في الحلقة الخامسة من شهادته على العصر، التي جرى بثها في 30 أبريل 2026، يستعرض أحمد منصور، مع الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث قضى هناك أربعة وثلاثين عامًا، وأفرج عنه في الثامن والعشرين من فبراير عام ألفين وخمسة وعشرين، العلاقة بين كتائب القسام والسلطة الفلسطينية في عهد كلاً من ياسر عرفات، ومحمود عباس أبو مازن، وكيف استطاع عبد الناصر عيسى الدخول من الضفة إلى غزة برغم بحث الإسرائيليين عنه؟ وطبيعة العلاقة بين كتائب القسام والسلطة الفلسطينية؟ وقصة لقائه يحيى عياش ومحمد الضيف؟
رابط الحلقة على الجزيرة 360
وقال عيسى إن أبو مازن أخذ الأمور بعيدًا جدًا في تصريحاته وأعماله ضد المقاومة، على عكس زمن الراحل أبو عمار. وأضاف نحن نعتبر فتح والسلطة إخوة لنا وما زلنا كذلك، ولم نسعَ لضربهم أو محاربتهم أو الصدام معهم.
وروى عيسى الكيفية التي كان يهرب بها وهو مطارد قبل فراره إلى غزة، وكيف اعتقل أكثر مرة في عدة مخالفات، ولم يجري التعرف على شخصيته الحقيقية كأبرز المطلوبين لجيش الاحتلال !!.
كما تطرق عيسى إلى ظاهرة عودة الأسرى المحررين إلى العمل المقاوم بعد الإفراج عنهم، رغم قسوة التجربة داخل السجون، معتبرًا أن ذلك يعود إلى “الإيمان والإصرار ورفض الواقع تحت الاحتلال”، وهو ما شكّل دافعًا أساسيًا للاستمرار في العمل المسلح.
وتحدث عن أبرز قادة القسام الذين قابلهم في غزة، ومنهم المهندس يحيى عياش، وأبو خالد محمد الضيف.
وأكد عبد الناصر عيسى أن حماس على يقين بأن إسرائيل دولة قوية ومدعومة من العالم، لكنهم يعتقدون بإيمان راسخ لا يتزعزع بأنهم مستعدون لدفع كل الأثمان من أجل القدس والأقصى وفلسطين وحرية الشعب الفلسطيني وكرامته.
وعن طبيعة الصراع مع إسرائيل، قال إن الصراع مع إسرائيل والصهيونية ليس صراعًا دينيًا بحتاً، لكنه صراع حضاري يشتمل على جوانب سياسية ودينية أيضا، وأنهم ليسوا ضد اليهود كيهود، ولكنهم ضد الاحتلال والتهجير.

نص حوار عبد الناصر عيسى ج5:
العلاقة بين كتائب القسام والسلطة الفلسطينية
أحمد منصور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى الأسير المحرر عبد الناصر عيسى عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث قضى هناك أربعة وثلاثين عاما، وأفرج عنه في الثامن والعشرين من فبراير عام ألفين وخمسة وعشرين. أبو حذيفة. مرحبا بك.
عبد الناصر عيسى
حياكم الله.
حياة المطاردين
أحمد منصور
في شهر أكتوبر عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين أصبحت مطاردا من الإسرائيليين بعدما كنت تشارك في العمل العام رئيسا للكتلة الإسلامية في جامعة النجاح في نابلس. ما معنى أن تكون مطاردا؟
عبد الناصر عيسى
طبعًا، سلطاتُ الاحتلالِ الصهيونيِّ في العادةِ تُلاحقُ الفلسطينيينَ المقاومينَ على أتفهِ الأسباب، وتُلاحقُهم وتعتقلُهم. وأحيانًا، بعضُ هؤلاءِ المعتقلينَ أو بعضُ هؤلاءِ الفلسطينيينَ المقاومينَ لا يتسنّى لها اعتقالُهم لسببٍ أو لآخر. طبعًا، اعتُقلتُ بعد أن هربتُ من المنزلِ في نهايةِ نوفمبر 1994، ومنذُ تلك اللحظةِ أصبحتُ مُطارَدًا لقواتِ الاحتلال، لا أستطيعُ أن أتحرّكَ في الشارعِ بحرية.
أحمد منصور
هم حاولوا أن يعتقلوك؟
عبد الناصر عيسى
حاولوا أن يعتقلوني، ولكنهم بفضلِ اللهِ فشلوا في ذلك، حيثُ هربتُ.
أحمد منصور
أنتَ رويتَ طريقةَ الهروبِ المُثيرة.
عبد الناصر عيسى
نعم، في تلك اللحظةِ أصبحتُ لا أتحرّكُ في الشارع، ولا أتحرّكُ إلا ليلًا وفي ساعاتٍ محددة. كانت بدايةُ المطاردةِ أسهلَ من وسطِها ومن نهايتِها؛ لأنَّ البدايةَ تكونُ فيها الأمورُ غيرَ واضحةٍ تمامًا. فكنتُ مطارَدًا أتحرّكُ نسبيًّا، ولكن بصورةٍ منضبطةٍ جدًّا؛ لا أتحرّكُ في النهار، ولا أتحرّكُ مكشوفَ الوجه، لكنني كنتُ أتحرّكُ أحيانًا بطريقةٍ مدروسة. وفي اليومِ نفسِه أو في اليومِ التالي ذهبتُ إلى الجامعة، ورتّبتُ بعضَ الأمور؛ لأنني في البدايةِ كنتُ أقول إنني سأُسلّمُ نفسي.
أحمد منصور
أولُ مكانٍ سيبحثون فيه عنك هو الجامعة.
عبد الناصر عيسى
نعم، وأنا كنتُ قد أبلغتُ الناسَ أنني سأُسلّمُ نفسي، فلم يجدوني. كان ذلك تكتيكًا مني لكسبِ الوقت، فقلتُ لهم ذلك.
مقاومة الاعتقال
أحمد منصور
لكنَّك طبعًا كنتَ قد اتخذتَ قرارًا بأنك لن تُسلّمَ نفسك أبدًا.
