جمال حماد ج2 : علاقة جمال عبد الناصر بحريق القاهرة..ودور الإخوان في ثورة 23 يوليو

يتناول عضو تنظيم الضباط الأحرار و كاتب البيان الأول لثورة 23 يوليو ١٩٥٢ اللواء جمال حماد ج2 من حواره مع أحمد منصور في برنامج شاهد على العصر الذي جرى بثه في 17 نوفمبر 2008 الحديث حول حقيقة تورط عبد الناصر في افتعال حريق القاهرة كما كشف عن التطورات السياسية وبدء الضباط في الترتيب للثورة، ودور الإخوان المسلمين فيها.
جمال حماد

يتناول عضو تنظيم الضباط الأحرار و كاتب البيان الأول لثورة 23 يوليو ١٩٥٢ اللواء جمال حماد ج2 من حواره مع أحمد منصور في برنامج شاهد على العصر الذي جرى بثه في 17 نوفمبر 2008 الحديث حول حقيقة تورط عبد الناصر في افتعال حريق القاهرة كما كشف عن التطورات السياسية وبدء الضباط في الترتيب للثورة، ودور الإخوان المسلمين فيها.

مقتطفات من الحوار


تحدث اللواء جمال حماد أحد أفراد تنظيم الضباط الأحرار ، و كاتب البيان الأول لثورة 23 يوليو ١٩٥٢ ، عن مأدبة الغداء التي دعا لها الملك فاروق ضباط الجيش في يوم 26 يناير، عام 1952، والتي تزامنت مع أحداث حريق القاهرة.

ونفى حماد أن يكون لجمال عبد الناصر علاقة بحادث حريق القاهرة، لافتا إلى أن قصة نقل الأسلحة من مدرسة المشاة إلى عزبة العشماوي والد أحد قيادات الإخوان، كان بسبب خوفه من التفتيش، مؤكدا أن عبد الناصر كان يحفظ هذه الأسلحة من أجل الفدائيين.

وأشار حماد إلى أنه تم الاتفاق على عدة مواعيد لبدأ الثورة كانت أولها، في سنة 1955، وتم التعجيل بها لتكون في 1952 بعد أحداث حريق القاهرة، وكان الاتفاق الثاني أن تكون 13 نوفمبر 52، وهو موعد انعقاد البرلمان والذي كان قد تم حله فى وقت سابق.

ولفت إلى أنه ثم تغير الميعاد ليكون في أغسطس 1952، وذلك بسبب حل مجلس إدارة نادي الضباط في 16 يوليو 1952. وأوضح حماد أنه في يوم 20 يوليو، تم إبلاغ ثروت عكاشة، بأن هناك 12 اسما من الضباط الاحرار وصلوا للملك، ما يوجب التصرف سريعا، فتم تعجيل التنفيذ ليصبح 23 يوليو.

وأوضح حماد أن الحركة كانت تهدف إلى السيطرة على وحدات الجيش ثم الحياة السياسية والحكومة، ولكن لم يكن يتبنوا في ذلك الوقت تنحية الملك.

وكشف أن أحد أسباب تأخير الثورة يوما إضافيا من 22 يوليو إلى 23 يوليو، أن عبد الناصر طلب مساندة الإخوان، وانتظر رأي المرشد آنذاك حسن الهضيبي حتى يتأكد من مساندتهم.

وعن أسباب إصرار جمال عبد الناصر على مساندة الإخوان له، قال لأنهم كانوا مشتركين في الكفاح ضد الإنجليز ومنظمين ولديهم أسلحة وجماعة منظمة وتستطيع أن تقف بجانبنا في صد الإنجليز في حالة فكروا في إجهاض الثورة.

نص حوار جمال حماد ج2 :

علاقة جمال عبد الناصر بحريق القاهرة..ودور الإخوان في ثورة 23 يوليو

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة اللواء أركان حرب جمال حماد معد البيان الأول لثورة يوليو في مصر عام 1952 وأحد كبار الضباط الأحرار. سيادة اللواء مرحبا بك، توقفنا في الحلقة الماضية عند الـ 26 من يناير عام 1952 حينما احترقت القاهرة، كنت أنت برتبة رائد تتولى أركان سلاح حرب، سلاح المشاة الذي كان يقوده اللواء محمد نجيب آنذاك، أين كنت في السادس والعشرين من يناير عام 1952؟

مأدبة الملك وحريق القاهرة

جمال حماد: أنا طبعا كنت مدعوا إلى المأدبة اللي بيعملها الملك يومها لضباط الجيش والبوليس وهو الملك فاروق كان ولي العهد ولد أحمد فؤاد وطبعا هو من كثر فرحته عمل عدة مآدب قبل المأدبة بتاعتنا دي للأمراء بتوع العائلة المالكة ثم الوزراء والكبراء فبعدين المأدبة بتاعتنا بقى كانت يوم 26 يناير السبت 26يناير…

أحمد منصور: تذكّر اليوم.

جمال حماد: كان يوم السبت، وبالطبع في ذلك اليوم ذهبنا فرأينا بعض الأمور التي كانت في مكاتبنا.

أحمد منصور: وأنتم في طريقكم إلى قصر عابدين.

جمال حماد: نعم، كنا قد أنهينا بعض الشؤون، لأن المأدبة كانت متأخرة قليلًا؛ أي إننا كنا سنذهب في الساعة الثانية عشرة تقريبًا أو نحو ذلك، فأنهينا أعمالنا وخرجنا من معسكراتنا متجهين إلى المأدبة.

أحمد منصور: وكان مئات الضباط من الجيش مدعوين.

جمال حماد: نعم، مئات، ربما نحو أربعمائة، ومعهم مائتا ضابط من الشرطة، فكنا قرابة ستمائة شخص. كنا في قاعة كبيرة جدًا، ثم تحركنا جميعًا بالسيارات، وأثناء سيرنا في شارع الجمهورية حاليًا، والذي كان يُسمّى آنذاك شارع إبراهيم باشا، وعندما وصلنا إلى ميدان الأوبرا وجدنا تجمعات من الناس تقف بطريقة غريبة بعض الشيء. تساءلنا: ما هؤلاء؟ تجمعات على هذا النحو، ولكن لم يخطر ببالنا أن حرائق ستقع أو شيء من هذا القبيل، غير أننا شعرنا بأن هناك اضطرابات ستحدث.

