وليد جنبلاط ج3 من شهادته على العصر: كيف نسق الأسد مع أمريكا وإسرائيل لاحتلال لبنان؟

في الحلقة الثالثة من شهادته على العصر، يستعرض أحمد منصور مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط الكيفية التي نسّق بها الرئيس السوري حافظ الأسد مع أمريكا وإسرائيل، لاحتلال لبنان !! وأهدافه من وراء ذلك!! ودور وزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر في عملية التنسيق، وشرعنة القمة العربية التي عقدت في الرياض في أكتوبر 1976 للوجود السوري في لبنان.
أحمد منصور ووليد جنبلاط

في الحلقة الثالثة من شهادته على العصر، التي جرى بثها في 2 مايو 2026، يستعرض وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، في حواره مع أحمد منصور، الكيفية التي نسّق بها الرئيس السوري حافظ الأسد مع أمريكا وإسرائيل، لاحتلال لبنان !! وأهدافه من وراء ذلك!! ودور وزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر في عملية التنسيق، وشرعنة القمة العربية التي عقدت في الرياض في أكتوبر 1976 للوجود السوري في لبنان.

وتحدث الضيف عن أسباب العداء الطائفي بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط، والعلويين والموارنة، ووضّح معنى إيمان الدروز بالتقمص والعلويين بالتناسخ، وتقسيم الدروز إلى طبقتي الجهال والعقال.

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية

تطرق الحوار في بدايته إلى انقسام لبنان إلى فريقين، مع اشتعال شرارة الحرب الأهلية في العام 1976، وتحقيق الجبهة الوطنية التي يترأسها كمال جنبلاط  وتضم الفلسطينيين والناصريين، بعض الانتصارات، قبل أن يلقي حافظ الأسد خطابًا في الثاني عشر من أبريل في جامعة دمشق، قال فيه إن سوريا جاهزة للتحرك نحو لبنان للدفاع عن المقهورين. في إشارة إلى المسيحيين الموارنة.

وقال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وزعيم الدروز في لبنان، إن هدف دخول سوريا إلى لبنان، كان القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، وربما القضية الفلسطينية، التي كانت تمثلها المنظمة آنذاك، وذكر خلفيات اللقاء العاصف بين الأسد الأب و كمال جنبلاط..

ورتب الضيف السياق الذي مر به كمال جنبلاط منذ عودته من فرنسا ولقائه بميتران، ثم زيارته إلى مصر ولقائه بالسادات، واضطراره للعودة إلى بيروت عن طريق السفير السوفييتي عبر ناقلة نفط، وروى قصة اغتياله في 16 مارس 1977، على طريق قرية “دير دوريت” في الشوف، على بُعد أمتار من حاجز عسكري تابع للجيش السوري، والأحداث المأساوية التي تلتها..

أحمد منصور ووليد جنبلاط
كيف نسق الأسد مع أمريكا وإسرائيل لاحتلال لبنان؟

نص حوار وليد جنبلاط ج3 من شهادته على العصر:

كيف نسق الأسد مع أمريكا وإسرائيل لاحتلال لبنان؟ 

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان وزعيم الدروز هناك. وليد بك، في عام 1976 اندلعت الحرب بين آذار ونيسان، وانقسم اللبنانيون إلى قسمين: قسم الجبهة الوطنية التي كان يرأسها بشكل فعلي والدك كمال جنبلاط، ومعه القوى الفلسطينية والحزب الشيوعي وأحزاب الناصريين وغيرها، وهذه كانت تُسمّى القوى الوطنية. والجبهة اللبنانية التي كانت تتألف من الأحزاب المسيحية المختلفة. بدأت الكفة ترجح لصالح الجبهة الوطنية. هنا ألقى حافظ الأسد خطابًا في الثاني عشر من أبريل في جامعة دمشق، وقال إن سوريا جاهزة للتحرك نحو لبنان للدفاع عن المقهورين، وكان يقصد الدفاع عن الموارنة الذين كانوا يتقهقرون في ذلك الوقت أمام القوى الأخرى. ألان مينارغ في كتابه حرب لبنان يقول إن الملك حسين توسط سرًا بين حافظ الأسد وإسرائيل حتى تسمح إسرائيل للأسد بالدخول إلى لبنان، وهذا أيضًا ذكره أمين الجميل في شهادته معي على شاهد على العصر، وقال إن هنري كيسنجر قام بالوساطة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين سوريا من جهة أخرى للسماح للأسد بالدخول إلى لبنان. ما معلوماتك عن هذا الموضوع؟

دخول سوريا إلى لبنان بدعم أمريكي

وليد جنبلاط: لست أدري إذا كان الملك حسين قد توسط من أجل أن يدخل حافظ الأسد إلى لبنان. أعلم أنه بعد حرب 1973، وبعد أن حاول هنري كيسنجر أن يستدرج الأسد إلى السلم الذي كان سبقه إليه أنور السادات، رفض حافظ الأسد، وهذه رواية حافظ الأسد الرسمية. وأعتقد، وفق معلوماتي أو انطباعي، أن حافظ الأسد كان مُكلّفًا أو كُلّف بالدخول تدريجيًا إلى لبنان، وكان الهدف القضاء على منظمة التحرير. كان الهدف أخذ الثأر الشخصي والسياسي، إن صح التعبير، من ياسر عرفات.

أحمد منصور: لماذا؟

هدف الأسد من دخول لبنان

وليد جنبلاط: كان هناك خلاف كبير بين حافظ الأسد وياسر عرفات، خلاف عقائدي وخلاف سياسي.

أحمد منصور: أرجو أن توضح هذا، لأن أمين الجميل في شهادته معي على شاهد على العصر، الرئيس أمين الجميل، قال: بقيت العلاقة بين حافظ الأسد وياسر عرفات فيها كثير من الأسرار والألغاز. طالما أن لديك بعض المعلومات، وضّحها لنا.

وليد جنبلاط: في مقابلات عديدة أجريتها مع حافظ الأسد…

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: كان يبدأ بالحديث طويلًا عن الحروب الصليبية، وعن صلاح الدين، إلى آخره. ثم يتذكر دائمًا عندما كان يزور عمّان، أو زار عمّان عدة مرات قبل ما سميناه نحن كقوى وطنية «أيلول الأسود».

أحمد منصور: 1970.

وليد جنبلاط: نعم، عندما اصطدم الجيش الأردني بالمقاومة الفلسطينية، كان يذكر هذه المرحلة وكيف كانت تعم الفوضى عمّان.