عبد الناصر عيسى
طبعًا؛ لأنني كنتُ أرى أنَّ السجنَ مصيبةٌ وبلاءٌ كبير، ويجبُ علينا ألّا نُعتقل. ينبغي على الفلسطينيِّ ألّا يُعتقل، وأن يُقاومَ الاعتقالَ بشتى السُّبُل، وهناك وسائلُ كثيرةٌ جدًّا لمقاومةِ الاعتقال. وللإشارة، كتبنا كتابًا أنا والأخُ مروان البرغوثي والأخُ عاهد غنمي بعنوان «مقاومةُ الاعتقال»، وهو موجودٌ في الأسواق. وخلاصةُ هذا الكتابِ أننا يجبُ أن نُقاومَ الاعتقال، وألّا نُعتقل، وإذا اعتُقلنا…
أحمد منصور
ما وسائلُ مقاومةِ الاعتقال؟
عبد الناصر عيسى
أولًا: ألّا تُعتقل؛ أي أن تُحاولَ تجنّبَ الاعتقال.
أحمد منصور
كيف؟ هذا ليس بيدِك!
عبد الناصر عيسى
أن تُقاومَ الاعتقال؛ فإذا جاءك، فقاوِمْهُ بالهروب. هذه أولُ خطوة.
أحمد منصور
أولُ خطوة.
عبد الناصر عيسى
نعم، فإن نجحتَ فيها فهذا ممتاز، وإن لم تنجحْ ننتقلُ إلى الخطوةِ الثانية: ماذا تفعلُ إذا اعتُقلت؟ كيف تُقاومُ وأنتَ داخلَ الاعتقال؟ كيف تُقاومُ وأنتَ في الجيبِ (المركبةِ) عند اعتقالِك؟ كيف تُقاومُ في مركزِ التحقيق؟ وكيف تُقاومُ بعد خروجِك من مركزِ التحقيق؟ وهكذا. يجبُ أن تكونَ مقاومةُ الاعتقالِ شعارًا وديدنًا للإنسانِ الفلسطيني.
أحمد منصور
هل لا تزالُ تذكرُ تفاصيلَ هذه المقاومة؟
عبد الناصر عيسى
طبعًا.
أحمد منصور
اذكرْها لنا ليتعلّمَ المشاهدون.
عبد الناصر عيسى
في البداية، أخبرتُ بعضَ الجهاتِ—ليصلَ الخبرُ إلى سلطاتِ الاحتلال—أنني سأُسلّمُ نفسي خلال يومٍ أو يومين، ولم أكنْ أنوي الاعتقالَ خلال هاتينِ الساعتين، بل رتّبتُ بعضَ الأمور.
أحمد منصور
مثل ماذا؟
عبد الناصر عيسى
كنتُ أتابعُ بعضَ الأمورِ في الجامعةِ وفي الدراسةِ، وفي إمارةِ الكتلةِ الإسلامية، وتنظيمِ الأمورِ الداخلية؛ أي رتّبتُ شؤوني وأوراقي.
أحمد منصور
نريدُ أن نعرفَ ماذا رتّبتَ بالضبط.
عبد الناصر عيسى
نعم، مع الإخوةِ الذين كانوا هناك.
أحمد منصور
لقد مرّت ثلاثون سنة، لن يعتقلوك مرةً أخرى!
عبد الناصر عيسى
رتّبنا شؤونَ الكتلةِ الإسلامية، ولم يكن هناك أمرٌ خاص.
أحمد منصور
كيف رتّبتَ؟ أخبرني تحديدًا.
عبد الناصر عيسى
كنتُ مسؤولَ الكتلةِ الإسلامية.
أحمد منصور
ومن كان بعدك؟
عبد الناصر عيسى
من سيخلفُني؟ ومن سيتابعُ القضايا الموجودة؟ ومن سيتولى العملَ في تلك الفترة، مثلَ الأنشطةِ الطلابية؟ هذه الأمورُ رتّبناها. كنتُ أستطيعُ المغادرةَ مباشرة، لكنني فضّلتُ أن أطمئنَّ على الأوضاع، وبالفعل اطمأننتُ إلى وجودِ إخوةٍ أفاضل، لا يُحبّون ذكرَ أسمائهم، لأنهم ما زالوا أحرارًا، نسألُ اللهَ أن يحفظهم. رتّبتُ معهم شؤونَ الكتلةِ الإسلاميةِ ونشاطاتِها، ثم اختفيتُ بعد ذلك بشكلٍ كامل.
الاختفاء في نابلس
أحمد منصور
أين اختفيتَ؟
عبد الناصر عيسى
في بعضِ المناطقِ في مدينةِ نابلس.
أحمد منصور
في بيوتٍ أم عمارات؟
عبد الناصر عيسى
في شققٍ خاصة، في البداية.
أحمد منصور
هل كنتم تُعدّون أماكنَ للهاربين أو المطاردين؟
عبد الناصر عيسى
لم يكن أحدٌ يعلمُ أنها للمطاردين؛ كانت بيوتًا عادية. أحيانًا كنّا نستخدمُ منازلَ تسكنُها عائلاتٌ بشكلٍ طبيعي. هذا كان في المراحلِ الأولى، ثم لاحقًا أصبحت هناك مخابئُ خاصةٌ جدًّا بالمطاردين، مع وسائلِ تمويهٍ متعددة. تنقّلنا من الشققِ إلى الجبالِ والمغاراتِ والوديان، وكنّا ننامُ أحيانًا فيها؛ لأسبابٍ أمنية، حتى لا نمكثَ في مكانٍ واحدٍ مدةً طويلة.
أحمد منصور
ما أصعبُ موقفٍ واجهتَه خلال فترةِ المطاردة؟
عبد الناصر عيسى
أحيانًا كانت تمرُّ عليَّ لحظاتٌ لا أعرفُ أين أذهب. كنّا نتجنّبُ الذهابَ إلى بيوتِ الناس؛ حتى لا نُسبّبَ لهم مشكلات، رغم أنهم كانوا يستقبلوننا. لذلك كنّا نلجأُ إمّا إلى شققٍ خاصة، أو إلى الجبالِ والوديانِ والأماكنِ العامة.
أحيانًا كانت تمر علي لحظات لا أعلم أين أذهب، مثلاً: “إلى أين سنذهب؟” كنا نتجنب الذهاب إلى بيوت الناس لأن ذلك قد يسبب لهم مشاكل. لذلك كنا نتجنب قدر الإمكان الذهاب إلى بيوت الناس العاديين، مع أنهم كانوا يستقبلوننا ويفتحون لنا الأبواب، لكن حفاظًا عليهم وعلى أمنهم، كنا نتوجه إما إلى أماكن خاصة كالشقق، أو إلى الجبال والوديان والأماكن العامة.
