أحمد بنّور ج6 : مؤامرة أحمد بن صالح..وعزل الطاهر بلخوجه وبنّور وسجنهم

يتناول أحمد منصور مع مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق أحمد بنّور ج6 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، مؤامرة أحمد بن صالح، وعزل الطاهر بلخوجه وبنّور وسجنهم..
أحمد بنّور

يتناول أحمد منصور مع مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق أحمد بنّور ج6 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 19 ديسمبر 2012، مؤامرة أحمد بن صالح، وعزل الطاهر بلخوجه وبنّور وسجنهم..

نص حوار أحمد بنّور ج6 :

مؤامرة أحمد بن صالح..وعزل الطاهر بلخوجه وبنّور وسجنهم

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد بنّور، مدير الأمن والمخابرات الأسبق في تونس. سيد أحمد، مرحباً بك.

أحمد بنّور: أهلاً وسهلاً.

التقرير الأوروبي حول التجربة الاشتراكية في تونس

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند التقرير السري الذي أعده سفراء المجموعة الأوروبية في تونس، وقد تمكنت أجهزة الأمن التونسية من الحصول على نسخة منه. أنت رفضت الحديث عن كيفية الحصول على هذه النسخة، ولكن ما هي أهم محتويات هذا التقرير؟

أحمد بنّور: بطبيعة الحال، هم متعوّدون على إعداد التقارير، ولكن لأول مرة أعدوا تقريراً مرقماً، مرقماً.

أحمد منصور: كيف ذلك؟

أحمد بنّور: يعني وضعوا الأرقام الرسمية المعلنة من طرف الحكومة، من طرف وزارة التخطيط والاقتصاد، وقارنوها بالأرقام الحقيقية.

أحمد منصور: ما كانت الأرقام المعلنة وما كانت الأرقام الحقيقية؟

أحمد بنّور: الأرقام الحقيقية كانت تشير إلى أن الاقتصاد التونسي متجه نحو الانهيار، نحو الهاوية.

أحمد منصور: أما الرسمية؟

أحمد بنّور: الرسمية تقول إن كل شيء على ما يرام، وأن البلاد تتقدم، وأن الازدهار والرقي والتنمية مستمران، وأن المشروعات الهائلة تخدم مصالح الناس.

أحمد منصور: والناس تعيش في نعيم وسعادة؟

أحمد بنّور: لا، الأرقام الحقيقية أظهرت أن التجربة ليست ناجحة، وأن الإنتاجية في مختلف القطاعات، بما فيها الزراعة، تتدهور، وأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تهدد الاستقرار، وقد بدأت مظاهر العنف تظهر في تونس.

أحمد منصور: هل تطرّق التقرير إلى احتمالية تغيّر النظام؟

أحمد بنّور: لا، لم يذكر شيئاً من هذا.

أحمد منصور: هل أشار إلى احتمالية اندلاع ثورة شعبية أو رد فعل غير متوقع؟

أحمد بنّور: لم يتوقعوا ذلك، لكنهم أشاروا إلى أن النتائج السلبية على الاقتصاد يمكن أن تخلق مشاكل كبيرة، حتى بالنسبة لأجور الموظفين والمتقاعدين.

أحمد منصور: أنت، كمدير للمخابرات، هل كنت على علم بهذه المعلومات الحقيقية؟

أحمد بنّور: ليس لدينا الأرقام الحقيقية، فهذا ليس من اختصاصنا، ولم نتمكن من الحصول على هذه المعلومات داخل الدولة.

أحمد منصور: من أين حصل هؤلاء على المعلومات الحقيقية إذن؟

أحمد بنّور: أظن أنهم استعانوا باختصاصيين فرنسيين وأجانب، ومن بعض الوزارات التونسية التي كان لديها خبراء على دراية بالأرقام الحقيقية.

أحمد منصور: هل كان هناك تعاون بين فرنسا وتونس بشأن هذه المعلومات؟

أحمد بنّور: نعم، في إطار التعاون الفني والتبادل الأكاديمي، حيث أتي بعض الأساتذة والخبراء الفرنسيين لتدريس ودعم المؤسسات التونسية، ويُدفع لهم أجرهم أحياناً من الحكومة الفرنسية، وكانوا يعملون في وزارات التخطيط والمالية والتعليم والعدل، كمستشارين وتقنيين.