مذبحة رجال الشرطة في 25 يناير

أحمد منصور: هل كان لهذا علاقة بما حدث في الإسماعيلية في الخامس والعشرين من يناير، حين تم الاعتداء على ضباط الشرطة ووقعت ما عُرفت آنذاك بمذبحة الشرطة في الإسماعيلية؟

جمال حماد: بالطبع، السبب في كل ما جرى هو المذبحة التي تعرّض لها رجال الشرطة في الإسماعيلية، وكيف أن الجيش البريطاني حاصر المحافظة وقصفهم بالمدفعية، فكانت معركة غير متكافئة، ومع ذلك قاومت الشرطة مقاومة شديدة جدًا، وسقط منهم خمسون قتيلًا، خمسون قتيلًا. لقد قاتلوا بشراسة. أما نحن فلم تكن لدينا فكرة عمّا يحدث، كنا نرى التجمعات لكننا لا نعرف السبب، غير أننا توقعنا أن شرًا سيقع أو أن مصيبة ستحدث.

أحمد منصور: ومع ذلك ذهبتم إلى الغداء دون أن تعلموا باندلاع أي حريق أو حدوث شيء ما؟

جمال حماد: لا، لم نكن نعلم شيئًا بعد.

أحمد منصور: وانتهى الغداء دون أن تدركوا ما الذي حدث؟

جمال حماد: نعم، دون أن ندرك حقيقة الموقف بدقة، لم نكن نعرف. ثم لاحظنا أثناء الغداء أن الملك كان موجودًا على المائدة الرئيسية وبجواره حيدر باشا، وكنا بين الحين والآخر نلاحظ أن حيدر باشا…

أحمد منصور (مقاطعًا): حيدر باشا القائد العام للقوات المسلحة.

جمال حماد: نعم، القائد العام للقوات المسلحة. كان أحدهم يهمس في أذنه، ثم يهمس هو في أذن الملك، وبعد قليل قام حيدر باشا وخرج، ثم عاد وجلس يهمس في أذن الملك. فبدأنا نتساءل: ما الحكاية؟ وبعد أن انتهينا من الغداء، وكنا نشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي، سمعنا إشاعات، إذ قال لنا بعض الناس إن هناك على ما يبدو حرائق أو ما شابه، خاصة أن الأصوات كانت عالية وكنا نسمعها.

أحمد منصور (مقاطعًا): لكن الملك كان يتعامل معكم بشكل عادي تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث؟

جمال حماد: نعم، لم يكن هناك شيء على الإطلاق.

أحمد منصور: حتى إن ضباط الشرطة أخذوا يهتفون للملك ويتنافسون في الهتافات بعد ذلك، وكأن شيئًا لم يحدث.

جمال حماد: نعم، كأن شيئًا لم يحدث.

أحمد منصور: كان ضباط الجيش يهتفون: الجيش سيف الملك، وضباط الشرطة يهتفون: الشرطة درع الملك.

جمال حماد: نعم، ولكن ليس جميع الناس كانوا يهتفون.

أحمد منصور (مقاطعًا): أي أنك شخصيًا لم تهتف معهم؟

جمال حماد: لا، لم أهتف، وأؤكد لك أنني لم أهتف، لأنه من غير المعقول أن أهتف، ونحن في التنظيم نعمل من أجل تغيير النظام.

أحمد منصور (مقاطعًا): لكنكم كنتم تهتفون للملك كل يوم ثلاث مرات.

جمال حماد: هذا من باب «مُكرهٌ أخاك لا بطل».

أحمد منصور (مقاطعًا): لكنكم الآن جالسون والملك أمامكم، والملك أولى بالهتاف وهو حاضر.

جمال حماد: لا، ولكن بعض الناس هتف، وبعض الناس لم يهتف.

أحمد منصور: من تتذكر من الضباط الأحرار في التنظيم كان معك في ذلك اليوم؟

جمال حماد: لا أتذكر سوى جمال عبد الناصر، الذي كان جالسًا أمامي، وبعض الزملاء الآخرين.

أحمد منصور (مقاطعًا): وصديقك عبد الحكيم عامر؟

جمال حماد: لا، لم يكن موجودًا.

أحمد منصور: لم يحضر الغداء؟

جمال حماد: لا، لم يحضر، كان في رفح، ولم يكن موجودًا.

أحمد منصور: هناك علامات استفهام كثيرة، ما دمت قد ذكرت جمال عبد الناصر، حول دور أو علاقة جمال عبد الناصر بحريق القاهرة.

نفي علاقة جمال عبد الناصر بحريق القاهرة

جمال حماد: أستطيع أن أؤكد لك أن جمال عبد الناصر لا يمكن أن يكون له أي دور في حريق القاهرة، لأن هذا الحريق كان عملًا ضد حضارة مصر، وضد ثروة مصر، وضد المجتمع المصري. فقد تشرّد عدد كبير جدًا من الناس، أولئك الذين احترقت دكاكينهم وممتلكاتهم، وأصبح العمال الذين يعملون لديهم بلا مأوى ولا مال ولا أي شيء على الإطلاق.

أحمد منصور: ما مصلحة بعض الأطراف في الإشارة إلى وجود علاقة لجمال عبد الناصر بحريق القاهرة؟

جمال حماد: كانوا يحاولون الإساءة إلى سمعته، كما أُسيء إليها لاحقًا. وأقول لك إن جمال عبد الناصر كان يرتدي ملابس مدنية، لا عسكرية، ليلة الثالث والعشرين من يوليو.

الإخوان يساعدون عبد الناصر في إخفاء أسلحة

أحمد منصور: هناك رواية منشورة في كتاب صلاح شادي حصاد العمر، ومذكرات حسن العشماوي، وكذلك في كتاب الصامتون يتكلمون لسامي جوهر. تتضمن هذه الروايات أقوالًا على لسان العشماوي وشادي مفادها: «في السادس والعشرين من يناير عام 1952 جاءنا جمال عبد الناصر مذعورًا، وطلب منا البحث عن مكان لإخفاء أسلحة كان يخفيها في مدرسة الأسلحة الخفيفة عند مجدي حسنين، وتم الاتفاق فورًا على إخفاء هذه الأسلحة في عزبة حسن العشماوي». وقد استُخدمت هذه الأسلحة عام 1954 ضد جماعة الإخوان المسلمين وضد حسن العشماوي نفسه في القضية الشهيرة التي أُعدم فيها ستة من الإخوان. هل لديك علم بهذه القصة؟

جمال حماد: نعم.

أحمد منصور: ما معلوماتك عنها؟

جمال حماد: ما أعرفه أن جمال عبد الناصر كان يحتفظ بهذه الأسلحة من أجل الفدائيين، ليُمدّهم بالسلاح والذخيرة. كانت هذه الأسلحة موجودة في مدرسة المشاة عند مجدي حسنين، ومخزّنة هناك لهذا الغرض، لأن الجيش لم يكن له دور مباشر في مقاومة الإنجليز بعد إلغاء المعاهدة، إذ لم يكن مطلوبًا أن يتورط الجيش المصري في مواجهة مع الجيش البريطاني تنتهي بإبادته. وكان يؤلمنا أن تقاوم الشرطة وحدها بينما نقف نحن متفرجين، لذلك كنا نحاول إمداد هؤلاء بالأسلحة والذخائر.

