وليد جنبلاط ج1: النشأة والبدايات والإرث السياسي لآل جنبلاط

يروي وليد جنبلاط الزعيم الدرزي اللبناني في حواره مع أحمد منصور، في برنامج شاهد على العصر، ظروف نشأته في بيت سياسي، والإرث الإقطاعي والسياسي لآل جنبلاط، والتنافس بينهم وبين آل أرسلان على زعامة الدروز. ونال وليد جنبلاط شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1977، وقد درّس مادة التاريخ، كما عمل صحفياً في “النهار” لأسباب اقتصادية! إذ أنه ألمح في شهادته، إلى أنه نشأ في ظروف متقشفة! رغم أصوله وأصول والده الإقطاعية..
أحمد منصور ووليد جنبلاط

يروي وليد جنبلاط الزعيم الدرزي اللبناني في حواره مع أحمد منصور، في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 18 أبريل 2026، ظروف نشأته في بيت سياسي، والإرث الإقطاعي والسياسي لآل جنبلاط، والتنافس بينهم وبين آل أرسلان على زعامة الدروز. 

وفي بداية شهادته، يتحدث وليد جنبلاط، عن حصار الدرك لبيته في قريته المختارة أثناء طفولته، في خضم الخلاف بين والده كمال جنبلاط وجماعة كميل شمعون، في أحداث 1957.

 وذكر تفاصيل خروجة من البيت بصحبة مربيته الفرنسية، مشيراً إلى مدى تأثره بها، والدور الكبير الذي لعبته في تنشئته.

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية

ودرس وليد جنبلاط، في “الانترناشونال كولدج” في بيروت حتى عام 1969، وتابع دراسته في الجامعة الأميركية، ونال شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية عام 1977، وقد درّس مادة التاريخ، كما عمل صحفياً في “النهار”، لكنه ألمح في شهادته، إلى أنه نشأ في ظروف متقشفة!، رغم ما يجري تداوله عن أصوله وأصول والده الإقطاعية.

وأكد جنبلاط في شهادته على العصر أن زواج والده من والدته السيدة مي أرسلان، ابنة شكيب أرسلان في العام 1948 كان زواجاً سياسياً، في ظل التنافس بين آل جنبلاط وآل أرسلان على زعامة الدروز، وخلافاتهما في الفكر والسياسة.

وأوضح أن جده لأمه تسنن وأصبح مسلماً سنياً، وكذلك والدته التي اخترت مذهب أبيها.

وعن سر اهتمامه بالتاريخ، قال وليد جنبلاط إنه دون التاريخ لن نفهم شيئاً، وأن العديد من قادة إسرائيل لازالوا يستشهدون بالعهد القديم، ما دعاه لقراءته. مؤكداً أن ما نشهده اليوم هي حرب صليبية جديدة ولكن بأوجه جديدة، وأن التاريخ يعيد نفسه. 

وذكر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق، والسياسي متقلب الرؤى، والمثير للجدل، أن والده عرفه على الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر حينما زار مصر للمرة الأولى برفقته في العام 1965، وكشف عن الصداقة الكبيرة التي نشأت بينه وبين الأمير عبد الله عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، والدور الذي لعبه الملك السابق في توطيد العلاقة بين آل جنبلاط وآل سعود.

نص حوار وليد جنبلاط ج1:

النشأة والبدايات والإرث السياسي لآل جنبلاط

أحمد منصور: وليد بيك، مرحباً بك.

وليد جنبلاط: أهلاً وسهلاً.

نشأة وليد جنبلاط

أحمد منصور: وُلِدت في السابع من أغسطس عام 1949 في بلدة المختارة بقضاء الشوف، لزعيم سياسي ومفكر بارز، هو مؤسس الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وزعيم الدروز في لبنان، السيد كمال جنبلاط. كيف كانت نشأتك وطفولتك؟

وليد جنبلاط: نشأت في بيت له تاريخ سياسي يمتد لعدة مئات من السنين. وفي عائلة لعبت دوراً سياسياً كبيراً منذ 300 عام. تأثرت بالطبع بالبيئة والجو الذي نشأت فيه في طفولتي، محاطاً بسيرة الماضي، وفي نفس الوقت بالحاضر. عندما أقول “الحاضر”، كان عمري عشر سنوات عندما حوصرت المختارة من قبل الدرك، الدرك الذين هم رجال الأمن. كان الخلاف حينذاك بين كمال جنبلاط وحلفائه وجماعة كميل شمعون الذين حاولوا إدخال لبنان في حلف بغداد، فكانت الثورة، وكانت ثورة صغيرة.

أحمد منصور: هذه هي أحداث عام 1957؟

وليد جنبلاط: أحداث 1957 و1958.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: لكنني كنت في البيت في عام 1957، وحوصر البيت وأخرجوني من المختارة.

حصار وليد جنبلاط أثناء طفولته في قرية المختارة

أحمد منصور: هل تذكر التفاصيل؟ كنت طفلاً في العاشرة من عمرك، وكان والدك زعيماً سياسياً على خلاف مع رئيس الدولة، جاء الدرك إلى البيت. عادة ما تصاب الطفولة بالذعر والخوف في مثل هذه اللحظات.

وليد جنبلاط: آنذاك لم يدخلوا البيت، حاولوا.. حاصروا البيت. كنت موجوداً مع عمتي ليندا، ليندا جنبلاط.

أحمد منصور: هل هي التي قُتلت فيما بعد؟

وليد جنبلاط: نعم، قُتلت في عام 1975، وزوجها الأمير حسن الأطرش، الذي لعب دوراً بارزاً في أيام الثورة العربية السورية في سوريا، وكان رفيقاً لسلطان باشا.

أحمد منصور: سلطان باشا الأطرش؟

وليد جنبلاط: نعم. وأذكر أنه أمسك بالهاتف وكان الهاتف قديمًا، واتصل بكميل شمعون رئيس البلاد وقال له: “انتبه يا كميل، هذه المختارة هي محجة الدروز”. حاول حينها الدرك -كان ضابط الدرك المسؤول من أهل الحسامي- أن يُنذِر البيت. جرت وساطة، وتم إخراجي.

أحمد منصور: من الذي قام بهذه الوساطة؟

وليد جنبلاط: قام بها خالد جنبلاط، كان رفيق كمال جنبلاط وكان معنا في المختارة. في تلك اللحظة لم أره، لكن قيل لي إنه حاول أن ينزل ويقابل ضابط الدرك في سوق المختارة. قال له أحد المسلحين: “أنت ابن جنبلاط، أنت لا تخرج من المختارة، الذي يريد أن يقابلك يأتي إلى الداخل”، وهكذا حصل. في المعادلات السياسية الكبرى…
أحمد منصور:   كان كميل شمعون، رغم كل ما كان فيه من عنفوان في تلك الفترة، قد تراجع بعد أن قام بموازنة الأمور.

