وليد جنبلاط ج4 من شهادته على العصر: زيارة حافظ الأسد قاتل كمال جنبلاط، ومجزرة إهدن، وتبدل التحالفات في لبنان

يستعرض أحمد منصور مع وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، في حوارهما في الحلقة الرابعة من برنامج شاهد على العصر، ، المشهد اللبناني بعد اغتيال كمال جنبلاط، حينما أمست الحركة الوطنية بلا رأس، وباتت المنظمات الفلسطينية مكشوفة، وراح الإسلام السياسي يفتش عن زعامة جديدة. وماذا كان شعوره بعد وضع العباءة على كتفه؟؟ وتناول الحوار أيضاً خفايا ودوافع مجزرة إهدن، وانقلاب حافظ الأسد على الموارنة وتحالفه مع أعدائه الدروز..
أحمد منصور ووليد جنبلاط

يستعرض أحمد منصور مع وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، في حوارهما في الحلقة الرابعة من برنامج شاهد على العصر، ، المشهد اللبناني بعد اغتيال كمال جنبلاط، حينما أمست الحركة الوطنية بلا رأس، وباتت المنظمات الفلسطينية مكشوفة، وراح الإسلام السياسي يفتش عن زعامة جديدة. وماذا كان شعوره بعد وضع العباءة على كتفه؟؟

في بداية الحوار أوضح الزعيم اللبناني وليد جنبلاط أهمية الموقع الاستراتيجي الذي يقطنه الدروز في جبل لبنان، والذي يسيطر على طريق بيروت دمشق؛ ما جعله مطمعاً للقوى اللبنانية..

أحمد منصور ووليد جنبلاط

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية

وتناول الحوار الحياة الشخصية للزعيم الدرزي، وزيجاته الثلاث، وكسره قواعد الزواج في عقيدة الدروز، بزواجه من سيدة إيرانية مسيحية، وسيدة شركسية سنية، رغم اعتراض شيوخ العقل، ثم السيدة نورا شرباتي، السورية السنية، ابنة وزير الدفاع السوري أثناء حرب العام 1948.

كما تناول كواليس اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني الأسبق بشير الجمّيل مع والده كمال جنبلاط، وتصريح الجمّيل أنه يملك قائمة بأسماء قتلة شقيقته ليندا، وأسباب رفض الزعيم الدرزي الحصول على أسمائهم.

وذكر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، تفاصيل ومحطات الجولة العربية التي قام بها بعد أربعينية والده، خاصة لقائه بحافظ الأسد، الذي قتل والده، وأشار إلى أن الأسد رفض أن يعزيه. وتحدث عن لائحة الاغتيالات السورية.

 كما استعرض أسرار وخفايا اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، والغزو الإسرائيلي للبنان، وتأسيس إسرائيل جيش لبنان الجنوبي، بقيادة أنطوان لحد، بتمويل لبناني!!.

وتناول أيضاً خفايا ودوافع مجزرة إهدن، وانقلاب حافظ الأسد على الموارنة وتحالفه مع الدروز.

واغتيل طوني فرنجية قائد تيار المردة، الموالي لسوريا، ونجل الرئيس اللبناني الأسبق سليمان فرنجية، وزوجته فيرا قرداحي وابنته جيهان البالغة من العمر سنتين ونصف السنة، وأكثر من ثلاثين من أنصاره، في 13 يوليو 1978، في مجزرة إهدن، التي قاد الهجوم عليها سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، في ألف من أنصاره، رغم أن الطريق إليها تقع عليه عشرات الحواجز السورية!!.

أحمد منصور ووليد جنبلاط
تناول الحوار الحياة الشخصية للزعيم الدرزي، وزيجاته الثلاث، وكسره قواعد الزواج في عقيدة الدروز

نص حوار وليد جنبلاط ج4 من شهادته على العصر:

زيارة حافظ الأسد قاتل كمال جنبلاط، ومذبحة إهدن، وتبدل التحالفات في لبنان

أحمد منصور : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بيك جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان، وزعيم الدروز في لبنان. وليد بيك مرحبا بك.

وليد جنبلاط: أهلا

وضع العباءة على كتف وليد جنبلاط بعد اغتيال والده.