أحمد منصور: هل وقع هذا التقرير بيدك أولاً كمدير للمخابرات؟

أحمد بنّور: نعم، أنا الذي تسلمته وسلمته إلى السيد الطاهر بلخوجة وقتها.

أحمد منصور: هل اطلعت عليه وقرأت محتواه؟

أحمد بنّور: نعم، وقد قدرت أهميته وخطورته.

أحمد منصور: ومع ذلك، الحكومة التونسية آنذاك لم تكن تمتلك هذه المعلومات الحقيقية عن الواقع؟

أحمد بنّور: الحكومة كانت تتوقع بعض هذه المعلومات، ولكن لم تكن لديها الأرقام الدقيقة كما جاءت في التقرير.

أحمد منصور: ماذا حدث بعد ذلك؟

أحمد بنّور: التقرير وصل إلى الرئيس الحبيب بورقيبة عبر السيد الطاهر بلخوجة، الذي كلف أحمد بن صالح بمتابعته.

أحمد منصور: وهل غضب الرئيس عند الاطلاع على التقرير؟

أحمد بنّور: نعم، لكنه اختار أن يرسل التقرير إلى أحمد بن صالح بدلاً من استدعائه بنفسه، فكل رئيس دولة له طريقته في التعامل مع مثل هذه الملفات.

أحمد منصور: بن صالح بسهولة شديدة قال إن هذا التقرير مزيف.

أحمد بنّور: قال إن هذا التقرير مزيف.

أحمد منصور: نعم.

أحمد بنّور: فالرئيس عاد إلى الطاهر بلخوجة وقال له إن بن صالح اعتبر التقرير مزيفاً، فلما ذهب الطاهر بلخوجة أعطاه بعض المعطيات السرية، فاقتنع الرئيس وطلب الحفاظ على سرية الموضوع.

أحمد منصور: ما هي المعطيات السرية؟

أحمد بنّور: والله، أعطاه بطريقة خاصة بعض المعلومات السرية، على طريقته.

أحمد منصور: أنت تعلم طريقة الحصول على التقرير أم لا؟

أحمد بنّور: ما أستطيع تأكيد ذلك، لكن الذي أؤكده أنه ضمن نطاق عملي في المخابرات حصلنا على التقرير بطريقة رسمية.

أحمد منصور: هل يعني أن أحداً ذهب وقابل شخصاً من المجموعة الأوروبية وجلب التقرير؟

أحمد بنّور: لا، لم يكن هناك أي تدخل عشوائي. التقرير وصل من مسؤول الأمن مباشرة.

أحمد منصور: معقول؟ هل تفحصتم التقرير تفصيلياً قبل وصوله إليكم؟

أحمد بنّور: نعم، المدير أو المسؤول الأمني لديه اطلاع كامل على كل القضايا المتعلقة بالتقرير.

أحمد منصور: هذا ليس تقريراً عادياً، يجب أن تعرف كل التفاصيل لتكون واقفاً على أرض صلبة أمام مسؤولك.

أحمد بنّور: بعد أربعين سنة ما زلت أشعر بخطورته.

أحمد منصور: أنت اعتبرت الحصول على التقرير نجاحاً كبيراً في عملك كمدير مخابرات؟

أحمد بنّور: نعم، كان تقريراً هاماً، ولكنه جزء من عمل متواصل للمصالح السابقة، وليست إنجازاتي الشخصية.

الحكومة التونسية ووعيها بالواقع

أحمد منصور: هل كانت الحكومة التونسية وبورقيبة في غيبوبة وانتظار تقرير سفراء السوق الأوروبية ليعرفوا حال بلادهم؟

أحمد بنّور: لا، السؤال وجيه، لا أظن أنهم كانوا في غيبوبة، الرئيس لم يكن في غيبوبة.

أحمد منصور: إذن لماذا كان التقرير مهماً؟

أحمد بنّور: التقرير أعطى الرئيس فرصة لاكتشاف الحقيقة، والتأكد من أن الأوضاع الاقتصادية لا تتوافق مع التقارير الرسمية وأن البلاد تتجه نحو الطريق المسدود، فساعده على التثبت والإقناع.

زيارة بورقيبة إلى صفاقس

أحمد منصور: هل رافقت بورقيبة في زيارته إلى صفاقس في أول ديسمبر عام 1968؟

أحمد بنّور: لا، لم أرافقه.