أحمد منصور: يعني كان يرويها برواية مضادة للفلسطينيين، أنهم سبب الفوضى؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: يعني كان منتقدًا لعرفات وللمقاومة؟

وليد جنبلاط: كان منتقدًا لعرفات، نعم. ثم كانت مقولتنا نحن مع الفلسطينيين: «القرار الوطني الفلسطيني المستقل»، وهذه كانت مقولة مرفوضة من قبل النظام السوري. وحافظ الأسد، بلباقته المعهودة، قال لي مرتين أو ثلاثًا: ليست هناك فلسطين، فلسطين هي جنوب سوريا. لأن حافظ الأسد بعثي سوري، وعائلة مخلوف، أي عائلة زوجة حافظ الأسد أنيسة مخلوف، كانت قومية سورية. إذًا فلسطين، وفق منظوره البعثي ووفق منظوره الذي كان يستشهد به من أيام صلاح الدين، ليست كيانًا مستقلًا، بل هي جزء من سوريا.

أحمد منصور: هكذا كان ينظر إليها؟

وليد جنبلاط: نعم.

نظرة حافظ الأسد إلى لبنان

أحمد منصور: أن فلسطين جزء من سوريا؟

وليد جنبلاط: وهكذا كان ينظر أيضًا إلى لبنان، عندما كانت له عدة تصريحات بأنهما «شعب واحد في بلدين». هناك نقاش طويل، لكن في الوقت نفسه كان هناك تنافس، أو بالأحرى تناقض، بين ياسر عرفات وسعيه إلى الوصول إلى حلول مجزأة، أو حلول يستفرد فيها هو والغرب من خلال اتفاقية أوسلو، بعيدًا عن المظلة السورية أو الهيمنة السورية. أعتقد أن هذا هو الأساس في هذا التناقض، وهذا ما يفسر جولات وجولات من الحروب في لبنان. ونحن كنا أدوات بين اللبنانيين، بين الجبهة اللبنانية وبين الحركة الوطنية، وبين الفلسطينيين، إلى آخره. لكن في الأساس، كان هناك مشروع للدخول إلى لبنان بضوء أخضر أمريكي والقضاء على منظمة التحرير، وهكذا حدث، مرورًا باليسار وكمال جنبلاط. وهذا ما حدث في اغتيال كمال جنبلاط. وأعتقد أنني قرأت في إحدى مذكرات كيسنجر أنه كان يعتبر كمال جنبلاط شيوعيًا متطرفًا، وهذا لم يكن صحيحًا. كانت الأذن مفتوحة للقضاء على الجميع.

أحمد منصور: يعني حينما أخذ حافظ الأسد الضوء الأخضر للدخول، كانت هذه هي الأهداف الحقيقية؟

وليد جنبلاط: صحيح.

رغبة حافظ الأسد في القضاء على كمال جنبلاط

أحمد منصور: القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، والقضاء على كمال جنبلاط باعتباره كان استقلاليًا يطالب باستقلال القرار اللبناني، وفي الوقت نفسه تمكينه من تحقيق مشروع سوريا الكبرى؟

وليد جنبلاط: صحيح. وكمال جنبلاط، عندما ذكرت لك مقابلته الشهيرة، أعتقد في حزيران 1976، الطويلة التي دامت ست ساعات أو أكثر مع حافظ الأسد، رفض شروط حافظ الأسد، الذي كان يقول له لا بد من وقف الحرب. ثم عرض عليه قبلها حديثًا طويلًا عن الدخول في ما يسمى الوحدة، والذي رفضه كمال جنبلاط.

أحمد منصور: فؤاد بطرس، في مذكراته من صفحة 183 إلى 186، يتحدث عن كمال جنبلاط تحديدًا وما ذكره حافظ الأسد له عن كمال جنبلاط. أكيد أنك قرأتها.

وليد جنبلاط: لم أقرأها.

أحمد منصور: لم تقرأ المذكرات؟

وليد جنبلاط: فؤاد بطرس أعلى من الكتاب، لكنني لم…

أحمد منصور: لكن فؤاد بطرس يقول إن الأسد سأل فؤاد بطرس: هل تريدون القضاء على كمال جنبلاط؟ فقال له: نحن لا نؤمن بالاغتيال السياسي، ولكننا سنقضي عليه سياسيًا ليصبح مواطنًا عاديًا. وفي صفحة أخرى، كريم بقرادوني ينقل عن فؤاد بطرس في صفحة 66 من السلام المفقود أن حافظ الأسد كان يتهم كمال جنبلاط بأنه سبب الأزمة في لبنان والمنطقة، وأنه يتآمر على سوريا ولبنان، وأن استمرار وجود كمال جنبلاط يعني أنه لن يربح أحد من الحرب. هل معنى ذلك أن قرار تصفية كمال جنبلاط كان واضحًا في ذهن الأسد؟

وليد جنبلاط: أعتقد أن هذا الكلام يؤكد أن قرار التصفية كان واضحًا، لأن كمال جنبلاط، عندما دافع عن القرار الوطني اللبناني وعندما رفض الدخول السوري، كان عقبة أمام مشروع أكبر، مشروع أمريكي، وفي النهاية، في مكان ما، إسرائيلي. لأن الولايات المتحدة آنذاك، وإسرائيل حتى اليوم، لا تعترفان بمنظمة التحرير ولا تريدان الاعتراف بالحقيقة الفلسطينية. وكان كمال جنبلاط يدافع عن القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه، إن صح التعبير، تخطى خطوطًا حمراء فيما يتعلق بلبنان، إذ لم يكن مسموحًا له أن يهزم الخصوم، أي اليمين اللبناني، سمه كما شئت، أنا أسميه اليمين اللبناني.

أحمد منصور: يعني هو أمين الجميل اعترف بهذا صراحة، وقال في شهادته على شاهد على العصر إن دخول الجيش السوري تم بتفاهم أمريكي إسرائيلي. معنى ذلك أن الأهداف التي ذكرتها، وربما سيصطدم كثير من الأجيال الجديدة حينما يعرفون أن هدف دخول سوريا إلى لبنان في عام 1976 كان القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، وربما القضية الفلسطينية التي كانت تمثلها المنظمة آنذاك.

وليد جنبلاط: صحيح، لكن إلى جانب ذلك أيضًا التناقض الشخصي، وهذا مهم جدًا.

أحمد منصور: اشرح لي هذا.