أحمد منصور : المشهد قبل اغتيال كمال جنبلاط كما جمعته من عدة مصادر، كان : الحركة الوطنية برئاسة كمال جنبلاط، منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات.. والجبهة اللبنانية من جهة أخرى، كان يساندهم السوريون، من الناحية الخارجية كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تقف إلى جوار سوريا وكما أسميتهم أنت الانعزاليون

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور : بينما كان الاتحاد السوفييتي يقف أيضا في الجهة الأخرى، كان هذا في الحرب الباردة. المشهد بعد اغتيال كمال جنبلاط كما يصفه كريم بقردوني في صفحة 120 من السلام المفقود، يقول بدون كمال جنبلاط أمست الحركة الوطنية بلا رأس، والمنظمات الفلسطينية مكشوفة، وراح الإسلام السياسي يفتش عن زعامة جديدة. كيف كان المشهد في لبنان بعد اغتيال كمال جنبلاط؟

وليد جنبلاط: بالطبع، فقدت الحركة الوطنية ركنًا أساسيًا، فقدت زعيمها، لكن أركان الحركة الوطنية آنذاك قرروا أن ينتخبوني رئيسًا للحركة الوطنية، وهكذا حدث. كما انتخبت رئيسًا للحزب التقدمي الاشتراكي قبلها، توليت قيادة الحركة الوطنية، لكن كمال جنبلاط شيء ووليد جنبلاط شيء آخر.

أحمد منصور: قبل أن أصل إلى هذا.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: قبل أن أصل إلى هذا… أنت في اللحظة التي دفنت فيها كمال جنبلاط في اليوم التالي لاغتياله، ماذا كان شعورك وأنت لم تكن ربما تفكر أو مستعد أو متخيل أن تصبح أنت الزعيم أو المسؤول في هذه المرحلة؟

وليد جنبلاط: في اللحظة التي قُتل فيها كمال جنبلاط، كان همّي أن نسرع في وقف مسلسل الدم ودفن كمال جنبلاط. وقبل أن يدفن، وضع – وهذه رمزية عند العشائر العربية وأيضًا عند آل جنبلاط وغير آل جنبلاط – وضع الشيخ محمد أبو شقرا العباءة على كتفي وحملني الاستمرار. وقررت الاستمرار، لكن بالطبع كان عليّ أن أفكر كيف، كيف أفكر. حظي أنني كنت محاطًا بمجموعة من الرفاق الذين رافقوا الوالد، مجموعة كبيرة.

أحمد منصور: تذكر منهم من؟

وليد جنبلاط: أنور فطايري، محسن دلول، عباس خلف، توفيق سلطان، وكثيرون آخرون، وكفيت الطريق معهم. بعضهم في مرحلة معينة ترك، وبعضهم اغتيل مثل أنور، لكن المجموعة التي أحاطت بي، والمجموعة التي بنيتها أيضًا واستقطبتها، سمحت لي بأن أقود السفينة، استمرار قيادة السفينة، بالرغم من الصعاب الهائلة التي أتت علي.

خطأ بشير الجمّيل الكبير!!

أحمد منصور: كنت دائمًا أقول، كيف لكمال جنبلاط الذي كان زعيمًا لفئة محدودة صغيرة من اللبنانيين، كانت في ذلك الوقت لا تزيد عن 120 ألفًا، والآن كما قلت أنت أصبح الدروز مائتي ألف، أن يكون له هذا التأثير الطاغي الكبير في المساحة الجغرافية الكبيرة التي كانت حتى تتجاوز حدود لبنان؟

وليد جنبلاط: لأن الدروز أيضًا هناك شيء جغرافي سياسي. الموقع الذي يحتله الدروز أو يسكنون فيه في جبل لبنان موقع استراتيجي جدًا. هذا الموقع يمتد من مشارف الجنوب، جزين، إلى مشارف أعالي بيروت وبعض المناطق الأخرى. الذي يسيطر على تلك المناطق يسيطر على بيروت ودمشق على طريق بيروت-دمشق. كان الانعزاليون يريدون السيطرة على هذا الطريق والتوسع من خلاله. وهنا سأقولها بكل شفافية، كانت الغلطة للشيخ بشير جميل عندما سمح لقواته بقيادة سمير جعجع بأن تجتاح الجبل. وقلت للشيخ بشير في إحدى الاجتماعات في 1982: لماذا أرسلت الميليشيا التابعة لك إلى الجبل؟ قال لي: لحماية المسيحيين. قلت له: هذا لن يحمي المسيحيين. استدرك وقال: طيب، في الاجتماع الثاني – كانوا ثلاثة اجتماعات في القصر الجمهوري برئاسة إلياس سركيس – قال لي: طيب فلنذهب معًا إلى عالي. قلت له: يا شيخ بشير، تأخرت، عالي محتلة من قبل الإسرائيليين ولن أذهب إليها.