أحمد منصور:
وأنا أقرأ في سير بعض المطاردين في ذلك الوقت، ذكروا أنهم، وهم مطاردون، أحيانًا لا يجدون الطعام لأيام، ويضطرون للبقاء في المغارات في درجات حرارة شديدة البرودة.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
وأحيانًا تبقى الأمطار تهطل عليهم وهم يبحثون عن ملجأ ولا يجدونه. أوصاف صعبة جدًا لحالة المطارد والمطاردين، ومع ذلك يصرون على ألا يسلموا أنفسهم للإسرائيليين.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
مرت عليك مثل هذه الظروف؟
عبد الناصر عيسى:
طبعا، مرت ظروف صعبة. قلت لك إنه أحيانًا لا تجد إلى أين تذهب، مرت هذه الظروف علينا لكنها لم تكن كثيرة بالنسبة إلي، ربما مرت مرتين أو ثلاث مرات. الحمد لله، كنت مختلفًا قليلًا بسبب امتلاكي دائرة علاقات واسعة وقدرات مميزة، فكانت تسهل علي بعض الأمور. بعض الإخوة المطاردين، مكانتهم الاجتماعية والتنظيمية أقل، فكانت دائرة معرفتهم محدودة جدًا ويواجهون صعوبات أكبر. الحمد لله كانت دائرة معارفي واسعة من الناحية الاجتماعية والسياسية والتنظيمية، وأحيانًا كانت الموارد متوفرة لي أكثر من غيري، فكنت قادرًا على تدبير أموري.
أحمد منصور:
هل كنت مكشوف الوجه؟
عبد الناصر عيسى:
أحيانًا كنت مكشوف الوجه، وأحيانًا في مناطق لا يعرفوني فيها. على سبيل المثال، أنا من نابلس، فإذا ذهبت إلى الخليل أو أريحا، قد أكون مكشوف الوجه، لكن في نابلس كنت أرتدي الباروكة أحيانًا، وأضع الحطة والعقال لتغيير شكلي. ومرة، في مناسبة معينة، ظننت أنني مختفٍ تمامًا، فجاء أحدهم من بعيد وقال لي: “أبو حذيفة، السلام عليكم”، فقلت: “سبحان الله، كيف عرفتني؟”
أحمد منصور:
كنت ترتدي ماذا؟
عبد الناصر عيسى:
كنت أرتدي حطة وعقال، وغيّرت بعض ملامحي. الحطة والعقال تغيّر شكل الإنسان. شاهدني من بعيد وقال لي: “يا رجل، كيف عرفتني؟” قلت له: “كنت أظن نفسي مختفياً”، فقال لي: “لا، عرفتك”، وكان من زملاء الدراسة الجامعية.
أحمد منصور:
ما أخطر موقف تعرضت له وكدت أن يُقبض عليك في تلك الفترة وأنت مطارد؟
عبد الناصر عيسى:
كانت هناك عدة مواقف.
على الحواجز الإسرائيلية
أحمد منصور:
احكِ لنا بعضها.
عبد الناصر عيسى:
بعضها: كنت أسوق السيارة، وفي السيارة تكون قدرتك على معرفة الناس محدودة. أحيانًا كنت أرتدي الطاقية، وأحيانًا كنت أزيل اللحية والشوارب، وأحيانًا ألبس إينسيال أو أشعل سيجارة لأبدو غير ملتزم، حتى أتمكن من الحركة بسهولة. في إحدى المرات، كنت أذهب إلى أريحا، وكان علي المرور بحاجز للجيش الإسرائيلي. استخدمت هوية مزورة، فالمسؤول هناك لم يعرفني.
مرة، الضابط طلب مني شراء حمص، ففعلت ودفعت من جيبي الفرق بعد أن أعطاني 5 شيكل، ورفضت أن أخذه منه، فكان يتصرف معي بطريقة ودية بعد ذلك، وهذا ساعدني على المرور من الحاجز. وفي مرة أخرى، الشرطة الإسرائيلية أوقفتني، ووجدت أن التأمين والترخيص للسيارة منتهي، فهددوني بالاعتقال، لكن بعد رؤية هاتفي القديم (جهاز بريزما)، تغير أسلوبهم، لأنه لا يستخدمه إلا رجال الأعمال، وطلب الجندي عمل مكالمة فوافقت لكن الضابط منعه، وسمحوا لي بالمرور.
أحمد منصور:
وثالث مرة؟
فشل الإسرائيليون في التعرف على هوية عبد الناصر عيسى
عبد الناصر عيسى:
ثالث مرة اعتقلوني، وأنا مطارد، ودخلوني عند الجنائيين، وكنت خائفًا جدًا من أن يعرفوني. كنت أتحرك كثيرًا وأعتمد على نفسي، وأخذت المخاطرة اللازمة لأداء عملي.
أحمد منصور:
سأسألك عن تفاصيل العمل لاحقًا، لكن كمل.
عبد الناصر عيسى:
دخلت السجن وطلبت الاتصال بأخي وصديقي عثمان بلال لدفع الكفالة. تلك الليلة كانت صعبة جدًا وكنت على أعصابي، لكن الحمد لله، لم يعرفوني. كنت مضطرًا للبقاء مستيقظًا طوال الليل لأني لم أكن أعرف من معي من الفلسطينيين الجنائيين.
أحمد منصور:
كانت تهمتك حينها؟
عبد الناصر عيسى:
مخالفة سير، قضية جنائية وليست أمنية. وفي حادثة أصعب، حاولت الوصول إلى غزة ولم أجد طريقًا آمنًا، وحاولت بعض وسائل التهريب، لكنها لم تنجح. أخيرًا، استخدمت هوية مزورة وتصريحًا للذهاب إلى غزة، والحمد لله، تجاوزت الحاجز الإسرائيلي دون كشف أمري، رغم الملاحقة الشديدة آنذاك.
بعد أن وصلني خبر من الأجهزة الأمنية انه سيتم اعتقالي و10 من المطاردين، وكانت علاقتنا ببعض أفراد الأجهزة الأمنية جيدة..
فحاولت الهروب عبر هوية لطالب من جامعة النجاح، عند الحاجز لم يستطيعوا التعرف علي رغم اختلاف الصورة لكن اكتشفت أن الهوية منتهية من يوم .
ودخلت السجن ولم يعرفوا أمري، والحمد لله خرجت بعد 18 يومًا في ظروف صعبة، مع الزنازين وظروف قاسية جدًا، بدون طعام كالكثيرين.