وليد جنبلاط: التناقض الشخصي، كما قلت لك، بين عرفات وحافظ الأسد، وكما سبق وذكرت بالأمس، لا بد من ترجمة تلك الصفحات الثلاث التي ذكرها ميتران في كتابه المهندس والنحلة. هذا التناقض أيضًا عقائدي، وإذا صح التعبير، مع الأسف، طائفي، بين كمال جنبلاط الدرزي من جبل لبنان وحافظ الأسد العلوي من جبال العلويين.

أسباب العداء الطائفي بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط

أحمد منصور: اشرح لي هذا، أريد أن أفهمه ويفهمه المشاهدون.

وليد جنبلاط: انشقاقات الإسلام كثيرة ومتعددة. في مكان ما لم نلتقِ تاريخيًا مع العلويين كعلويين، ربما لأن للدروز، للموحدين الدروز، تفسيرًا لعقيدتهم، وربما لأن للعلويين أيضًا تفسيرًا، ثم هناك تضارب المصالح.

أحمد منصور: ما هو الخلاف الجوهري في العقيدة بين الدروز والعلويين؟

وليد جنبلاط: لا، لا أستطيع أن أجيبك، لأنني لست ملمًّا ببواطن العقيدة التوحيدية. لست خبيرًا في هذا الموضوع، أنا أتكلم في السياسة.

تقسيمات الطائفة الدرزية

أحمد منصور: طيب، أنتم في العقيدة الدرزية، صحيح أن العقيدة لا يفهمها إلا شيوخ العقل، وبقية الشعب، أو بقية المؤمنين أو الموحدين، لا يفهمون التفاصيل؟

وليد جنبلاط: هناك طبقتان من الدروز: طبقة الجهال، أي مثلي…

أحمد منصور: وهي عوام الدروز.

وليد جنبلاط: نعم، عوام الدروز، وهناك طبقة العُقّال، الذين يتسنى لهم معرفة أسرار كتب الحكمة والتدرج فيها. وهذا، إذا صح التعبير، يبدأ في سن الأربعين، حين تبلغ الأربعين وتستطيع أن تغرف من ما يسمى الحكمة. أما قبل الأربعين فلا.

أحمد منصور: يعني هل فعلًا قبل الأربعين كل درزي ليس مكلّفًا حتى يصل إلى سن الأربعين؟

وليد جنبلاط: ليس مكلّفًا إذا أراد أن يدخل في مسار أن يصبح عاقلًا بالمعنى التوحيدي، ويمكنه أن يختار.

أحمد منصور: في أي سن؟

وليد جنبلاط: نعم، هذا قرار حر.

أحمد منصور: لكن إذا لم يُرد، وبقي عاديًا، فإنه يبقى حتى الأربعين ولا يُحاسب على شيء؟

وليد جنبلاط: نعم، لا.

أحمد منصور: طيب، ما هي التكاليف في العقيدة الدرزية؟ المسلم عليه خمس صلوات وحج وزكاة، فما هي التكاليف؟ أنت كإنسان درزي الآن، ما التكاليف والفروض التي تؤديها؟

وليد جنبلاط: الموحد ليس مُلزمًا بإتقان التكاليف والفرائض الإسلامية، وفي الوقت نفسه ليس مفروضًا عليه أداء تلك الفرائض.

أحمد منصور: بعض الدروز يذهبون إلى الحج.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: ويؤدون فريضة الحج مثل المسلمين؟

وليد جنبلاط: يؤدون فريضة الحج، لكن على طريقتهم. ومع الأسف، لا يؤدون الحج…

أحمد منصور: على طريقة المسلمين؟

وليد جنبلاط: لا، يذهبون إلى الحج، وقد سُمح للموحدين الدروز، بني معروف، بالذهاب إلى الحج بعد فتوى أصدرها الأزهر في الستينيات، عندما تدخل كمال جنبلاط مع جمال عبد الناصر وطلب منه ذلك، فتم السماح سياسيًا.

أحمد منصور: نعم، نعم.

وليد جنبلاط: ولاحقًا استمر هذا السماح من خلال الصداقة، صداقة الأمير عبد الله مع آل جنبلاط، التي استمرت.

أحمد منصور: يعني هذا الأمر تم بالترتيب مع الحكومة السعودية منذ زمن؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: هل تصومون؟ هل لكم صلوات؟

وليد جنبلاط: نصلي، أنت تسأل جاهلًا، نعم نصلي على طريقتنا، ونؤمن على طريقتنا. لكن السؤال هنا، سأقول شيئًا قد يزعج بعضًا من طائفتي، بعضًا من بني معروف…

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: نؤمن بالقرآن، القرآن هو كتاب بني معروف.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: لكن في الوقت نفسه هناك كتب الحكمة.

أحمد منصور: وهذه كتب سرية؟

وليد جنبلاط: نعم، هي سرية. فيقول لك المسلم المؤمن العادي: كيف تؤمن بالقرآن وتؤمن في الوقت نفسه بكتب غير القرآن؟ هنا الجواب صعب ومعقد، ولا بد من شيخ عاقل يجيبك عنه. لكن الجواب في الحقيقة بسيط.

أحمد منصور: ما هو؟

وليد جنبلاط: كيف يمكن تفسير هذه الازدواجية، إذا صح التعبير.

أحمد منصور: طيب، أنا لن أخوض معك في العقيدة، طبعًا، لكن…

وليد جنبلاط: أعتقد أنني قلت الكفاية.

أحمد منصور: لكن أنا والمشاهدين أحببنا أن نفهم، لأن هذه ربما تكون المرة الأولى. أنت أول شاهد على شاهد على العصر معنا، على مدى ما يقرب من ثلاثين عامًا، يحمل عقيدة معينة تُعد هوية سياسية وعقيدة دينية في الوقت نفسه.

وليد جنبلاط: هويتي سياسية عربية. أما العقيدة فقد فصلتها منذ زمن طويل. تربيت في بيت علماني من خلال تربية والدي ونهجه، وكذلك والدتي. لكنني نشأت في بيت سياسي عربي، ونشأت على العروبة. وكانت مهمتي وواجباتي على مدى عقود الدفاع عن مصالح الدروز، هذه الحروب المتكررة التي انتهت، والحمد لله، كانت في إطار الدفاع عن مصالح تلك العشيرة الصغيرة في جبل لبنان.

أحمد منصور: من منطلق عروبي؟

وليد جنبلاط: من منطلق عروبي، ومن منطلق أن هذا الجبل الصغير في لبنان كان محل صراع بيننا وبين الآخرين منذ عقود، حتى إذا عدت إلى بشير الشهابي وبشير جنبلاط.

