دعمًا من الدروز كما فعل جمال عبد الناصر عام 1958، لكنه لم يفعل وأرسل فصائل فلسطينية بدلًا من ذلك، لأنه لم يكن يريد ربط دروز سوريا بلبنان.
حافظ الأسد
أحمد منصور
ما الهدف من حرب المخيمات؟
وليد جنبلاط
استكمال تطويق الفلسطينيين وإنهاء نفوذ ياسر عرفات.
أحمد منصور
أكثر من 3500 قتيل في هذه الحرب.
وليد جنبلاط
نعم، وكانت سنوات دامية بين 1985 و1987، وراح ضحيتها مدنيون كثيرون، خصوصًا في صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة.
وليد جنبلاط
الذين قُتلوا في صبرا وشاتيلا كانوا نساءً وأطفالًا ومدنيين عُزّلًا.
أحمد منصور
أنا هنا أريد أن يفهم المشاهد طبيعة الدور الذي قام به حافظ الأسد في “إبادة” الوجود الفلسطيني في لبنان.
وليد جنبلاط
سنقول “إبادة” بمعنى التحجيم المطلق لياسر عرفات. دخل… دخل، وأعيدها مجددًا: الدخول السوري، أي دخول النظام السوري بقيادة حافظ الأسد إلى لبنان، كان هدفه القضاء على عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكان حافظ الأسد يرفض مقولة “القرار الوطني الفلسطيني المستقل”. هذه المقولة كان يرددها عرفات، وكنا نرددها نحن في المهرجانات المشتركة. آخر مهرجان كان في 16 آذار 1982، قبل دخول إسرائيل.
حافظ الأسد
ياسر عرفات
أحمد منصور
هل هو مجرد صراع زعامة، أم أن هناك قضية فلسطينية أعمق؟
وليد جنبلاط
لا، لا، لا.
أحمد منصور
قل لي.
وليد جنبلاط
حافظ الأسد كان قوميًا سوريًا بعثيًا. وزوجته أنيسة مخلوف أيضًا تحمل هذا الفكر القومي السوري. خلاصة الأمر أن الفكرة كانت قومية سورية.
أنيسة مخلوف
أحمد منصور
لخص لي.
وليد جنبلاط
كان يقول لي حافظ الأسد: أحيانًا لا توجد فلسطين، فلسطين هي جنوب سوريا.
أحمد منصور
يعني ماذا؟
وليد جنبلاط
يعني أن فلسطين في نظره جزء من سوريا، وهذه هي النظرية الوحدوية.
أحمد منصور
اذهب وحررها إذن.
وليد جنبلاط
هذه قصة أخرى. لكن في منظوره، لا توجد فلسطين ككيان منفصل. وأعود بك إلى عام 1964 أو 1965، عندما حاول ياسر عرفات القيام بعمليات عبر الجولان، فتم سجنه من قبل حافظ الأسد حين كان مسؤولًا أمنيًا آنذاك.
أحمد منصور
أنت هنا وقعت في مأزق بين مبادئك وولائك للفلسطينيين وبين حلفائك نبيه بري والسوريين.
وليد جنبلاط
دخلنا في هذا المأزق. كنت أعيش في دمشق، وكان يمكن أن أُقتل هناك. لكن عمليًا، كنت أُحمى من قبل حكمت الشهابي. أما الطرف الآخر فلم يكن يحميني.
حكمت الشهابي
أحمد منصور
شفيق الحوت قال في شهادته إنكم كنتم تزودون المخيمات بالسلاح الخفيف والذخيرة لمواجهة هجمات أمل. هل فعلًا ساعدتم الفلسطينيين؟
شفيق الحوت
وليد جنبلاط
في مرحلة معينة، نعم، حصل اشتباك في بيروت، ودبّت الفوضى، وكدنا نصل إلى التحام بين بعض الفصائل الفلسطينية والقوى الشيوعية والاشتراكية. عندها جاء إنذار شديد اللهجة، وذهبت إلى دمشق مع جورج حاوي، وقيل لنا: هذا خط أحمر. اسحبوا ميليشياتكم من بيروت. وبالفعل انسحبنا، ثم دخل الجيش السوري إلى بيروت الغربية لاحقًا.