أحمد منصور: هل جعله التقرير يوجّه رسالة إلى الأمن أثارت انزعاج أحمد بن صالح؟

أحمد بنّور: ربما، لا أستطيع التأكيد، لكن يبدو أن الطاهر بلخوجة كان على علم بالإجراءات المتخذة.

أحمد منصور: ماذا عن مواجهة الشغب عام 1967؟

أحمد بنّور: الرئيس لاحظ أن أعداد الشرطة كانت قليلة وغير معدّة للتعامل مع الشغب، فتم خلق وسائل جديدة لمواجهة الأزمة.

أحمد منصور: حدثنا عن مأدبة الغداء التي حضرتموها.

أحمد بنّور: كانت عند ضابط بالجيش، عين الطاهر بلخوجة مديراً للحرس الوطني، وقد أثث له بيت الدولة ودعانا لتناول الغداء. تناولنا كوسكسي باللحم على الطريقة الساحلية، وتبادلنا النقاش حول الوضع الاقتصادي والسياسة الاشتراكية والتحديات القائمة.

أحمد منصور: ما هي رسائلكم خلال هذا اللقاء؟

أحمد بنّور: أبدى كل منا رأيه أن البلاد تتجه نحو مأزق، وأن السياسة الاشتراكية الحالية لم تنجح، وأن هناك رفضاً شعبياً واسعاً لهذه السياسة.

أحمد منصور: هل كان للضابط طموحات شخصية؟

أحمد بنّور: نعم، كان لديه طموحات شخصية ونقد لتنظيم الطاهر بلخوجة في الحرس، لكنه لم يكن سبباً أساسياً في التسريب، بل مجرد ناقل للمعلومات.

القبض على بنّور وبقية المسؤولين

أحمد منصور: على رأس القائمة كان الطاهر بلخوجة وأنت، وتهمتكم عرقلة سير الحكومة ومسيرة الاشتراكية البورقيبية، فتم عزلك من المخابرات.

أحمد بنّور: صحيح.

أحمد منصور: وعُزل بلخوجة من الأمن ودخلتم السجن؟

أحمد بنّور: صحيح.

أحمد منصور: كيف قبض عليك؟

أحمد بنّور: استدعاني كاتب الدولة للرئاسة سي الباهي الأدغم في مكتبه، وأطلعني على التقارير والتجاوزات. وفي الليل جاءني فريق من أمن الدولة وأخذني إلى جهة الاعتقال.

أحمد منصور: هل اعتذر لك أحد بعد ذلك؟

أحمد بنّور: نعم، الباهي الأدغم اعتذر لي شخصياً في بيته عام 1972، وحتى بورقيبة أبدى لاحقاً أسفه على ما حدث من ظلم.

أحمد بنّور: كيف قبض عليّ؟ قالوا لي: “تعال معنا إلى المكتب”. جيت، فوجدت الإدارة التي كنت مسؤولاً عنها، وأعواني الذين كنت أترأسهم، قيد البحث والتفتيش. هذه من الطرق والوسائل التي نلاحظها في تونس.

أحمد منصور: ما هي هذه الطريقة؟

أحمد بنّور: أنها حين يكون المسؤول كبيراً، يتم البحث فيه من قبل أعوانه.

أحمد منصور: طبعاً، وأنت مسؤول كبير، الكل يحييك.

أحمد بنّور: وبعدين، تصبح…

أحمد منصور: الآن قبض عليك وبقيت متهمًا، الكل ضدك.

أحمد بنّور: ضدي، يحاولون تلفيق التهم، وهذه الطرق تُستعمل لإضعاف الدولة.

أحمد منصور: إذا المدير محبوب، هل يُستخدم هذا الأسلوب عادة؟

أحمد بنّور: هذه طبيعة بعض التونسيين، حتى الأصدقاء يتنكرون لك. أنا في عام 1962، بعد القبض عليّ، أرسلت لأخي المحامي، صديقي المقرب، فأخبرني أنه لا يستطيع الدفاع عني.

أحمد منصور: يعني شيء موجود في الشخصية التونسية؟

أحمد بنّور: موجود، وللأسف قليل الوفاء، وعشت التجربة كاملة خلال دخولي السجن وخروجي منه.

تجربة السجن والمراقبة

أحمد منصور: أريد أن أسألك عن تجربة السجن، الانتقال من كرسي مدير المخابرات إلى السجن.