زيجات وليد جنبلاط الثلاث

أحمد منصور: سأصل لهذا في 1983، سأصل للتفاصيل. دعني الآن أظل في 1977 واغتيال كمال جنبلاط. أنت لم تبلغ الثلاثين بعد، حينما ألقيت عليك العباءة وحملت المسؤولية.

وليد جنبلاط: تسعة وعشرون.

أحمد منصور: تسعة وعشرون سنة.

وليد جنبلاط: نعم، تسعة وعشرون سنة.

أحمد منصور: اسمح لي أن أدخل في حياتك الخاصة قليلًا.

وليد جنبلاط: تفضل.

أحمد منصور: أنت كنت قد تزوجت بغير رغبة والدك من سيدة أجنبية.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: لم تقل لي من أي جنسية؟

وليد جنبلاط: الزوجة الأولى كانت إيرانية.

أحمد منصور: إيرانية، نعم، عذرًا، نسيت.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: بقي زواجك ست سنوات، حينما توفي والدك كانت لا تزال زواجك قائمًا؟

وليد جنبلاط: لا، كنت قد…

أحمد منصور: انفصلت عنها؟

وليد جنبلاط: انفصلت عنها قبل أسبوعين من اغتيال والدي.

أحمد منصور: قبل أسبوعين فقط؟

وليد جنبلاط: ثلاثة أسابيع فقط، على ما أذكر.

أحمد منصور: ولكن لم ترزق منها بأولاد؟

وليد جنبلاط: لا.

أحمد منصور: أنت توليت المسؤولية ولم تتزوج أم أولادك بعد؟

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: متى تزوجت زواجك الثاني؟

وليد جنبلاط: 1981.

أحمد منصور: في عقيدة الدروز…

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: أنتم في عقيدة الدروز، إن الدروز لا يتزاوجون من غير الدروز.

وليد جنبلاط: في عقيدة الدروز لا يتزوجون من غير الدروز، وإذا أردت صياغتي الشخصية، فتزوجت ثلاث نساء غير درزيات.

أحمد منصور: من غير الدروز، كسرت القواعد كلها.

وليد جنبلاط: لكن والدتي، نعود هنا إلى بعض الخواص.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: والدتي قالت لي: طيب، ماذا ستفعل؟ قلت لها: ماذا سأفعل؟ كانت تريد استمرار العائلة وكنت آنذاك أعزب. فهي حضرت الجو للزواج، إذا صح التعبير، تقليدي، لكنها قالت لي: سأذهب لزيارة أقربائي الشركس لأنها…

أحمد منصور: شركسية.

وليد جنبلاط: شركسية، لأنها شكيب أرسلان تزوج شركسية.

أحمد منصور: صحيح.

وليد جنبلاط: فذهبت وحصل زواج فيه تقليد وفيه شيء من العاطفة، نعم حصل زواج.

أحمد منصور: زواجك الثاني أيضًا من شركسية، وليس من درزية؟

وليد جنبلاط: زواجي الأول كان من إيرانية.

أحمد منصور: إيرانية شيعية؟

وليد جنبلاط: لا، كانت مسيحية.

أحمد منصور: إيرانية مسيحية.

وليد جنبلاط: أعتقد مسيحية.

أحمد منصور: نعم، وزواجك الثاني؟

وليد جنبلاط: شركسية سنية، والزواج الثالث من نورا، سورية شامية سنية.

أحمد منصور: نعم، أنت بهذه الطريقة كسرت كل القواعد، ولم يعترض شيوخ العقل؟

وليد جنبلاط: بلى، اعترضوا على الزواج الثاني، اعترض الشيخ محمد ولم يأتِ للتهنئة، ولم يأتِ المشايخ للتهنئة. جاء شيخ واحد، الشيخ يوسف صالح عبد الخالق، رحمه الله، وبعدها لأسباب سياسية أتى الجميع، أتى الجميع.