وليد جنبلاط: أعتقد ذلك. وبنفس الوقت كان فؤاد شهاب، قائد الجيش، على الحياد. فخرجت مع مربيتي وذهبت إلى كسروان.

تأثر وليد جنبلاط بمربيته الفرنسية

أحمد منصور: بدأت طفولتك بالخوف.

وليد جنبلاط: كانت صدمة، لكنها لا تزال عالقة في ذهني.

أحمد منصور: تذكر التفاصيل؟

وليد جنبلاط: هذه هي بعض التفاصيل.

أحمد منصور: تفاصيل خروجك من البيت مع مربيتك، خوفك، انتقالك؟

وليد جنبلاط: كانت مربيتي فرنسية، كانت قد رافقتني وربتني حتى توفيت عام 1967 في الصدمة الكبرى بهزيمة 1967.

أحمد منصور: هي كانت المربية لك منذ طفولتك وحتى 1967؟

وليد جنبلاط: نعم، هي فرنسية. كون والدتي ووالدي افترقا (لم يطلقا)، فكانت هي التي تولت تربيتي.

أحمد منصور: ما الآثار التي تركتها مربيتك في نفسك؟ لأن المربية هنا حلّت محل الأم.

وليد جنبلاط: كانت كل شيء. كانت كل شيء، لكن بنفس الوقت كانت صارمة. قالت لكمال جنبلاط: “اتركه، أنا أربيه، لا تتدخل في تربيته”.

أحمد منصور: وكان لا يتدخل؟

وليد جنبلاط: نعم، وهكذا حصل.

أحمد منصور: ما هي القواعد الأساسية الصارمة التي ربتك عليها مربيتك الفرنسية؟ لم تذكر لي اسمها.

وليد جنبلاط: إيفان يودو كانت متزوجة من شخصية مصرية قبل ثورة عبد الناصر، وهربت من مصر وأتت إلى لبنان بعد سماعها بأن كمال جنبلاط يحتاج إلى مربية لابنه.

أحمد منصور: هل كنت الوحيد لوالديك؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: فأتت وتولت الأمر. كم كان عمرك عندما بدأت معك؟

وليد جنبلاط: كان عمري أربع سنوات.

أحمد منصور: وحفرت في نفسك أشياء كثيرة.

وليد جنبلاط: حفرت أهمية العلم. وكانت هذه تعليمات كمال جنبلاط. وقد حضنتني في المختارة. هذا لا يعني أنني لم أكن أستطيع أن أرى والدتي، كنت أراها دائماً، أحياناً خلسة، وأحياناً جهارة. لكن كما تعلم، لا أحد يمكن أن يستبدل الوالدة.

أحمد منصور: كانت والدتك تعيش خارج المختارة؟

وليد جنبلاط: كانت تعيش في بيروت.

أحمد منصور: كنت تذهب إليها؟

وليد جنبلاط: كنت أذهب وأراها، لأنني لاحقاً التحقت بـ الليسيه الفرنسية العلمانية في بيروت، وكنت أذهب إلى الليسيه للعلوم الابتدائية، ثم العلوم الثانوية.

أحمد منصور: أخبرنا عن القواعد الصارمة التي اتبعتها مربيتك في طفولتك، والتي كان لها تأثير كبير على شخصيتك وحياتك فيما بعد.

وليد جنبلاط: تسألني سؤالاً صعباً. لا أذكر كل التفاصيل، لكن يمكنني أن أقول إنني تعلمت الكثير عن الانضباط.

أحمد منصور: حاول أن تذكر شيئاً. قلت لي أنها كانت تركز على العلم.

وليد جنبلاط: نعم، كانت تركز على العلم وكانت صارمة.

أحمد منصور: كيف كانت الصرامة؟ على سبيل المثال، هل كانت تحدد لك أوقات للنوم، أوقات لليقظة، أوقات للطعام؟

وليد جنبلاط: نعم، أعتقد أنني كنت أنام في الساعة السابعة.

أحمد منصور: واليقظة؟

وليد جنبلاط: لست أذكر.

أحمد منصور: وحينما تستيقظ، ما هي الطقوس؟

وليد جنبلاط: الإفطار، ثم كان لي مجال لمقابلة الأصحاب. وأصحابي الأول في المختارة بقي منهم اثنان أو ثلاثة.

أحمد منصور: من هم أصحابك في المختارة في الطفولة؟

وليد جنبلاط: سمير سمعان، جورج حنا، سلمان ريدان، وهيب ريدان. هذه بعض الأسماء التي تخطر ببالي الآن.

التاريخ السياسي لآل جنبلاط

أحمد منصور: حينما نقول “المختارة”، ربما قليل من الناس يعرفونها. البعض قد صعد إلى المختارة، ولكن الكثير من العرب لم يعرفوا ما هي المختارة. صف لنا المختارة؟

وليد جنبلاط: المختارة هي قصر.. دار كبيرة، ونحن نسميها “دار المختارة”. هي كالمحجة، كالمأوى، والملجأ، حيث كان قصر آل جنبلاط.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: كنا نملك مساحات شاسعة من الأرض في لبنان، من جنوب لبنان، وجبل لبنان، ثم البقاع.

أحمد منصور: آل جنبلاط الذين كانوا يتهمون  بأنهم كبار الإقطاعيين، كيف توارثتم هذه الأراضي من جيل إلى جيل؟ من أين بدأت؟

وليد جنبلاط: كان الزعيم الأكبر في عائلة جنبلاط هو الشيخ بشير جنبلاط، الذي كان منافساً كبيراً وصديقاً لأول أمير شهابي، الأمير بشير الشهابي.

أحمد منصور: هل كان بشير الشهابي مارونياً؟

وليد جنبلاط: كان سنياً في البداية، ثم اعتنق المارونية بسبب ظروف سياسية.

أحمد منصور: نحن نتكلم عن فترة 200 أو 250 سنة، أليس كذلك؟

وليد جنبلاط: نعم، نحن نتكلم عن 1700 أو 1800.

أحمد منصور: بداية آل جنبلاط؟

وليد جنبلاط: نعم، بداية ظهورهم في الحياة السياسية، وبداية الخلافات السياسية في جبل لبنان، مثلما حصل بين بشير الشهابي وبشير جنبلاط، مما ترك أثراً كبيراً وأدى إلى الحرب الطائفية والسياسية الأولى.

أحمد منصور: كانت هذه الحرب في عام 1860، أليس كذلك؟

وليد جنبلاط: نعم، كانت بين الموارنة والدروز.

أحمد منصور: توسعت الأحداث ووصلت إلى الشام.

وليد جنبلاط: نعم، توسعت حتى الشام، وجرى هناك صراع دامٍ بين المسيحيين والمسلمين.

أحمد منصور: المسلمون انضموا إلى الدروز في تلك الحرب.

وليد جنبلاط: نعم، انضموا إلى الدروز في لبنان، وتأثروا بهم.

أحمد منصور: كيف تأثروا؟

وليد جنبلاط: كان هناك أيضاً مشاركة من دروز جبل العرب في سوريا في تلك الحرب الطائفية.

أحمد منصور: كيف توسعت الأحداث في الشام؟

وليد جنبلاط: توسعت في الشام، ولاحقاً أثرت في العلاقات بين الدروز والموارنة، خاصة بعد الحرب التي جرت في 1983.

طفولة غير عادية

أحمد منصور: هذه الأحداث توضح العديد من الأمور التي حصلت بين الدروز والموارنة فيما بعد.. طفولتك لم تكن عادية .. فيها حدث خلاف كبير بين والدك ورئيس الدولة ..هربوك من البيت.. انفصال والدك ووالدتك..

وليد جنبلاط: لم تكن طفولة عادية، ولكن كانت طفولة محفوفة بالأحداث. لكن أيضًا من خلال هذه الطفولة، أو في عمر 10 سنوات، 12 سنة، كان هناك البُعد العربي. لأن في تلك المرحلة، وبعد عودتي إلى المختارة، كان عبد الناصر قد أرسل المجاهدين من جبل العرب في سوريا لنجدة كمال جنبلاط، ونجدة الثورة اللبنانية، مثل صائب بك سلام، رشيد أفندي كرامي وغيرهم. لم تكن ثورة طائفية، بل كان هناك رموز وطنية مثل صائب بك، صائب سلام، رشيد أفندي كرامي، وسليمان فرنجية. وجرت الانتخابات عام 1958، وفاز فؤاد شهاب بالانتخابات الرئاسية، فاز بصعوبة ولكن فاز.

أحمد منصور: لكن فؤاد شهاب كان…

وليد جنبلاط: وكان عهدًا جديدًا.

أحمد منصور: هو فؤاد شهاب كان كما قلت أنت كان محايدًا.

وليد جنبلاط: كان محايدًا، إذا صح التعبير. كان مرشحًا آنذاك من التحالف الأمريكي الناصري.

التحالف الأمريكي الناصري

أحمد منصور: نحن هنا في نقطة مهمة؛ التحالف الأمريكي الناصري. هذه العبارة مهمة جدًا في سنة 1958، أنه كان هناك تحالف بين عبد الناصر والأمريكان فيما يجري في لبنان.

وليد جنبلاط: صحيح، كان هناك تحالف بين أمريكا وعبد الناصر، لأنكما تذكر تدخل الأمريكيون.

أحمد منصور: طبعًا، جاؤوا إلى الساحل بالبوارج الأمريكية.

وليد جنبلاط: وتدخل البريطانيون في الأردن، وجرى انقلاب على نوري السعيد في العراق.

أحمد منصور: 1958.

وليد جنبلاط: كل هذا أرسى تحالفًا أو لقاء مصالح.

أحمد منصور: هنا، لكي يفهم المشاهد العربي طبيعة الأحداث التي كانت تجري، يجب أن نوضح أن ما حدث في لبنان عام 1958، وما حدث في العراق عام 1958، وتدافع عبد الناصر في حلفه مع الأمريكيين فيما يتعلق بلبنان، لم يكن منفصلًا عن بعضه البعض.

وليد جنبلاط: أبدًا، أبدًا. لذلك التقت المصالح اللبنانية مع الأحداث العربية، وجرى ما يُسمى التسوية أو رسم الشرق الأوسط الجديد آنذاك على هذا التحالف أو على لقاء المصالح بين عبد الناصر والأمريكيين، في مواجهة الاضطرابات في الأردن. كان العرش الهاشمي في خطر، حيث حاول عبد الناصر قلب العرش الهاشمي.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: جاؤوا البريطانيون وساعدوه، وفي العراق كان عبد الكريم قاسم موضوعًا آخر.

أحمد منصور: المشاهد العربي هنا في نقطة مهمة جدًا، وهي أن ما يحدث في لبنان يؤثر في المنظومة العربية كلها. وهذا سر من أسرار لماذا لبنان؟

وليد جنبلاط: ما يحدث في لبنان يؤثر على العالم العربي، وبالعكس، عندما يكون العالم العربي غير مستقر، يتأثر لبنان.

أحمد منصور: هناك نقطة مهمة حضرتك أشرت إليها هنا، وهي علاقة عبد الناصر مع كمال جنبلاط. هل كانت أحداث 1958 هي بداية ترسيخ العلاقة بين كمال جنبلاط وجمال عبد الناصر، التي استمرت حتى نهاية حياة كمال جنبلاط؟

وليد جنبلاط: إذا صح التعبير، نعم، كانت البداية. كان والدي قد انطلق، إذا صح التعبير، في سياسته من لبنان أولاً، لأنه تربى في عينطورة، ثم تلقى دراسته في اليسوعية. انفتح تدريجيًا على العالم العربي مع بروز عبد الناصر.

بيئة آل جنبلاط الإقطاعية

أحمد منصور: يعني آل جنبلاط إقطاعيون، رأسماليون، أصحاب ثروات، ومع ذلك كان كمال جنبلاط اشتراكيًا، وكانت له تحالفات مع السوفييت، وكان له تواصل مع عبد الناصر. فسر لنا هذا؟

وليد جنبلاط: كنا نعم نملك إقطاعًا كبيرًا في الأرض.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: لكننا لم نكن قد وصلنا إلى ما يُسمى “البورجوازية المالية”.

أحمد منصور: فسر لي “البورجوازية المالية”.

وليد جنبلاط: البورجوازية المالية هي محصورة بغير آل جنبلاط. نحن كنا ورثة إقطاع. ورثنا الإقطاع، وفي نفس الوقت، كان كمال جنبلاط يسعى لتغيير من تاريخ آل جنبلاط.

أحمد منصور: كيف؟

وليد جنبلاط: حاول إنشاء الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1949، وأراد أن يعطي الجمهور، أو الناس، وجهة نظر مختلفة عن آل جنبلاط. كان يريد أن يدخل في العالم الجديد، وهو العالم الاشتراكي. وكان يسميه “الاشتراكية الإنسانية”، التي تختلف عن الشيوعية.

أحمد منصور: ما مظاهرها في تطبيق حياته؟ يعني أنتم في البيت لم تعيشوا حياة برجوازية. أنا أعرفك منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، وأكلت معك، دخلت بيتك ورأيتك تعيش حياة بسيطة. هل كان والدك مثلك هكذا؟

وليد جنبلاط: كان أبسط أيضًا، لأن حياته الخاصة كانت متقشفة. اعتمد سياسة التصوف في البداية، ابتداءً من التصوف المسيحي، ثم اكتشف التصوف الإسلامي، ومن رموزه مثل ابن عربي والحلاج. وانتهى بالتسلسل في حياته الشخصية في الهند، حيث كان يتتبع معلمًا هنديًا في مدينة تريفاندروم قرب مدراس في جنوب الهند.

أحمد منصور: إن جاز لي التعبير، هل كان يبحث عن الخلاص الروحي والراحة النفسية من خلال هذه الاعتناقات المتعددة؟

وليد جنبلاط: طوال حياته كان يفتش عن الحقيقة. لست أدري إذا كان قد وجدها أم لا.

أحمد منصور: في تطبيقه السلوكي، كيف كنت تراه؟

وليد جنبلاط: كان عالمًا جديدًا بالنسبة لي.

أحمد منصور: اشرح لنا.

وليد جنبلاط: حاول، عندما أصبحت شابًا، أن يعلمني هذه الفلسفة، لكنني لم أكن مهتمًا بذلك.

تحول شكيب أرسلان زعيم الدروز في لبنان إلى المذهب السني!

أحمد منصور: على الجانب الآخر، والدتك هي السيدة مي أرسلان، ابنة أمير البيان شكيب أرسلان، الزعيم السياسي والأديب والشاعر المعروف الذي توفي في العام 1946. تزوجت والدتك من والدك في عام 1948.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: شكيب أرسلان له مكانة بارزة في التاريخ العربي الإسلامي من خلال، يعني، قرأت كثيرًا من كتبه، ولكن الكتاب الذي وجدته يصفه بشكل بديع للغاية هو “الرحلة الحجازية”. أنا، لأنني أديت الحج أيضًا كمسلم، وجدته شيئًا غريبًا في حياته. وقرأت في سيرته أن بعض من كتبوا سيرته قالوا إنه “تسنن” وأصبح مسلمًا سنيًا، وكان يؤدي كل فروض المسلمين. البعض قال إنه بقي على درزيته، ولكنه كان يمارس كل طقوس المسلمين. ما الذي تعرفه عن حقيقة جدك شكيب أرسلان؟

وليد جنبلاط: أعلم أنه “تسنن”.

أحمد منصور: أصبح مسلمًا سنيًا؟

وليد جنبلاط: نعم. وعندما عقد والدي قرانه على والدتي في سويسرا، تم عقده كزواج مدني.

أحمد منصور: مسلماً؟

وليد جنبلاط: نعم، مدنيًا. ووالدتي سنية..

أحمد منصور: والدتك كانت سنية.

وليد جنبلاط: نعم، والدتي كانت سنية. لكن كمتحررة علمانية..

أحمد منصور: هل كون شكيب أرسلان تحول من الدرزية إلى أن أصبح سنيا مسلمًا يؤدي الشعائر ويكتب عنها، أثر على وضعه كزعيم للدروز أو كأحد زعماء الدروز؟

وليد جنبلاط: لم يؤثر، هو اختار من خلال “تسننه”، إذا صح التعبير، اختار المساحة الإسلامية الكبرى. واختار “بني عثمان”، لأنهم كانوا يرون في بني عثمان الأمة الموحدة للمسلمين.

أحمد منصور: جدتك كانت شركسية؟؟

وليد جنبلاط: شركسية.

أحمد منصور: سنية مسلمة، نعم، لكن…

وليد جنبلاط: وخرج مع بني عثمان، خرج معهم عندما انهزم.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: وخرج معهم وذهب إلى إسطنبول.

أحمد منصور: طاف العالم الإسلامي وذهب إلى إسطنبول، وزار دولًا كثيرة.

وليد جنبلاط: ثم عاش في سويسرا، في جنيف.

أحمد منصور: يعني، أنا أحببت أن أذكر أنك لست فقط سليل آل جنبلاط، ولكنك أيضًا سليل آل أرسلان.

وليد جنبلاط: نعم، في ذلك الوقت كان والدي يريد زواجًا سياسيًا، يعني “امتياز”، ولكن أيضًا أحبها وأحبته.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: لكن في البداية كانت الفكرة هي أن أتزوج من ابنة أرسلان، ابنة الأمير شكيب، وهو يمثل الشريحة الدرزية الثانية، الشريحة المخاصمة.

أحمد منصور: لآل جنبلاط؟

وليد جنبلاط: طبعًا.

أحمد منصور: يعني هل نستطيع أن نقول مخاصمة أم منافسة؟

وليد جنبلاط: منافسة، مخاصمة، ولكن كان هناك مثلًا، عندما طلب والدي الزواج، طلبه من الأمير عادل أرسلان، شقيق الأمير شكيب، وكان مناضلًا كبيرًا في الثورة العربية الكبرى وفي جبل العرب. كان صديقًا لسلطان باشا الأطرش، رفض، لأنهم قالوا آنذاك: كيف نعطي ابنتنا لآل جنبلاط، وهم في أيام الفرنسيين تحالفوا مع الفرنسيين، وهذا صحيح.

أحمد منصور: نعم.

الدور السياسي لنساء آل جنبلاط

وليد جنبلاط: يعني، جدتي نظيرة جنبلاط في مرحلة معينة، عندما قُتل جدي فؤاد جنبلاط، كان كمال جنبلاط في سن الرابعة، وكان ذلك عام 1920. فبرزت في العائلة الجنبلاطية وفرضت نفسها، لكن عملت بسياسة حياد ومسايرة للفرنسيين كي لا تخلق صدامًا. لم تكن تستطيع خلق الصدام، وكانت امرأة بارعة. وهكذا حدث إلى أن كبر كمال جنبلاط واختار الخط العربي لاحقًا.

أحمد منصور: يعني، بالنسبة لجدتك، حينما قرأت عنها وعن دورها، لعبت دورًا سياسيًا…

وليد جنبلاط: نعم، دورًا كبيرًا جدًا.

أحمد منصور: وهذا ليس معهودًا في حياة الدروز أن تقوم النساء بدور سياسي.

وليد جنبلاط: ليس في حياة الدروز فقط، لكن في حياة الشرق عمومًا، لكنها كانت امرأة لامعة، وكانت تلعب دورًا سياسيًا، وكان لبنان مستقرًا بالرغم من أحداث الثورة السورية عام 1925-1927، التي كانت مصدرها جبل العرب والدروز. قالت للدروز:على الذين يريدون القتال أن يذهبوا إلى الجبل، لكنها لم ترد مشاكل في جبل لبنان.

أحمد منصور: فبالتالي، لعبت دورًا في تهدئة الأمور في المنطقة في ذلك الوقت.

وليد جنبلاط: هكذا كانت ذكرياتي، وأنا طفلاً وشابًا.

أحمد منصور: والدتك توفيت في 2013، عن عمر يناهز 85 عامًا، ربما.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: ربما التقيت بها مرة في بيتك، ذات مرة، كما أذكر من لقاءاتي الكثيرة والمتعددة بك. أعتقد أنه يمكنني أن أكشف سرًا للمشاهدين، وهو أنك من السياسيين القلائل الذين كنت أزورهم بشكل دائم، ليس فقط من أجل الحوارات، ولكنها تركت في حياتك أثرًا كما تركت جدتك أثرًا كبيرًا في حياة والدك؟؟

وليد جنبلاط: تركت في حياتي أثرًا كبيرًا. لكن المهم هو أنه عندما قُتل كمال جنبلاط في السادس عشر من آذار 1977، كانت والدتي في باريس. اتصلت بها وأخبرتها أن الأوان قد حان للعودة إلى البيت، لأن هذا بيتك. عادت في اليوم التالي، رغم أنه لم يكن هناك طيران يومي، واستلمت المختارة من عام 1977 إلى 2013. في مرحلة لاحقة، عندما تزوجت نورا شرباتي، نورا جنبلاط اليوم، لعبا دورًا مهمًا في الحفاظ على البيت، وكانت والدتي الضمانة للحفاظ على المختارة سياسيًا ومعنويًا.

أحمد منصور: اشرح لي، من فضلك؟؟

وليد جنبلاط: كنت أشعر بالاطمئنان بدورها، كنت أشعر بذلك.

أحمد منصور: بوجودها جنبك، وفي وجودها في المختارة.

وليد جنبلاط: نعم، كانت هي التي كانت تدير المختارة، ولكن ليس بشكل علني أو في السر. كانت تلتقي مع الناس على طريقتها وتقدم لهم النصح. كانت تعطينا نصائح خاصة عندما قمت أو ارتكبت بعض الهفوات الكبيرة في السياسة أو غير السياسة. مثلًا، تخاصمت مع السوريين، مع النظام السوري في حرب المخيمات.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: رفضت الاشتراك في حرب المخيمات كما اشترك البعض الآخر، وهو كان إجبارًا على البعض. كانت خائفة علي، لكنها نصحتني بالتسوية مع السوريين، وهكذا كان.

أحمد منصور: إذاً، بعد عام 1977، ظلت والدتك إلى جانبك في المختارة حتى توفيت في 2013.

وليد جنبلاط: نعم، ثم اشتركا سويا مع نورا التي لعبت دورًا أيضًا إلى جانبي، عاطفيًا وسياسيًا.

أحمد منصور: يبدو أن السيدة نورا لها مكانة كبيرة في نفسك. فهي تحضر معنا الآن وترافقك دائمًا، ربما منذ أول مرة التقيت فيها معك.

وليد جنبلاط: صحيح، صحيح.

دراسة وليد جنبلاط الجامعية

أحمد منصور: أريد أن أعود إلى دراستك في الإنترناشونال كوليدج، وحصولك على البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية في بيروت. هل اخترت دراسة العلوم السياسية أم وجهت إليها؟

وليد جنبلاط: لا، اخترت العلوم السياسية، لكي أتعلم فن السياسة. لكن فن السياسة في الجامعة لا علاقة له بفن السياسة في لبنان.

أحمد منصور: قول لنا هذا، لأن هذا أمر مهم جدًا. أعتقد أن كل من يدرس العلوم السياسية في الجامعة يظن أنه يعرف السياسة، بينما الكثيرون ممن يمارسون السياسة، مثل الإعلام، هناك فوارق كبيرة بين الدراسة في الجامعات وبين تطبيقها. كيف وجدت الفوارق الأساسية بين دراسة السياسة وممارسة السياسة؟

وليد جنبلاط: فن السياسة هو كيفية التعاطي مع الناس، مع الموحدين، مع الدروز، مع بني معروف، ومع الآخرين. وكيف تتعامل معهم وأنت جالس في صالون المختارة تستقبل الناس؟ تعلمت الكثير من هذه الجلسات الأسبوعية في كيفية التخاطب مع الناس ومسايرتهم.

أحمد منصور: التعامل مع الناس صعب، واستيعاب الناس أصعب، خاصة عندما تكون زعيمًا سياسيًا ولديك أعباء من كل النواحي تجاه الناس.

وليد جنبلاط: هناك جوانب مهمة جدًا، مثل كيف تحترم الناس، وفي النهاية تتعامل أيضًا مع جو عشائري. نحن عشائر.

أحمد منصور: ما خصوصيات الجو العشائري في العطاء والتعاطي؟

وليد جنبلاط: لكل عائلة خصوصية، ولكل عائلة انتماء. بعضهم ينتمي إلى آل جنبلاط، والبعض الآخر لا ينتمي. لكنني عملت جاهداً على توحيد بني معروف ونجحت إلى حد ما. انفتحت على كل التيارات السياسية آنذاك، وطبعا على آل أرسلان، حيث كان الأمير مجيد لا يزال حيًا، ثم على ابنه طلال. لاحقًا، ظهرت خلافات، لكنني عملت جاهداً على ألا أفتح خلافًا مع أحد. نجحت إلى حد ما.

التنافس بين آل جنبلاط وآل أرسلان على زعامة الدروز

أحمد منصور: الخلاف بين آل أرسلان وآل جنبلاط، هل هو خلاف على الزعامة أم خلاف في الفكر والسياسة؟

وليد جنبلاط: هو خلاف على الزعامة.

أحمد منصور: لماذا كان البروز الأكبر لآل جنبلاط، وكأنهم يمثلون كل الدروز وليس بعضهم فقط؟

وليد جنبلاط: الظروف ساعدتني، مثل استفادتي من علاقتي مع الاتحاد السوفياتي، حيث فتحت الحزب للجميع في المنح الدراسية. استفدنا كثيرًا من مئات المنح، نحن والحزب الشيوعي اللبناني، ومناطق أخرى في مئات المنح الدراسية، إن لم تكن الآلاف.

أحمد منصور: دون تمييز.

وليد جنبلاط: نعم، دون تمييز. مما سمح للمواطن العادي، الذي لم يكن لديه وسيلة للوصول إلى الجامعات الكبرى الأمريكية أو اليسوعية، أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا في جامعات السوفييت.

أحمد منصور: سنأتي إلى هذه النقطة بالتفصيل، لكن هذه أيضًا من الأشياء التي جعلت مكانتك متميزة. نحن نريد أن نفهم الكثير من الكواليس التي يتداولها الناس. الجامعة الأمريكية كانت مليئة بالكثير من التيارات الفكرية في ذلك الوقت، لا سيما حركة القوميين العرب التي برزت ونشأت في الجامعة الأمريكية في بيروت. ألم يجذبك أي تيار سياسي في ذلك الوقت للانتماء إليه؟

وليد جنبلاط: كلا، كنت ناشطًا في ذلك الوقت، عندما بدأت الثورة الفلسطينية، وعندما كانت معركة الكرامة في الأردن، بين الجيش الأردني والجيش الإسرائيلي.

أحمد منصور: نحن سجلنا مع قائدها، مشهور حديثة الجازي، شهادته في برنامج “شهادته على العصر”.

وليد جنبلاط: نعم، في ذلك الوقت كانت الجامعة مقسمة بين اليمين اللبناني، الذي كان يمثل الرابطة اللبنانية، وهي المنظمة التي كان يرأسها أستاذي في التاريخ، كمال صليبي.

أحمد منصور: كمال صليبي له العديد من الكتب المشهورة.

وليد جنبلاط: نعم، لديه كتاب “تاريخ لبنان الحديث”. هو كتاب تقليدي ولكنه من أفضل الكتب التي تناولت تاريخ لبنان. وهناك كتاب آخر له، “بيت ذو منازل كثيرة”، يعطي فيه وجهة نظر مختلفة.

أحمد منصور: دعني أسالك، ما هو الخلاف بينك وبين كمال صليبي؟

وليد جنبلاط: لا يوجد خلاف شخصي. كان كمال صليبي رئيس الرابطة اللبنانية، ونحن في تلك الفترة كنا مع اليسار اللبناني ومع الشباب الفلسطيني، وكان لنا نشاط سياسي واضح، حيث قمنا بالمظاهرات في معركة الكرامة، كما نظمنا مظاهرة شهيرة أيضًا بعد مقتل القادة الفلسطينيين الثلاثة الكبار في بيروت، مثل كمال عدوان وأبو يوسف النجار و.. عام 1973.

أحمد منصور: نعم، تذكر لي أحدًا من زملائك في الجامعة أو أساتذتك المعروفين؟

وليد جنبلاط: كمال صليبي كان أستاذي في التاريخ.

أحمد منصور: وأنت تعشق التاريخ.

وليد جنبلاط: نعم، وكان أيضًا أستاذي في الفلسفة الإسلامية. وأيضًا كان هناك دكتور يوسف إيبش، وليد خالدي، الذي لا يزال على قيد الحياة. وليد خالدي الآن في كولومبيا وأعتقد أن عمره 99 عامًا.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: هناك أيضًا زين زين، وهو من أعطاني، إذا صح التعبير، العشق السياسي والرومانسي تجاه السلطنة العثمانية.

أحمد منصور: يا سلام..
وليد جنبلاط: نعم، كان زين زين بهائيًا في منشأه، وكان يشرح لي دور السلطنة العثمانية وخصوصيات السلطان.

أحمد منصور: عجيب!

وليد جنبلاط: نعم، أعطاني هذه الرؤية.. نعم، لا شك أن الدولة العثمانية كانت دولة كبيرة ولعبت دورًا أساسيًا في تاريخ المنطقة. ثم دخلت في مرحلة التراجع، وبغيابها وتدميرها بأوامر من لويد جورج، في عام 1914 أو 1915، كان يقول حينها: “هذه السلطنة يجب أن تزول” – هذا هو ما تم التخطيط له.. منها خرج وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو، ومن هنا نرى اليوم ما يحدث في المنطقة، وما سنشهده من المزيد من التفتيت للعالم العربي والإسلامي.

سر اهتمام وليد جنبلاط بالتاريخ ؟

أحمد منصور: منذ أن التقيت بك لأول مرة وحتى الآن، تجدك دائمًا بين يديك كتاب من كتب التاريخ، لا سيما التاريخ القريب. مرة زرتك وكان بين يديك كتاب لصحفي شهد الحرب العالمية الأولى، كنت تقرأ فيه وذكرت لي بعض تفاصيله. أمس معك كتاب تاريخ دائمًا، ما سر اهتمامك بالتاريخ؟

وليد جنبلاط: دون التاريخ لا تفهم شيء. يعني، مثلا عندما اندلعت حرب غزة ولا تزال، من بعض التصريحات التي سمعتها من قادة إسرائيل، كان نتنياهو يذكر جملًا أو يستشهد بالعهد القديم.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: فاضطررت أن أفتح العهد القديم وأقرأ ما أستطيع أن أقرأ منه. تعلمت الكثير، لأننا اليوم نعيش في زمن له صلة بالعهد القديم في السياسة. في التوراة، تجد أن قبائل بني إسرائيل تجتاح ما يسمى أرضهم، التي نحن نسميها فلسطين…الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعود إلى تلك الأزمنة؟ بالضبط. اليوم، كما كان في الماضي، الصراع هو نفسه بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

أحمد منصور: أنت على قناعة بأنه لا يمكن فهم الحاضر دون دراسة التاريخ؟

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: ولا يمكن استشراف المستقبل دون دراسة التاريخ؟

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: والتاريخ هو مدرسة الأمم التي لا يتعلم منها كثير من الناس.

وليد جنبلاط: لا يتعلم منها لأن التاريخ يعيد نفسه. ما نشهده اليوم هو حرب صليبية جديدة، ولكن بأوجه جديدة. في الماضي، أتى الصليبيون لأسباب سياسية ودينية إلى المشرق العربي، واحتلوا فلسطين. كان لديهم حلفاء من العرب، وكان هناك صراع مع المسلمين. فالصراع ليس فقط صراعًا عربيًا، بل كان صراعًا بين المسلمين في كل مكان.

أحمد منصور: كان صلاح الدين الأيوبي، الذي كان كرديًا مسلمًا، جزءًا من هذا الصراع.

وليد جنبلاط: أهمية السلطنة العثمانية تكمن في أنها كانت موحدة للعالم العربي والإسلامي. رغم أنهم لم يعاملوا العرب دائمًا بشكل جيد، خاصة عندما قامت الثورة العربية الكبرى في بداية القرن العشرين، إلا أن السلطنة العثمانية كانت تمثل قوة موحدة للعالمين العربي والإسلامي.

أحمد منصور: لكن البريطانيين لعبوا دورًا كبيرًا في ذلك، أليس كذلك؟

وليد جنبلاط: نعم، البريطانيون هم من حوّلوا الثورة العربية الكبرى إلى مشهد سينمائي. نحن تأثرنا بذلك الفيلم، “لورانس العرب”. في طفولتنا أو شبابنا، شاهدنا الفيلم، وأعجبنا به، وصدقنا الرواية. لكن الحقيقة كانت مختلفة.

سر طفولة وليد جنبلاط المتقشفة ؟!

أحمد منصور: أنت عملت في التدريس والصحافة بعد تخرجك من الجامعة. أي المجالين اجتذبك أكثر، التدريس الجامعي أم الصحافة؟

وليد جنبلاط: في البداية، درّست لأسباب اقتصادية. كان والدي يعطيني معاشًا آخر الشهر، لكن لم يكن كافيًا. لذا درّست في ثانوية الأرز التاريخ. ثم طلبت من غسان تويني، رحمة الله عليه، أن أعمل صحفيًا في جريدة النهار. عملت في الصحافة لمدة 6 أو 7 أشهر. ثم كانت قمة الجزائر وغسان تويني أتى بما يسمى أسرار القمم -وليس هناك سراً في كل القمم العربية- ونشرها في النهار، فحبسه سليمان فرنجية، فتركت الصحافة.

أحمد منصور: أنت قلت شيئًا مثيرًا هنا، كمال جنبلاط الزعيم الدرزي الإقطاعي الثري يعطي ابنه مصروفًا محدودًا. لماذا؟

وليد جنبلاط: صحيح. كمال جنبلاط وأنا من أصول إقطاعية، ولكن حياتنا لم تكن تتسم بالطابع البرجوازي. نعم، كان لدينا أرض وممتلكات، لكن حياتنا كانت متقشفة جدًا. لم يكن والدي يعطيني مصروفًا كبيرًا. كان يفضل أن أعيش حياة بسيطة وأتعلم الاعتماد على نفسي.

أحمد منصور: لكن هل كان لديك مصروف يكفي لعيش حياة مريحة؟ أم كان ذلك نوعًا من التدبير؟

وليد جنبلاط: لا، لم يكن يكفي. كان والدي يلجأ أحيانًا لبيع بعض ممتلكاته لتلبية احتياجاتنا. حتى لم نكن قادرين على الانتقال من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الرأسمالية.

أحمد منصور: يعني كان دخل الأسرة محدودًا إلى حد كبير؟

وليد جنبلاط: نعم، في الواقع كان محدودًا. كانت طفولتي مع والدي متقشفة جدًا. لكن لم نتطور من الإقطاع إلى الرأسمالية.

أحمد منصور: في بداية السبعينات، كم كان يعطيك والديك مصروفًا شهريًا؟

وليد جنبلاط: أعتقد كان يعطيني 800 ليرة لبنانية. في ذلك الوقت كانت 800 ليرة لبنانية تعتبر مبلغًا جيدًا، لكنها لم تكفني بالطبع.

أحمد منصور: هذا كان يعادل حوالي 200 أو 300 دولار تقريبًا؟

وليد جنبلاط: نعم، تقريبًا. لكن كنت أحتاج أكثر من ذلك بالطبع.

أحمد منصور: لكن في شبابك كنت تفضل العيش بحرية وانطلاق، أليس كذلك؟

وليد جنبلاط: نعم، لكن كان لدي رغبة في الاستقلالية، وكان عليّ أن أتعلم كيف أواجه الحياة وأن أتعامل مع الظروف الصعبة، لا أخفي أني تزوجت عام 1971، تزوجت خلافاً لرأي والدي.

أحمد منصور: زواجك الأول في عام 1971، حين كنت في سن 22 عامًا؟ لماذا تزوجت خلافًا لرأي والدك؟

وليد جنبلاط: تزوجت رغم معارضة والدي. كان يرفض فكرة المصاهرة مع سيدة أجنبية، كانت إيرانية. للأسف، لم نوفق في هذا الزواج، ولكن الظروف كانت صعبة في ذلك الوقت.

أحمد منصور: كم استمر الزواج؟ 

وليد جنبلاط: ست سنوات، أعتقد.

أحمد منصور: ست سنوات؟ طول والله! يعني ست سنوات عمر، يعني.

وليد جنبلاط: عمر، وكان في وسط الحرب اللبنانية 75-74، فدخلنا في ظروف صعبة.

أحمد منصور: لكن خلافك في الزواج معه لم يقطع العلاقة بينك وبينه؟

وليد جنبلاط: لا طبعًا، لا، لا، لا. كانت العلاقة جيدة، لكن كانت الحرب قد بدأت.

ممارسة وليد جنبلاط للسياسة ولقاءاته بالقادة والزعماء

أحمد منصور: الحرب… سأتي لها بالتفاصيل. لكن دعني أسأل، أنت أحببت السياسة أم أجبرت على ممارستها؟

وليد جنبلاط: لا، أحببت السياسة. لا يمكن القول إنني أجبرت. لم أُجبر أبدًا على الممارسة. كيف أستطيع أن أُجبر، وأنا عشت السياسة منذ كنت في العاشرة من عمري عندما حوصرت دار المختارة؟ ترك ذلك أثراً كبيرًا عليَّ. وعندما بدأ نجم عبد الناصر يسطع، كنت شاهداً عليه. بالطبع، تأثرت كثيرًا عندما هُزم عبد الناصر في 67، وأنا أرى نظرات الشماتة والفرح عند بعض رفاقي في الصف. كان الصف مقسومًا.

أحمد منصور: قلت لي عن اليمنيين الذين كانوا ضد عبد الناصر.

وليد جنبلاط: نعم، يمكن أن تسميها عروبة، أو كما تحب، لكن الانقسام كان واضحًا. 

أحمد منصور: في هذه الفترة طالما أنك نشأت وتربيت في بيئة سياسية، منذ الصغر متى بدأ كمال جنبلاط يأخذك معه لزيارة الزعماء؟ ومن تذكر من هؤلاء الزعماء، وأيضاً في مجلس البيت.. 