أحمد بنّور: كانت تجربة مليئة بروح الصبر ورباطة الجأش، عليك أن تواجه من كنت تتحكم فيهم من قبل، وتعطيهم التعليمات وهم يراقبونك. هذه الوضعية النفسية عشتها لمدة أسبوعين.

أحمد منصور: هل تعرضت للتحقيق؟

أحمد بنّور: نعم، باحترام كامل، من قبل محافظ شرطة وأعوانه الذين كانوا يعتقدون أن هناك مؤامرة.

أحمد منصور: موظفوك كانوا يحققون معك؟

أحمد بنّور: نعم، شيئا فشيئا اكتشفوا أنه لا توجد مؤامرة، وكل الأمور واضحة.

أحمد منصور: ما أهم الأسئلة التي وجهت لك؟

أحمد بنّور: كانوا يراقبونني منذ شهرين أو ثلاثة، يسألونني عن تحركاتي وما قلته، كل شيء كان تحت المراقبة.

أحمد منصور: أنت مدير المخابرات، وأنت مراقب!

أحمد بنّور: نعم، كنت أتعامل مع الوضع بروح نضالية، ولم أكن أتوقع العداوة والحقد الذي واجهناه.

أحمد منصور: هل وجهت لك تهم؟

أحمد بنّور: نعم، تهمة بث شائعات ودعايات مغرضة تستهدف النظام.

السبسي والبحث عن بلخوجة

أحمد منصور: الباجي قائد السبسي كان وزير الداخلية، أليس كذلك؟

أحمد بنّور: نعم، صحيح.

أحمد منصور: لم يقف بجانبكم عندما تعرضتم للمؤامرة؟

أحمد بنّور: كان لديه تعليمات من الرئيس، والتقيته فشرح لي بعض تصرفات الطاهر بلخوجة، ولكنه لم يكن منحازًا لتآمر، بل حافظ على احترامنا.

أحمد منصور: لكنه كان منحازًا إلى أحمد بن صالح؟

أحمد بنّور: نعم، بطبيعة الحال، كان صديقًا له وقد أثرت علاقتهم على سلوك الوزراء.

أحمد منصور: واحد يتحكم في كل الوزراء والبلاد؟

أحمد بنّور: نعم، وهذا ما أدى إلى دخولنا السجن.

أحمد منصور: أنتم لم تقفوا، ذهبتم ضحية الفتنة.

أحمد بنّور: نعم، لم نكن أعضاء في الحكومة وقتها، ولم نتحكم في السياسة العليا، فقط كنا موظفين كبار.

معاملة السجن وانعزال الزنازين

أحمد منصور: كيف كانت معاملتكم في السجن؟

أحمد بنّور: كانت طيبة، وكان هناك تعاطف من السجانين والموظفين.

أحمد منصور: هل كنت مع بلخوجة في نفس الزنزانة؟

أحمد بنّور: لا، قضى كل منا فترة في انعزال لمدة أسبوعين أو ثلاثة، ثم وضعنا جميعاً في مكان منفصل.

أحمد منصور: عندما ألقى بورقيبة خطاب 31 ديسمبر 1968، لم يوجه لكم اتهاماً، هل كان هذا مصدر ارتياح؟

أحمد بنّور: نعم، أراد أن يخفف الموضوع، وطريقة خطابه أظهرت أن المسألة لا تستلزم أكثر من ذلك.

حادثة الوردانية وأزمة الاقتصاد

أحمد منصور: لكن حادثة الوردانية في يناير 1969 أجبرت بورقيبة على التدخل؟

أحمد بنّور: نعم، اندلعت مظاهرات في الساحل، وأسفرت عن استشهاد شخصين، وانتشرت الفوضى إلى المدن المجاورة بسبب انقطاع الكهرباء.

أحمد منصور: كيف تعامل بورقيبة مع الأزمة؟

أحمد بنّور: دعا المسؤولين إلى الحوار وإقناع الشعب، ورفض فرض الاشتراكية بالقوة، وأدرك أن سياسته تواجه رفضاً شعبيًا كبيرًا.

أحمد منصور: بعد ست سنوات، بدأ بورقيبة يعتقد أن اشتراكياته فشلت.

أحمد بنّور: نعم، اكتشف أن النتائج كانت سلبية، واصفاً الوضع بـ”ركيض نحو الهاوية”.

