بقلم: أحمد منصور
بصراحةٍ شديدة، حتى مع وصول وليد بيك جنبلاط إلى الدوحة، كان لديّ قلقٌ -وإن كان أقلّ بكثير من ذي قبل- من تغيّر مزاجه. لكنّه جاء في موعده إلى موقع التصوير في اليوم الأول، وأنجزت المخطّط الذي أعددته كاملًا. كنت قد وضعت خطّة التصوير على عدّة أيام لتتناسب مع حجم الأسئلة لديّ والموضوعات التي أريد تغطيتها عن الفترة الزمنية من ١٩٨٣ وحتى ٢٠٢٦، واتّفقت معه على كلّ شيء. لكنّه فاجأني برسالةٍ في الليل، بعد انتهاء تصوير اليوم الأول، يبلغني فيها بأنّه سيغادر بعد غد، أي أمامي يوم واحد فقط لاستكمال التسجيل، بدلًا من أربعة أيام.
فالمفاوض الذي ينتزع موافقةً متردّدةً لا ينبغي أن يطمئنّ إليها؛ لأنّ ما يُبنى على مزاجٍ متقلّب يتغير بمزاجٍ مثله.
أحمد منصور
وحين وجدته مصرًّا، أدركت أنّه لا مفرّ من جولة تفاوضٍ ومساومةٍ أخرى، أقدم فيها بعض التنازلات، فقلت له: «سأتنازل عن يومٍ، وتتنازل أنت عن يوم؛ وهكذا تسافر مبكّرًا يومًا واحدًا فقط عن الموعد المتّفق عليه، وسأحاول دمج بعض المراحل واختصارها، رغم أنّي لا أحبّ ذلك». صمت قليلًا قبل أن يمنحني الموافقة. لكنّ هذا الصمت كان جرس إنذارٍ لي:
فالمفاوض الذي ينتزع موافقةً متردّدةً لا ينبغي أن يطمئنّ إليها؛ لأنّ ما يُبنى على مزاجٍ متقلّب يتغير بمزاجٍ مثله. الموافقة الصامتة المنتزَعة تحت الإلحاح ليست عقدًا مُبرمًا، بل هدنةً مؤقّتة قابلةً للنقض مع أوّل صباح. ومن ثمّ، فإنّ الحكمة ليست في انتزاع «نعم» اليوم، بل في إغلاق كلّ منافذ التراجع قبل الغد.
إنّ أهمّ ما يميّز حلقات «شاهد على العصر» منذ ظهورها على شاشة الجزيرة في فبراير ١٩٩٩ أنّها أشبه بتحقيقٍ تشوبه بعض القسوة والأسئلة الصعبة مع الشهود. لكنّ الحوار مع جنبلاط كان مختلفًا، كما كان مختلفًا مع ضيوفٍ آخرين، مثل الفريق سعد الدين الشاذلي ووزير الخارجية المصري مراد غالب؛ فكلّ ضيفٍ منهم كان يُجيب بصراحةٍ ووضوح. وهؤلاء كانوا يقدّمون إجاباتٍ شبه صريحة، وفق ما يتوفّر لديّ من معلومات، أو بما يبوحون به من معلوماتٍ جديدةٍ تكشف الحقائق المخفيّة والأحداث الغامضة.
ولهذا يقول لي بعض الناس: «إنّك قاسٍ مع بعض الضيوف، وسهلٌ مع آخرين». فأقول لهم: «إنّ إجابة الضيف هي التي تحدّد طريقة إدارتي للحوار؛ فإن كان مناورًا غير صريح، يبرّر الأخطاء ويحرّف الأحداث، كنتُ قاسيًا معه كالمحقّق. وإن كان يجيب دون التفافٍ أو مناورة، كنتُ سهلًا معه، كأنّما صديقان يتحدّثان». وأنا أحدّد طريقة الحوار بناءً على أداء الطرف الآخر وطريقة إجابته، ومن يُقيّم الحوارات وفق هذا المنظور يفهم الأمر بسهولة.
ولذلك كنتُ سهلًا مع جنبلاط؛ لأنّه كان يعترف مباشرةً، ولم يضطرني للجوء للأسئلة الصعبة، حتى إنّي أستطيع أن أُطلق على شهادته وصف «اعترافات جنبلاط»؛ فقد اعترف بتفاصيل وأخطاءٍ كثيرةٍ في مسيرته السياسية الصاخبة، وحياته المليئة بالحروب والصراعات والتحالفات والانشقاقات والانقلابات السياسية والعلاقات المتناقضة، وشرح أسباب تقلّباته وتحالفاته المتضاربة. وهذه من الحوارات القليلة التي كان الضيف يعترف فيها بكلّ ذلك دون أيّ ضغط.
لم يتعوّد الناس على رؤية جنبلاط وهو يضحك، لكنّه كان عفويًّا في الحوار معي إلى درجة أنّه ضحك ملء شدقيه أكثر من مرّة، كما اغرورقت عيناه بالدموع حين تحدّث عن مقتل رفيق الحريري. وقد أرهقته في التصوير، وهو أرهقني في التفاوض وتقلّبات مواعيده، لكنّي في اليوم قبل الأخير حُكتُ مؤامرةً كاملة الأركان، قرّرتُ فيها أن آخذ حقّي منه كاملًا غير منقوص.