أحمد منصور (مقاطعًا): عبد الناصر خاف؟

جمال حماد: كان لدى جمال عبد الناصر مخزن مليء بالأسلحة والذخائر في مدرسة المشاة عند مجدي حسنين. وعندما وقع حريق القاهرة خشي أن تحدث عمليات تفتيش فيُعثر على هذه الأسلحة، فطلب من صديقه حسن العشماوي أن ينقلها، فأخذها حسن العشماوي إلى العزبة.

أحمد منصور (مقاطعًا): حسن العشماوي أحد قيادات الإخوان المسلمين؟

جمال حماد: نعم. في ذلك الوقت كانت العلاقة بيننا وبين الإخوان المسلمين طيبة، ولم تكن هناك أي مشكلات. فوضع الأسلحة في مخزن بعزبة حسن العشماوي، وهي عزبة والده العشماوي باشا، وزير المعارف لاحقًا، وليس في ذلك الوقت. ثم بعد ذلك، عندما بدأت حملة القبض على الإخوان…

أحمد منصور: عام 1954؟

جمال حماد: نعم، عام 1954، بعد الأزمة.

أحمد منصور (مقاطعًا): يقول حسن العشماوي إنه سأل جمال عبد الناصر عدة مرات بعد الثورة: متى ستأتي لتأخذ هذه الأسلحة؟ فكان يرد عليه: اتركها قليلًا. وبحسب روايتهم، لم يكن يعلم بمكان هذه الأسلحة سوى جمال عبد الناصر وحسن العشماوي.

جمال حماد: نعم، ولكن في ذلك الوقت كانت الشرطة والمباحث تبحث عن أي أسلحة أو ذخائر لدى الإخوان المسلمين، ولا يمكن أن يكون جمال عبد الناصر قد وضع الأسلحة عند حسن العشماوي ثم بلّغ عنه.

أحمد منصور: ولكن الشرطة عرفت أنها ستجد في عزبة حسن العشماوي، وتحديدًا تحت الجراج، صندوقًا مليئًا بالأسلحة والذخائر. من الذي أخبرهم بذلك إن لم يكن جمال عبد الناصر؟

جمال حماد: ولماذا لا تكون الأخبار قد تواترت، مثلًا؟

أحمد منصور: بحسب الروايات، لا أحد كان يعلم سوى حسن العشماوي وصلاح شادي وجمال عبد الناصر، وسيادتك الآن تقول إن لديك علمًا بالأمر.

جمال حماد: نعم، لدي علم، وما أعتقده أن ذلك كان نتيجة نشاط الشرطة والمباحث، وربما توصلوا إلى الأمر، أو أن بعض الفلاحين الموجودين في العزبة رأوا نقل هذه الأشياء فأبلغوا الشرطة.

أحمد منصور: إذن ليس جمال عبد الناصر.

جمال حماد: ليس جمال عبد الناصر، ولا يمكن أن يكون هو من يضع أسلحة وذخائر ثم يُبلّغ عنها. ولو فعل ذلك، لقال ببساطة: هذه الأسلحة هو الذي جاء بها.

أحمد منصور: ماذا قال حسن العشماوي؟

جمال حماد: قال في التحقيقات بالنيابة: إذا أردتم معرفة حقيقة هذا الموضوع فاسألوا جمال عبد الناصر.


ما بعد حريق القاهرة وتصاعد الصدام مع القصر

أحمد منصور: هرب حسن العشماوي واختفى في الصعيد، ثم سافر إلى الكويت، وعمل مستشارًا لأمير الكويت، وروى القصة كاملة في كتابه، بما فيها تفاصيل العلاقة بين الإخوان والثوار، وربما أسألك عنها لاحقًا. لكن بما أن هذا الحدث مرتبط بحريق القاهرة، فهل يمكن القول إن لهب حريق القاهرة أشعل الحياة السياسية وألهب الجيش المصري أيضًا؟

جمال حماد: نعم.

أحمد منصور: كيف تعاملتم مع الأمر في نادي الضباط؟

جمال حماد: كان من المفترض عقد جمعية عمومية غير عادية في الثامن عشر من فبراير، بعد أن وصلنا خطاب من الفريق عثمان مهدي يفيد بأن سلاح الحدود أصبح سلاحًا مستقلًا، وبالتالي يجب أن يكون له مندوب في مجلس الإدارة مثل بقية الأسلحة. فقلنا إننا لا نملك اتخاذ هذا القرار، لأن ذلك يُعد تعديلًا في قانون النادي، ولا يقرّه إلا قرار الجمعية العمومية بالموافقة أو الرفض.

أحمد منصور (مقاطعًا): توضيحًا، كان الملك يريد فرض اللواء حسين سري عامر قائدًا لسلاح الحدود عليكم؟

جمال حماد: بأي شكل من الأشكال.

أحمد منصور: وأنتم كضباط كنتم ترفضون ذلك؟

جمال حماد: نعم.

أحمد منصور: أي أنكم كنتم تتحدّون الملك؟

جمال حماد: نعم، وكان واضحًا جدًا أننا نتحدّى الملك.

أحمد منصور: أي أنكم كنتم ضباطًا أحرارًا بالفعل؟

جمال حماد: بالطبع، وما غير ذلك؟

أحمد منصور: إذن لماذا قلبتم هذا النظام، الذي كنتم تستطيعون فيه تحدي الملك، وأقمتم نظامًا آخر لا يستطيع أحد أن ينطق فيه بكلمة؟

جمال حماد: كنا نفعل ذلك من أجل الحرية والديمقراطية.

جدل الحرية والديمقراطية بعد الثورة

أحمد منصور: أين هي هذه الديمقراطية؟

جمال حماد: إذا لم تكن موجودة، فهذه ليست غلطتنا. نحن وضعنا مبادئ الثورة، ستة مبادئ، والمبدأ السادس ينص على إقامة حياة ديمقراطية سليمة، كما نصّت المبادئ على منع الاحتكار ومنع الإقطاع وغير ذلك. بعض هذه المبادئ تحقق، وبعضها لم يتحقق.

أحمد منصور: عندما يجرؤ ضباط الجيش على تحدي الملك، فهذا يعني وجود قدر عالٍ جدًا من الحرية والإرادة والرجولة لدى الناس.

جمال حماد: نعم.

أحمد منصور: لا سيما وأنكم كنتم تتحدّونه في أمر تعتبرونه أمرًا وطنيًا؟

جمال حماد: نعم. وللإجابة على سؤالك، عندما عُرض علينا خطاب عثمان مهدي، قلنا إننا لا نملك اتخاذ هذا القرار، وسنعرضه على الجمعية العمومية، وكنا واثقين أن الجمعية العمومية لن توافق. كانت لدينا ثقة كاملة في ذلك، وبهذا تخلّصنا من المأزق بدلًا من أن نُعدّ القرار.