جورج حاوي
أحمد منصور
هل كان الأسد يدير كل هذه اللعبة؟ وهل كان الأمريكيون والإسرائيليون يتركونه يفعل ذلك أم بتنسيق معه؟
وليد جنبلاط
بالنسبة للأمريكيين والإسرائيليين، كانت تلك حروب أزقة في بيروت، ولم تكن تؤثر عليهم مباشرة.
توقيع الاتفاق الثلاثي في دمشق
أحمد منصور
في 28 ديسمبر 1985 وقع ما يسمى بالاتفاق الثلاثي في دمشق بين إيلي حبيقة ونبيه بري ووليد جنبلاط.
إيلي حبيقة
نبيه بري
وليد جنبلاط
نعم، لكني كنت آخر من وقّع. وعندما تأخرت قالوا لي: لماذا لا توقّع يا وليد؟ فقلت: أنا أنظر إلى الأمور من زاوية أبعد.
أحمد منصور
هذا كان بحضور الأسد؟
وليد جنبلاط
التوقيع كان في مكتب عبد الحليم خدام في دمشق.
عبد الحليم خدام
أحمد منصور
نعم.
أحمد منصور
قل لنا، لأنني قرأت كثيرًا عن هذا الاتفاق، حتى إن مروان حمادة نفسه، عندما هرب إلى فرنسا، قال إن وليد جنبلاط جاء 17 مرة إلى سوريا من أجل هذا الاتفاق. وأنت قلت في تصريح لك: “مسكين مروان حمادة، زار دمشق أربعين مرة لوضع تفاصيل هذا الاتفاق”.
وليد جنبلاط
حاولنا تأخير الاتفاق، لأن في هذا الاتفاق كان هناك عامل أساسي غائب عن التمثيل السني، وهو الرئيس رشيد كرامي.
رشيد كرامي
أحمد منصور
ما هدف هذا الاتفاق أصلاً؟ ما الذي كانت تريده سوريا منه؟
وليد جنبلاط
نعود إلى ما يشبه في مكان ما “اتفاق الأقليات”.
أحمد منصور
اشرح لي أكثر. يعني ماذا؟ أنتم كلكم أقليات: علويون، دروز…
وليد جنبلاط
شيعة…
أحمد منصور
شيعة…
وليد جنبلاط
مسيحيون…
أحمد منصور
وماذا عن السنة؟
وليد جنبلاط
تم استبعادهم تقريبًا، نعم.
أحمد منصور
تمامًا.
وليد جنبلاط
هذه كانت الفكرة. هذه كانت نظرية رفعت الأسد، كان يطرحها لنا.
رفعت الأسد
أحمد منصور
يعني الموضوع ليس مجرد سياسة، بل عقيدة؟ أي تجميع الأقليات ضد الأكثرية لبناء نظام؟
وليد جنبلاط
هم كانوا يتعاملون معها كعقيدة. لكن نحن لم يكن لدينا القدرة لمواجهتها، فكنّا نحاول التكيف والمراوغة.
أحمد منصور
لماذا تأخرت في التوقيع ولم تكن تريد أن توقع؟
وليد جنبلاط
لأنني لم أكن مقتنعًا بالاتفاق. لذلك حاول مروان حمادة حوالي أربعين مرة تعديل بعض بنوده، وكنا نحاول التذاكي على النظام السوري.
أحمد منصور
لكن في النهاية، الاتفاق لم يكن قابلًا للتطبيق على الأرض، أليس كذلك؟
وليد جنبلاط
نعم، صحيح.
أحمد منصور
ومع ذلك، أتى الاتفاق بنخبة من القادة المسيحيين بقيادة إيلي حبيقة.
إيلي حبيقة
أحمد منصور
الاتفاق، بحسب ما نشرته صحيفة “السفير” في 29 ديسمبر 1985، نصّ على تكامل استراتيجي بين لبنان وسوريا وإعادة تشكيل الجيش، وكأن حافظ الأسد كان يعيد رسم لبنان ليجعله جزءًا من سوريا.
وليد جنبلاط
حافظ الأسد، ولاحقًا بشار الأسد، لم يغيّروا في نظرية “تحالف الأقليات” إلا عندما وجدوا حليفًا سنيًا كبيرًا، وهو رفيق الحريري. هذا الحليف ظهر في عام 1991 واستمر حتى وفاته.
أحمد منصور
2005…
وليد جنبلاط
نعم، 2005. لقد أعطاهم الحريري مجالًا عربيًا ودوليًا؛ عربيًا من خلال السعودية، ودوليًا من خلال فرنسا. وتذكر أن الرئيس الفرنسي الوحيد الذي حضر جنازة حافظ الأسد كان جاك شيراك.