أحمد منصور:
لمجرد أن التصريح كان سينتهي قبل يوم؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، التصريح كان سينتهي قبل يوم، فمكثت حوالي 18 يومًا تقريبًا.
في هذه الأثناء حاولت الاتصال بالإخوة من قسم الدعوة، في جهاز الدعوة العام.
أحمد منصور:
قسم الدعوة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، بعضهم كنت أعرفهم من الجامعة. أرسلت لهم خبرًا ليقوموا باستقدام محامي على أساس أنني سأخرج خلال يومين أو ثلاثة، لأن الأمر لم يستمر لأسابيع. لم أكن أعرف من أتوجه إليه، فقلت: “يا رب يسر الأمر”، وكنت في حيرة لساعات أو أيام. بعد أربعة أو خمسة أيام سألت من سيخرج، فأعطوني حوالي أربعة أو خمسة أسماء لأشخاص سيتم إخراجهم خلال 48 ساعة.
نظرت إليهم بدقة، فاختارت فراستي شخصًا مناسبًا. توجهت إليه بدون معرفة سابقة وقلت: “السلام عليكم، حياك الله يا أخي، كيف حالك؟” قال لي: “أنا مروح”، فقلت له: “من أين أنت؟” قال: “من منطقة شمال قطاع غزة، منطقة بيت حانون”. فسألته: “متى ستكون مروحًا؟” قال: “بعد يومين”، فقلت: “هل تعرف أحدًا من زملائنا؟” قال: “نعم، أعرفه”، وكان أحد الإخوة في الجامعة، اسمه عيسى طه العبد شحادة، أخونا أبو عماد.
قلت له: “هل يمكنك إيصال هذه الرسالة له؟” قال: “نعم”. وبهذا شعرت بالاطمئنان، لأنه قد يكون شخصًا جديرًا بالثقة. أعطيت له قدرًا من المعلومات لأحرص على وصول الرسالة بطريقة آمنة.
أحمد منصور:
بعد أن يخرج؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، أردت أن أهتم بالأمر بنفسي. قلت له: “يا أخي، أنا بشخصية مزورة ومطلوب، وإذا بقيت هنا قد يطول حكمي، أرجوك توصل الرسالة للمحامي”، فقال لي: “ولا يهمك، اعتبر الأمر منتهيًا، واتوكل على الله”، وهذا أنقذني. وبعد أسبوع حضر المحامي إلى المحكمة، مكثت حوالي أسبوعين أو ثلاثة، ربما حوالي 18 يومًا تقريبًا، ثم خرجت.
الهروب إلى قطاع غزة
أحمد منصور:
ذهبت إلى غزة إذًا.
أحمد منصور:
هل كنت تعرف الشخص الذي تحمل هويته؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، كان شابًا من إخواننا الممتازين في قطاع غزة.
أحمد منصور:
تتذكر اسمه؟
عبد الناصر عيسى:
فضلت عدم ذكر اسمه، من دار السلمي، لكنه منظم جيد في قطاع غزة، وكنت أعتمد عليه.
أحمد منصور:
وسبحان الله.
عبد الناصر عيسى:
نعم، شعرت أن فراستي لم تخب، والحمد لله رب العالمين.
أحمد منصور:
هل كانت هناك أحداث أخرى؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، مرات عدة في الضفة الغربية، يوقفوني، ولكن ربنا ينجينا.
أحمد منصور:
هذه الفترة مهمة، كانت ثلاثة أشهر: أكتوبر ونوفمبر وديسمبر.
عبد الناصر عيسى:
نعم، كنا نشعر بلطف ربنا، وليس بشطارتنا، لأنه كان ينجينا لنواصل العمل.
أحمد منصور:
نعم.
عبد الناصر عيسى:
مرة أثناء ذهابي إلى منطقة جنين لأحضر سلاحًا، كنت أنا وعثمان بلال في السيارة، وأخذنا قطعة سلاح صغيرة (كارلو) كانت تحت الكرسي، وأنا السائق، وكان عثمان بجانبي، ملفوفة بقميص تحت الكرسي.
أحمد منصور:
ما شاء الله عليكم، وتمرون بالقرب من الإسرائيليين.
عبد الناصر عيسى:
نعم، لا يمكن الاعتماد إلا على المخاطرة، بل على حساب المخاطر. أحيانًا تكون نسبة الخطر 20٪ وأحيانًا 50٪، فتوكلنا على الله. فجأة، واجهنا حاجزًا للجيش الإسرائيلي.
أحمد منصور:
طيار؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، حاجز الجيش كان أمامنا فجأة. لم نرَه قادمًا، فجأة توقفنا أمامهم. كان مستعدًا لإطلاق النار إذا اكتشفنا، لكننا لم نحمل أي رصاص. فتحوا السيارة، قلبوا كل شيء، وفتشوا الكراسي، الماتور، الطبون، ولم يجدوا السلاح الذي كان تحت الكرسي، فحسبنا الله ونعم الوكيل، وقرأنا القرآن وانتظرنا برحمة الله.
أحمد منصور:
المهم أنك تذكر كل شيء، لأن في تلك اللحظات تنسى كل شيء.
عبد الناصر عيسى:
نعم، جلسنا نقرأ القرآن ونقول: “يا الله ويا رب”، وهم يفتشون السيارة وكأننا صامتون تمامًا، كل شيء تحت مراقبتهم، والحمد لله نجونا.
أحمد منصور:
وأنتُم قاعدين داخل السيارة؟
عبد الناصر عيسى:
لا، نحن كنا جالسين خارج السيارة، وقفنا خارجها. كان هناك عدة جنود، ثلاثة منهم على الأقل كانوا يفتشون ويرفعون أسلحتهم علينا. حينها أدركت أن الأمر انتهى، لم يكن هناك احتمال للخروج، وضعت احتمال واحد بالمئة فقط أننا سننجو. فقلنا: “يا رب، يا الله”. وبدأوا بتفتيش السيارة بالكامل، فتشوا الطبون من الخلف، وتحت المقاعد، وفتشوا الكراسي، قلبوا المقاعد كلها، فتحوا الماتور، وفحصوا الكرسي الذي كنت جالسًا عليه كسائق، وفتحوا تحت الكراسي الخلفية، وفتشوا كل شيء تقريبًا… كل شيء إلا الكرسي الذي كان مخبأ فيه السلاح.