أحمد منصور (مقاطعًا): بدلًا من أن تقولوا: تمام يا أفندم، حاضر، واستطعتم بذلك الالتفاف على الأمر.

جمال حماد: حاولنا الالتفاف على الأمر بأن ندعو الجمعية العمومية، وحددنا موعدًا في الثامن عشر من فبراير سنة 1952. لكن هذا الاجتماع لم يُعقد، لأن حريق القاهرة وقع في السادس والعشرين من يناير، فلم نتمكن من دعوة الجمعية العمومية، وأجّلنا الأمر إلى أجل غير مسمى. فقد نزل الجيش إلى الشوارع؛ نزل اللواء السادس مشاة يوم 26 يناير قبل الغروب، وضرب الفوضى والحرائق بيد من حديد، وأنقذ القاهرة من الدمار. إذ كانت القوات البريطانية قد أُعطيت أوامر إنذارية بأن تكون مستعدة خلال 48 ساعة للتدخل والنزول إلى القاهرة والدلتا. هذا ما حدث بالفعل. وعندما نزل الجيش، أنهى الفوضى وأنقذ الناس.

أحمد منصور: ومنع عودة الإنجليز مرة أخرى؟

جمال حماد: نعم، منعها، لأن الإنجليز كانوا مستعدين للعودة، وكانوا يتحينون الفرص للرجوع مرة أخرى. وهذا يبيّن لك أن مشاعرنا كانت ملتهبة بعد هذه الأحداث، وأدركنا أنه لا أمل في الملك، خاصة بعدما بدأ يشكّل ما أسميناه وزارات الاحتضار أو وزارات الموظفين.

أحمد منصور: بعد حريق القاهرة أُقيلت الحكومة الوفدية، وأسندت الوزارة إلى علي ماهر باشا في 27 يناير، وبقيت 33 يومًا فقط، ثم جاءت حكومة نجيب الهلالي الأولى من أول مارس إلى الثاني من يوليو، ثم حكومة حسين سري باشا من الثاني إلى الثاني والعشرين من يوليو، أي عشرون يومًا فقط. وكان الهلالي باشا يشكّل حكومته الثانية حين قمتم بحركتكم.

جمال حماد: مع ذلك، فقد أدّوا اليمين الدستورية، الهلالي والوزراء، وأصبحت وزارة قائمة بالفعل.

أحمد منصور: وكانت أقصر وزارة في تاريخ مصر.

جمال حماد: نعم، أقصر وزارة في تاريخ مصر. وهذا يبيّن لك كيف كنا ننظر إلى هذه الوزارات. ولو سألتني: لماذا كان الملك يشكّل وزارات موظفين؟ ولماذا لم يشكّل وزارات أقلية من أحزاب الأقلية كما كان يحدث سابقًا؟

أحمد منصور (مقاطعًا): ليُدير الحكومة بنفسه ويحلّها متى شاء.

جمال حماد (متابعًا): لكن هذه المرة، لماذا جاء بأشخاص مستقلين فقط؟

أحمد منصور: لأنه كان خائفًا من الجيش.

جمال حماد: لا، لأنه أقسم ألا يأتي بزعماء أحزاب الأقلية، لأنهم كتبوا عريضة وهاجموه فيها. وحتى أولئك الذين كانوا يستفيدون من كونهم أحزاب أقلية، ضاقوا بالملك، ووقّعوا عريضة مشتركة ضده، وقّعها زعماء المعارضة من مختلف الأحزاب. وكان الملك يحتفظ بهذه العريضة وبالأسماء، وقال: ولا واحد من هؤلاء سيدخل الوزارة. ولذلك اضطر، غصبًا عنه، إلى أن تكون كل الوزارات من المستقلين.

أحمد منصور: لكن يُقال إن الهلالي باشا كان رجلًا مستقيمًا، وكان يسعى إلى تشكيل وزارة وطنية حقيقية.

جمال حماد: نعم، كان رجلًا مستقيمًا فعلًا، ورفع شعار «التطهير قبل التحرير»، وكان لديه أمل في أن يجمع العناصر الجيدة والمستقيمة من حزب الوفد لتشكيل حزب جديد، لكنه فشل في ذلك.

أحمد منصور (مقاطعًا): لماذا لم تمنحوه فرصة، وقمتم بالحركة في اليوم التالي؟

جمال حماد: وماذا كنتم تريدوننا أن نفعل؟ أن نجلس صامتين نتفرج؟ رشوة، وفساد، وقهر، وإذلال!


حريق القاهرة وتسريع قرار الثورة

أحمد منصور: ما الذي جرى بعد ذلك، سيادة اللواء؟ وما الذي تغيّر؟

جمال حماد: لا.

أحمد منصور: سنأتي إلى التفاصيل، لكن كيف بدأتم في تنظيم الضباط الأحرار الإعداد للتحرك من أجل الثورة أو الانقلاب العسكري في ظل هذا الوضع؟

جمال حماد: نعم.

أحمد منصور: كيف بدأ الإعداد؟

جمال حماد: متى بدأت إشارة الانطلاق؟ يوم السادس والعشرين من يناير. هذا اليوم هو الذي أيقظنا إلى ضرورة التعجيل بالثورة. في البداية، كان موعد الثورة محددًا في الثالث عشر من نوفمبر 1952. ولماذا هذا التاريخ؟ لأن البرلمان كان منحَلًا. كان نجيب الهلالي قد حلّ البرلمان، وأنت تعلم أن حل البرلمان يعني حل مجلس النواب فقط، وليس مجلس الشيوخ. وطبقًا للدستور، إذا جاء يوم 13 نوفمبر ولم يكن هناك مجلس نواب جديد، لعدم إجراء الانتخابات، فإن المجلس القديم، حتى وإن كان منحَلًا، يعود إلى الانعقاد.

أحمد منصور: حتى المجلس المنحل؟

جمال حماد: نعم، حتى المجلس المنحل. وكان الهدف من تحديد 13 نوفمبر أن نقوم بالانقلاب في هذا التوقيت دعمًا للدستور، ولإظهار أننا نطبّق القواعد الدستورية، لأن الملك لم يكن ليدعو البرلمان للانعقاد. فقمنا بالثورة عليه لأنه كان ضد الدستور.

أحمد منصور: إذن أنتم، كضباط أحرار، حددتم عدة مواعيد للثورة، وكان أولها 13 نوفمبر 1952؟

جمال حماد: أول تحديد كان عام 1955.

أحمد منصور: 1955؟

جمال حماد: نعم.

أحمد منصور: ثم حُدد الموعد في 13 نوفمبر 1952؟

جمال حماد: نعم، وبعد حريق القاهرة، ثم بعد ذلك في 5 أغسطس.