تدخل محمد علي ضد الدروز وتجريدهم من سلاحهم

أحمد منصور: 1860.

وليد جنبلاط: وقبلها أيضًا، حتى إذا عدت إلى حملة محمد علي.

أحمد منصور: وحتى في الفترة من 1842 إلى 1846 كانت هناك صراعات أيضًا.

وليد جنبلاط: ومن قبلها أيضًا، عندما أتى محمد علي واحتل لبنان وسوريا ووصل إلى أبواب القسطنطينية، ثم تدخلت الدول الكبرى وأوقفته. في تلك المرحلة، أساء محمد علي وإبراهيم باشا إلى الدروز في لبنان وسوريا، وجُرّدت حملات لنزع سلاحهم، وهذا بالنسبة للمواطن الدرزي خط أحمر.

أحمد منصور: سلاح الدرزي جزء من شخصيته وهويته.

وليد جنبلاط: قد يكون جزءًا من شخصية غيره أيضًا، لكن في تلك المرحلة نعم.

إيمان الدروز بالتقمص والعلويين بالتناسخ

أحمد منصور: سأرجع معك إلى الخلاف العقائدي بين العلويين والدروز، والذي تمثل في الخلاف بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد في الجانب العقائدي بينهما.

وليد جنبلاط: أعتقد أنه كان خلافًا في الجانب السياسي. أما في الجانب العقائدي، فمثلًا، وبما أن لدي بعض المعلومات، نحن نؤمن بالتقمّص.

أحمد منصور: قل لي، ما هو التقمّص؟

وليد جنبلاط: التقمّص يعني أنك عندما تشارف على الموت، لا تذهب إلى الجنة أو إلى النار، بل تنتقل روحك إلى جسد آخر، فتتقمص روحك جسدًا آخر إلى أن تتبلور حالة الخلاص، أي أنك تنتقل من جسد إلى جسد، إلى أن تتصفّى الأمور وتصل إلى ما يمكن تسميته بالدنيا الكلية أو الملكوت الكلي. لأن البعض يؤمن بأن الله يتجلّى في كل شيء. فتصل في النهاية إلى الروح الكلية بعد أن تُحاسَب في كل مرحلة من مراحل حياتك، وتنقشع الأمور.

أحمد منصور: يعني أنتم تؤمنون بأن الروح الواحدة لا تبقى في جسد واحد، وإنما روح كمال جنبلاط مثلًا حلّت فيه من شخص قبله، وستحلّ في شخص بعده؟

وليد جنبلاط: صحيح. أما عند العلويين، فأعتقد أنهم يؤمنون بالتناسخ. التقمّص هو انتقال الروح من إنسان إلى إنسان، أما عند العلويين، فأعتقد، كما عند الهندوس، أن الروح قد تنتقل من جسد إنسان إلى جسد حيوان أو العكس. وهذه العقيدة، على كل حال، تعود إلى الفلسفة اليونانية، وأعتقد إلى فيثاغورس. وفي العصر الذهبي للإسلام، عندما تُرجمت الفلسفة اليونانية، اقتبس المسلمون، واقتبست عديد من المذاهب الإسلامية، تلك الفلسفات التي انتقلت لاحقًا إلى الأندلس.

أحمد منصور: هذا الخلاف العقائدي، الذي من المفترض ألا يُناقَش بهذا الشكل، لماذا كان يؤدي إلى صراعات وخلافات بينهم، مثل الصراع على الهيمنة أو النفوذ؟

وليد جنبلاط: أحد الأسباب أن حافظ الأسد لم يكن يريد زعيمًا درزيًا في لبنان يتحداه، فيوقظ بذلك شعور دروز سوريا، دروز جبل العرب.

أحمد منصور: أن يثوروا ضده؟

وليد جنبلاط: طبعًا، ليس فقط أن يثوروا، بل قد تصبح سابقة. وهو، عندما استلم الحكم عام 1970، لاحقًا، إذا صح التعبير، قام بتطهير الجيش والمخابرات من أي وجود غير علوي.

أحمد منصور: غير علوي.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: يعني كانت خطة حافظ الأسد، منذ أن سيطر على السلطة عام 1969 ومهّد لذلك قبلها، تهدف إلى تمكين العلويين، ليس فقط من حكم سوريا، بل من المنطقة؟

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: حتى الدروز كان يعاديهم لهذا السبب، وليس فقط السنة والمسلمين؟

وليد جنبلاط: صحيح.

اللقاء العاصف بين حافظ الأسد و كمال جنبلاط

أحمد منصور: اللقاء العاصف في مايو/أيار 1976 بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد، حاولت البحث عنه في مصادر كثيرة. ناقشته مع جوني عبده، ومع أمين الجميل، وأناقشه الآن معك. حافظ الأسد قال لكمال جنبلاط: لن أسمح لك بالانتصار على المسيحيين. وفي كتاب حرب لبنان، يقول ألان مينارغ إن كمال جنبلاط قال للأسد: لا تنسَ، يا سيادة الرئيس، أن الطائفة الأرثوذكسية اليونانية والأرمن وثلاثة أرباع الروم الكاثوليك وثلث الموارنة أنفسهم يعارضون المتطرفين الموارنة الانعزاليين الذين تدعمهم أنت.

وليد جنبلاط: اسمح لي أن أقول إن ألان مينارغ ليس مرجعًا موثوقًا للحديث عن التاريخ الصعب لتلك المرحلة وتاريخ المشرق العربي. عرفته، لكنه كان مغامرًا.

أحمد منصور: هل تعلم أنه استند إلى أرشيف الكتائب؟

وليد جنبلاط: لا أعلم.

أحمد منصور: هذه كلها وثائق الكتائب التي استند إليها فيما كتب.

وليد جنبلاط: ربما، لكننا لم نكن آنذاك…

ندية كمال جنبلاط لحافظ الأسد

أحمد منصور: أنا التقيت به وأجريت معه حوارًا، وكنت أقارن كتابه بغيره. وما ذكره هنا، ذكر شيء منه فؤاد بطرس في مذكراته، وكان وزير خارجية ووزير دفاع لبنان، وكان يلتقي الأسد. وذكره أيضًا، اسمح لي، صديقك اللدود كريم بقرادوني، وهو يجيد الصياغة. فأخذت المشترك بينهما، وقد أقرّ به أمين الجميل أيضًا، أن حافظ الأسد هدده، بينما كان كمال جنبلاط لا يهاب الأسد.

