الطاغية الذي أحرقت مظالمه دولة بني أمية

يعرف كثيرٌ من الناس الحجاج بن يوسف الثقفي، لكن قلّةً هم الذين يعرفون ابن عمه يوسف بن عمر الثقفي، الذي لم يكن مجرد والٍ عابرٍ في تاريخ العراق خلال سنوات الدولة الأموية، التي امتدت بين عامَي 41 و132هـ، بل كان إعادة إنتاجٍ فجّةً ومأساوية لسيرة ابن عمه الحجاج، الذي حكم العراق بالحديد والنار قرابة عشرين عامًا…
أحمد منصور

بقلم: أحمد منصور

يعرف كثيرٌ من الناس الحجاج بن يوسف الثقفي، لكن قلّةً هم الذين يعرفون ابن عمه يوسف بن عمر الثقفي، الذي لم يكن مجرد والٍ عابرٍ في تاريخ العراق خلال سنوات الدولة الأموية، التي امتدت بين عامَي 41 و132هـ، بل كان إعادة إنتاجٍ فجّةً ومأساوية لسيرة ابن عمه الحجاج، الذي حكم العراق بالحديد والنار قرابة عشرين عامًا حتى هلك بمرضه سنة 95هـ، بعد دعوة من من العالم الرباني سعيد بن جبير دعاها عليه قبل أن يقتله الحجاج، بعد دعوةٍ من العالم الربّاني سعيد بن جبير، دعاها عليه قبل أن يقتله الحجاج، وقد امتدت ولاية يوسف على الكوفة والعراق نحو ست سنوات (120–126 هـ)، تحوّلت فيها البلاد إلى مقصلةٍ بشرية، وغدا نموذجًا صارخًا للوالي الذي يستمد شرعيته من سحق معارضيه.

تُجمِع أمّهات المصادر التاريخية -وعلى رأسها «تاريخ الرسل والملوك» للطبري، و«البداية والنهاية» لابن كثير- على أن يوسف بن عمر الثقفي  دشّن عهده بنزعةٍ عصبيةٍ جاهلية أذكت الصراع القبلي بين القبائل المُضرية واليمانية. 

فبمجرد وصوله كتاب تكليف الخليفة هشام بن عبد الملك له سنة 120هـ، عزل سلفه الوالي خالد بن عبد الله القسري، وزجّ به في السجن، وطالبه بالأموال، وبدأ رحلة انتقامٍ مروّعة تمثلت في مصادرة أموال الأشراف والتجار، حتى أخذ من خالد وأعوانه -كما يذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء»ـ تسعين ألف ألف درهم، وضخّ أموالًا طائلة إلى خزائن دمشق لكسب رضا الخليفة، على حساب إفقار أهل العراق وتجويعهم، ونهب أموالهم .

ولم تقف مظالمه عند العسف المالي، بل بلغت ذروتها في قمع الرموز؛ فقد أدار يوسف معركة قتال الإمام زيد بن علي بن الحسين في صفر سنة 122 هـ -على الراجح عند ابن كثير، وقيل سنة 121هـ – حين خرج زيدٌ بمن بايعه من أهل الكوفة، فرُمي بسهمٍ أصاب جبهته فمات من ساعته.

ولم يكتفِ يوسف بقتله، بل أمر بإخراج جثمانه بعد أن دُفن سرًّا في مجرى أحد الأنهار، فصُلب عاريًا في كناسة الكوفة، وبقي مصلوبًا -كما يذكر الذهبي في تاريخه أربع سنين. وحين قام ابنه يحيى بن زيد ببلاد خراسان، كتب الخليفة الوليد بن يزيد إلى يوسف يأمره بإنزال الجثمان وإحراقه وذرّ رماده في نهر الفرات؛ فالإحراق كان بأمر الوليد لا بمبادرة يوسف وحده.