أحمد منصور: ولماذا 5 أغسطس؟

جمال حماد: بعد حل مجلس إدارة نادي الضباط في السادس عشر من يوليو 1952.

اجتماع نادي الضباط وكسر هيبة القصر

أحمد منصور: مجلس إدارة نادي الضباط، الذي كان يترأسه محمد نجيب، والذي كنتَ عضوًا فيه، والذي كان الضباط الأحرار يشكّلون الجزء الرئيسي منه، ضاق به الملك فقرر حلّه.

جمال حماد: لأن اجتماع الجمعية العمومية الذي عُقد في السادس عشر من يونيو عام 1952، أي قبل الحل بشهر واحد، كان اجتماعًا بالغ الخطورة. وأنا أعتبره أخطر اجتماع عسكري في تاريخ مصر منذ مظاهرة عرابي في عابدين في سبتمبر 1881.

أحمد منصور: لماذا؟ ما أوجه الخطورة التي شكّلها هذا الاجتماع؟

جمال حماد: الخطورة أن الضباط أعلنوا تمرّدهم في هذا الاجتماع. فقد عُرض على الجمعية العمومية اقتراح بشأن سبب الاجتماع، وهو موضوع مندوب سلاح الحدود.

أحمد منصور: كل هذا بسبب حسين سري عامر؟

جمال حماد: نعم، كما قلت لك، نادي الضباط أطاح بولاء الملك بسبب سلاح الحدود، وبسبب حسين سري عامر.

أحمد منصور (مقاطعًا): وماذا كان سيحدث لو دخل حسين سري عامر إلى نادي الضباط؟

جمال حماد: كان الأمر نوعًا من العناد، كأنه لا يريد التراجع.

أحمد منصور: أي إنه شعر بأن الضباط يتحدّونه إلى هذا الحد.

جمال حماد: نعم، الضباط كانوا يتحدّونه، فقال لنفسه: إن كانوا يفعلون ذلك، فسأريهم. فكتب خطابًا يعتبر سلاح الحدود سلاحًا مستقلًا. وفي يوم 16 يونيو عُرض الموضوع على الجمعية العمومية بعد الاجتماع، حيث قيل لنا إن خطابًا ورد من رئيس الأركان يفيد بأن سلاح الحدود أصبح سلاحًا قائمًا بذاته ويجب أن يكون له تمثيل. فطُرح اقتراح بإدخاله فورًا، واقتراح آخر بعرض الأمر على الجمعية العمومية العادية في ديسمبر المقبل. فتم رفض اقتراح ديسمبر، ثم طُرح اقتراح الرفض الكامل.

أحمد منصور: وجاء الرفض بالإجماع؟

جمال حماد: نعم، بالإجماع. ثم تطوّر الأمر، إذ كان نادي الضباط قد تعرّض لتصدّع فهُدم وبُني نادٍ آخر، وكان بحاجة إلى تأثيث. وكان الملك قد وعد بتأثيثه. فوقف أمين الصندوق وقال إن النادي انتهى بناؤه ويحتاج إلى أثاث، وإن السراي كان من المفترض أن ترسل إعانة لكنها لم ترسل شيئًا، فماذا نفعل الآن؟ عندها اندفع الضباط إلى الميكروفون، وتنازعوا عليه.

أحمد منصور: الميكروفون؟

جمال حماد: نعم، الميكروفون. فوقف أحدهم وقال: لا يمكن أن نقبل إعانات من السراي، لأنها مأخوذة من دماء الشعب البائس.

أحمد منصور: إلى هذا الحد؟

جمال حماد: إلى هذا الحد.

أحمد منصور: من أبرز الضباط الذين تحدثوا في هذا الاجتماع؟

جمال حماد: عبد المنعم أمين تحدث بجرأة شديدة.

أحمد منصور: وهو الذي أدخله عبد الناصر لاحقًا في مجلس قيادة الثورة.

جمال حماد: نعم.

أحمد منصور: ومن غيره؟

جمال حماد: كان هناك آخرون، لكنهم غير معروفين.

أحمد منصور: لكن عبد المنعم أمين كان الأبرز؟

جمال حماد: نعم، وكان سبب بروزه أنه تحدث عن الحرس الحديدي.

أحمد منصور: أي إنكم بدأتم تصطدمون بالملك مباشرة؟

جمال حماد: نعم، تحدث عن الحرس الحديدي مباشرة، لأنه كان قد قُتل قبل ذلك ضابط برتبة ملازم أول بالرصاص، وقيل إن الحرس الحديدي هو من قتله. فقال عبد المنعم أمين إننا لا نستطيع أن نعيش في أمان بينما الحرس الحديدي المجرم يقتل الضباط، ولا بد من وضع حد لهذا الأمر.

أحمد منصور: كان ذلك تحديًا مباشرًا للملك.

جمال حماد: نعم، تحديًا مباشرًا، لأنه ذكر الحرس الحديدي بالاسم، وكلنا نعرف من هو الحرس الحديدي.

أحمد منصور: لذلك قرر الملك حل مجلس إدارة النادي.

جمال حماد: كما قلت لك، الجيش أسقط ولاءه للملك، والملك فقد سيطرته على الجيش. وهنا خاف الملك بشدة، وتساءل: ما الذي يفعله هذا الجيش؟ أليس هذا هو جيشي؟

تسريب أسماء التنظيم وتسريع موعد 23 يوليو

أحمد منصور: لكن هناك معلومات منشورة في مصادر عديدة تقول إن قيادة تنظيم الضباط الأحرار قد تسربت إلى القصر، وكان هناك مخطط للقبض على هؤلاء الضباط أو إحالتهم إلى التقاعد.

جمال حماد: هذا الكلام قيل بالفعل، وكانت هناك إشاعة ذات شقين، مفادها أن أسماء اثني عشر ضابطًا وصلت إلى الجهات المختصة وإلى الملك.

أحمد منصور: والاثنا عشر كانوا جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي وبقية المجموعة؟

جمال حماد: هذا ما قيل، لكنني، رغم البحث الشديد، لم أستطع الوصول إلى حقيقة مؤكدة في هذا الموضوع.

أحمد منصور: أليس هذا من الأسباب التي عجّلت بقيام الثورة؟

جمال حماد: ما حدث هو أن محمد هاشم باشا، وزير الداخلية، وهو صهر حسين سري باشا، دعا محمد نجيب إلى منزله يوم 18 يوليو 1952. فذهب محمد نجيب وقابله، وقال له إن اثني عشر اسمًا أصبحت معروفة لدى الملك والمباحث. وكان يريد أن يفهم ما الذي يجري داخل الجيش.

أحمد منصور: أي كان يحاول أن يستوضح منه الوضع.