وليد جنبلاط: صحيح. كمال جنبلاط، في ذلك اللقاء الطويل في مايو 1976، كان مُصرًّا على أن تعطيه سوريا سلاحًا، وذلك، وفق ما سمعته من مقربين منه، مثل محسن دلول وعباس خلف، لردع ما سمّيناه «الانعزال». وربما التعبير الأدق هو «الانعزال» للتفريق بينه وبين الموارنة.

أحمد منصور: لأنه كان يقول إن ثلث الموارنة ليسوا مع الانعزاليين، ومعظم المسيحيين ليسوا معهم أيضًا.

وليد جنبلاط: صحيح، ولذلك استخدم كمال جنبلاط والحركة الوطنية كلمة «الانعزال» تفاديًا للانزلاق إلى توصيف طائفي، لكنهم فشلوا، وفشلنا، في تجنب الحرب الطائفية. وقد رفض حافظ الأسد ذلك. ووفق ما رواه لي أيضًا صديقي الراحل العماد حكمت الشهابي، رئيس أركان الجيش السوري، كان يعلّق على هذا الاجتماع بأنهما كان يمكن أن يلتقيا ويتصالحا، لكن الأمر فشل.

أحمد منصور: بسبب ماذا؟

وليد جنبلاط: أعتقد أن كمال جنبلاط لم يكن يدرك حجم التلاقي الدولي والعربي ضد منظمة التحرير وضد اليسار اللبناني.

أحمد منصور: أي حول القضاء عليهم؟

وليد جنبلاط: نعم، حول القضاء عليهم.

أحمد منصور: وتصفيتهم؟

وليد جنبلاط: نعم.

دخول الأسد لبنان لتصفية منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية

أحمد منصور: في شهادته معي على شاهد على العصر، يقول شفيق الحوت إنه كان يعرف كمال جنبلاط جيدًا، وكان يقدّره، لكنه يرى أن تكوينه الشخصي والثقافي جعله يظهر كزعيم إقليمي، وليس مجرد زعيم طائفة، وهذا كان يزعج حافظ الأسد لأنه كان يشعره بالندية.

وليد جنبلاط: صحيح، في مكان ما هذا صحيح. لكن نقطة الحسم كانت الحرب اللبنانية، وعدم إدراك كمال جنبلاط لوجود خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. أقول ذلك بموضوعية بعد عقود من وفاته.

أحمد منصور: شفيق الحوت قال إن كمال جنبلاط وقع في الخطأ الذي كان يحذر منه دائمًا، وهو تجاوز الخطوط الحمراء.

وليد جنبلاط: ربما، وأعتقد أنه محق.

أحمد منصور: هنا فهمنا جزءًا من أسباب العداء بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط.

وليد جنبلاط: نعم، وربما الحقد. وأذكر هنا أنه في تلك السنة، ذهب الأمير مجيد أرسلان، رغم أنه لم يكن حليفًا لكمال جنبلاط، لكنه كان يحترم دار المختارة.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: استُدعي إلى سوريا مع مجموعة من الأقطاب الذين كانوا يعارضون كمال جنبلاط. وخلال الحديث، استخدم حافظ الأسد تعبيرًا مهينًا عن كمال جنبلاط.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: فتدخل الأمير مجيد وقال: «سيادة الرئيس، اسمح لي، هذا ابن جنبلاط، لا يُخاطَب بهذه الطريقة»، رغم الخلاف السياسي، لكن كان هناك احترام بين دار المختارة ودار خلدة.

أحمد منصور: هذا يؤكد أن أحد أسباب العداء كان أن كمال جنبلاط كان يحظى باحترام حتى من خصومه.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: من خلال هذا النقاش، أصبح واضحًا أن دخول السوريين إلى لبنان عام 1976 كان هدفه الأول تصفية منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية، وأن حافظ الأسد لم يدخل إلا بضوء أخضر أمريكي إسرائيلي، أليس كذلك؟

وليد جنبلاط: صحيح. وعندما دخلت القوات السورية، وصلت مثلًا إلى صيدا، وحاولت الوصول إلى النبطية في جنوب لبنان. عندها جاء إنذار أمريكي إسرائيلي عبر الولايات المتحدة إلى سوريا بأن الدخول إلى تلك المنطقة خط أحمر، فانسحبت القوات السورية إلى صيدا، وتركت الجنوب مفتوحًا للأحداث التي وقعت لاحقًا، وصولًا إلى عام 1982.

أحمد منصور: حتى يونيو/حزيران 1976، كانت كفة الحرب تميل إلى القوى الوطنية والفلسطينيين.

وليد جنبلاط: لا، كانت هناك جولات وجولات.

أحمد منصور: لكن الغلبة في معظمها كانت لصالحهم، حتى دخل السوريون، فبدأت الكفة تميل لصالح الموارنة والسوريين ضد القوى الوطنية والفلسطينيين.

وليد جنبلاط: أخالفك، لأننا إذا دخلنا في تفاصيل الجولات العسكرية سندخل في نقاش لن ننتهي منه. لقد رُسمت خطوط حمراء بعد أن وقعت كوارث على الأرض. كارثة الدامور نعترف بها.

أحمد منصور: في 20 كانون الثاني/يناير، في معركة الدامور.

وليد جنبلاط: وكذلك كارثة تل الزعتر.

أحمد منصور: والكرنتينا.

وليد جنبلاط: والنبعة والكرنتينا. كانت هناك مجازر كبيرة وتهجير من هنا وهناك.

أحمد منصور: الجميع ارتكب جرائم ومجازر.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: كل طرف تجاه الآخر، وهذا لا يعفي أحدًا.

وليد جنبلاط: هذا لا يعفي أحدًا.

أحمد منصور: لكن عندما ننظر إلى الخلفية، نجد أن الأصابع الإسرائيلية والأمريكية كانت تحرّك المشهد.

وليد جنبلاط: الأصابع الإسرائيلية، وربما أيضًا السورية.

أحمد منصور: السورية جزء من المشهد، لكننا نقول إن السوري لم يدخل إلا لينفذ الخطة المطلوبة منه، وحين حاول التقدم إلى مناطق قد تهدد الإسرائيليين، تلقّى إنذارًا أحمر.

وليد جنبلاط: صحيح.

القمة العربية تمنح الشرعية للوجود السوري في لبنان

أحمد منصور: في أكتوبر 1976 عُقدت قمة عربية في السعودية منحت الشرعية للوجود السوري في لبنان.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: وهنا النقطة: ترتيب أمريكي إسرائيلي، ثم شرعية عربية للقوات السورية تحت مسمى «قوات الردع العربية».