أحمد منصور: أفرج عن الطاهر بلخوجة في 20 مارس 1969، وعين سفيراً في دكار، وأنت أفرج عنك في 8 أبريل؟

أحمد بنّور: نعم، ولم أعين في أي منصب رسمي.

أحمد منصور: هل كان تعيين بلخوجة نوعاً من الاعتذار؟

أحمد بنّور: أظن أن الرئيس عبّر له عن تعاطفه وعينه سفيراً، لكنها لم تكن إعادة تعيينك ليك.

أحمد منصور: ومع ذلك، بورقيبة لم يلغي الاشتراكية إلا في 22 سبتمبر 1969، بعد حوالي سبع سنوات من السياسات التي أضرت بالتونسيين.

أحمد بنّور: نعم، وبداية تراجعه كانت واضحة عندما رفض توقيع مشروع قانون لتعميم التعاضد في يوليو 1969، واستمع إلى تحفظات الوزراء، فاعتبر أن الموضوع أخطر مما كان يتصور.

العودة من السجن وأزمة الفيضانات والجفاف

أحمد بنّور: إيه، خرجت من السجن.

أحمد منصور: والمشكلة كانت أيضًا وجود الجفاف؟

أحمد بنّور: نعم، كان هناك جفاف، ثم جاءت الفيضانات.

أحمد منصور: وكانت هناك أزمة فيضانات؟

أحمد بنّور: نعم، جرت فيضانات، وكانت مباركة، ولكن الوضع الاقتصادي كان صعبًا. الأزمة موجودة، صحيح، لكن لم يكن هناك مجاعة.

أحمد منصور: وصلت الأمور إلى حد المجاعة؟

أحمد بنّور: لا، لم يكن هناك مجاعة.

الصديق الصافي سعيد وموضوع المصداقية

أحمد منصور: ماذا عن الصافي سعيد، الذي لا تحبه؟

أحمد بنّور: لا، لا أحبّه، وأشك في صدقية معلوماته. هو يشك في معلوماتي وأنا أشك في معلوماته، لأنه لم يكن يعيش في تونس وقتها، أما أنا فكنت عايشًا فيها وأعرف الوضع.

أحمد منصور: لكنه يعتمد على لقاءات كثيرة ومصادر ومعايشة في تونس؟

أحمد بنّور: فيها جانب صحيح، لكن مبالغ فيه.

أحمد منصور: كتب سيرة بورقيبة بأسلوب بليغ وراقي؟

أحمد بنّور: نعم، أسلوبه راقٍ، لكنه ملتزم سياسيًا منذ البداية وأعلن عداءه لمشروع بورقيبة.

تقييم إلغاء الاشتراكية

أحمد منصور: أنت تقول أنك من أنصار بورقيبة، فما تقييمك لإلغاء الاشتراكية بعد سبع سنوات من الدمار؟

أحمد بنّور: كان شجاعًا.

أحمد منصور: شجاع؟! عبد الناصر أعلن مسؤوليته عن هزيمة 1967، هل أحد حاسبه؟ بورقيبة لم يُحاسب أحد على ما فعله؟

أحمد بنّور: الشيء المهم، حسب اعتقادي الشخصي، أننا لم نستنتج العبرة كما ينبغي لإجراء الإصلاحات الدستورية لتجنب مثل هذه الأخطاء مستقبلًا.

أحمد منصور: هنا حمّل بن صالح المسؤولية وتنصل منها.

أحمد بنّور: لذلك كان يجب على بورقيبة أن يُدخل تغييرات جذرية في المؤسسات الدستورية، لكي تلعب كل مؤسسة دورها، وكان يجب أن يكون لدينا برلمان حقيقي وحكومة حقيقية.

أحمد منصور: انتخابات بنسبة 99.9%، وتقول إنها حقيقية؟

أحمد بنّور: لا، لم تكن انتخابات حقيقية، البرلمان وافق على كل شيء والحكومة لم تكن حوارية، هذا كان يجب تغييره بعد أزمة 1969.

محاكمة بن صالح وتقريراته الكاذبة

أحمد منصور: بن صالح قبض عليه في 1970، وحوّل إلى المحكمة، وكان قوياً في ردوده وقال إن كل ما فعله كان بتعليمات من بورقيبة؟

أحمد بنّور: صحيح، وقال في آخر محاكمة إنه لو عرف 10% مما سمعه آنذاك لغير سياسته.