جمال حماد: نعم، وسأله: ماذا يحدث في الجيش؟ وهل تعتقد أنه لو أصبحتَ وزيرًا للحربية ستستقر الأمور؟

أحمد منصور: كان يختبره.

جمال حماد: نعم، والدليل أنه بعد يومين قدّم حسين سري استقالته. وقال محمد نجيب إنه لا يريد أن يتولى وزارة الحربية. واللافت أن نجيب الهلالي كان أول من فكّر في تعيين محمد نجيب وزيرًا للحربية.

أحمد منصور: أي إن شعبية محمد نجيب بعد انتخابات نادي الضباط وقيادته لمجلس الإدارة أصبحت شعبية كاسحة داخل الجيش، وربما خارجه أيضًا.

جمال حماد: نعم، داخل الجيش وخارجه. ولذلك انضم الشعب إلى الجيش وإلى الثورة فور سماعه بيان الثورة.

أحمد منصور: لأن محمد نجيب كان على رأس هؤلاء.

جمال حماد: نعم، هو القائد.

أحمد منصور: متى قررتم، كضباط أحرار، اختيار يوم 23 يوليو ليكون يوم الانقلاب العسكري، كما سماه الرئيس نجيب نفسه؟

جمال حماد: في البداية لم يكن هذا هو الموعد، بل كان الموعد الأول هو الخامس من أغسطس.

أحمد منصور: لماذا غيّرتم موعد 5 أغسطس؟

جمال حماد: لأن الخامس من أغسطس كان في موسم الإجازات الصيفية، وكثير من الضباط كانوا في إجازات أو في مناطق بعيدة، وكان جمعهم سيستغرق وقتًا. لكن الذي عجّل بالأمر أن أحمد أبو الفتح اتصل بثروت عكاشة يوم 20 يوليو من الإسكندرية، وقال له إن لديه أخبارًا خطيرة. وكان حسين الشافعي يتغدى معه في منزله.

أحمد منصور: حسين الشافعي روى لي ذلك، وقال كنا نتغدى جبنًا وبطيخًا.

جمال حماد: نعم، جبنًا وبطيخًا. وقال له: انتبهوا، حسين سري قدّم استقالته، ونجيب الهلالي قادم، وهناك احتمال أن يُعيَّن حسين سري عامر وزيرًا للحربية، فخذوا حذركم.

أحمد منصور (مقاطعًا): هذا يعني أن أحمد أبو الفتح كان يعلم أن ثروت عكاشة من الضباط الأحرار.

جمال حماد: بالطبع، كان يعلم.

أحمد منصور: وكان أحمد أبو الفتح مؤيدًا لكم.

جمال حماد: نعم، وقف معنا وقفة شديدة جدًا.

دور الصحافة والاتصال الحاسم قبل التحرك

أحمد منصور: وبعد ذلك دمّره عبد الناصر.

جمال حماد: كما تعلم أنت…

أحمد منصور (مقاطعًا): سنأتي إلى ما بعد ذلك. لكن موقفه معكم في تلك المرحلة كان موقفًا وطنيًا جيدًا.

جمال حماد: كان معنا جدًا. نشر أسماء مرشحي الضباط الأحرار في صحيفة المصري، ثم بعد نجاحنا نشر النتائج أيضًا في المصري، وذكر من فازوا. وفي يوم 23 يوليو، كانت المصري هي الصحيفة الوحيدة التي صدرت، لأن باقي الصحف لم تلحق أن تكتب شيئًا. أما في 24 يوليو، فكانت المصري تقوم بدعاية واسعة للثورة، بينما كانت الصحف الأخرى، مثل الأهرام، مترددة وخائفة.

أحمد منصور: المصري هي الصحيفة التي كانت تملكها عائلة أبو الفتح.

جمال حماد: نعم، آل أبو الفتح.

أحمد منصور: وكان أحمد أبو الفتح رئيس تحريرها.

جمال حماد: كانت صحيفة وطنية جريئة، وكتبت كل شيء عن الثورة في يومها، دون خوف أو تردد.

أحمد منصور: نعود إلى مكالمة أحمد أبو الفتح مع ثروت عكاشة.

جمال حماد: عندما قال أحمد أبو الفتح ذلك الكلام، ذهب ثروت عكاشة وحسين الشافعي فورًا إلى بيت جمال عبد الناصر، وأبلغاه بما حدث. وكان كلام أحمد أبو الفتح يتضمن تلميحات واضحة بضرورة التحرك سريعًا. فسألهم عبد الناصر: وماذا تقترحون أن نفعل؟ فقالوا له: غدًا فورًا، أي ليلة 21–22 يوليو.

أحمد منصور: فورًا؟

جمال حماد: نعم، فورًا. قالوا له: نحن، سلاح الفرسان، جاهزون.

أحمد منصور: أي المدرعات.

جمال حماد: نعم، كانت تُسمّى آنذاك سلاح الفرسان. كان لدينا 48 دبابة و48 عربة مدرعة، وهي كافية جدًا للقيام بالتحرك. ثم طلبوا من ضباطهم البقاء في المعسكرات بدءًا من يوم 21 وعدم الخروج.

أحمد منصور: متى أُبلغتَ أنت؟

جمال حماد: أُبلغت صباح 22 يوليو.

أحمد منصور: من الذي أبلغك؟

جمال حماد: عبد الحكيم عامر.

أحمد منصور: ماذا قال لك؟

جمال حماد: قال لي: اليوم سنبدأ العمل.

أحمد منصور: بهذه البساطة؟ وكنتَ مستعدًا؟

جمال حماد: بالطبع، كنا مستعدين. وأنا كنت من أعضاء مجلس إدارة نادي الضباط الذي تم حله.

أحمد منصور: أشعر من الجو العام أنكم كنتم تتواصلون عبر الهاتف بحرية، دون رقابة، وأن عبد الناصر كان يجمع الأوراق في بيته دون تدخل، ولم تكن هناك تفتيشات مفاجئة أو ملاحقات، وكانت الحياة مختلفة تمامًا عمّا حدث بعد ذلك. هل هذا الإحساس صحيح مما تقرأه المصادر؟

جمال حماد: نعم.

أحمد منصور (مقاطعًا): كنتم تشعرون بالأمن والأمان؟

جمال حماد: نعم، لم يحدث معنا…

أحمد منصور (مقاطعًا): رغم أنكم كنتم تُعدّون للانقلاب على النظام؟

جمال حماد: نعم، لم تكن هناك سيطرة بهذا الشكل في ذلك الوقت.

أحمد منصور: لم تكن هناك سيطرة ولا انتهاك لآدمية الناس؟

جمال حماد: أنا أعتبر أنه لم تكن هناك سيطرة حقيقية، ولم يكن لديهم تصور بأن مثل هذه التحركات تُعدّ.