وليد جنبلاط: فلنقل إن سوريا مُنحت الشرعية العربية، طبعًا بإذن أمريكي. لأن ياسر عرفات أصبح أقوى مما ينبغي، وكذلك كمال جنبلاط، رغم خصوصية العلاقة بينه وبين الأمير عبد الله بن عبد العزيز. أيضًا لم يكن مسموحًا بإقامة نظام، إذا صح التعبير، علماني أو لا طائفي في لبنان. هذا كان تجاوزًا لخطوط حمراء بالنسبة للعالم العربي آنذاك، ومع الأسف حتى الآن، إذ لم يكن قادرًا على تحمّل نظام غير طائفي أو فئوي أو عائلي.

أحمد منصور: يعني المطلوب في لبنان أن يبقى النظام طائفيًا.

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: وألا يتغير هذا النظام، وأي شخص يحاول تغييره يتم إقصاؤه أو القضاء عليه.

دعم الأمير عبد الله بن عبد العزيز لدروز لبنان

وليد جنبلاط: لكن للتاريخ، لا بد أن أذكر أن الأمير عبد الله، بعد اغتيال والدي كمال جنبلاط، وعندما قمت بجولة عربية، كانت أول زيارة لي إلى حافظ الأسد. كنت أمام خيارين: إما الذهاب إلى إسرائيل أو الهجرة بحرًا، أو التوجه إلى سوريا، لأنني كنت بحاجة إلى الدعم السوري والسوفييتي. فقال لي الأمير عبد الله، بطيبته، إنه لو لم أزر سوريا لما زارها هو.

أحمد منصور: إلى هذا الحد كان يكنّ لكم التقدير؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: لدرجة أنه قاطع الأسد عندما قاطعته، وصالحه عندما صالحته؟

وليد جنبلاط: إذا صح التعبير، نعم.

أحمد منصور: وبقيت علاقتك به، ثم بالملك عبد الله، كما هي حتى وفاته؟

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: وكان الداعم الرئيسي لكم، أنتم دروز لبنان؟

وليد جنبلاط: نعم، وكان يقول لي إنه يعتبر بني معروف عشيرته، كغيرها من عشائر العرب.

أحمد منصور: أعود إلى عام 1976. مسار الحرب بدأ يتغير بعد التدخل السوري. سقط مخيم تل الزعتر بعد سبعين يومًا من القتال في 13 آب/أغسطس. السوريون دعموا الموارنة…

وليد جنبلاط: فلنقل «الانعزاليين» هو التعبير الأدق.

أحمد منصور: حسنًا، الانعزاليون.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: المسيحيون؟

وليد جنبلاط: لا. كما ذكرت، كان هناك شخصيات إسلامية أيضًا لم تكن تؤيد إلغاء الطائفية السياسية، مثل صائب سلام. فهل نسميه انعزاليًا؟ لا. كان هناك من يرفض إلغاء الطائفية أو مفهوم العلمنة.

أحمد منصور: ما المصالح المشتركة بين حافظ الأسد والانـعزاليين اللبنانيين الذين دعمهم ضد الحركة الوطنية والفلسطينيين؟

وليد جنبلاط: استخدم حافظ الأسد بعض الميليشيات المسيحية الانعزالية في القتال. كما ذكرت، في تل الزعتر، كان لا بد من فصل عسكري في الجبهة، وقد حصل هذا الفصل من قبل منظمة الصاعقة ذات الولاء السوري، التي كانت تسيطر على موقع أساسي هناك، فانسحبت من القتال، مما مكّن السوريين، مع حلفائهم من الكتائب ونمور الأحرار، من القضاء على تل الزعتر، ثم تهجير الفلسطينيين والمسلمين من حي النبعة، الذي كان يُعرف بحي الفقراء.

جوني عبده يكذب ادعاءات حافظ الأسد

أحمد منصور: جوني عبده، مدير المخابرات اللبنانية، قال في شهادته معي إن ادعاء حافظ الأسد أنه دخل الحرب للدفاع عن الموارنة ادعاء غير صحيح، وأنه استخدمهم وسيلة للسيطرة على لبنان.

وليد جنبلاط: أوافقه على ذلك. استخدم ليس فقط الموارنة، بل استخدم أطرافًا أخرى لاحقًا في تصفية ما تبقى من منظمة التحرير. وعندما خرج عرفات من بيروت عام 1982، إلى اليونان، ارتكب خطأ استراتيجيًا عندما عاد إلى طرابلس وتحدى الأسد، فكانت مجزرة جديدة بحق أهل طرابلس.

أحمد منصور: ما مصلحة حافظ الأسد في إنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان، وهو الذي كان يرفع شعار مقاومة إسرائيل؟

وليد جنبلاط: حاول في مرحلة ما أن ينشئ ما يشبه مثلثًا تحت سيطرته يمتد من الأردن إلى لبنان. فشل في الأردن بسبب رفض النظام هناك. وفي لبنان، وفق رؤيته القومية والبعثية، لم يكن يعترف بلبنان ككيان مستقل، بل كان يعتبره جزءًا من سوريا. أما كمال جنبلاط، فكان يريد لبنان غير طائفي، لكنه كان متمسكًا باستقلاله. حتى عندما قامت الوحدة بين عبد الناصر وسوريا، نصح كمال جنبلاط عبد الناصر باحترام سيادة لبنان، لأنه خشي أن يمتد النفوذ المصري إليه كما حدث في سوريا.

عودة كمال جنبلاط إلى لبنان في ناقلة نفط

أحمد منصور: هل أدرك كمال جنبلاط، الذي كان يعارض دخول السوريين، أن هذا التدخل يعني نهايته السياسية؟

وليد جنبلاط: أدرك أنه نهاية للبنان، وليس فقط للدروز. وبعد لقائه مع الأسد، قام بجولة زار فيها الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان، وزار ميتران، وكان يسعى للحصول على دعم فرنسي لمنع التدخل السوري، لكن الضوء الأخضر كان قد أُعطي بالفعل لسوريا.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: ثم عاد إلى مصر، حيث استقبله السادات استقبالًا كبيرًا في مجلس الشعب، لكنه قال له لاحقًا: أنصحك بالبقاء هنا للراحة. فهم كمال جنبلاط أن هناك أمرًا يُدبَّر له.

أحمد منصور: أي أنه استشعر خطر التصفية.

وليد جنبلاط: نعم. وقد قال، وفق روايات مقربين منه مثل محسن دلول وعباس خلف: «أريد أن أعود لأموت مع جماعتي».