جاك شيراك
أحمد منصور
نعم، جاك شيراك، وهو أيضًا حضر جنازة الحريري لاحقًا.
وليد جنبلاط
نعم.
أحمد منصور
أريد هنا أن أسأل: حصل انقلاب وبدأت حرب جديدة بين الموارنة أنفسهم. عندما حضر إيلي حبيقة ومثّل الموارنة، قال له سمير جعجع: أنت لا تمثل الموارنة.
سمير جعجع
إيلي حبيقة
وليد جنبلاط
لكن هنا حصل شيء بعد أن قمت بانفراد…
أحمد منصور
قل لي هذه النقطة.
وليد جنبلاط
أعلن…
أحمد منصور
سمير جعجع؟
وليد جنبلاط
لا، ميشال عون.
ميشال عون
وليد جنبلاط
حرب التحرير. والعرب كانوا قد طوّقوا سوريا سياسيًا، وطالبوا في بيانات—أذكر منها بيان مؤتمر الرباط—بسحب الوجود السوري من لبنان. نحن اعترضنا، وتحالفنا مع سوريا في ذلك الاعتراض.
ثم خضت معركة سوق الغرب في 13 أغسطس 1989 منفردًا. ظننت أننا نستطيع إضعاف الجيش اللبناني أو السيطرة على تلة تُسمّى “تلة الثلاث تمانات”، لكننا لم نستطع. انتهت المعركة عند الخامسة مساءً، وبعدها لم تُطلق أي رصاصة على بيروت الغربية أو الجبل أو البقاع من قبل ميشال عون.
أحمد منصور
أنا سأعود إلى هذا، لكنك سبقتني. أنا ما زلت في عام 1986، حين اندلعت حرب سمير جعجع وإيلي حبيقة، واستولى جعجع على الوضع.
سمير جعجع
إيلي حبيقة
وليد جنبلاط
نعم، هذه الحرب…
أحمد منصور
بعد 17 يومًا فقط من توقيعكم في دمشق، اندلعت الحرب بينهم، واضطر إيلي حبيقة إلى الفرار.
وليد جنبلاط
نعم، لكن الأهم هو أن الخلاف بينهم كان على أمور داخلية لا أستطيع الجزم بتفاصيلها.
أحمد منصور
لكن الواضح أن سمير جعجع أصبح هو الزعيم الفعلي، بينما إيلي حبيقة خرج من المشهد.
وليد جنبلاط
صحيح.

انقلاب جنبلاط على نبيه بري
أحمد منصور
أنت تحدثت عن مرحلة الفوضى في نهاية عهد أمين الجميل، 1986–1987. في صيف 1986 اندلعت اشتباكات دامية بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل.
نبيه بري
وليد جنبلاط
نعم.
أحمد منصور
أنتم كنتم حلفاء استراتيجيين ثم اختلفتم، واندلعت الحرب. لماذا حدث ذلك؟
وليد جنبلاط
أتحمّل المسؤولية شخصيًا في ذلك.
أحمد منصور
على لسانك للتاريخ.
وليد جنبلاط
كانت مغامرة كنا في غنى عنها. أحيانًا يُصاب الإنسان بما يسمى “فائض القوة” أو الغرور. ودخلنا في صراعات داخل أزقة بيروت، وكلفت هذه الاشتباكات الكثير من الأبرياء، سواء من جهتنا أو من جهة حركة أمل أو من المدنيين في بيروت.
وفي الوقت نفسه، كان جهاز أمن الحزب التقدمي الاشتراكي مخترقًا إلى حد كبير.
اختراق أبو هيثم للحزب الاشتراكي التقدمي
أحمد منصور
مخترق؟
وليد جنبلاط
نعم، مخترق.
أحمد منصور
من قبل من؟
وليد جنبلاط
من قبل شخص نبّهني إليه حكمت الشهابي. كان لدينا شخص يُدعى “أبو هيثم”، نصفه مصري ونصفه لبناني. كان يخلق حالة أمنية وعسكرية ترعب بيروت.
حكمت الشهابي
وليد جنبلاط
وعندما دخل الجيش السوري لاحقًا لوقف الاشتباكات، خرجنا من بيروت، لكنه بقي موجودًا، وأويته في المختارة لفترة.