أحمد منصور: لم يكن هناك بوليس حربي، ولا بوليس سياسي، ولا ملاحقات؟

جمال حماد: كان هناك.

أحمد منصور: ومع ذلك، وأنتم تتحدّون الملك، لم يكن هناك تجسس على هواتفكم، ولا ملاحقة، ولا تفتيش بيوت، ولا اعتقالات؟

جمال حماد: نعم، لم يكن ذلك موجودًا.

أحمد منصور: لماذا لم تتركوا هذه الحياة تستمر؟

جمال حماد: لأن المشكلة لم تكن تخصنا وحدنا، بل كانت تخص البلد كلها. الفساد كان منتشرًا، الرشوة، الباشوات يملكون الثروة والقوة، وبقية الشعب فقير ومطحون.

أحمد منصور (مقاطعًا): بعد أكثر من ستة وخمسين عامًا على الثورة، هل الصورة التي تصفها تختلف عن واقع الناس في مصر الآن؟

جمال حماد: يعني…

أحمد منصور: هناك باشوات جدد، وربما أوضاع أسوأ مما قامت الثورة من أجله.

جمال حماد: نحن عندما قمنا بالثورة كنا مقتنعين أننا نخدم مصر. أعلنّا مبادئنا، وكنا نؤمن بحياة حرة وديمقراطية، بلا إقطاع ولا احتكار، وأن تستقل مصر ويحدث الجلاء البريطاني. فعلنا ما استطعنا في ذلك الوقت. أما الآن، فنحن لا نحكم، ولسنا المسؤولين عما يجري حاليًا حتى نُحاسَب عليه.

تصور الانقلاب ومراحله الأولى

أحمد منصور: ما يعيشه الناس الآن هو امتداد لتلك الأيام، لكن دعني أعود بك إلى يوم 22 يوليو، عندما أبلغك عبد الحكيم عامر بالاستعداد. هل كان واضحًا أنكم ستقومون بانقلاب عسكري، أم كانت الصورة ضبابية؟

جمال حماد: لا، كان واضحًا جدًا أننا سنقوم بانقلاب عسكري، لكن على مراحل.

أحمد منصور: ما هذه المراحل؟

جمال حماد: المرحلة الأولى كانت السيطرة على قيادة الجيش، أي إحكام السيطرة على الجيش أولًا، ثم السيطرة على الحياة السياسية، أي الحكومة وما يتصل بها. ولم نكن في تلك المرحلة نضع في أذهاننا خلع الملك.

أحمد منصور: على الإطلاق؟

جمال حماد: لا.

أحمد منصور: لم يكن مطروحًا تغيير النظام الملكي إلى جمهوري؟

جمال حماد: لا، لم يخطر ذلك ببالنا، ولم يقل لنا أحد ذلك. كان التفكير منصبًا فقط على السيطرة على الجيش في المرحلة الأولى.

أحمد منصور: لماذا تأخر تنفيذ الثورة يومًا؟ كان المفترض أن تتم ليلة 21–22.

جمال حماد: نعم، لكنها نُفذت ليلة 22.

أحمد منصور: لماذا التأجيل؟

جمال حماد: قال جمال عبد الناصر إن ذلك من أجل استكمال الاستعدادات، لأنها كانت سريعة، وأراد أن تُنجز بدقة، خاصة أن بعض الضباط كانوا في إجازات، فتم التأجيل يومًا واحدًا.

أحمد منصور: لكن هناك مصادر تقول إن التأجيل كان من أجل الحصول على موافقة المرشد العام للإخوان المسلمين، حسن الهضيبي؟

التنسيق مع الإخوان المسلمين وتأجيل التحرك

جمال حماد: سمعتُ هذا الكلام، وهو أن جمال عبد الناصر ذهب إلى أربعة من الإخوان المسلمين، وقال لهم إننا نحتاج إلى مساعدتكم في حال هاجمنا الإنجليز، بحيث يكون الإخوان المسلمون معنا في صدّ أي هجوم بريطاني محتمل، ونرغب في التعاون في هذا الشأن. فقالوا له إنهم لا يستطيعون أن يعدوه بشيء قبل الرجوع إلى المرشد العام حسن الهضيبي، وكان موجودًا في الإسكندرية. فذهبوا إليه، ثم عادوا في اليوم الذي حدده جمال عبد الناصر لسماع الرد، لكنهم لم يكونوا قد وصلوا بعد، فتم التأجيل يومًا واحدًا. ومن هنا جاء الحديث عن أن سبب التأجيل من يوم 21 إلى 22 يوليو كان ـ أو على الأقل أحد أسبابه ـ أهمية موقف الإخوان المسلمين بالنسبة لنا.

أحمد منصور (مقاطعًا): لماذا الإخوان المسلمين بالذات، مع وجود تنظيمات سياسية أخرى في مصر؟

جمال حماد: لأنهم الجهة الوحيدة التي كانت تمتلك سلاحًا. كانوا مشاركين في الكفاح ضد الإنجليز، ومنظمين، ولديهم أسلحة، وجماعة منظمة تستطيع أن تقف إلى جانبنا في صدّ الإنجليز إذا فكروا في التدخل لإجهاض الثورة.

أحمد منصور: هل صحيح أن الإخوان كانوا الجماعة الوحيدة التي أطلعها عبد الناصر على الأمر أو طلب منها المساعدة أو المشاركة في الثورة أو الانقلاب؟

جمال حماد: نعم، حسب معلوماتي، جمال عبد الناصر لم يُخطر أحدًا إلا جماعة الإخوان المسلمين. أما الشيوعيون، فقد علموا بالأمر عن طريق أحمد حمروش، وليس عن طريق جمال عبد الناصر.

أحمد منصور: ليس بتكليف من عبد الناصر؟

جمال حماد: لا، لم يكن ذلك بتكليف. كان أحمد حمروش مكلفًا بالسفر إلى الإسكندرية لأنه كان يعمل في الدفاع الجوي هناك، فكلفه جمال عبد الناصر بأن يبلغ ضباط الإسكندرية بموعد الثورة. فسأله: ما المطلوب منهم؟ فقال له: لا شيء، فقط أن يعلموا، حتى إذا نجحنا يشاركون معنا.

التحرك الأول ومحاولة كسب القيادات العسكرية

أحمد منصور: ليلة 23 يوليو 1952، كنت برتبة رائد، وعلى وشك المشاركة في انقلاب عسكري. كنت متزوجًا وزوجتك على وشك الولادة. ماذا فعلت؟ وما شعورك الإنساني بين أسرتك وبين ذهابك لتنفيذ انقلاب قد ينتهي بالمشنقة؟

جمال حماد: صدقني، لم أخف إطلاقًا. من الطبيعي أن يخاف الإنسان في مغامرة كهذه، فالخوف جزء من الطبيعة البشرية، ولا يوجد إنسان يقول إنه لا يخاف. لكنني بصراحة لم أشعر بالخوف، بل كنت أسير بثقة وإيمان شديدين، وقمت في ذلك اليوم بأعمال كان لها تأثير في مسار الثورة.