أحمد منصور: أي أنه قرر العودة رغم إدراكه للخطر.

وليد جنبلاط: نعم. ثم بقي في فندق «شبرد» في القاهرة يبحث عن وسيلة للعودة، فاستعان بالسفير السوفييتي، الذي كان على علم بحجم المؤامرة، وسهّل له العودة عبر ناقلة نفط أوصلته إلى مرفأ الجية. وكنت أنا شخصيًا في المختارة عند عودته.

أحمد منصور: لا، أنا أريد تفاصيل هذه القصة، لأنني لم أجدها في الكتب.

وليد جنبلاط: هذه عندي.

أحمد منصور: زيارة كمال جنبلاط إلى أنور السادات، وأن الجميع تخلّى عنه، حتى السادات لم يدبّر له وسيلة للعودة إلى لبنان، هذه قصة عجيبة.

وليد جنبلاط: عاد على متن ناقلة نفط إلى مرفأ الجية، وليس إلى بيروت، لأن مرفأ بيروت كان مسيطرًا عليه من قبل الانعزاليين. عاد، وكنت في ذلك اليوم في المختارة، وسمعت إطلاق نار في الهواء، وانتشرت إشاعة بأن كمال جنبلاط قد عاد، فأطلق أهل البلدة النار ابتهاجًا بعودته.

أحمد منصور: وكان ذلك قبل اغتياله بفترة قصيرة.

وليد جنبلاط: نعم، بفترة قصيرة. ثم بقي في المنزل، وجاءه من نصحه، وهو رفيق من الحزب كانت له علاقة جيدة بالنظام السوري.

أحمد منصور: مع السوريين.

وليد جنبلاط: نعم، الرفيق رياض رعد، وقال له: لماذا لا تكتب رسالة إلى حافظ الأسد؟ فكتب الرسالة، وهي لدي، وسأعطيك نسخة منها.

أحمد منصور: ممتاز، ماذا قال فيها؟

وليد جنبلاط: قال فيها: «أما وقد دخلتم إلى لبنان، فرجاءً تجريد الميليشيات الانعزالية من السلاح»، ورجاءً — وأختصر — الانتباه إلى الثغرة المتروكة في جنوب لبنان، لأنها قد تكون معبرًا للقوات الإسرائيلية. كانت هناك منطقة أشبه بجيب أمني تحت سيطرة…

أحمد منصور: جيش لبنان الجنوبي.

وليد جنبلاط: نعم، الجيش اللبناني الجنوبي بقيادة سعد حداد.

أحمد منصور: سعد حداد.

وليد جنبلاط: حذّر آنذاك من هذا الجيب، وكأنه استشرف الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 من خلاله.

أحمد منصور: هل وصلت الرسالة إلى الأسد؟

وليد جنبلاط: لا أدري، لا أحد يستطيع الجزم.

أحمد منصور: لكن لديك صورة منها؟

وليد جنبلاط: نعم.

وليد جنبلاط يروي كيفية اغتيال والده كمال جنبلاط

أحمد منصور: كمال جنبلاط تعرّض لأكثر من محاولة اغتيال، وليس فقط الأخيرة. وقد تم اغتياله في 16 مارس 1977. وما يثير دهشتي في كمال جنبلاط، وفيك أيضًا، أنه كان يتحرك دون حراسة، يركب سيارته مع سائقه فقط، دون مواكبة، وأنت كذلك تتنقل وتسافر دون حراسة.

وليد جنبلاط: في مرحلة معينة، بعد اغتيال رفيق الحريري، صدّقنا وهم الحراسات، لكن في النهاية الأمر يعتمد على القدر.

أحمد منصور: أذكر شيئًا للمشاهدين: في زيارتي لك في المصيطبة في بيروت، كنت أراك جالسًا في الحديقة، وحولك عشرات الأبراج التي يمكن أن يكون فيها مئات القناصين، ومع ذلك كنت تجلس بهدوء تقرأ وتكتب.

وليد جنبلاط: ولا أزال كذلك. وعندما توجه كمال جنبلاط في رحلته الأخيرة إلى بيروت، كان معه سائق وحارس فقط.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: هذه مسألة تتعلق بعقيدة الإنسان، إن صح التعبير، الإيمان بالقدر. عندما تأتي الساعة، لا يمكن دفعها.

أحمد منصور: أكّد لي هذا المعنى، لأن كثيرًا من السياسيين يعيشون في خوف دائم، حتى إن حراساتهم تتحكم في كل تفاصيل حياتهم.

وليد جنبلاط: «ويلقاكم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة».

أحمد منصور: «ولو كنتم في بروج مشيدة».

وليد جنبلاط: نعم، سامحني.

أحمد منصور: كونك تؤمن بهذا وتعيشه، كما رأيت، فهذا أمر لافت مقارنة بمن يعيشون تحت الحراسة الدائمة.

وليد جنبلاط: لأنهم ينسون أمرًا مهمًا، وهو أن هناك آخرة، ولا يتذكرون ذلك إلا عند اقتراب الموت، حين يستنجدون بالله، ولكن بعد فوات الأوان.

أحمد منصور: روبرت فيسك في كتابه ويلات وطن، في صفحة 155، يقول: وبينما كان كمال جنبلاط عائدًا بسيارته من المختارة، وقبل أن يصل إلى بعقلين، لحقت بسيارته سيارة ليموزين فيها على الأقل مسلحان، وكان عندئذ يجلس في المقعد الخلفي يقرأ جريدة النهار، فأصابت الطلقة الأولى رأسه، وسقط القسم الأكبر من دماغه على الجريدة.

وليد جنبلاط: كانت الرواية الحقيقية مختلفة. كانت هناك سيارة من نوع «بونتياك» وليست «إلدورادو»، وكانت تحمل لوحات عراقية. أُدخلت هذه السيارة عبر مرفأ بيروت، وتم إعداد تلك الرواية لإيهام الناس بأن النظام العراقي البعثي هو الذي اغتال كمال جنبلاط. وكان في العملية أربعة من الوحدات الخاصة، وكانت السيارة تنتظره عند دوار بعقلين.

أحمد منصور: عند الدوار.

وليد جنبلاط: نعم، عند الدوار. ولحقت به السيارة، ثم نزل المسلحون، واعترضوا سيارة والدي، وأخرجوا المرافقين حافظ الغصيني وفوزي شديد من السيارة، ووضعوهما في السيارة التي لحقت بهم، بينما ركب مع كمال جنبلاط شخصان.