لكن سنن التاريخ لا ترحم، فقد كتب الله لهذا الطاغية نهايةً بائسة صيغت بذات القسوة التي عامل بها الناس.
أحمد منصور

ولم يسلم من عمر بن يوسف الثقفي -كما أسلفت- سلفه خالد القسري، الذي ظل يعذّبه ويصادر أمواله، حتى إذا همّ الوليد بن يزيد بعزل يوسف، بادر الثقفي في الحصول علي خالد القسري من الخليفة، فأُخرج خالدٌ من الشام مقيّدًا وسُلّم إليه، فنقله إلى الحيرة وأهلكه تحت العذاب والمصادرة سنة 126هـ، وكان مقتل خالد شرارةً أجّجت غضب القبائل اليمانية على بني أمية.

لكن سنن التاريخ لا ترحم، فقد كتب الله لهذا الطاغية نهايةً بائسة صيغت بذات القسوة التي عامل بها الناس. فعندما اضطرب الشام وقُتل الخليفة الوليد بن يزيد سنة 126 هـ، وتولّى يزيد بن الوليد (الناقص) السلطة، أصدر فورًا أمرًا بعزل يوسف بن عمر الثقفي، وولّى مكانه منصور بن جمهور الكلبي. هنا انفرط عقد الطاغية الذي تسلّط على العباد سنوات قليلة أذاقهم فيها جحيم العذاب، ففرّ هاربًا من العراق متنكرًا بزي  النساء ليفلت من الجموع الغاضبة، وتسلّل نحو الشام، إلا أن العيون رصدته بموضع البلقاء، فقُبض عليه وسِيق ذليلًا مصفّدًا بالحديد إلى السجن في دمشق، حيث حُبس مع ابنَي الوليد بن يزيد.

وداخل المحبس تجسّدت العدالة في أبشع صورها؛ فحين اضطربت دمشق وزحف نحوها مروان بن محمد (آخر خلفاء بني أمية) سنة 127هـ، اقتصّ يزيد بن خالد بن عبد الله القسري لأبيه، فبعث مولاه أبا الأسد إلى السجن، فدخل علي يوسف بن عمر الثقفي  فضرب عنقه، كما تُجمع الروايات عند الذهبي وابن كثير.
وفي روايةٍ أخرى أنهم رموه قتيلًا، فشدّ الصبيان في رجله حبلًا وجرّوه في أزقّة دمشق، وكان قصير القامة عظيم اللحية تكاد تبلغ سُرّته.

وهنا يتجلى الدرس الذي لا يخطئه من يتأمل في موازين السلطة: إنّ الوالي الذي يجعل البطش أداةَ شرعيته إنما يبني سلطانه على رمالٍ سرعان ما تبتلعه قبل أن تبتلع خصومه
أحمد منصور

قُتل يوسف بن عمر الثقفي منبوذًا مكروهًا، بطريقةٍ بشعةٍ توازي أعماله في عباد الله، وعلى أيدي رجالات الأمويين أنفسهم الذين أخلص لهم وارتكب المظالم إرضاءً لهم، تاركًا سيرةً مثقلةً بالدماء. 

وهنا يتجلى الدرس الذي لا يخطئه من يتأمل في موازين السلطة: إنّ الوالي الذي يجعل البطش أداةَ شرعيته إنما يبني سلطانه على رمالٍ سرعان ما تبتلعه قبل أن تبتلع خصومه، فالقوة حين تتجرّد من العدل لا تُنتج إلا عدوًّا مؤجَّلًا في كل نفس أخافها أو عذّبها.

 لقد كان مقتله المسمار الأخير في نعش الدولة الأموية، التي تهاوت أركانها بعد سنواتٍ قليلةٍ من هلاكه، بعدما أطلقوا الولاة يمارسون الطغيان علي العباد، فما من بنيانٍ شُيّد على الجماجم إلا وكانت المظالم أول ما يهوي به إلى القاع.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج11 من شهادته على العصر: تصفية زعماء السنة وحكم الميليشيات لبيروت 

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share