أحمد منصور:
سبحان الله.
عبد الناصر عيسى:
نعم، لقد فتشوا كل شيء بدقة، إلا ذلك الكرسي. كان السلاح ملفوفًا بالقميص، وكان واضحًا أن هناك قميصًا، لكن لم يكتشفوا لا القميص ولا السلاح، ولا الكرسي نفسه تحت الكرسي الآخر. تفحصوا كل الكراسي وكل السيارة. تخيل، ماذا تقول حينها؟ بعد هذا، خرجنا ساجدين شاكرين لله عز وجل، وقلنا إن هذه أيضًا إشارة من الله عز وجل على أنه سيوفقنا في هذا العمل الذي نقوم به، وكانت هذه المهمة مهمة جدًا.
أحمد منصور:
أنت في هذه الفترة، فترة المطاردة، كنت ترتب للعمليات، وتجلب الأسلحة، وتنسق المجموعات وكل هذه الأمور، وهذه هي طبيعة العمل الذي كنت تقوم به ولم تتوقف.
عبد الناصر عيسى:
لم أتوقف أبدًا.
أحمد منصور:
إلى أن قررت أن تذهب إلى غزة بهذه الطريقة.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
العلاقة بين كتائب القسام والسلطة الفلسطينية
أحمد منصور:
هنا تحدثت عن السلطة الفلسطينية، التي وقعت اتفاق أوسلو في سبتمبر، وبدأت في مايو بممارسة دور الشرطة على الأرض وفق الاتفاقات الأمنية.
عبد الناصر عيسى:
فقط في أريحا وغزة.
أحمد منصور:
في أريحا وغزة.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
ثم انتقلت السلطة لاحقًا إلى باقي الضفة. في هذه الفترة، كيف كانت العلاقة بين كتائب القسام والسلطة الفلسطينية؟
عبد الناصر عيسى:
من الناحية الرسمية، كتائب القسام كانت ملاحقة، وهي ممنوعة، والأجهزة الأمنية الفلسطينية كانت مكلفة بملاحقتهم.
أحمد منصور:
بملاحقتهم؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، بملاحقة كل الخلايا العسكرية، سواء كانت تابعة للقسام أو غيره.
أحمد منصور:
نعم.
عبد الناصر عيسى:
حتى بعض الإخوة من فتح كانوا يلاحقونهم، أي شخص له علاقة بمحاولة العمليات العسكرية كان يُلاحق. كان هذا ممنوعًا وفق اتفاقيات أوسلو، لذلك كنا مطاردين من السلطة الفلسطينية وممنوعين. ولكن هناك فرق بين الملاحقة بمفهوم شديد وبين الملاحقة الخفيفة، والملاحقة في تلك الفترة لم تكن على أشدها، صحيح.
أحمد منصور:
وأنت ذكرت أيضًا أن هناك عناصر وطنية داخل السلطة الفلسطينية لم تكن تتعاون مع إسرائيل، وإنما أحيانًا تمد المقاومة بمعلومات.
عبد الناصر عيسى:
أحيانًا.
أحمد منصور:
أحيانًا؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، أحيانًا.
أحمد منصور:
حماس كانت تصر على عدم الصدام مع السلطة الفلسطينية ومع الشرطة، وتقول هؤلاء إخواننا ولا يمكن أن نصطدم معهم.
العلاقة مع حركة فتح
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
ما تفسير حماس لأولئك الذين أصبحوا الآن متعاونين مع الإسرائيليين؟
عبد الناصر عيسى:
تفسير حماس أنهم مجتهدون لكن مخطئون، باختصار. نحن نعتبر فتح حركة وطنية كبيرة جدًا، وأولئك إخوتنا.
أحمد منصور:
فتح شيء، والسلطة شيء، وهذا ما ظهر لاحقًا.
عبد الناصر عيسى:
المشكلة أنه رغم أن فتح نظريًا يمثل الحركة، إلا أن اللجنة المركزية لفتح هي المسؤولة عمليًا عن السلطة الفلسطينية، ورئيس فتح هو رئيس السلطة، واليوم أخونا أبو مازن يسيطر على كل شيء بمركزية عالية جدًا.
أحمد منصور:
أبو مازن له تصريحات ضد المقاومة مثل إسرائيل.
عبد الناصر عيسى:
نعم، أخذ الأمور بعيدًا جدًا في تصريحاته وأعماله ضد المقاومة، وهذا لم يكن في زمن الراحل أبو عمار. ونحن نتحدث بألم، لأننا نعتبر فتح والسلطة إخوة لنا وما زلنا كذلك، ولم نسعَ لضربهم أو محاربتهم أو الصدام معهم.
أحمد منصور:
رغم كل ما يقومون به؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، وهم أحيانًا يستغلون هذا من أجل الاستمرار في ملاحقتنا، للأسف الشديد.
أحمد منصور:
العلاقة الآن مرت أكثر من ثلاثة عقود منذ الاتفاقات الأمنية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وملاحقة السلطة الفلسطينية لحماس.
عبد الناصر عيسى:
زادت.
أحمد منصور:
كيف تقيمون هذا الوضع في حماس؟
عبد الناصر عيسى:
هذا يضع أمامنا تحديًا وتهديدًا كبيرًا جدًا، لأن محاربة الاحتلال أسهل بكثير من محاربة إخوتنا وأبناء جلدتنا الفلسطينيين. الاحتلال واضح كاحتلال أجنبي، أما هؤلاء فهم إخوة لنا، لكنهم مخطئون وأحيانًا مجرمون بحق شعبهم.
أحمد منصور:
سؤالي عن هذه الفترة، الآن مرّت حوالي 35 سنة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. هل كان عنصر الزمن واضحًا في ذهنكم، وأنتم تقاتلون دولة من أقوى دول العالم، وأنتم لا تملكون سوى بعض الأسلحة والمتفجرات؟
مدى عقلانية تحدي حماس لإسرائيل المدعومة دولياً
عبد الناصر عيسى:
كنا نعلم أن إسرائيل دولة قوية ومدعومة عالميًا، لكن كان لدينا إيمان بأننا نستطيع، وأن هدفنا ممكن أن يتحقق، وأننا مستعدون لدفع كل الأثمان من أجل القدس والأقصى وفلسطين وحريتنا وكرامتنا. كنا نستشعر أننا نقاتل نيابة عن الشعب الفلسطيني، فالجزء الكبير من الشعب الفلسطيني لا يقاتل، لكنه داعم للمقاومة. المقاومة العسكرية كنا نشعر أننا مندوبون عن الأمة بأكملها، للدفاع عن مقدسات المسلمين، القدس والأقصى ليست للفلسطينيين وحدهم، بل للعرب والمسلمين ولكل إنسان حر في العالم. وهذا الشعور كان مسؤولية كبيرة ويمنحني وطاقة هائلة، ويمنح إخوتي المجاهدين طاقة للاستمرار وعدم الاهتمام بكل ما يصيبنا.