أحمد منصور: ركبوا معه؟

وليد جنبلاط: نعم، إلى أن وصلوا إلى مفترق معيّن. هناك حاول كمال جنبلاط أن يخرج من سيطرتهم، ربما أمسك بالمقود، فانحرفت السيارة. عندها نزل المسلحان وأطلقا النار على رأسه، والسيارة لا تزال موجودة في المختارة حتى اليوم. كما قُتل حافظ الغصيني وفوزي شديد.

أحمد منصور: بعد أن أنزلوه والسائق؟

وليد جنبلاط: حافظ الغصيني هو السائق.

أحمد منصور: فهمت. يعني هم قادوا السيارة بعد أن ركبوا مع كمال جنبلاط.

وليد جنبلاط: نعم، نعم.

أحمد منصور: كانوا يريدون ماذا؟ اختطافه مثلًا؟

وليد جنبلاط: أعتقد أنهم أرادوا إشعال فتنة، لأنهم أطلقوا النار عليه قرب قرية مسيحية تُسمى دير دوريت. وكانت هناك مؤامرة كبرى، لأنه فور مقتله انتشرت الأخبار بسرعة بأن المسيحيين قتلوا كمال جنبلاط.

أحمد منصور: وهذا ما كان يريده قتلة كمال جنبلاط.

وليد جنبلاط: نعم. وانتشرت الأخبار، فاندفع بعض الجهّال من بني معروف في قرى مثل مزرعة الشوف ومعاصر الشوف والباروك، وقتلوا أبرياء من المسيحيين. ثم عندما وصلت إلى المختارة كان الوضع قد تفاقم.

أحمد منصور: كيف وصلك الخبر؟

وليد جنبلاط: كنت في بيروت، واتصل بي محامٍ من منظمة العمل الشيوعي يُدعى سليمان تقي الدين، وقال لي: يبدو أن شيئًا حدث للمعلم. وكان كمال جنبلاط يُلقب بالمعلم. قلت له: ماذا؟ قال: يبدو أنه قُتل أو استُشهد. بين التصديق وعدم التصديق، أخذت بعض الملابس وبدلة، وذهبت إلى المختارة. وفي الطريق تجاوزتنا سيارة شيخ العقل آنذاك الشيخ محمد أبو شقرا مسرعة، فعرفت أن الأمر جدي.

أحمد منصور: يعني كنت في حالة إنكار للخبر.

وليد جنبلاط: نعم. ثم وصلت إلى حاجز سوري عند مدخل الدامور، وقال لي الجندي: هل معك سلاح؟ قلت له: وصلني خبر أن كمال جنبلاط قُتل. فأخذ السلاح مني وواصلنا الطريق.

أحمد منصور: كان يعرفك.

وليد جنبلاط: نعم. وعندما وصلنا إلى قرية كفرحيم رأيت سيارات محروقة ومقلوبة، فعرفت أن شيئًا كبيرًا قد حدث. ثم وصلت إلى المختارة، وكان الناس مجتمعين حول السيارة التي كان بداخلها جثمان كمال جنبلاط.

ضربت على السيارة بيدي وقلت: نحن لا نبكي. ربما كان ذلك أول قرار سياسي أتخذه، قلت لهم: ممنوع البكاء. وكان الشيخ محمد أبو شقرا موجودًا. وعندما صعدنا الدرج جاء أحدهم وقال: هناك مجزرة تُرتكب بحق المسيحيين في مزرعة الشوف. فعُدنا بسرعة، وذهبنا بموكب إلى مزرعة الشوف، وأنقذنا من استطعنا إنقاذه. وكذلك فعلنا في معاصر الشوف، لكننا فشلنا في الباروك.

أحمد منصور: كل هذا قبل دفن كمال جنبلاط؟

وليد جنبلاط: نعم، قبل الدفن. وفي المساء اجتمعت العائلة والأقارب، وقال لي أحدهم إن الدفن يجب أن يتم بعد ثلاثة أيام، لأن الرجل كبير. فقلت: لا، غدًا سيدفن، كفى دمًا. وهكذا حدث. وحددت الصلاة الساعة الواحدة، ثم هطلت الأمطار وكأن الطبيعة تبكيه. فقدمنا الصلاة إلى الساعة الثانية عشرة.

ثم خرجت من هناك لأواجه همومًا أخرى، وكان همّ الدفن قد انتهى.

أحمد منصور: هذه اللحظات ما زالت تعيش في داخلك؟

وليد جنبلاط: نعم، ما زالت.

أحمد منصور: سنكمل معك في الحلقة القادمة إن شاء الله.

وليد جنبلاط: إن شاء الله.

أحمد منصور: شكرًا لك. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وزعيم الدروز في لبنان. حتى ألقاكم في حلقة قادمة من برنامج شاهد على العصر، أستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحلقة

00:00 المقدمة
00:37 الحرب الأهلية اللبنانية
02:30 هدف الأسد من دخول لبنان
05:16 نظرة حافظ الأسد إلى لبنان!!
07:55 رغبة حافظ الأسد في القضاء على كمال جنبلاط
10:10 أسباب العداء الطائفي بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط
11:58 تقسيمات الطائفة الدرزية!!
13:15 ما هي التكاليف في العقيدة الدرزية؟
17:04 تدخل محمد علي ضد الدروز وتجريدهم من سلاحهم
17:51 إيمان الدروز بالتقمص والعلويين بالتناسخ
20:12 سبب الصراع بين العلويين والدروز؟؟
21:23 اللقاء العاصف بين حافظ الأسد و كمال جنبلاط!!
25:10 ندية كمال جنبلاط لحافظ الأسد
27:45 دخول الأسد لبنان لتصفية منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية
30:20 القمة العربية تمنح الشرعية للوجود السوري في لبنان!!
31:50 زيارة وليد جنبلاط لسوريا بعد اغتيال الأسد لوالده
32:38 دعم الأمير عبد الله بن عبد العزيز لدروز لبنان
33:15 مسارات الحرب اللبنانية بعد دخول سوريا
35:15 جوني عبده يكذب ادعاءات حافظ الأسد
36:18 مصلحة حافظ الأسد في إنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان
38:06 حافظ الأسد يهدد بتصفية وليد جنبلاط سياسيًا
40:03 عودة كمال جنبلاط إلى لبنان في ناقلة نفط
45:00 وليد جنبلاط يروي كيفية اغتيال والده كمال جنبلاط

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج2 من شهادته على العصر: سر قوة ونفوذ الدروز في لبنان

التالي
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج5: العلاقة بين كتائب القسام والسلطة الفلسطينية

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share