لم يكن أحدٌ -حتى من فريق التصوير- يعلم ماذا أعددت؛ فقد خططت أن أبقي الضيف في اليوم الأخير في مكان التصوير، ولا أتركه يغادر حتى أُنهي الشهادة. ولأنّي أدركت أنّ وليد بيك كان مستمتعًا بالحوار، ولم يُخفِ احترامه وتقديره لي -وأنّ هذا أحد أسباب قبوله التسجيل معي أطول مقابلةٍ تليفزيونيةٍ في حياته- خططت ألّا أترك له أيّ مجالٍ للتأجيل. واضطررتُ إلى دمج بعض الأحداث التي أعددتُها واختصارها، وتجاوز بعض المراحل، حتى أُتمّ الشهادة وهو بكامل طاقته الذهنية. وبصراحةٍ شديدة، كان الأمر معقّدًا؛ فالرجل في السابعة والسبعين من عمره، والجسد له طاقةٌ تنفد، لكن لم يكن أمامي مجالٌ إلا أن أُسدّد وأُقارب وأُنجز.
وكما توقّعت، قبل أن أنتهي قال لي: «بيكفّي يا أحمد، تعبت». هنا انتفضت وقلت له: «لا يا وليد بك، ما بيكفّي. اليوم أعددت مؤامرةً كاملة الأركان، لن تغادر قبل أن أُنهي الشهادة. سنُكمل حتى النهاية». هنا ضحك ملء شدقيه، وأشار بيديه كأنّما يستسلم وقال: «مثل ما بدّك». قلت له: «نعم، اليوم مثل ما بدّي، وليس مثل ما بدّك؛ اليوم بخلّص كلّ اللي عملته فيّ». فضحك مرّةً أخرى ملء شدقيه.
قلتُ له: «وهناك أمرٌ آخر». قال: «ما هو؟». قلتُ: «بعدما ننتهي من التسجيل، سنذهب في زيارةٍ إلى شبكة الجزيرة لدقائق؛ فالزملاء ينتظرونك هناك، ويريدون السلام عليك». وقبل أن يُبدي رأيه، قلتُ له: «وليد بك، أنت مختطَفٌ من قِبلي اليوم، وعليك أن تقبل بشروط الاختطاف». رفع يديه، وقال وهو يضحك: «أنا مستسلمٌ تمامًا».
شعرتُ بارتياحٍ بالغٍ بعدما انتهيتُ من تسجيل الشهادة وتوجّهنا إلى شبكة الجزيرة، لأنّنا كنّا نصوّر خارجها. كنتُ كمن أنهى امتحانًا صعبًا بقي يُعدّ له ستّة عشر عامًا ويذاكر له عامين. وهذه هي مشاعري بعد انتهاء كلّ شهادةٍ على العصر؛ أبحث بعدها عن استراحة، ولكن أنّى لي ذلك، وهناك امتحاناتٌ أخرى يجب أن أستعدّ لها.
وبعدما أنهى زيارته للقناتين العربية والإنجليزية، سألني الزميل عاصف حميدي، مدير قناة الجزيرة، إن كان بالإمكان أن يطلب من وليد بك الظهور في نشرة الأخبار للتعليق على الأحداث. قلتُ له: «اطلب منه، لن يمانع». وحين كلّمه عاصف، قال جنبلاط: «دخيلك، أنا مرهقٌ جدًّا جدًّا، ولا أستطيع. أحمد هلّكني».
هنا تدخّلت وقلت لعاصف: «اتركه لي يا أبا بشار». ثم قلت لوليد بيك بمودّةٍ: «وليد بك، أنت لا تزال مختطَفًا، وبصفتي زعيم الخاطفين، فعليك الآن أن تتوجّه إلى استوديو الجزيرة لتظهر في نشرة الأخبار التي ستُبثّ بعد عشر دقائق». هنا ضحك جنبلاط مليئ شدقيه مجدداً، ورفع يديه وقال: «طالما أنا مختطف فأنا مستسلمٌ تمامًا لما تأمرون به». ضحكنا جميعًا، وتوجّهنا إلى الاستوديو، حيث تحدّث جنبلاط على الهواء عشرين دقيقةً في نشرة أخبار السابعة مساء الخميس الحادي عشر من يونيو.
يسألني كثيرٌ من الناس عن المصاعب التي أواجهها والكواليس التي أعيشها مع شهود العصر وضيوف البرامج، وهذا نموذجٌ منها.
أحمد منصور
يسألني كثيرٌ من الناس عن المصاعب التي أواجهها والكواليس التي أعيشها مع شهود العصر وضيوف البرامج، وهذا نموذجٌ منها. ولأنّ شهادة وليد جنبلاط تُبثّ الآن على شاشة الجزيرة، ولأنّ التجربة لا تزال حيّةً أعيش تفاصيلها، فقد شاركتُكم إيّاها، وعلى أمل أن أشارككم تجارب أخرى في الأيام القادمة.
وحتى ألقاكم مع كواليس شاهدٍ جديدٍ على العصر، هذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله.