يستعرض أحمد منصور مع عبد الناصر عيسى، عميد الأسرى المحررين في حركة المقاومة الإسلامية حماس، والعقل الاستراتيجي لكتائب القسام، في الجزء الرابع من حوارهما في برنامج “شاهد على العصر” الذي جرى بثه بتاريخ 23 أبريل 2026، قصة أول عملية استشهادية للقسام، ومدى شرعية العمليات الاستشهادية، وأسباب ودوافع اللجوء إليها، وتفاصيل اعتقاله إداريا، وأصناف التعذيب التي ذاقها في اعتقاله الثاني، وشرح كيف استطاع أن يجمع بين العملين العام والسري بعد الإفراج عنه، وقبيل اعتقاله الأخير الذي تجاوز 34 سنة.
رابط الحلقة على الجزيرة 360
وعن أول عملية استشهادية للقسام، كشف عبد الناصر عيسى، أن ساهر التمام كان مُصرًّا على أن ينفذ هذه العملية، بينما كان من المقرر أن يقوم بها آنذاك شخص آخر موجود حاليًا داخل السجون، وأن ساهر كان يتنافس معه، ويقول: “أنا الذي يجب أن أنفذها، وليس أنت”.
مشيراً إلى أن هذا النوع من العمليات كان يخدم مرحلة معينة، كان فيها العدو الصهيوني قد اشتد قتله في الفلسطينيين، خاصة بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي، وأن شرعيتها مستمدة من حديث الانغماس في العدو..
وتحدث عبد الناصر عيسى عن عملية ديزنجوف، وكذلك عملية خطف وأسر الجندي فاكسمان.
وقال أن بيئة قطاع غزة أفضل بكثير من بيئة الضفة للمطاردين، وكذا في الأنفاق؛ لأن حفر الأنفاق في الضفة صعب، ومعظم المغارات معروفة للاحتلال، بينما في غزة يمكن حفر أنفاق وشبكات.
نص حوار عبد الناصر عيسى ج4:
قصة أول عملية استشهادية ومدى شرعيتها وسبب اللجوء لها

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى عميد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، الذي أُفرج عنه في آخر صفقة لتحرير الأسرى في الثامن والعشرين من فبراير عام 2025. قضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي أربعةً وثلاثين عامًا، وكان من مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام. أبو حذيفة، مرحبًا بك.
عبد الناصر عيسى: حياكم الله.
أحمد منصور: أول عملية استشهادية قمتم بها في الضفة الغربية، قام بها الشاب ساهر التمام، الذي كان من عائلة غنية ميسورة، وكانت نشأته نشأة مترفة، ولكنه أصر على أن يدخل معكم في كتائب القسام وأن يكون أول استشهادي أيضًا. ما قصة هذه العملية الاستشهادية الأولى؟
ساهر التمام يختطف أول عملية استشهادية!!
عبد الناصر عيسى: اللهم صلِّ على سيدنا محمد. طبعًا، هذه هي أول عملية استشهادية فعلية حصلت، لكن قبلها كان هناك محاولة لما يسمى عملية “رامات أفعال”، بدون استشهادي، إذ جرى وضع عبوة موقوتة، وكان يشرف عليها الأخ زاهر أبو إسلام.
أحمد منصور: زاهر جبرين.
عبد الناصر عيسى: زاهر جبرين، نعم. وهذه العملية الثانية حصلت بعد اعتقال الأخ زاهر بأيام. اعتُقل في بداية شهر أبريل 1993، وهي حصلت تقريبًا…
أحمد منصور: هو في 30 مارس اعتُقل، 30 مارس 1993.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: قُبض على بعض قيادات الجهاز العسكري في ذلك الوقت.
عبد الناصر عيسى: نعم، في نهاية مارس وبداية أبريل كانت الضربة. بعدها أنا اعتُقلت في 17-4 أو في 16-4.
أحمد منصور: 1993.
عبد الناصر عيسى: 1993، نعم. الآن ساهر التمام كان مُصرًّا على أن ينفذ هذه العملية. كان أصلًا الاستشهادي الذي سيقوم بها شخصًا آخر موجود حاليًا داخل السجون، اسمه أشرف، لكن ساهر أصرَّ أن ينفذها هو. كان، كما يُقال، يتنافس معه، قائلًا: “أنا الذي يجب أن أنفذها، وليس أنت”. فنزل هو، رحمه الله، وكان دائمًا سبّاقًا إلى الخير.
ساهر، طبعًا، نفذ العملية الأولى له، وكانت…
أحمد منصور: قَتَل اثنين من المستوطنين.
عبد الناصر عيسى: قَتَل اثنين من المستوطنين في مستوطنة ما بين نابلس ورام الله. العملية الثانية، نفذوا كمينًا لدورية عسكرية برفقة الأخ المجاهد سلامة مرعي، ربنا يحفظه، وهو حاليًا موجود معنا، فنفذوا عملية وقتلوا جنديًا. هذه كانت العملية الثانية له. وكان له تحركات هنا وهناك، وإطلاق نار هنا وهناك، لكن العمليات المركزية كانت…
ثم العملية الثالثة كانت العملية الاستشهادية في مفترق بيسان الفلسطينية، قُتل فيها، على ما أعتقد، واحد أو اثنان، وجُرح العشرات من الإسرائيليين المستوطنين. هذه كانت عمليته الأولى، وكانت إيذانًا ببدء العمل الاستشهادي في فلسطين، وهي مرحلة مهمة جدًا من تاريخ الشعب الفلسطيني، رُدع فيها الاحتلال، وعُزِّزت انطلاقة المقاومة الإسلامية حماس.
مدى شرعية العمليات الاستشهادية
أحمد منصور: أنا أريد أن أقف معك هنا عند العمليات الاستشهادية؛ لأنها مثيرة للجدل منذ أن بدأت، وهي تحمل علامات إثارة للجدل. حركة إسلامية من المفترض أن تكون مرجعيتها إسلامية في كل شيء.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: الأمر الآخر هو التضحية بالروح والنفس. لا بد أن الروح والنفس غاليتان، وهما من عند الله سبحانه وتعالى، ويجب على الإنسان ألّا يضحي بهما إلا في أضيق الحالات.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: قل لي أولًا: ما هي مرجعيتكم الشرعية في العمليات الاستشهادية؟
عبد الناصر عيسى: كان هناك فتاوى لبعض العلماء المسلمين. وكان هناك حديث عن فتوى الانغماس في العدو، وأنت متأكد من عدم العودة؛ لأنك بنسبة 100% تنغمس في صفوف العدو، تقاتله، تقتل منهم ويقتلونك، تقتل منهم ما شاء الله لك أن تفعل، ولا تخرج، ولا تعود حيًّا. هذه مسألة كانت موجودة في تاريخنا الإسلامي، وعزّزها أيضًا مفتون آخرون، منهم فضيلة الأستاذ الدكتور العلامة يوسف القرضاوي، عليه رحمة الله. فكان هناك غطاء شرعي وإذن شرعي فيها.
أضف إلى ذلك تأثيراتها السياسية والاستراتيجية والعسكرية على الصراع الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني.
أسباب اللجوء للعمليات الاستشهادية؟؟
أحمد منصور: لماذا لم تتغاضوا عن العمليات الاستشهادية، بعمليات التفجير أو وسائل المقاومة الأخرى؟
عبد الناصر عيسى: العمليات الاستشهادية كانت، دعنا نسميها، أكثر ضمانًا لتنفيذ العملية. كنا أكثر تأكدًا من أن العملية ستتم، إذ كان فيها عنصر التأكد من وقوعها في مكانها وزمانها المناسبين، هذه واحدة.
ثانيًا، كان لدينا رغبة هائلة في أن يقاتل الإنسان حتى الشهادة، وكانت هذه رغبة موجودة.
ثالثًا، كانت تُوقِع خسائر أكبر بكثير في العدو الصهيوني.
إضافة إلى ذلك، كانت تخدم مرحلة معينة، كان فيها العدو الصهيوني قد اشتد قتله في الفلسطينيين، خاصة بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي.
أحمد منصور: أنا فعلًا لاحظت أنها كانت مرحلة، وجاءت بعدها فترة “الباصات”، وسنأتي لها بالتفصيل، ولكن…
عبد الناصر عيسى: حتى من الناحية التقنية، لم تكن الإمكانات متوفرة. لم تكن لدينا التقنيات لوضع عبوات موقوتة بشكل دقيق. كنا نريد التأكد من حدوث العملية. وأصبحت هذه العمليات رمزًا من رموز البطولة الفلسطينية والتضحية من أجل المسجد الأقصى وفلسطين.
أحمد منصور: من بين الأشياء التي ذكرها لي زاهر جبرين أنه فعلًا لم يكن هناك تقدم في تصنيع العبوات والأشياء…
عبد الناصر عيسى: في الجانب التقني.
أحمد منصور: والأسلحة، ولم تكن الأسلحة متوفرة بشكل أساسي، وكان الحصول على قطعة سلاح أمرًا نادرًا في ذلك الوقت.
عبد الناصر عيسى: نعم، الآن الأمر مختلف، ولذلك المسألة تحتاج دائمًا إلى تقدير موقف.
حيرة الإسرائيليين من العمليات الاستشهادية
أحمد منصور: أنت، هل كان الإسرائيليون، وهم يحققون معك، أو الصحفيون الذين كانوا يأتون إلى السجون، يفتحون معكم قضية العمليات الاستشهادية؟ لأنها كانت بالنسبة لهم أمرًا محيِّرًا، ولم يستطيعوا لها حلًّا؟
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: شخص يريد أن يقاتل حتى الموت، لا تستطيع أن تصدَّه.
عبد الناصر عيسى: مهما شرحنا لهم، كنا نشرح لهم كثيرًا.
أحمد منصور: فعلًا، كانوا يسألونكم؟
عبد الناصر عيسى: كانوا يسألوننا، طبعًا. كان بعض الصحفيين وبعض الباحثين يسألون عن هذه النقطة أحيانًا.
أحمد منصور: الإسرائيليون؟
عبد الناصر عيسى: الإسرائيليون والأجانب.
أحمد منصور: والغربيون؟
عبد الناصر عيسى: نعم، والغربيون، أو إسرائيلي يعمل لمصلحة مركز أبحاث أوروبي أو أمريكي. فكانوا يسألون عن هذه المسألة.
أحمد منصور: هذه الظاهرة كانت تزعجهم.
عبد الناصر عيسى: كانت ظاهرة مزعجة جدًا لهم، وكانت تؤرقهم. وقد يكون ما شوَّه هذه الظاهرة ما قام به بعض من يسمون أنفسهم إسلاميين، من عمليات استشهادية — بين قوسين — إجرامية، قتلت المسلمين والأبرياء.
أحمد منصور: هؤلاء الذين يفجِّرون المساجد.
عبد الناصر عيسى: يفجِّرون المساجد ونحو ذلك. هذه شوَّهت العمليات الاستشهادية التي كانت مخصَّصة للمحتلين الغزاة الأجانب المجرمين. هذا شيء، والأمر الآخر أن التفجير في المساجد أو في شوارع العرب والمسلمين، وحتى للأبرياء في الغرب — في الشوارع الإسبانية أو الفرنسية مثلًا — لأن هؤلاء أبرياء…
أحمد منصور: لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم.
عبد الناصر عيسى: من هم أعداؤنا مثلًا؟ أعداؤنا يكونون مع الحكومات التي تدعم الاحتلال الصهيوني بالمال والسلاح، وتقتل شعبنا بالسلاح الأمريكي. مشكلتنا مع هذه الحكومات، وليست مع الشعوب. الشعوب الأوروبية وشعوب العالم هي شعوب محبة للسلام، وتحب حقوق الإنسان، وتتعاطف مع الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل الحرية والاستقلال. وما نراه في هذه الأيام خير شاهد على ذلك؛ إذ تخرج عواصم الدول الأوروبية وأمريكا والعالم كله دعمًا لقضية الشعب الفلسطيني العادلة.
أحمد منصور: ما الذي كان يشغلهم في موضوع العمليات الاستشهادية؟ وماذا كانت ردودكم؟
عبد الناصر عيسى: كانوا يشعرون بالعجز أمام هذه العمليات. أكثر ما كان يؤرقهم هو العجز، أنهم غير قادرين على فعل شيء. فكانوا يبررون ذلك بالقول: إن هؤلاء أصحاب عقيدة، ومسلمون، ويحاولون ربط ذلك بما يسمونه التطرف الإسلامي. والحقيقة أن الأمر ليس له علاقة بالتطرف الإسلامي، بل له علاقة بعملية التحرر الوطني من الاحتلال الصهيوني الغاصب.
العقيدة الإسلامية دافع، دافع أساسي؛ فبدونها قد يكون من الصعب أن ينفذ الإنسان عملية استشهادية. هي دافع كبير، لكنها ليست الهدف بحد ذاته — أي الذهاب إلى الجنة — وإنما الحافز هو أنه إن قُتل، فإنه يُقتل في سبيل الله وفي سبيل الوطن.

سباق ساهر التمام نحو الشهادة
أحمد منصور: ساهر التمام، وأنا أقرأ قصته، وسمعتها من زاهر ومنك الآن، كاد أن يتقاتل حينما قيل إن هناك ستكون قرعة تقريبًا بينه وبين…
عبد الناصر عيسى: تقاتلوا مع بعضهم: من الذي سينفذ العملية.
أحمد منصور: فأصرَّ على أن… هنا ظاهرة توقفتُ عندها وأنا أتابع هذه المرحلة: ظاهرة التسابق نحو الشهادة.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: وأن العواطف كانت تغلب كثيرًا. الإمكانات كانت محدودة، والعواطف كانت جياشة في ذلك الوقت. صف لي هذه المرحلة؛ أنت عشتها.
عبد الناصر عيسى: نعم، طبعًا. حرص الشباب على الاستشهاد كان عاليًا جدًا، وهذا كان أحد أسباب نجاح المقاومة الفلسطينية الإسلامية ضد المحتلين. حركة حماس تميَّزت بالعمليات الاستشهادية؛ لأنها تفردت من بين غيرها بأن الإنسان يذهب وهو متأكد.
كان هناك فرق بين ما يسمونه “عمليات التضحية” و”عمليات الاستشهاد”. عملية التضحية: قد ينزل شخص حاملًا سلاحًا إلى معسكر جيش، على سبيل المثال، ويطلق النار؛ هناك احتمال بنسبة تسعين في المئة أن يُستشهد، لكن هناك احتمال بنسبة عشرة في المئة أن يعود إلى قواعده سالمًا.
ونحن، بعد التجربة، نسعى إلى أن ينفذ الإنسان العملية ويعود إلى قواعده؛ فهذا أفضل من أن ينفذ العملية ولا يعود، لأننا نريده أن يعود مرة ومرتين وثلاثًا وأربعًا في هذا المجال. فهذه مسألة مهمة.
قد يكون لدينا أحيانًا حماسة زائدة في هذا الموضوع، لكن في النهاية خدمت مرحلة، وأرست لمرحلة مهمة في العمل العسكري ضد الاحتلال الصهيوني، وردعته عن القيام بكثير من الأمور؛ إذ كان يخشى العمليات الاستشهادية.
اعتقال زاهر جبرين
أحمد منصور: في 30 مارس 1993 قُبض على زاهر جبرين وعدد من قيادات الجهاز العسكري لحماس. أنت وزاهر كنتما في خلية واحدة تعملان معًا، وقريبين من بعضكما. أنت تُجنِّد وترسل له، وهو يرتب الأمور. ما تأثير القبض على زاهر عليك؟
عبد الناصر عيسى: طبعًا، عندما اعتُقل زاهر، استنفرنا — كما يُقال — وقلنا: الآن قد نُعتقل نحن أيضًا. حدثت حالة استنفار، ولا شك أنها كانت ضربة قوية للجهاز العسكري؛ إذ إن اعتقال أحد القادة المهمين — الذي كان بمثابة دينامو العمل — أثَّر كثيرًا.
كان عمليًا هو الذي يتصل ويتنقل يوميًا: في الصباح في منطقة، وفي الظهيرة في منطقة أخرى، وفي المساء في منطقة ثالثة، ثم صباحًا في منطقة رابعة. كان لا يتعب، ما شاء الله، فكان دينامو العمل ومؤثرًا جدًا، وكاد أن يربك الأمور.
لكن، سبحان الله، يسَّر الله آخرين عملوا — وإن لم يكن بنفس الدرجة والمستوى — لكنهم استمروا في العمل.
السيارة المفخخة، مثلًا، كان من المفترض أن تُنفَّذ في فترة زاهر، لكن…
أحمد منصور: هذه التي كُشفت؟
عبد الناصر عيسى: هذه التي نفذها ساهر التمام. كانت سيارة ساهر جاهزة منذ أيام زاهر، لكنها لم تُنفذ في موعدها بسبب اعتقاله، فتأخرت إلى ما بعد ذلك.
في تلك المرحلة كان الأخ نديم دوابشة — وهو الآن بيننا حيٌّ يُرزق، أطال الله عمره وحفظه — من أعمدة هذه المرحلة، وتابع العمل بعد الأخ زاهر. وأذكر أنه جاء ليستشيرني في بعض الأمور.
أحمد منصور: ماذا قال لك؟ يستشيرك في ماذا؟
عبد الناصر عيسى: في موضوع السيارة مثلًا، وأن الوضع قد اضطرب. فقلت له: لدي مبلغ من المال. ففرح كثيرًا بهذا الأمر، وكان المبلغ ثلاثة آلاف دينار في حينه.
أحمد منصور: دينار؛ لأنكم كنتم مرتبطين بالأردن.
عبد الناصر عيسى: نعم، دينار أردني، وكان هذا مبلغًا كبيرًا. هذا المبلغ كان زاهر يريد به سلاحًا، فقلت له: سأحضر لك سلاحًا. فأخذت منه المبلغ على أساس شراء سلاح من منطقة المخيم، حيث كان السلاح متوفرًا. لكن في تلك اللحظة لم يتوفر.
أحمد منصور: السلاح؟
عبد الناصر عيسى: نعم، السلاح. فأعدت المبلغ لنديم، وكان ذلك مهمًا في ترتيب العمل الجهادي.
عملية ساهر التمام
أحمد منصور: أنت عايشت موضوع السيارة المفخخة لساهر التمام إلى آخره.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: قل لي التفاصيل.
عبد الناصر عيسى: في البداية لم أكن أعلم أن ساهر سينفذ عملية استشهادية. كان يعمل على أساس أنه يريد أن ينفذ عمليات متعددة، مرة ومرتين وعشر مرات. هناك نوع من الإخوة يحب نمط العمليات العسكرية التقليدية: يطلق النار ثم يعود، ثم يطلق النار ثم يعود. وهذا النمط — في رأيي، وربما لدى كثيرين — هو الأفضل.
لكن نمط الاستشهاديين كان هو الأبرز والأقوى والأكثر تأثيرًا من حيث الصدى، وكانت له آثار ونتائج عظيمة جدًا، لا شك في ذلك، خاصة في تلك المرحلة.
الآن، كما قلت لك، الأمر يحتاج إلى تقدير موقف من القيادة، وهناك ضبط وربط أكثر مما كان في المراحل السابقة.
كان ساهر التمام يريد تنفيذ العملية الاستشهادية، وعلمتُ ذلك قبل اعتقالي بأيام؛ إذ أخبرني الأخ أحمد — رحمه الله — بذلك.
أحمد منصور: اعتُقلتَ في 16 أبريل 1993.
عبد الناصر عيسى: أخبرني بذلك في 13 أبريل، وقال لي إن هناك كذا وكذا، ويجب أن نذهب لتوديع الأخ ساهر. فقلت له: على بركة الله. واتفقنا على موعد، إلا أنه قبل الموعد بساعات تم اعتقالنا من قبل سلطات الاحتلال، أنا وأحمد. رحمة الله على أحمد وعلى جميع شهدائنا.
في التحقيق، طبعًا، لم يسألونا عن هذا الموضوع مطلقًا؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون عنه شيئًا.
أحمد منصور: العملية تمت بعد اعتقالك بكم؟
عبد الناصر عيسى: تقريبًا بعد 48 ساعة أو 72 ساعة، يعني يومين أو ثلاثة. لا، في الحقيقة بعد 48 ساعة. علمتُ أنها تمت، وبعدها سألوني عن العملية بشكل عام: ما علاقتك بساهر؟ وهم يعرفون ذلك. فقلت لهم: أنا نظَّمت ساهر، لكن لم أكن أعلم ماذا سيفعل، وإنما نظَّمته للعمل مع حماس.
الاعتقال الثاني لعبد الناصر عيسى
أحمد منصور: أنا هنا، وأنا في جلسات الاستماع معك في هذه الفترة، أنت اعتُقلت عامًا كاملًا.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: عامًا كاملًا ثم خرجت بعدها.
عبد الناصر عيسى: عامًا كاملًا؛ لأنه بفضل الله لم أعترف بشكل كامل.
أحمد منصور: أريد أن أقول هنا: إنه مورست عليك أنواع من التعذيب غير عادية، لا تختلف وربما تزيد عن أنواع التعذيب التي مورست عليك من قبل.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: صف لنا، ما هي أشكال التعذيب التي مارسها الإسرائيليون عليك في هذه المرحلة؟ وما هي الموضوعات التي سألوك عنها؟
عبد الناصر عيسى: في هذه المرحلة كنت — لنقل — في الظل، لم أكن في العلن. الذي كان في العلن هو الأخ زاهر أبو إسلام، وكان كل التركيز عليه.
أحمد منصور: تقصد في العمل العسكري؟
عبد الناصر عيسى: نعم، كان بمثابة الدينامو في العمل العسكري، وكان التركيز كله عليه، وكانت الاعترافات كلها تدور حول زاهر. فكان كل الضغط موجهًا نحوه، وكان وضعه…
أحمد منصور: وهو اعتُقل قبلك بأسبوعين.
عبد الناصر عيسى: نعم، اعتُقل قبلي بأسبوعين، فكان التحقيق معه هائلًا جدًا. وعندما اعتُقلت، كان كأن هناك شخصًا آخر يُسأل ويُضرب ويُعذَّب في مركز آخر، وهو الأخ زاهر، وكذلك الإخوة الذين كانوا معه، منهم الأخ عبد الحكيم ومجموعة من المعتقلين.
أحمد منصور: اذكر لنا الأسماء.
عبد الناصر عيسى: الأخ عبد الحكيم حنيني.
أحمد منصور: نعم، عبد الحكيم حنيني.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: أبو حذيفة، سجّلنا معه شاهد على العصر.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: وتحدث عن هذه المرحلة، لمن أراد أن يعود إليها.
عبد الناصر عيسى: كان أيضًا ركنًا أساسيًا في هذه المرحلة، ولديه زوايا نظر تختلف عن زوايا النظر عندي؛ لأن هذا مشهد كبير، وكل واحد يرى جانبًا منه.
أحمد منصور: نُركِّب الصورة.
عبد الناصر عيسى: نعم، تتركب الصورة. فكانت علاقتي ليست مباشرة مع الأخ عبد الحكيم، بل كانت مع الأخ زاهر ومع المطاردين، ومنهم أيضًا الأخ نديم دوابشة.
أحمد منصور: سنأتي إلى ظاهرة المطاردين ودورك في حمايتهم في ذلك الوقت لاحقًا، ولكن في هذه المرحلة حدِّثني عن موضوع القبض عليكم. كيف قُبض عليك أصلًا؟
عبد الناصر عيسى: جاءوا إلى المنزل واعتقلوني بشكل عادي. لم أكن مطاردًا، وكنت أشعر بالأمان، وأظن أنني غير مكشوف، لا أنا ولا أحمد. فاعتقلونا وأصدروا بحقنا حكمًا إداريًا، وهو اعتقال دون محاكمة.
الاعتقال الإداري في سجون إسرائيل
أحمد منصور: وضِّح لنا نظام الاعتقال الإداري؛ لأن آلافًا مؤلفة من الفلسطينيين كانوا يُعتقلون إداريًا.
عبد الناصر عيسى: هذا اعتقال لمجرد الاشتباه، دون وجود تهمة حقيقية. يكفي أن يُشتبه فيك، أو حتى دون شبهة واضحة. مجرد أنك تذهب إلى المسجد أو أنك ملتزم، قد يُعتقل الشخص. أو إذا كنت معتقلًا سابقًا أو لديك نشاط، أو يُشتبه أنك تنتمي إلى حماس أو غيرها — كفتح أو الجهاد الإسلامي — بغض النظر عن التفاصيل.
كانوا يعتقلونك دون محاكمة، ويضعونك في اعتقال إداري لمدة ستة أشهر أو ثلاثة أشهر، ويتم تجديدها حسب مزاج الضابط. قد يُمدد لك إلى ستة أشهر أخرى، وربما تبقى سنة أو سنتين أو ثلاثًا.
أحمد منصور: لا تُعرض على محكمة؟
عبد الناصر عيسى: لا تُعرض على محكمة، ولا يوجد حكم قضائي.
أحمد منصور: ولا تُوجَّه لك تهم واضحة؟
عبد الناصر عيسى: لا شيء. وهذا يُعد مخالفة فاضحة للقوانين الإنسانية والدولية.
أحمد منصور: بعض الدول العربية تمارس هذا.
عبد الناصر عيسى: نعم، تمارسه. المعتقلون الإداريون قد يُثبت لاحقًا أن لبعضهم قضايا، لكن في نحو 95% من الحالات لا يكون هناك شيء يُذكر.
أحمد منصور: أنت هنا اعتُقلت إداريًا.
عبد الناصر عيسى: أنا اعتُقلت هناك، وثبت أن عليَّ شيئًا، فكنت من نسبة الخمسة في المئة — لنقل — ممن قد تكون لهم علاقات أو قضايا. وبعد شهر من الاعتقال الإداري، يبدو أنه وصلت بشأنِي اعترافات من بعض الإخوة في التحقيق، إذ اعترفوا عليَّ، فأعادوني إلى التحقيق وفتحوا لي ملفًا جديدًا.
تحدثوا معي عن ساهر التمام، وعن العملية، وعن تنظيم ساهر. فكان اعترافي أنني لا أعرف شيئًا، وأن ساهر طلب مني العمل في حماس، فقمت بإيصاله إلى الأخ زاهر من أجل المساعدة في موضوع المطاردين. فكانت القضية بسيطة؛ لأن الاعتراف — كما يُقال — كان «ذكيًا». وكنا نتحدث عن ذلك تحت مسمى فن الاعتراف.
أحمد منصور: نعم، زاهر فنان في هذا الأمر، وقد روى الكثير منه.
عبد الناصر عيسى: نعم.
فن الاعتراف تحت التعذيب
أحمد منصور: قل لنا إذن: ما هو فن الاعتراف؟ وقد قلت لي تعبيرًا أجمل من ذلك: الاعتراف الذكي والاعتراف الغبي.
عبد الناصر عيسى: نعم، صحيح. هناك ما نسميه الاعتراف الذكي والاعتراف الغبي. الإنسان يكون أمام خيارين: الخيار الأول أن لا يعترف مطلقًا، وألا يذكر شيئًا.
أحمد منصور: ولكن تحت التعذيب؟
عبد الناصر عيسى: نعم، تحت التعذيب. فإذا كان بإمكانك تحمُّل التعذيب، فاستعن بالله واصمد. أما إذا شعرت أنك لا تستطيع الصمود، فلا تنهَر، بل «انزل عن الشجرة ببطء»، كما نقول، أي استخدم الاعتراف الذكي، وهو فن إغلاق الزوايا لا فتحها.
أحمد منصور: أعطِنا قواعد فن الاعتراف.
عبد الناصر عيسى: القاعدة الأساسية: أن تُغلق الزوايا، ولا تفتح على أحد.
أحمد منصور: كيف؟
عبد الناصر عيسى: على سبيل المثال: إذا كان معك في المجموعة شخص — ولنقل إنه قال إن عبد الناصر ألقى زجاجة حارقة في يوم كذا، الساعة كذا — فإذا اضطررت للاعتراف، تقول: نعم، فعلت ذلك في نفس اليوم والوقت كما قيل، وتنتهي القصة.
بهذا تُغلق القضية، وربما يكتفي المحقق بذلك. أما أن تذهب وتقول: نعم فعلت ذلك، وفعَلت أيضًا كذا وكذا، وكان معي فلان وفلان وفلان، فهذا يفتح قضايا جديدة، خاصة إذا لم تُسأل عنها. وهذا من أسوأ أنواع الاعتراف: أن تعترف بأمور لم تُسأل عنها أصلًا.
أحمد منصور: إذن لا تعترف إلا بما تُسأل عنه، إذا اضطررت.
عبد الناصر عيسى: إذا اضطررت. أما إذا استطعت ألا تعترف، فلا تعترف. حاول أن تصمد يومًا أو يومين أو أسبوعًا إن استطعت.
أحمد منصور: هناك من صمدوا.
عبد الناصر عيسى: نعم، هناك من صمدوا أسابيع وأشهرًا طويلة، وخرجوا من الأسر دون اعتراف.
أحمد منصور: اذكر لنا بعضهم.
عبد الناصر عيسى: لا أستطيع أن أذكر إلا الشهداء.
أحمد منصور: اذكر الشهداء.
عبد الناصر عيسى: لكن هناك آخرين أيضًا صمدوا. وأضرب لك مثالًا من نفسي: في تحقيق عام 1993، سُئلت عن أمور كثيرة، وكنت أقول: لا أعرف، وفعلاً لم أعترف.
أحمد منصور: وصدقوك؟
عبد الناصر عيسى: نعم، لأن المحقق في النهاية قد يضطر لتصديقك، خاصة إذا قدمت رواية منطقية. حتى لو كانت الرواية غير قوية، إذا كانت القضية بسيطة — مثل حيازة سلاح — قد تمر. أما إذا كانت تتعلق بعمليات كبيرة، فمن الصعب أن تمر دون اعتراف.
أحمد منصور: كيف مرَّت عليك هذه السنة؟
عبد الناصر عيسى: كانت سنة صعبة. التحقيق كان شديدًا، كما ذكرت لك. والتقيت مع زاهر أثناء التحقيق؛ إذ جمعونا معًا. كما التقيت بمحققي جنين.
وكان زاهر من النوع الذي يُغلِق الأمور، أي تأتيه اعترافات ويغلقها، ولم يفتح على أحد، وهذا بشهادة الأمانة.
أحمد منصور: تعرض لتعذيب شديد؟
عبد الناصر عيسى: تعذيب شديد جدًا، في سجن طولكرم، وفي جنين، وفي نابلس.
أحمد منصور: التثبيت من عند الله.
عبد الناصر عيسى: الثبات من الله عز وجل. وأنا كنت أقول للشباب: إذا اعتُقلتُ، افترضوا أنني سأعترف، ولا تفترضوا أنني سأصمد. خذوا احتياطاتكم، غيِّروا الأماكن وكل شيء.
أحمد منصور: لم تكن تقول لهم: أنا بطل ولن أعترف؟
عبد الناصر عيسى: لا، لم أكن أقول ذلك. بل أذكر أن شابًا قال لي: لن أعترف، لكنه هو من اعترف، بينما أنا لم أعترف في ذلك الموضع. كان واثقًا من نفسه أكثر من اللازم. لا ينبغي للإنسان أن يثق بنفسه كثيرًا، بل يتواضع، ويصمد، ويصبر، ويحتسب، لكن لا يجزم بنسبة مئة في المئة.
أحمد منصور: نعم.
عبد الناصر عيسى: يجب دائمًا أخذ الاحتياطات اللازمة.
أحمد منصور: كيف مرَّت السنة عليك؟
عبد الناصر عيسى: مرَّت، والحمد لله رب العالمين. فترة التحقيق كانت صعبة، واستمرت نحو 80 إلى 85 يومًا تقريبًا. وصدر بحقي حكم لمدة عام، بتهمة مساعدة كتائب القسام. وكانت هذه أول لائحة اتهام تُوجَّه لشخص بتهمة الانتماء إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام عام 1993.
أحمد منصور: هنا التهمة كانت الانتماء، وليس أنك قمت بعمل مباشر؟
عبد الناصر عيسى: نعم، مجرد انتماء.
أحمد منصور: على الهامش.
عبد الناصر عيسى: نعم، على الهامش.
أحمد منصور: لم يكونوا يعلمون أنك صاحب الدور الأساسي.
عبد الناصر عيسى: نعم، كانوا يعتبرونني على الهامش. لكن، الحمد لله، صمدنا في ذلك التحقيق، وخرجنا — كما يُقال — من حكم مؤبد.
أحمد منصور: طبعًا، حُوكِم زاهر وبقي في السجن إلى صفقة «وفاء الأحرار».
عبد الناصر عيسى: نعم، حُوكِم. وبعد أن خرجت من السجن، استمر التواصل بيني وبينه؛ كنت أرسل له رسائل، ويرسل لي رسائل.
أحمد منصور: وهو في السجن.
عبد الناصر عيسى: وهو في السجن، وكنا نعمل من أجل خطف جنود إسرائيليين وإخراجهم من الأسر، وهذه لها قصة سنأتي إليها لاحقًا.
أحمد منصور: عندما نصل إليها. أنت أُفرج عنك في مايو 1994؟
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: بعد أن اعتُقلت في منتصف 16 أبريل، أُفرج عنك في مايو 1994.
عبد الناصر عيسى: سنة وشهر.
تضليل الإسرائيليين
أحمد منصور: أنت ضلَّلتَ الإسرائيليين سنة كاملة تقريبًا، عملية تضليل.
عبد الناصر عيسى: تقريبًا.
أحمد منصور: لم يأخذوا منك شيئًا، وحصلت على حكم مخفف جدًا.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: عدتَ إلى جامعة النجاح في مايو 1994، صحيح؟
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: وعدتَ أيضًا بدورك كأمير أو رئيس للكتلة الإسلامية في الجامعة؟
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: وكنت تمارس العمل بطريقتين: طريقة سرية مع كتائب القسام، وطريقة علنية، باعتبارك زعيم الكتلة الإسلامية، والنشاط العام.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: دائمًا هناك خطوط فاصلة بين العمل السري والعمل المعلن. كيف استطعت أن تعمل في الجهتين: جهة العمل السري العسكري الذي يحتاج إلى تحرك خفي، والعمل المعلن الذي تظهر فيه أمام الناس من خلال المحاضرات والندوات والخطابات وغيرها؟
عبد الناصر عيسى: هذا يطرح مسألة الجمع بين الأمرين. ربما جمعتُ بينهما في مرحلة معينة، لكن قد لا يكون ذلك غير موصى به في مراحل أخرى. نحن نتحدث عن مرحلة محددة، لا عن قاعدة عامة.
أحيانًا يكون من الضروري وجود تخصص: هذا في العمل السري، وهذا في العمل العلني، وهذا في العمل التربوي، وهذا في العمل الثقافي، وهذا في العمل العسكري. وجود التخصصات قد يكون أفضل في الوضع الطبيعي.
لكننا كنا في مرحلة تأسيسية، ووضع غير طبيعي، وكان هناك ضعف في عدد المبادرين، فكان لا بد أن نبادر ونتقدم الصفوف. والأصل أن يكون هناك اختصاص، وأن يعمل كل شخص في مجاله. واليوم، بعد ثلاثين عامًا من العمل، من الأفضل أن يكون هناك هذا النوع من التخصص.
أما في تلك المرحلة، فكنا نجمع بين أكثر من دور. ولم أكن أعمل فقط في القسام والجامعة، بل كان هناك من يأتي يطلب المساعدة في أمور اجتماعية أيضًا، مثل الزواج.
أحمد منصور: كنت تعمل كخاطب أيضًا في ذلك الوقت؟
عبد الناصر عيسى: نعم، بحكم معرفتي في الجامعة، كنت أحيانًا أرشح أو أوصي بأخت مناسبة هنا أو هناك.
أحمد منصور: يبدو أنك ستعود إلى هذا الدور مرة أخرى.
عبد الناصر عيسى: لا، لا أعتقد.
أحمد منصور: تزوج أولًا.
عبد الناصر عيسى: الأمور اختلفت. فكنت أعمل في مجالات متعددة: من يحتاج إلى مساعدة في أمر ما، أساعده، ومن يريد الزواج أساعده، وحتى أقوم بدور المأذون أحيانًا.
أحمد منصور: ما شاء الله.
عبد الناصر عيسى: كنا نقوم بكل شيء. في تلك المرحلة ربما كان ذلك مناسبًا أو مقبولًا، لكن في المراحل الأخرى، أرى أن الأصل هو التخصص.
أحمد منصور: هي مرحلة تاريخية نأخذها بكل ما فيها.
عبد الناصر عيسى: نعم، لكن الأصل أن يكون هناك تخصص.
أحمد منصور: لأن أعداد العاملين آنذاك لم تكن بالحجم الذي أصبحت عليه لاحقًا، فنحن نضعها في سياقها التاريخي وظروفها الخاصة.
عبد الناصر عيسى: نعم، هكذا كان الحال.
أحمد منصور: لكن بشكل عام، من يمارس العمل العام يجب أن يبتعد عن العمل السري، والعكس صحيح.
عبد الناصر عيسى: نعم، هذا صحيح.
أحمد منصور: لأن العمل العام قد يجعلك تحت المراقبة، وقد يؤدي ذلك إلى مشكلات.
عبد الناصر عيسى: نعم، مهنيًا هذا أفضل.
هوية المغضوب عليهم
أحمد منصور: الستة أشهر قبل أن تصبح مطاردًا، من مايو إلى أكتوبر أو نوفمبر 1994، كانت فترة كنت فيها حرًّا طليقًا. ما أهم ما أنجزته خلالها؟
عبد الناصر عيسى: في تلك المرحلة، كنت أحمل هوية خضراء. والهوية الخضراء في فلسطين تعني أنك تحت المراقبة، ومقيَّد الحركة. فإذا أمسك بك جندي على الحاجز، قد يضربك، أو يعيق حركتك، أو يوقفك ثلاث أو أربع ساعات، أو يمنعك من الوصول إلى المكان الذي تريد الذهاب إليه.
فكانت الهوية الخضراء، كما يُقال، هوية المغضوب عليهم، لا تستطيع التحرك بحرية.
أحمد منصور: نريد أن نوضح للمشاهد: ما هي الهوية الخضراء، وما أنواع الهويات التي كانت موجودة في ذلك الوقت؟
عبد الناصر عيسى: كان لدينا نوعان من الهويات: هوية حمراء عادية، صادرة عن سلطات الاحتلال.
أحمد منصور: لمن لم يُعتقل؟
عبد الناصر عيسى: نعم، لمن لم يُعتقل، أو لمن لا توجد عليه قضايا خاصة. نحو 95% — بل ربما 99% — من الناس كانوا يحملون الهوية الحمراء العادية.
لكن كانت هناك فئة محدودة، لا تتجاوز المئات، كانوا يُعطَون هويات مختلفة.
أحمد منصور: هؤلاء المعتقلون السابقون الذين عليهم ملاحظات.
عبد الناصر عيسى: ليس مجرد معتقل سابق، بل معتقل سابق وعليه شيء، أي أنهم يخشون منه؛ لذلك غالبًا ما يضعون له هوية خضراء.
أحمد منصور: عند أي نقطة تفتيش، يكون من حق الجندي أن يفعل بك ما يريد.
عبد الناصر عيسى: نعم، قد يوقفك ويضربك ويُهينك، لا بد أن يفعل معك شيئًا. لذلك كنت في تلك الفترة أتجنب الحواجز، فكانت حياة صعبة نوعًا ما، أشبه بنصف مطاردة — إن صح التعبير.
في تلك الفترة، رغم أنني كنت أحمل هوية خضراء، كنت أمارس عملي داخل مدينة نابلس ومنطقتها بحرية، وكذلك داخل الجامعة، فلم يكن أحد يسألني، إلا إذا صادفت جنديًا أو حاجزًا.
في هذه المرحلة، كان لدينا نشاط في الجامعة من خلال الكتلة الإسلامية، وكما قلت، كنا نجمع بين العمل العلني والسري. كنا نقوم بنشاط الكتلة بشكل كامل، بل وبنشاط مضاعف. كنا نبقى في الجامعة للتحضير للدعاية الانتخابية، وكانت هناك انتخابات لاستقطاب الطلاب لفكرتنا، ولمساعدتهم.
في الواقع، نحو 70% من عملنا كان موجهًا لمساعدة الطلاب في القضايا الأكاديمية والدراسية والمالية والاجتماعية. كنا نساعد الطلاب الفقراء، ونوفر لهم الأقساط؛ الطالب الذي لا يستطيع الدفع، كنا ندفع عنه.
أحمد منصور: لأن الدراسة في الجامعة كانت برسوم.
عبد الناصر عيسى: نعم. فكنا، ككتلة إسلامية، نعمل كأننا مجلس طلبة موازٍ. وهذا كان خيارًا جيدًا، واستفاد منه الطلاب. فإذا لم تساعدهم الجامعة أو مجلس الطلبة، كنا نقوم بحصر أسمائهم ودراسة حالتهم الاجتماعية، ثم نقرر: هذا يأخذ نصف القسط، وهذا ربع القسط، وهذا القسط كاملًا، وهذا يُساعد أيضًا في السكن، وهكذا.
كنا نخدم الطلاب في هذا المجال، وكذلك في الجوانب الدراسية، مثل تسجيل المواد، وحل المشكلات مع بعض الأساتذة أو الإداريين: مادة أُغلقت، شعبة فُتحت، تسجيل لم يتم… وهي أمور معتادة في الحياة الجامعية. كنا منخرطين فيها بشكل كامل، ونخصص لها وقتًا كافيًا.
ديزنجوف وفاكسمان
وفي الوقت نفسه، كان يأتي مطارد فنُخفيه، أو نُصلح قطعة سلاح، أو نشتريها، وكانت لدينا أفكار حول العمل نطرحها.
أحمد منصور: خلال هذه الأشهر الستة؟
عبد الناصر عيسى: نعم، خلال هذه الأشهر الستة. في نهايتها وقعت أحداث مهمة؛ ففي شهر أكتوبر كانت عملية ديزنجوف، وكذلك عملية خطف وأسر الجندي فاكسمان.
أحمد منصور: ديزنجوف في أكتوبر؟
عبد الناصر عيسى: نعم، في شهر أكتوبر. وفي تلك الفترة، كنت أيضًا على تواصل؛ إذ كان أبو خالد الضيف يرسل لي أكثر من مرة رسائل من غزة إلى الضفة الغربية.
أحمد منصور: محمد الضيف، القائد العام للقسام.
عبد الناصر عيسى: نعم، محمد الضيف. وكان يطلب مني المساعدة في بعض الأمور، وقمنا بذلك.
أحمد منصور: قول واعترف هو قد استُشهد، رحمه الله.
عبد الناصر عيسى: رحمه الله. كانت هناك أمور تحتاج إلى ترتيب، وأشخاص، وتنسيق، فكنا نرشده إلى بعض الجهات، وهو يتواصل معهم. وقد طلبوا مني المساعدة في بعض القضايا، وساعدتهم في أمور تتعلق بالعمليات التي جرت في تلك المرحلة.
أحمد منصور: ديزنجوف وفاكسمان؟
عبد الناصر عيسى: تحديدًا فاكسمان. أما ديزنجوف، فكان يحيى أبو البراء ضمن الدائرة، وكان مسؤولًا عن العملية في ذلك الوقت.
أحمد منصور: يحيى عياش؟
عبد الناصر عيسى: نعم. لم ألتقِ به في تلك المرحلة لأسباب أمنية، حرصًا عليه وعلى نفسي، لكن كان هناك تواصل غير مباشر عبر الرسائل.
أول سلاح حصل عليه عبد الناصر عيسى
أحمد منصور: هل تتذكر أول قطعة سلاح حملتها بيدك؟
عبد الناصر عيسى: أول قطعة سلاح كانت عام 1991، على ما أذكر.
أحمد منصور: احكِ لي القصة.
عبد الناصر عيسى: كان أحد الإخوة — ولن أذكر اسمه — قال لي إن لديه سلاحًا. فسألته مباشرة: أين هو؟ فأحضر لي 14 قنبلة يدوية من مخلفات الجيش. جربناها، وكانت صالحة للاستخدام. ومن بينها، أخذ أحمد مرشود قنبلة واستخدمها ضد الجيش.
أحمد منصور: ضد الإسرائيليين؟
عبد الناصر عيسى: نعم. كنت سأذهب معه، لكن حدثت مشكلة، فذهب وحده، ثم أخبرني بما حدث.
أحمد منصور: يبدو أن أحمد مرشود كان شجاعًا جدًا.
عبد الناصر عيسى: نعم، كان من مجموعتي، رحمه الله.
وكان لدينا أيضًا بندقية طويلة — تُستخدم للقنص — كنا نخرج بها أحيانًا لإطلاق النار على الجيش، وأحيانًا نحملها للحماية أثناء تحركاتنا في مخيم بلاطة.
أحمد منصور: هذه قنابل وبندقية، هل لم يكن لديكم سلاح خفيف؟
عبد الناصر عيسى: في تلك المرحلة لم يكن لدي سلاح خفيف، لكن لاحقًا، في هذه الفترة — أي خلال عام 1994 — أصبح لدي.
أحمد منصور: أنت في هذه الأشهر الستة، يبدو أن الأمور تطورت معك كثيرًا.
عبد الناصر عيسى: نعم، طبعًا؛ لأنه كان لدي، مثلًا، سلاح، مسدس، فطلبوا مني…
أحمد منصور: هل تتذكر نوعه؟
عبد الناصر عيسى: ماذا؟
أحمد منصور: هل تتذكر ماركته؟
عبد الناصر عيسى: والله، كنا نقول “أربعة عشر”، لم نكن خبراء كثيرًا في السلاح، لكن كان مسدسًا من هذا النوع.
أحمد منصور: هل تدربت على إطلاق النار؟
عبد الناصر عيسى: نعم، أطلقت النار أكثر من مرة، وتدربت مع أبو البراء يحيى في غزة.
أحمد منصور: يبدو أنك كنت أكثر خبرة في التنظيم منك في تنفيذ العمليات المباشرة.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: ولذلك وصفوك بأنك “العقل الاستراتيجي”.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: والإسرائيليون قالوا إنك كنت تجيد التخطيط والتنظيم.
عبد الناصر عيسى: نعم، صحيح.
أحمد منصور: نعم.
عبد الناصر عيسى: في هذا المجال، نعم. لكن في مرحلة لاحقة شاركت بيدي في العمل، وسنأتي إلى ذلك عند الحديث عن اعتقالي الأخير عام 1995.
أحمد منصور: نعم.
طلبات محمد الضيف
عبد الناصر عيسى: أما في عام 1994، فكان لدينا تقسيم للعمل. كما ذكرت، كان أبو خالد الضيف يرسل لي رسائل، وطلب مني سلاحًا من أجل تنفيذ عملية فاكسمان، فقمت بتوفيره.
أحمد منصور: هل طلب نوعية معينة؟
عبد الناصر عيسى: لم ألتقِ به طبعًا، كان التواصل عبر وسطاء.
أحمد منصور: ما السلاح الذي طُلب منك للعملية؟
عبد الناصر عيسى: كان المطلوب سلاحًا بسيطًا، مثل مسدس، لأن لديهم أصلًا سلاحًا طويلًا، وعملية أسر الجنود تحتاج إلى…
أحمد منصور: أسلحة صغيرة ومسدسات.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: كيف وفرت السلاح؟
عبد الناصر عيسى: كان لدي مصدر شراء بطريقة سرية.
أحمد منصور: وسلمته لهم؟
عبد الناصر عيسى: نعم.
صلاح الدين دروزة
أحمد منصور: من الذي استلمه منك؟
عبد الناصر عيسى: استلمه مني نور الدين دروزة، أبو النور.
أحمد منصور: أين أبو النور الآن؟
عبد الناصر عيسى: رحمه الله، استُشهد.
أحمد منصور: حدثنا عن قصته.
عبد الناصر عيسى: أبو النور كان أحد قادة العمل الإسلامي في منطقة نابلس، في المجالين الدعوي والتنظيمي، ثم أصبح من قادة القسام، وكان المسؤول الأول في مدينة نابلس، بل وعلى مستوى الشمال. اسمه نور الدين دروزة، ويُعرف أيضًا بصلاح الدين دروزة. رحمه الله.
أحمد منصور: نعم، اسم معروف.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: أعطنا نبذة عنه ليتعرف عليه الناس.
عبد الناصر عيسى: عرفته منذ فترة طويلة. درس في كلية الدعوة في القدس، وكان من نشطاء الإخوان المسلمين في العمل التربوي والثقافي والإداري في منطقة نابلس. ثم، مع اندلاع الانتفاضة، أصبح الرقم الأول في العمل العسكري في المنطقة، ثم جاء بعده الأخ حسام بدران.
أحمد منصور: حسام بدران ما زال على قيد الحياة.
عبد الناصر عيسى: نعم، حفظه الله. أما نور الدين دروزة فكان القائد الأول للعمل العسكري في منطقة الشمال.
أحمد منصور: ما أبرز ما قام به؟
عبد الناصر عيسى: كان له دور في معظم العمليات، خاصة ما يتعلق بالمطاردين، وكان له ارتباط واسع بهذا الملف.
أحمد منصور: كيف استُشهد؟
عبد الناصر عيسى: استُشهد في عملية اغتيال، أظن بواسطة طائرة أباتشي إسرائيلية.
أحمد منصور: هل تتذكر تاريخ استشهاده؟
عبد الناصر عيسى: لا أذكر التاريخ بدقة، لكن أعتقد في بداية عام 2001.
أحمد منصور: في تلك الفترة كانت هناك موجة اغتيالات لقادة حماس.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: لكن نعود إلى تلك المرحلة.
عبد الناصر عيسى: نعم، أذكر ذلك لأن لنا ارتباطًا محدودًا به في عام 1995، ومن ضمنه موضوع السلاح.
أحمد منصور: هل كان هو الذي يوفر لك السلاح؟
عبد الناصر عيسى: لا، أنا الذي أعطيته السلاح ليسلمه للمجموعة.
أحمد منصور: أي مجموعة؟
عبد الناصر عيسى: مجموعة فاكسمان التي جاءت إلى نابلس.
عملية فاكسمان والظهور الأول لمحمد الضيف
أحمد منصور: هل كان لك دور في ترتيب عملية فاكسمان؟
عبد الناصر عيسى: لا، لم يكن لي دور مباشر، لكن كنت على علم ببعض التفاصيل، وطلبوا مني توفير السلاح، فقمت بذلك.
أحمد منصور: حدثنا عن تفاصيل العملية كما سمعتها.
عبد الناصر عيسى: عملية فاكسمان كانت عملية نوعية بارزة لكتائب القسام، وأعلن عنها أبو خالد الضيف من غزة.
واستُشهد فيها عدد من المنفذين، منهم صلاح جاد الله، وبدر النتشة، وعبد الكريم بدر، وحسن النتشة، رحمهم الله. كانوا أبطال العملية، أما نحن فكنا في موقع الدعم الخلفي.
حتى إنني، عندما ذهبت إلى غزة لاحقًا، قلت لأبي خالد الضيف مازحًا: أعطني المسدس الذي أعطيتك إياه، لي عندك دين.
أحمد منصور: نعم.
عبد الناصر عيسى: فقال: إن شاء الله، لكني لم أستلمه لاحقًا لأسباب معينة.
أحمد منصور: طيب، أنا أحاول أن أبحث عن تاريخ عملية توليدانو.
عبد الناصر عيسى: فاكسـمان.
أحمد منصور: عفوًا، فاكسـمان؛ لأن توليدانو كان في 13 سبتمبر.
عبد الناصر عيسى: في شهر نوفمبر.
أحمد منصور: كان في نوفمبر 1994.
عبد الناصر عيسى: لذلك عندما جاؤوا ليعتقلوني، أنا هربت. لماذا الاعتقال؟ هربت لأنني كنت أخشى أن تأتي مسألة فاكسـمان في التحقيق.
أحمد منصور: بعد فاكسـمان أنت هربت إلى غزة.
عبد الناصر عيسى: بعد فاكسـمان جاؤوا ليعتقلوني في 29/11، جاؤوا ليعتقلوني فهربت، وهذه لها قصة: كيف هربنا وكيف…
نفسية المطاردين
أحمد منصور: نعم، أنت هنا في 29 نوفمبر 1994 أصبحت من المطاردين.
عبد الناصر عيسى: نعم.
أحمد منصور: احكِ لي نفسية المطارد، حياة المطارد؛ لأن حتى اليوم…
عبد الناصر عيسى: هو مطارد أيضًا.
أحمد منصور: حتى اليوم هناك مطاردون موجودون في الضفة الغربية بكثرة، في المخيمات، فنريد من المشاهد أن يعرف معنى المطارد، حياة المطارد، وحياة من يطارِد أيضًا.
عبد الناصر عيسى: طبعًا، هذا يعتمد على طبيعة الشخص الذي تتم ملاحقته من قبل الاحتلال. أحيانًا تكون لديه قضايا كبيرة، وأحيانًا تكون لديه نية للعمل، وأحيانًا يُطارَد على مسألة قديمة فقط لأنه لا يريد أن يُعتقل. فالمطاردون أنواع، وليس كل مطارد على مستوى عالٍ من الخطورة.
في بعض الإخوة لا يريدون الاعتقال الإداري، فيُطارَدون، وهذا ليس خطأ. بمعنى أنك تستطيع أن تختفي، وإن وقعت فكن رجلًا طيبًا بالمفهوم العام؛ أي ابتعد عن الاعتقال، وقاوم الاعتقال، ولا تذهب لتسليم نفسك.
أحمد منصور: الاعتقال سيئ.
عبد الناصر عيسى: الاعتقال سيئ جدًا، خاصة في تلك الفترات. اختفِ هنا أو هناك. هذا المطارد تكون قضيته قد تمتد سنة أو ستة أشهر أو سنتين، فيكون الاحتلال لا يشدد كثيرًا في طلبه، وقد تكون مطاردته أسهل بكثير؛ قد يسكن في شقة هنا أو هناك، أو يختبئ في أماكن غير معروفة، وتكون المتابعة له محدودة.
لكن نحن نتحدث عن المطارد الذي عليه قضية كبيرة، وهو ما يزال يعمل ويخطط؛ هذا الاحتلال يقلب الدنيا من أجل الوصول إليه.
أحمد منصور: بكل قوتها تبحث عنه.
عبد الناصر عيسى: مستعدة أن تدفع مئات الملايين للوصول إليه مثلًا. هذا هو المستوى الأول، والحمد لله كنت منهم. المستوى الثاني: مطارد على قضية كبيرة، لكنه أصبح هادئًا منذ فترة، وهم مقتنعون أنه لا يعمل، فيقل الطلب عليه، لكن إذا وصلت معلومة عنه يتم اعتقاله فورًا. المستوى الثالث: مطارد على قضية بسيطة ويعمل في قضايا تنظيمية بسيطة. والرابع: مطارد على قضية بسيطة وهو لا يعمل أصلًا.
أحمد منصور: تقسيم ممتاز.
عبد الناصر عيسى: هذا التقسيم.
أحمد منصور: طبعًا الفئة الأولى تعيش حياة صعبة جدًا.
عبد الناصر عيسى: جدًا جدًا. هذه الفئة الأولى تعيش مطاردة شديدة للغاية، وأحيانًا تعيش في الجبال أو المغارات أو الوديان، ولا تجد أماكن مستقرة.
لماذا بيئة غزة أفضل للمطاردين؟؟
بيئة قطاع غزة أفضل بكثير من بيئة الضفة في موضوع الأنفاق؛ لأن حفر الأنفاق في الضفة صعب، ومعظم المغارات معروفة للاحتلال، بينما في غزة يمكن حفر أنفاق وشبكات.
أحمد منصور: كيف كانت غزة أسهل رغم أن الضفة فيها جبال وأودية؟
عبد الناصر عيسى: الحفر صعب في الضفة، ومعظم المغارات القديمة معروفة للاحتلال، لكن في غزة يمكن إنشاء أنفاق، كما حدث لاحقًا بشكل أكبر. لكن في تلك الفترة لم تكن أنفاقًا بمعنى الكلمة، بل كانت مخابئ بسيطة.
أحمد منصور: أنت في ذلك الوقت عندما هربت في 1994، هل كانت هناك أنفاق في غزة؟
عبد الناصر عيسى: لا، لم تكن أنفاقًا، كانت مجرد مخابئ بسيطة جدًا.
الهروب من بين يدي جنود الاحتلال
أحمد منصور: ما الأسباب التي جعلتك مطاردًا في نوفمبر 1994؟
عبد الناصر عيسى: جاؤوا ليعتقلوني.
أحمد منصور: فعلًا جاؤوا؟
عبد الناصر عيسى: نعم، جاؤوا ليعتقلوني، فهربت لحظة دخولهم إلى المنزل.
أحمد منصور: صف لي المشهد.
عبد الناصر عيسى: لازم أقولها كأنها فيلم.
أحمد منصور: نحن نريدها كذلك، لأنك لا تحكي عن نفسك وحدك، بل عن تجارب كثيرة مشابهة.
عبد الناصر عيسى: نعم. في ذلك اليوم كنت مطلوبًا للإدارة المدنية، الحاكم العسكري الإسرائيلي، وكنت أذهب إليه عدة مرات بصفتي رئيس الكتلة الإسلامية، وكان يرسل لي رسائل تهديد، لكنني كنت أسمع من هنا وأخرج من هناك، ولا نخاف ولا نرتدع.
في ذلك اليوم ذهبت لتجديد الهوية الخضراء، والتي كانت تُجدد كل ستة أشهر؛ إما خضراء أو حمراء. وفجأة أعطاني هوية حمراء. تفاجأت وقلت: ماذا يحدث؟ كنت أظن أن الأمور أصبحت طبيعية.
أحمد منصور: يعني أصبحت مواطنًا عاديًا.
عبد الناصر عيسى: نعم، اعتبرت نفسي مواطنًا عاديًا، وصرت أقول للإخوة: أنا معي هوية حمراء مثلكم، لا يوجد عليّ شيء. وبالفعل أخذت الهوية الحمراء.
أحمد منصور: يبدو أنك مررت على كل الحواجز.
عبد الناصر عيسى: نعم، مررت عليها كلها. وفي الساعة الحادية عشرة ليلًا جاؤوا ليعتقلوني وأنا نائم.
الحاضنة الشعبية لحماس
أحمد منصور: وأنت مستلم الهوية الحمراء صباحًا؟
عبد الناصر عيسى: نعم، وهذا يدل على وجود خلل في التنسيق بين أجهزتهم. الجهاز الذي كان يراقبني لم تكن لديه المعلومات التي لدى الجهاز الآخر. وهذا ما يبدو أنه حدث.
فلما جاؤوا ليعتقلوني وطرقوا الباب، شعرت فورًا أنهم الجيش. قفزت من النوم خلال ثوانٍ، وخرجت بملابس النوم، وكنت ربما حافيًا أو لبست شبشبًا، لا أذكر. وتركت الهوية بجانبي، وكانت الفرشة ما تزال دافئة.
قفزت بسرعة من الطابق الأول إلى الثاني ثم إلى الثالث، ثم إلى سطح البيت، وانتقلت إلى السطح المقابل.
عبد الناصر عيسى: كان لدينا حاضنة شعبية قوية جداً خاصة في المخيمات..
دون ذكر أسماء ودون ذكر ذلك. لكن فقط للتوضيح، كان الوضع مختلفًا عن هذه الأيام. في تلك الفترة بدأتُ أتنقل من منطقة إلى أخرى، وكانت أريحا محطة انتقال، لأن دخول السلطة كان جديدًا، وكان هناك نوع من الفراغ الأمني النسبي، فاستفدنا من هذا الوضع.
الهروب إلى أريحا ثم غزة
أحمد منصور: طيب، ماذا فعلت تحديدًا في أريحا؟ هل كنت مختبئًا هناك؟
عبد الناصر عيسى: نعم، كنت مختبئًا، ولكن ليس بمعنى أنني كنت في كهف أو نحو ذلك، بل كنت داخل بيوت عند بعض الناس، وفي الوقت نفسه كنت أتنقل بحذر شديد. كانت أريحا منطقة مفتوحة نسبيًا وفيها حركة، فكنت أغيّر أماكني باستمرار؛ يوم هنا ويوم هناك، دون استقرار.
أحمد منصور: ألم تكن تخشى أن يُقبض عليك في أي لحظة؟
عبد الناصر عيسى: بالطبع كان الخوف موجودًا، لكن المطارد يعتاد العيش مع الخوف. تنام ويدك على قلبك، وتستيقظ على أي صوت. أي سيارة تتوقف، أي باب يُطرق، أي حركة غير مألوفة، كل ذلك قد يكون خطرًا. ومع ذلك، مع مرور الوقت يصبح الأمر نوعًا من الاعتياد، إذ لا يمكنك أن تعيش بخوف دائم وإلا لن تستمر.
أحمد منصور: ثم الانتقال من أريحا إلى غزة، كيف تم ذلك؟
عبد الناصر عيسى: كانت هذه النقلة صعبة. كانت غزة خيارًا مهمًا لنا، لأن الوضع هناك مختلف، وفيه حاضنة شعبية قوية، وإمكانية حركة أفضل للمطاردين. بدأنا الإعداد لذلك بشكل تدريجي، وليس بقرار مفاجئ، بل عبر اتصالات وترتيبات وطرق غير مباشرة للخروج.
أحمد منصور: كنت تخرج من أريحا بشكل طبيعي أم متخفّيًا؟
عبد الناصر عيسى: كنت متخفّيًا بالطبع، فلا يوجد شيء اسمه حركة طبيعية في مثل هذه الظروف. أي حاجز قد يوقفك وينهي كل شيء. لذلك كان هناك تغيير في الأسماء، وفي المظهر، وفي أسلوب الحركة، وكل التفاصيل الصغيرة كانت ذات أهمية كبيرة.
أحمد منصور: وعند وصولك إلى غزة، ماذا شعرت؟
عبد الناصر عيسى: تغيّرت الحياة تمامًا. غزة كانت مختلفة؛ فيها ضغط كبير، ولكن فيها أيضًا شعور بأنك وسط بيئة داعمة. المطارد هناك ليس وحده، بل يجد من يفهمه ويسانده ويحميه، وهذا فرق كبير مقارنة بغيرها.
أحمد منصور: لكن المخاطر كانت قائمة أيضًا؟
عبد الناصر عيسى: نعم، المخاطر موجودة دائمًا. لا يوجد مكان آمن بشكل كامل. لكن طبيعة المخاطر تختلف؛ في غزة تكون المخاطر أمنية وعسكرية مباشرة، لكن في المقابل هناك قدرة أكبر على الاختباء والتحرك ضمن شبكة اجتماعية واسعة.
أحمد منصور: باختصار، ماذا غيّرت فيك هذه التجربة من المطاردة إلى الهروب إلى غزة؟
عبد الناصر عيسى: غيّرت فيّ كثيرًا. جعلتني أفهم معنى القرار، ومعنى المسؤولية، وأن كل خطوة قد يكون لها ثمن كبير. كما جعلتني أدرك أن الإنسان ليس وحده، بل هناك شبكة من الناس؛ إما أن تحميه أو أن تُسهم في سقوطه.
أحمد منصور: سأتي لهذه القصة مع قصة هروبك من الضفة الغربية الى غزة في ديسمبر 1994. شكرا جزيلا لك. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الأسير المحرر عميد أسرى حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي عبد الناصر عيسى أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.