وليد جنبلاط
كان يقاتل، لكنه كان خطيرًا… خطيرًا جدًا.
أحمد منصور
كيف يعني؟
وليد جنبلاط
بقوته، لم أكن أتصور أنه كان يفرض الرعب على أهل بيروت و”الخوات”.
أحمد منصور
كان لديه قوات خاصة؟
وليد جنبلاط
كان لديه قواته الخاصة.
أحمد منصور
من كان يموله؟
وليد جنبلاط
لا أستطيع الإجابة، لا أعرف. لكنه لم يكن بحاجة إلى تمويل كبير، كان يفرض “خوة” على الناس، يعني إتاوات تُفرض بالقوة.
أحمد منصور
يعني كان يفرض على الأهالي؟
وليد جنبلاط
نعم، نعم.
أحمد منصور
بلطجة يعني.
وليد جنبلاط
نعم.
كان يقيم في المختارة، لكن في ظل وجود الجيش السوري الذي فرض آنذاك نوعًا من الأمن في بيروت، كانت تحدث من وقت لآخر انفجارات. ومن أين تأتي هذه الانفجارات؟
قال لي أيضًا حكمت الشهابي: “انتبه له”.
ذهبت إلى بيتي في بيروت في شارع مار الياس، واكتشفنا في إحدى المرائب مخزنًا كبيرًا للمتفجرات والذخيرة والسلاح. ثم اكتشفنا أشياء أخرى لاحقًا.
حكمت الشهابي
نقلنا تلك الأسلحة إلى المختارة، وكنت في ساحة المختارة، ووجدت علب كبريت وعلب سجائر. كدت أفتحها، لكن مرافقي جمال عمار فتح علبة كبريت فانفجرت وأُصيبت يده إصابة بالغة. كان أبو هيثم خطيرًا جدًا.
أحمد منصور
يعني كان يضع لكم ألغامًا حتى داخل المختارة؟
وليد جنبلاط
نعم، ألغام. فنقلنا كل هذا إلى وادٍ، ثم فجّرناه.
بعدها توجهت إلى دمشق، وكان في السيارة المرافقة لي، وسلّمته إلى الفرع 235، أو فرع فلسطين.
فرع فلسطين
أحمد منصور
هؤلاء “بيسلخوا” الناس.
وليد جنبلاط
بقي هناك حتى حصل الخلاف مع بشار الأسد لاحقًا. ثم أُطلق سراحه، وأعاده لي اللواء غازي كنعان، ثم اختفى بعد ذلك.
غازي كنعان
أحمد منصور
وإلى اليوم لا تعرف عنه شيئًا؟
وليد جنبلاط
لا.
أحمد منصور
مجلة “تايم” في عدد 20 فبراير 1984 نشرت صورة لك على الغلاف بعنوان: “رجل لبنان الجديد”. هل تتذكر ذلك؟
وليد جنبلاط
لا، لا أظن. مجلة “تايم” لم تنشر صورتي بهذا الشكل. ربما نشرت صورة ياسر عرفات في مرحلة ما.
ياسر عرفات
أحمد منصور
في ذلك الوقت كان يُقال إنه العصر الذهبي لوليد جنبلاط في لبنان، وكنت تعتبر الحاكم الفعلي مع نبيه بري.
وليد جنبلاط
لم نكن نحكم شيئًا… كنا نحكم الأزقة فقط، للأسف، وكان ما كان من مآسٍ على أهل بيروت.
نبيه بري
أحمد منصور
كيف انتهت الحرب بينك وبين نبيه بري؟
وليد جنبلاط
عندما حصلت تسوية. كنت أذهب إليه مباشرة.
أحمد منصور
ماذا دار بينكما؟
وليد جنبلاط
عتب متبادل… ثم دخلت القوات السورية، وبعدها حصلت التسوية.
نبيه بري
حافظ الأسد
أحمد منصور
مجزرة ثكنة فتح الله حصلت في ذلك الوقت، 25 فبراير 1987.
وليد جنبلاط
نعم، وقعت في سياق رسالة أو تنبيه سياسي، وكان الهدف توجيه رسالة بحدود القوة.
أحمد منصور
من 1987 إلى 1989 وقعت سلسلة اغتيالات لقيادات سنية في لبنان… سنبدأ بها الحلقة القادمة. أشكرك جزيل الشكر. شكراً لمتابعتكم، وإلى اللقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.