إدارة الصراع مع إسرائيل
أحمد منصور:
سؤالي لا يتعلق فقط بكونك أسيرًا محررًا، بل كما وصفتك رئيس جهاز الموساد الأسبق بأنك العقل أو أحد العقول الاستراتيجية في حماس، ولديك مركز دراسات وكتب، وتناقش الآن رسالة الدكتوراه ربما خلال أيام. ما مفهوم حماس لإدارة الصراع مع إسرائيل؟
عبد الناصر عيسى:
نحن كحركة إسلامية وطنية فلسطينية نرى أن الصراع مع الاحتلال ليس صراعًا دينيًا، بل قد يكون صراعًا حضاريًا ويشمل الجوانب السياسية والدينية، لكنه ليس دينيًا بحتًا. نحن نقاتل الاحتلال لأنه احتل أرضنا، ولسنا ضد اليهود كديانة. اليهود ديانة محترمة نحترمها، لكننا نقاتل الصهاينة الذين احتلوا أرضنا وطردوا شعبنا ودمروا شعبنا. غزة أكبر شاهد على جرائمهم وبشاعتهم، إبادة جماعية كاملة للشعب الفلسطيني. نحن نقاتلهم لأنهم غاصبون لأرضنا، لا لأنهم يهود، وعليهم أن يُحاكموا في محكمة دولية عادلة، مصيرهم السجن أو الإعدام.
أحمد منصور:
نتنياهو وغيره من القادة الإسرائيليين قالوا إن معركتهم مع الفلسطينيين هي معركة وجود وحضارية، أي معركة صفرية. فهل معركة حماس مع الصهاينة هي أيضًا معركة حضارية صفرية؟
عبد الناصر عيسى:
أعتقد أن فهم نتنياهو كذلك، ونحن نرى فلسطين من البحر إلى النهر ملكًا للفلسطينيين وللمسلمين. حماس أبدت مرونة سياسية في وثائق الأسرى والوفاق الوطني، إذ قالت لأبو مازن: خذ فرصة لتحقيق دولة في 67، وسنسمح لك، وإذا وافق الشعب الفلسطيني نقبل، وإذا رفض نرفض. مرونة عالية جدًا، رغم تمسكنا بالأرض من البحر إلى النهر. شعبنا في غزة مثال للصمود، وندعو الله أن يعينهم، وأن يقف العالم مع بقية الشعب الفلسطيني. البعض يظن أن المشكلة عند حماس، لكنها في الحقيقة عند نتنياهو وزمرته الذين لا يريدون الفلسطينيين على أرضهم. حماس أبدت ليونة سياسية لكنها ثابتة على موقفها الإيديولوجي.
أحمد منصور:
لديهم الآن خطة تهجير.
عبد الناصر عيسى:
تهجير كامل وإبادة للفلسطينيين، هذه خططهم. نحن لا نتحدث عن حلول وسط الآن، الحرب قائمة وعلينا الاستعداد لاستمرارها. نسأل الله عز وجل أن تنتهي، فلا أحد يحب الحروب. نحن ندفع أثمانًا باهظة من دمائنا وأبنائنا وأطفالنا، لكن ماذا نفعل؟ كلما أبدينا مرونة، الإسرائيلي نتنياهو وبن غفير يريدون المزيد، ولا يريدون منا البقاء على أرضنا، لا في غزة، ولا في الضفة، ولا في القدس، ولا في أي مكان.
أحمد منصور:
أريد أن أسألك سؤالاً، أجبني عليه مسترجعًا الذاكرة إلى ما كنت فيه في عام 1993-1994. كنت في هذه المرحلة مطاردًا، تركض من بيت إلى بيت، ومن جبل إلى جبل، ومن كهف إلى كهف. هل كنت تعتقد أن تصل حماس إلى ما وصلت إليه هذه الأيام؟
عبد الناصر عيسى:
تفصيليًا وإدراكيًا، لم يكن يخطر في البال هذا الكلام، أن نصل إلى ما وصلنا إليه من فضل الله من قوة وقدرات. لكن كان لدينا إيمان عام بأن المستقبل للحق والحقيقة، ونحن جزء من الحق والحقيقة. المستقبل لنا لأننا جميعًا أصحاب رسالة عادلة، هي رسالة مقاومة الاحتلال المجرم الغاصب لأرضنا. كنا نعتقد أن المستقبل لنا، نعم، لكن بصراحة لم أكن أتصور ما سيحدث بالتفصيل.
أحمد منصور:
ما الذي مكن حماس، وهي حركة مقاومة بدأت بهذه الطريقة التي وصفتها، من أن تأخذ هذه المكانة الدولية، رغم أنها حركة، لكنها تمارس ممارسات الدولة، سواء في علاقاتها الدولية، أو مع أطراف عربية، إقليمية، أو عالمية، وأن تصبح حركة تعامل كدولة؟
عبد الناصر عيسى:
مرة أخرى، نعود إلى الإيمان والإصرار والاستعداد للتضحية، وهذه لها سببين: التربية الإيمانية، التربية الوطنية، ثم ممارسات الاحتلال اليومية، التي لا تدع لك مجالًا للعيش باستقرار.
سلاح حماس
أحمد منصور:
هل كان بإمكان حماس أن تتبوأ هذه المكانة دون سلاحها؟
عبد الناصر عيسى:
بالتأكيد لا. سلاح المقاومة هو روح الشعب الفلسطيني. لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يتخلى عن روحه. لماذا؟ ليس لأننا نقدس السلاح أو الحديد كوسيلة، بل لأننا نعلم أن المحتل الصهيوني الغاصب لا يفهم إلا لغة القوة. بعض الفلسطينيين حاولوا الاستجداء في مدريد وفي أوسلو وفي مناسبات أخرى، ماذا أعطاهم الاحتلال؟ اليوم، ماذا أعطى أبو مازن، الذي ينسق أمنيًا على أعلى المستويات؟ صفر، على العكس، يمنع من السفر، وكما قال هو نفسه، تحت بساطير الاحتلال. فلماذا سنوات طويلة من الاستجداء بغير جدوى؟ فقط سلاح المقاومة هو الحل، وهذه سنة الشعوب.