أحمد منصور: ألم يكن يكذب على الرئيس أيضاً في تقاريره؟

أحمد بنّور: يبالغ في كثير من الأحيان، وأحيانًا يكذب على الشعب.

أحمد منصور: حكم عليه بعشر سنوات فقط؟

أحمد بنّور: نعم، سجن مخفف، بالرغم من أنه كان يفكر البعض في عقوبة أشد، حتى الإعدام، لكن هذا لم يحدث.

انهيار وضع بورقيبة الصحي

أحمد منصور: بورقيبة حينها في باريس، تعرض لانهيار عصبي، وقضى ستة أشهر للعلاج؟

أحمد بنّور: نعم، في فرنسا.

أحمد منصور: رئيس الدولة يمرض وينهار عصبيًا ويجلس ستة أشهر في مصحة، ثم يعود ليحكم الشعب؟

أحمد بنّور: نعم، كان يعتبر نفسه “أب الشعب”.

أحمد منصور: نصف إله، كما تقول؟

أحمد بنّور: كان في حيرة وخائف على مستقبل تونس بعده، خوفه على استقرار البلاد ومآل الشعب إذا لم يتفق أولاده.

الفتنة والقيادة السياسية

أحمد منصور: لأنه لم يُنشئ نظامًا آمناً وحقيقياً؟

أحمد بنّور: صحيح، ويعرف الفتنة، ويخاف أن تؤدي إلى مصير سيء لتونس.

أحمد منصور: من كان المسؤول عن كل هذا غيره؟

أحمد بنّور: هو يتحمل المسؤولية، لكن نحن كطبقة سياسية أيضًا مسؤولون، لماذا لم يتحرك الوزراء مثل سي أحمد المنستيري؟ لماذا لم يعطوا آراءهم؟

أحمد منصور: لماذا؟

أحمد بنّور: تجربة أزمة الخبز خير مثال، حاولت إقناع أعضاء الديوان السياسي، قبل الاجتماع يقولون “حاضر”، ثم في الاجتماع يغيرون رأيهم. هذا النفاق الذي عشته.

سياسة بورقيبة والاشتراكية

أحمد منصور: ما كان هناك اتفاق بين بن صالح وبورقيبة على تخفيف الحكم مقابل السكوت؟

أحمد بنّور: مستحيل، هذا أمر غير وارد.

أحمد منصور: بورقيبة ندد ببن صالح في ملتقى العمال المهاجرين، واتهمه بمحاولة إقامة نظام فاشي؟

أحمد بنّور: لا أتذكر بالضبط.

أحمد منصور: هل حقق بورقيبة العدل والصدق بعد ذلك؟

أحمد بنّور: حاول، لكن لم يدخل تغييرات جوهرية على المؤسسات.

أحمد منصور: أفعاله الاجتماعية والاقتصادية كانت تهدف لمصلحة الشعب؟

أحمد بنّور: نعم، حرص على مصالح الشعب، الطبقة العاملة، والفقراء، لكن نواياه لم تنفذ بشكل كامل بسبب سياسات بن صالح.

أحمد منصور: أفعاله العملية لم تكن كما أراد؟

أحمد بنّور: لا، بعض السياسات لم تحقق النتائج المرجوة، رغم نيته في خلق مجتمع جديد متقدم دون معوزين أو تناقضات.

أحمد منصور: في بلد محترم، كان أقل ما يمكن أن يفعله الرئيس هو التنحي؟

أحمد بنّور: في البلدان المتقدمة، نعم، لكن نحن في تونس…

أحمد منصور: ما كان الشعب كله جواسيس؟

أحمد بنّور: لا، الآن الوضع مختلف، لكن في تلك الفترة كان الوضع الأمني مشدداً.

أحمد منصور: التعذيب والجلد وقتل الناس تحت التعذيب؟

أحمد بنّور: في عهد بورقيبة، لم يكن هناك موت تحت التعذيب، كانت هناك قيود، لكن لا يُقارن بما حدث في فترات لاحقة.