أحمد منصور (مقاطعًا): ما أهم ما قمت به ليلة 23 يوليو؟

جمال حماد: سأبدأ معك من الصباح.

أحمد منصور: ابدأ من الصباح.

جمال حماد: ذهبتُ إلى رئاسة سلاح المشاة في العباسية، وكان لدي أمل في العقيد أحمد شوقي، قائد الكتيبة 13 مشاة.

أحمد منصور: مشاة.

جمال حماد: نعم، أن نتمكن من ضمه إلى الثورة. فحتى لو تحرك جزء من كتيبته، فإن تحرك القائد بنفسه بالكتيبة أمر بالغ الأهمية.

أحمد منصور: وهل كان العقيد أحمد شوقي من الضباط الأحرار؟

جمال حماد: لم يكن من الضباط الأحرار. وكان قادمًا بكتيبته من العريش في طريقه إلى السودان، ليحل محل الكتيبة الثانية الموجودة في الخرطوم وبورتسودان.

أحمد منصور: وكان الملك ملك مصر والسودان.

جمال حماد: نعم، لكن ذلك كان شكليًا وليس حقيقيًا.

أحمد منصور: بغض النظر، نعم.

جمال حماد: لم أكن أعرفه من قبل، لكن نشأت بيننا صداقة لأنني كنت المسؤول عن تجهيز كتيبته للسفر، فكان يأتيني يوميًا. وبحكم الحديث معه، لاحظت جرأته وعدم خوفه. فذهبت إليه ذلك اليوم وطلبت منه أن يأتي إليّ ضروريًا. وعندما جاء، أخذته إلى غرفة محمد نجيب.

أحمد منصور: قائد السلاح كله.

جمال حماد: نعم، وكان محمد نجيب موجودًا في كشف المرضى، فالغرفة كانت خالية. لم أرد الجلوس في مكتبي حتى لا يسمعنا أحد. وجلسنا أمام مكتب محمد نجيب، وكان مستغربًا سبب استدعائي له.

أحمد منصور: وأنت برتبة رائد، وهو عقيد.

جمال حماد: نعم. فبدأت الحديث بقضية نادي الضباط، وقلت له: هل ترضى أن يُحل نادي الضباط بهذه الطريقة؟ فثار وبدأ يسبّ حيدر باشا وغيرهم.

أحمد منصور: لكنه لم يسبّ الملك؟

جمال حماد: بل سبّ أيضًا. ثم قلت له إن محمد نجيب مراقَب، وهناك حديث عن إبعاده والتنكيل به. فتحمس بشدة، ووقف، وأخرج المصحف من جيبه، ووضع يده عليه، وقال: والله وحق هذا المصحف، لو قال لي اللواء محمد نجيب تحرّك بكتيبتك، لتحركت فورًا. عندها قلت في نفسي: هذا صيد ثمين.

أحمد منصور: قائد جاهز بكتيبته.

جمال حماد: نعم، قائد جاهز بكتيبة كاملة. فأخذت رقم هاتفه وعنوانه، ثم ذهبت إلى بيت عبد الحكيم عامر في شارع غرب القشلاق بالعباسية، وكان عنده ثروت عكاشة. وأبلغتهما بأهمية أحمد شوقي، فاتفقنا على مقابلته مساءً. وواعدني عبد الحكيم عامر على الساعة الرابعة عصرًا في كازينو خارينوس بميدان سفير في مصر الجديدة.

خرجتُ من البيت، وأخبرت زوجتي أن لدي عملًا مع بعض الضباط، ولم تكن تعلم شيئًا. وكان لدي طفلان صغيران: برهان وطارق. ثم ذهبت مع عبد الحكيم عامر وثروت عكاشة، وانضم إلينا جمال عبد الناصر، وركبنا سيارته الأوستن، وتوجهنا إلى بيت أحمد شوقي.

فتح أحمد شوقي الباب، وفوجئ بوجودهم، ودخلنا الصالون. وكنت قلقًا من أن يتراجع عن كلامه السابق أمامهم. وبينما نحن جالسون، رأيت صورة لضابط شرطة معلقة، فسألته: من هذا؟ فقال: هذا خالي أحمد بيه طلعت.

أحمد منصور: رئيس حكمدار بوليس القاهرة.

جمال حماد: نعم، وهو الذي كانت تحت إمرته فرقة الأمن المدرعة، وكان من المفترض أن يكون عدونا الأول. عندها شعرتُ بقلق شديد، وقلت في نفسي إننا ربما وقعنا في كمين.

أحمد منصور (مقاطعًا): نتابع هذا الكمين في الحلقة القادمة. أشكرك جزيل الشكر، كما أشكر مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. في الحلقة القادمة نواصل الاستماع إلى قصة ثورة يوليو مع اللواء أركان حرب جمال حماد، كاتب البيان الأول للثورة وأحد قيادات الضباط الأحرار. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار


00:00
​​ – المقدمة –

00:30 – مأدبة الغداء عند الملك ​-

02:45 – حريق القاهرة في 26 يناير 1952 ​-

06:06 – تورط عبد الناصر في افتعال حريق القاهرة ​-

07:00 – أسلحة جمال عبد الناصر التي أتهم فيها الإخوان المسلمين ​-

11:05 – التطورات السياسية والبدء في تحديد موعد الثورة ​-

13:11 – تحدي ظباط الجيش للملك ​-

15:27 – إقالة حكومة الوفد وإسناد الوزارة لعلي ماهر ​-

18:05 – أسباب التعجيل بقيام الثورة ​-

21:20 – اعتراض الظباط الأحرار علي دخول حسين سري نادى الظباط ​-

25:46 – شعبية محمد نجيب بعد انتخابات نادي الضباط ​-

29:52 – مكالمة أحمد أبو الفتح لثروت عكاشة ​-

33:55 – الخطط الأولى للثورة وبداية التحرك ​-

37:18 – عبد الناصر طلب من الإخوان المسلمين المشاركة في الثورة ​-

38:06 – تفاصيل عن مشاركة جمال حماد في ثورة يوليو ​-

39:28 – تجنيد العقيد أحمد شوقي للمشاركة في انقلاب يوليو ​-

44:15 – شعور جمال حماد قبل المشاركة في انقلاب يوليو ​-

Total
0
Shares
السابق
جمال حماد

جمال حماد (1) : نشأة تنظيم الضباط الأحرار .. وانتخابات نادي الضباط

التالي
جمال حماد

جمال حماد ج3 : كتابة بيان ثورة 23 يوليو 1952..وحقيقة التنسيق مع المخابرات الأمريكية

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share