أحمد منصور:
الآن أحد الشروط لوقف طوفان الأقصى هو أن تسلم حماس سلاحها.
عبد الناصر عيسى:
هذا ما يريده نتنياهو لاستمرار الحرب، ولا يريد توقفها لأسباب شخصية، يستخدم أحيانًا الأيديولوجية لإقناع بن غفير، وأحيانًا الأمن القومي لإقناع بعض العلمانيين المتطرفين في الأجهزة الأمنية والشعب الإسرائيلي. هو يريد التصعيد ليبقى على رأس القيادة في إسرائيل. كل هذه تكتيكات، يضع شروطًا تعجيزية ليقول إن حماس رفضت.
أحمد منصور:
ولا يمكن لحماس أن تسلم سلاحها؟
عبد الناصر عيسى:
لا يمكن لحماس تسليم سلاحها.
أحمد منصور:
على مدى عقود، الناس في فلسطين تفقد أبناءها، رجالها، نساءها، زوجاتها، وحتى الأطفال. ومع ذلك هناك إصرار على استمرار المقاومة. ما تفسيرك؟
عبد الناصر عيسى:
لأنه ليس لدينا أي خيار آخر. الشعب الفلسطيني ليس لديه خيار سوى الثبات والصمود. وهذا ابتلاء عظيم، نسأل الله أن يعيننا عليه، وعلى جميع أبناء الشعب الفلسطيني، وأن تقف الأمة العربية والإسلامية معهم، خصوصًا أهلنا ونساءنا وأطفالنا في قطاع غزة الذين يدفعون أثمانًا باهظة لا تطاق.
أحمد منصور:
خلال فترة الأشهر الثلاثة التي اختفيت فيها في الضفة الغربية، وكنت مطاردًا من أكتوبر إلى ديسمبر 1994، هل قمت بأي عمليات عسكرية؟
عبد الناصر عيسى:
في تلك المرحلة، لا، لم أقم بأي عمليات. كنا نحضر ونجهز ونرتب. التقيت في تلك الفترة، على سبيل المثال، بالمطارد المجاهد عبد المجيد دودين “أبو همام”، رحمه الله، الذي استشهد في الخليل قبل حوالي عشر سنوات.
أحمد منصور:
من هو عبد المجيد دودين، وهل كان قريبًا منك؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، كان أحد الإخوة المطاردين من الخليل، أحد كبار المجاهدين المقاومين. أكبر مني في السن، استمر بعدي في المقاومة، ونظم مجموعات نفذت عمليات عسكرية. كنا نتدارس كيفية تطوير العمل العسكري والأمني، وتشكيل جهاز أمني، بينما لم أكن أريد أن أعمل في الجهاز الأمني، وأقول فقط للجهاز العسكري: الجهاز الأمني له دوره.
الشيخ صالح العاروري
أحمد منصور:
ما طبيعة عمل الجهاز الأمني، وكيف يختلف عن الجهاز العسكري؟
عبد الناصر عيسى:
الجهاز الأمني مسؤول عن متابعة العملاء وجمع المعلومات عن العدو.
أحمد منصور:
هل زاهر كان يعمل فيه؟
عبد الناصر عيسى:
أعتقد أن زاهر لم يعمل في الجهاز الأمني، بل في الجهاز العسكري، على ما أعتقد.
أحمد منصور:
هل تعرفت على الشيخ صالح في تلك الفترة في الضفة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، تعرفت عليه في لقاء طلابي. كان في اللجنة وعضو هيئة قيادة الكتلة الإسلامية في جامعة الخليل، وأنا كنت أمير الكتلة الإسلامية في العام 1992. التقينا على قضايا الطلابية، أما القضايا العسكرية فكانت داخل السجن فقط.
أحمد منصور:
الشيخ صالح العاروري لعب دورًا كبيرًا قبل اغتياله في لبنان.
عبد الناصر عيسى:
عليه رحمة الله.
أحمد منصور:
في 2024، خلال طوفان الأقصى، لعب دورًا كبيرًا في تأسيس الجهاز العسكري لحماس في الضفة الغربية.
عبد الناصر عيسى:
نعم، صحيح.
أحمد منصور:
ما طبيعة الدور الذي قام به الشيخ صالح؟
عبد الناصر عيسى:
كان يرتب المجموعات، يجند، يتخذ القرارات، ويوفر السلاح والأموال للمقاومين. لم أعمل معه مباشرة لأنني كنت في السجن وهو كذلك، لم نلتقِ في العمل العسكري إلا داخل السجن.
أحمد منصور:
أنت الآن دخلت غزة بهوية الطالب الزميل المزورة من أهل غزة. من استقبلك في غزة؟
عبد الناصر عيسى:
استقبلني أخي أبو عماد عيسى.
أحمد منصور:
عيسى؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، من مخيم جباليا، عيسى شحادة. كان أخًا فاضلًا، مرشحًا لمجلس طلبة جامعة النجاح، وهو من قيادة الدعوة في شمال قطاع غزة.
أفضلية وضع حماس في غزة عن الضفة
أحمد منصور:
أنت مطارد، ذهبت إلى غزة، ما هدفك من الذهاب إلى هناك؟
عبد الناصر عيسى:
هدفي كان التخفيف من ملاحقة الإسرائيليين والعمل في ظروف أفضل.
أحمد منصور:
وضع حماس في غزة كان أفضل من وضعها في الضفة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، أفضل. الوضع الأمني أخف هناك، فكنت أتحرك بحرية نسبية.
أحمد منصور:
ما السبب؟
عبد الناصر عيسى:
لأن غزة كانت تحت السلطة الفلسطينية، ولم يكن أحد يعرف أني عبد الناصر، فكنت أتحرك دون أن يلاحظني أحد.
أحمد منصور:
لكن الاحتلال كان موجودًا؟
عبد الناصر عيسى:
في غزة لم يكن هناك احتلال مباشر، كان الاحتلال حول غزة.
أحمد منصور:
خرجوا عام 2005، لكن كانت هناك دوريات.