التعذيب في عهد بورقيبة وعهد المنصف المرزوقي

أحمد بنّور: عام 1991، بعد التحول، حدثت الأزمة الأولى حين تولى سي أحمد حكم الإسلاميين، وخلال محاكمتهم مات أربعون شخصًا تحت التعذيب. هذا حرام، هذه غلطة لا تُغتفر، والتاريخ لن يغفرها، ولا يمكن لعائلاتهم أن تنسى. أما في عهد بورقيبة، من 1956 حتى 1986، لم يمت أحد تحت التعذيب.

أحمد منصور: كنتم محترفين نوعًا ما؟

أحمد بنّور: لا، لم نكن محترفين.

أحمد منصور: اعترف الطاهر بلخوجة، وزير الخارجية، بوجود تجاوزات انعكست في التعذيب، وأنت كنت مديرًا للأمن، فهل كان يحدث التعذيب؟

أحمد بنّور: إذا حدث، أقدّم اعتذاراتي، لكن نحن لم نكن على علم. الأعوان، عند قيامهم بعملهم، يسعون للوصول إلى نتائج. أعوان أمن الدولة المسؤولون عن الأبحاث كانوا غالبًا مناضلين سابقين، فإذا جاء شاب ينتقد بورقيبة، تصرفوا بعنجهية متأثرة بثقافة الحزب الواحد والبيروقراطية البورقيبية.

فرار أحمد بن صالح إلى الجزائر

أحمد منصور: في 4 فبراير 1973، تمكن أحمد بن صالح من الفرار إلى الجزائر، ضربة قوية لبورقيبة. كنت والي تونس الجنوبية وقتها؟

أحمد بنّور: صحيح.

أحمد منصور: ما معلوماتك عن فراره؟

أحمد بنّور: السجن كان في تونس العاصمة، وليس تابعًا لي، فالسجون تحت وزارة الداخلية، وليس للولاة علاقة بها.

أحمد منصور: بورقيبة جن جنونه حين فرّ بن صالح؟

أحمد بنّور: بطبيعة الحال، وكانت عملية مؤسفة، فقد كان يُخرج في رمضان في الليل بترتيب بعض الحراس.

أحمد منصور: محمد العريبي قائد الحرس هرب معه إلى الجزائر؟

أحمد بنّور: نعم، إلى الجزائر، وكان الحل الوحيد، فالذهاب إلى ليبيا لم يكن ممكنًا.

أحمد منصور: عُذب محمد بن صالح؟

أحمد بنّور: لا أظن، لم أكن في وزارة الداخلية وقتها لأعرف.

أحمد منصور: بورقيبة أرسل وزير خارجيته المصمودي لاسترجاعه؟

أحمد بنّور: نعم، لكن الجزائريين رفضوا تسليمه، وكان من الأفضل معالجة الأمر بطريقة أخرى.

أحمد منصور: التوتر بين الدولتين ساعد في فشل محاولة الاسترجاع؟

أحمد بنّور: صحيح، العلاقة كانت جيدة مع الشاذلي بن جديد، لكنهم رفضوا تسليمه كما رفضوا تسليم مزالي سابقًا.

موقف أحمد بن صالح بعد الفرار

أحمد منصور: في 16 مايو 1973، أدلى بن صالح بأول حديث له بعد الفرار لصحيفة La monétique الفرنسية، متهمًا بورقيبة بالدكتاتورية والاستبداد، وأن تونس تعيش نظام حكم مطلق فاسد.

أحمد بنّور: هو الذي كان لديه خمسة وزراء، وكان يعيّنهم بنفسه!

أحمد منصور: أصبح معارضًا كبيرًا وأسّس حركة الوحدة الشعبية في الخارج. أين انتهى به المطاف؟

أحمد بنّور: بعد التحول في تونس عام 1987 عاد، كان أستاذًا لبن علي، وذهب ثانية عام 1990 بعد صعوبة العيش في جو القمع.

إقصاء الباهي الأدغم وتعيين نويرة

أحمد منصور: في 6 نوفمبر 1970، قام بورقيبة بإعفاء الباهي الأدغم بطريقة مهينة؟

أحمد بنّور: لا، حسب معلوماتي، بورقيبة كان يخطط لتعيين الهادي نويرة بسبب الاحتياطات الاقتصادية التي كان يتخذها ضد سياسات أحمد بن صالح، وكان الهادي نويرة الأنسب للمرحلة الجديدة.

أحمد منصور: الباهي الأدغم بقي على علم، ولكن تم إنهاء الموضوع لاحقًا؟

أحمد بنّور: نعم، تم تأجيل القرار حتى سبتمبر، ثم أرسل وفد لترتيب الأمور.