وليد جنبلاط: اللحظة الكبرى كانت عندما عرفني على الرئيس جمال عبد الناصر في مصر. ذهبنا إلى مصر للمرة الأولى عام 1965. كان عمري 17 سنة.

أحمد منصور: قابلت جمال عبد الناصر في ذلك الوقت، كان زعيم الأمة العربية، هل تذكر كيف كان اللقاء؟

وليد جنبلاط: نعم، دخلت معه، مع كمال جنبلاط، وجلست خمس دقائق. كان كمال جنبلاط برفقة اللواء شوكت شقير، صديقه المقرب. شوكت بيك شقير كان قد تولى الجيش العربي السوري في مرحلة معينة ثم استقال. بعد ذلك خرجنا، وكان معنا أيضًا شخص قومي عروبي يُدعى فوزي أبو دياب من الجبل، وكان خريجًا من أمريكا، المرة الثانية التقيت عبد الناصر عام 1970 بعد الهزيمة..

أحمد منصور: تذكر تفاصيل اللقاء؟؟

وليد جنبلاط: كان اللقاء الأول يتحدث عن الميج 21 التي وصلته من السوفييت، وكانت فرحته كأنها فرحة طفل استلم لعبة جديدة. لكن بالطبع، بعد الهزيمة في 67،  في العام 70 كان الوضع مختلفًا. لكن في العام 1970 بالرغم من بقاء وهج العيون- عيون عبد الناصر لها وهج رهيب- لكن كان قد بدأ الهرم والتعب وكان يدخن.

أحمد منصور: صف لي شخصية عبد الناصر؟؟ هيبة اللقاء الأول سنة 1965.. 1966؟؟

وليد جنبلاط: هذا العصر كان يعيش على صوت عبد الناصر..المارد الكبير الذي أراد أن يوحد الأمة العربية..أعذرني على التشبيه صوت عبد النصار وصوت أم كلثوم.. شوتان ظهر من خلال هذه الجماهير..لكن انتهى الحلم الكبير بالفشل الكبير و بالهزيمة في 1967.. سميناها نكسة لكن هي كانت هزيمة كبيرة نعيش تداعياتها اليوم.

العلاقة المتميزة بين وليد جنبلاط والأمير عبدالله بن عبدالعزيز!

أحمد منصور: من من الزعماء الآخرين الذين التقيت بهم مع كمال جنبلاط وترك عندك أثر كبير؟

وليد جنبلاط: في عام 74، دعا كمال جنبلاط الملك فيصل بن عبد العزيز.

أحمد منصور: ملك المملكة العربية السعودية؟

وليد جنبلاط: نعم، ملك المملكة العربية السعودية. ذهبنا وفدًا كبيرًا برفقة كمال جنبلاط وقابلناه. كانت بداية المقابلة، إذا صح التعبير، غير مريحة.

أحمد منصور: غير مريحة؟ بسبب ماذا؟

وليد جنبلاط: كان الملك فيصل في ذلك الوقت يعتبر أن الشيوعية توازي الصهيونية. فكان كمال جنبلاط متوترًا في البداية. ثم قاطعه بأدب وشرح له، شرح له عن العمل الطلابي، عن العمل النقابي، وعن الحركة الوطنية الاشتراكية.

أحمد منصور: كان الحديث عن الاشتراكية والحركة الاشتراكية.

وليد جنبلاط: نعم، ثم ذكره بأنه هو الملك فيصل لذي أرسله الملك عبد العزيز للاعتراف بالاتحاد السوفياتي في الثلاثينات وأهمية هذا الاعتراف.

أحمد منصور: كان الملك فيصل في ذلك الوقت وزيرًا للخارجية أو الأمير فيصل؟

وليد جنبلاط: نعم، كان الأمير فيصل وزيرًا للخارجية حينها وكان دور كبير في إعادة العلاقات مع الاتحاد السوفياتي.

بعد ذلك تجولنا وكان صديقي الكبير الذي بدأت صداقته من خلال هذا اللقاء هو الأمير عبد الله بن عبد العزيز، الذي أصبح لاحقًا ملكًا.

أحمد منصور: الأمير عبد الله؟ تعرفت عليه في هذا اللقاء؟

وليد جنبلاط: نعم، تعرفت عليه في هذا اللقاء.

أحمد منصور: وبقيت علاقتك وثيقة به حتى وفاته؟

وليد جنبلاط: نعم، بقيت علاقتنا وثيقة إلى وفاته.

أحمد منصور: وأنا أعرف أن الأمير عبد الله والملك عبد الله بن عبد العزيز لعبا دورًا مهمًا في ترتيب العلاقات بين آل جنبلاط وآل سعود.

وليد جنبلاط: نعم، هو نفسه. الأمير عبد الله هو الذي وطَّد العلاقة بين آل جنبلاط وآل سعود.

أحمد منصور: وكان بداية هذه العلاقة في تلك الزيارة تقريبًا في 74؟

وليد جنبلاط: نعم، كانت البداية في هذه الزيارة. لكن البداية تمهدت في لبنان قبل ذلك. كان الأمير عبد الله يأتي إلى لبنان وكان ينزل في فندق مونتانيا في الجبل، تحت عالي.

أحمد منصور: هل نزل في المختارة مرة أو مرتين؟

وليد جنبلاط: نعم، نزل مرة في المختارة. وكان كمال جنبلاط لا يأكل اللحوم.

أحمد منصور: كان نباتيًا؟

وليد جنبلاط: نعم، كان نباتيًا. وكان من الأمور التي تقدم في البيت الزبيب والعنب المجفف، وغير ذلك.

أحمد منصور: من البيت؟

وليد جنبلاط: نعم، من البيت. فقال لي الأمير عبد الله: “لقد مكثت عندكم يومًا، لكنني جعت.”

أحمد منصور: (يضحك) طيب، يبدو أن الأمير عبد الله كان يفضل الطعام الذي يحتوي على اللحوم!

أحمد منصور: بدأت تحترف السياسة. سنكمل حديثنا في الحلقة القادمة عن بداياتك في ممارسة السياسة. أشكرك شكراً جزيلاً.

وليد جنبلاط: الشكر لك.

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بيك جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وزعيم الدروز في لبنان. حتى ألقاكم في حلقة قادمة من شاهد على العصر، هذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق
قالبياف ودي فانس

فوضى المفاوضات؟

التالي
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج4: قصة أول عملية استشهادية ومدى شرعيتها وسبب اللجوء لها 

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share