اللقاء مع يحيى عياش ومحمد الضيف
عبد الناصر عيسى:
نعم، كانت هناك دوريات ومستعمرات، ومع ذلك كان الوضع الأمني أفضل للمطارد. التقيت هناك بيحيى عياش ومع الضيف ومجموعة من الإخوة.
أحمد منصور:
هؤلاء من أهم الأشخاص الذين تعرفت عليهم في غزة.
عبد الناصر عيسى:
نعم، عدا عن الإخوة العاملين في الدعوة، تعرفت على بعضهم.
أحمد منصور:
أنت رجل قسام، لست من دعاة فقط.
عبد الناصر عيسى:
كنا نعمل في عدة أمور، الحمد لله، والتخصص ضروري، ولكن…
أحمد منصور:
نعم.
عبد الناصر عيسى:
اللهم صل على سيدنا محمد، فالتقيت…
أحمد منصور
أنت كنت من القلائل الذين يعملون في العمل العام والعمل السري العسكري في نفس الوقت
أحمد منصور:
أنت كنت من القلائل الذين يعملون في العمل العام والعمل السري العسكري في نفس الوقت.
عبد الناصر عيسى:
قليل جدًا، نعم.
أحمد منصور:
لكن الذين يشتغلون في العمل العسكري السري، هؤلاء غير ظاهرين وغير معروفين.
عبد الناصر عيسى:
نعم، وهذا هو الصواب طبعًا. لكن الظروف أجبرتنا أحيانًا، حالات نادرة، نعم، كنت منها. فالتقيت هناك مع أخونا يحيى عياش بالدرجة الأولى وقلت له…
أحمد منصور:
يحيى عياش هرب قبلك إلى غزة من الضفة الغربية.
عبد الناصر عيسى:
نعم، نعم.
أحمد منصور:
كنت تعرفه في الضفة؟
عبد الناصر عيسى:
انتقل إلى غزة لإدارة الأعمال من هناك بشكل مؤقت، وكان قراره أن يعود للضفة.
أحمد منصور:
كنت تعرفه في الضفة والتقيت به؟
عبد الناصر عيسى:
كنت أعرفه من بعد، لم ألتقِ به مباشرة.
أحمد منصور:
لكن علاقتك توطدت معه في غزة.
عبد الناصر عيسى:
نعم، في غزة، لأننا التقينا، وكان من السهل اللقاء. في الضفة كنا نكتفي بالرسائل عن بعد.
أحمد منصور:
من هم الأشخاص الآخرون غير يحيى عياش؟
عبد الناصر عيسى:
التقيت بيحيى عياش وطلبت منه أن لا يأتي المطاردون إلى بيتي، لا أريد أن يكون الإخوة المطاردون في غزة عندي، أردت أن أكون بعيدًا بيني وبينه فقط، فهو على علم بذلك.
أحمد منصور:
لماذا؟ ما هدفك؟
عبد الناصر عيسى:
من ناحية أمنية، كانت لدي إجراءات أمنية أكثر صرامة عن الإخوة المطاردين. المطارد، بعد فترة، وخاصة إذا عاش في أجواء مفتوحة، تصبح إجراءاته أخف، ويتحرك أكثر. وهذه أخطاء أمنية تحدث. فقلت له: أنا لا أريد أن يأتي إليّ مطاردون أكثر من اللازم.
أحمد منصور:
مطاردون من قطاع غزة والضفة الغربية؟
عبد الناصر عيسى:
كلهم من قطاع غزة.
أحمد منصور:
أهل غزة، أبناء غزة. إذًا هم غزاويون ومطاردون في غزة؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، هم مطاردون للاحتلال، ومطلوبون أيضًا من السلطة الفلسطينية، لكن ملاحقة السلطة لهم كانت محدودة، مما يسمح لهم بالتحرك.
أحمد منصور:
هل كان هناك أي تنسيق في تلك المرحلة بين السلطة وكتائب القسام؟
عبد الناصر عيسى:
على معلوماتي، لا، لم يكن هناك تنسيق. علاقتي كانت بالدرجة الأولى مع الأخ أبو البراء، بيني وبينه.
أحمد منصور:
ويحيى عياش؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، حتى عندما كان يرافقه مطاردون، كنت أسلم عليه دون أن أفصح عن اسمي، ولم يفصح هو عن اسمه. لاحقًا تعرفت عليهم، وبعضهم عرفني بعد ذلك، وبعضهم كان أخونا أبو خالد الضيف.
أحمد منصور:
كنت تعرفت على أبو خالد الضيف في ذلك الوقت؟
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
لكن لم يكن اسمه حينها أبو خالد الضيف.
عبد الناصر عيسى:
نعم، حتى مع أبو البراء وأخي يحيى عياش، كنت أتعامل معه باسم أبو أحمد، ولم أُناديه باسمه الحقيقي. اسمي الحركي كان أبو صالح، كنا نتحدث بهذه الرموز للحماية. طبعًا، هو كان يعلم من أنا، وأنا كنت أعلم من هو.
أحمد منصور:
لكن معظم الناس الجدد، أنت لم تكن تعرف إلا باسم مستعار مثل أبو فلان.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
حتى محمد الضيف عرفته كأبو فلان.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
كانوا يقولون له أبو خالد في ذلك الوقت؟
عبد الناصر عيسى:
نعم، وكنا نعرف أنه الضيف، لكن لم ندخل في التفاصيل، لأن كانت لدي مهمة محددة. كنا نتشاور ونخطط للعمل في الضفة وكيفية تطويره، ووضعنا بعض الأفكار والخطط معًا.
أحمد منصور:
في الحلقة القادمة، سأبدأ الحديث عن يحيى عياش. يحيى عياش أحد أيقونات حركة كتائب الشهيد عز الدين القسام، وأُغتيل في غزة كما سنوضح. في ذلك الوقت، كنت أنت وهو تُعتبران القيادتين العسكريتين الأساسيتين للضفة الغربية المقيمين في غزة.
عبد الناصر عيسى:
نعم.
أحمد منصور:
أنت ويحيى عياش.
عبد الناصر عيسى:
صحيح.
أحمد منصور:
وقد اتُخذ القرار بأن تعود أنت للضفة الغربية، بينما بقي هو حتى حدثت عملية الاغتيال له. الحلقة القادمة ستكون عن يحيى عياش. شكرًا جزيلاً لك، كما أشكر مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. في الحلقة القادمة سنواصل الاستماع إلى شهادة عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الأسير المحرر عبد الناصر عيسى. في الختام، أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.