إدارة الدولة أثناء مرض بورقيبة

أحمد منصور: بورقيبة قضى ستة أشهر في فرنسا للعلاج. كيف دارت الدولة؟

أحمد بنّور: الحكومة أُديرت بإشراف الباهي الأدغم، الذي كان كاتب الدولة للرئاسة، يتواصل مع الرئيس ويبعث له التقارير والشخصيات المهمة.

أحمد منصور: خلق ذلك طموحات لدى خلفاء محتملين؟

أحمد بنّور: نعم، من أبرزهم سي أحمد المنستيري.

مؤتمر المنستير 1971 والتوريث المبكر للسلطة

أحمد منصور: في مؤتمر الحزب بالمنستير 1971، بدا بورقيبة وكأنه يودع المؤتمرين ويعلن التوريث؟

أحمد بنّور: صحيح، قال إنه ينتظر اليوم الذي سيرحل فيه، وخلفاؤه سيكونون نويرة، ثم المنستيري، ثم المصمودي، لطمأنة الجميع.

أحمد منصور: عينت والياً لتونس الجنوبية في مارس 1972، ثم والياً لسوسة، وبدأت تقترب من بورقيبة، في وقت كانت فيه الوحدة بين تونس وليبيا تُعد. في الحلقة القادمة نتابع قصة الوحدة الفاشلة بين ليبيا وتونس.

أحمد بنّور: مرحبًا.
أحمد منصور: شكرًا جزيلاً لك، وشكرًا لكم مشاهدينا الكرام. في الحلقة القادمة نواصل الاستماع لشهادة أحمد بنّور، مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار


0:00
محتويات التقرير السري لسفراء المجموعة الأوروبية في تونس

3:19 محتوى التقرير من حيث تغيير النظام أو الغضب الشعبي

4:12 مصدر الدول الأوروبية للمعلومات الحقيقية الاقتصادية

6:17 تسليم التقرير السري لبورقيبة ورد بن صالح عنه

10:05 رد الفعل للدولة التونسية عن التقرير وكذب تقارير بن صالح الرسمية

11:00 خطاب صفاقص لبورقيبة والتغيير الوزاري

12:33 قصة بن صالح لبوريبة حول مؤامرة الوزراء

13:45 مأدبة الغداء وتجمع مسؤولين في بيت رئيس الحرس

15:35 تقرير ضد الوزراء لبورقيبة واتهامهم بعرقلة مسيرة الحكومة

15:47 عزل بلخوجة وبنّور وسجنهم

18:26 كيفيية القبض على بنّور

21:09 تجربة السجن لبنّور بعد خروجه من السلطة

22:47 موقف القائد السبسي من اتهامات بلخوجة وبنّور

24:45 المعاملة داخل السجن

25:06 حادثة الوردانيين واندلاع المظاهرات

26:50 اقتناع بورقيبة بفشل الاشتراكية بعد 6 سنوات

27:32 خروج بلخوجة وبنّورر في 1969 وتعيين بلخوجة سفيرا

30:22 تقييم بنّور لإلغاء بورقيبة لنظام الاشتراكية

32:42 القبض على بن صالح ومحاكمته وتحميله مسؤولية انهيار الاقتصاد

33:48 إصابة بورقيبة بانهيار عصبي ونظرته لتونس

36:17 حقيقة اتفاق بن صالح مع بورقيبة بتخفيف حكمه مقابل كتم فضائحه

37:05 الرؤية الاجتماعية والسياسية لبورقيبة

39:12 التعذيب في عهد بورقيبة

41:00 فرار بن صالح من السجن إلى الجزائر

43:10 ارسال بورقيبة المصمودي للجزائر لاسترجاع بن صالح ورد بومدين

44:37 حوار بن صالح ضد بورقيبة وتحوله إلى معارض

47:13 تنحية الباهي الأدغم نوفمبر

1970 بطريقة مهينة واختيار الهادي نويرة وزير أول

49:33 إدارة الدولة في عهد مرض بورقيبة

50:50 تعيين بنّور واليا لتونس الجنوبية في مارس عام 1972

Total
0
Shares
السابق

مصر كما يراها الشيخ البشير الإبراهيمى (1)

التالي

حرب إسرائيل على الدستور المصري (1)

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share