أحمد منصور: يعني الآن والدتك عادت إلى لبنان من فرنسا حيث كانت تعيش وكانت منفصلة عن والدك في اليوم التالي لوفاته، كما ذكرت لي من قبل. الآن بدأت تقول لك يجب أن تتزوج يا وليد.

وليد جنبلاط: نعم، بعد.

أحمد منصور: بعد مدة، يعني؟

وليد جنبلاط: بعد سنة، أعتقد بعد 1977.

أحمد منصور: ولماذا؟ لم تعرض عليك الزواج من درزية؟

وليد جنبلاط: كلا، لم أكن أفكر في ذلك اللحظة، كان همي كيفية الاستمرار، لكنها كانت تفكر في استمرار العائلة.

أحمد منصور: نعم، لا بد أن يكون لديك أسرة ووريث.

وليد جنبلاط: عم تحكي بين 1977 و1981،

وليد جنبلاط: يعني في أربع سنوات كنت تقريبًا بالمخاطر، لكن بدون زواج.

أحمد منصور: تزوجت في 1981.

وليد جنبلاط: نعم، 1981.

أحمد منصور: من سيدة شركسية سنية.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: ورزقت منها بثلاثة أولاد.

وليد جنبلاط: تيمور، أصلان، داليا.

أحمد منصور: تيمور، أصلان، داليا. الآن تيمور أصبح زعيم الحزب من بعدك؟

وليد جنبلاط: نعم، منذ أربع سنوات استلم الحزب واستلم النيابة منذ أكثر من ذلك.

أحمد منصور: عندما تزوجت في 1981، ما الذي كان يمثله الأمر بالنسبة إليك؟ زواج الواجب أم زواج العائلة والاستقرار؟

وليد جنبلاط: أمور خاصة، أفضل أن لا أدخل فيها.

أحمد منصور: طيب، أنا لن أدخل فيها، ولكن زوجتك الثانية، استمر الزواج إلى متى؟ برضه، إذا كان شيء لا تريد الإجابة عنه في أمورك الخاصة، فلا تجيب.

وليد جنبلاط: بعض السنوات، أفضل أن لا أدخل في هذه التفاصيل.

أحمد منصور: طيب، انفصلت عن زوجتك؟

وليد جنبلاط: نعم، انفصلت.

أحمد منصور: ثم تزوجت من السيدة نورا أحمد الشرباتي، ووالدها كان وزير الدفاع السوري.

وليد جنبلاط: صحيح، في حرب 1948..

أحمد منصور: في أي سنة كان زواجك الأخير؟

وليد جنبلاط: 1989 في إسطنبول، زواج مدني، هنا في إسطنبول بين المرحلتين من الحرب العبثية لميشال عون في فترة الهدنة.

أحمد منصور: 1989.

وليد جنبلاط: نعم، 1989.

أحمد منصور: السيدة نورا ترافقك بشكل دائم؟

وليد جنبلاط: نعم.

الإرث الصعب الذي تركه كمال جنبلاط لنجله

أحمد منصور: أعود إلى السياسة، لكن أحببت أن أدخل فيما تسمح فيه من الأمور الخاصة قليلًا. الناس تكون لديها شغف لمعرفة بعض الأمور الخاصة عن السياسيين والمشاهير، فأنت فقط بالقدر الذي تسمح فيه. ما هو الإرث الذي وجدت نفسك قد ورثته عن كمال جنبلاط؟

وليد جنبلاط: إرث البقاء على الطائفة وبقاء بني معروف أقوياء كي يبقوا أقوياء. في تلك المرحلة التي ظن فيها الكثيرون أن الحرب في لبنان انتهت، كنت أقول: نحن فقط في بداية الطريق. كنت أرى الخطر، الخطر الذي نبه إليه كمال جنبلاط في رسالته الأخيرة إلى حافظ الأسد؛ خطر التوسع والاجتياح الإسرائيلي. وكنت نعم، كنت مخالفًا لسياسة بشير الجميل، وأخشى بشير الجميل كما قال لك أو أسّر لجوني عبدو.

 امتلاك بشير الجمّيل قائمة بأسماء قتلة ليندا جنبلاط

أحمد منصور: لكن بشير الجميل اجتمع مع كمال جنبلاط قبيل اغتياله.

وليد جنبلاط: بشير الجميل جاء لتعزية كمال جنبلاط.

أحمد منصور: في وفاة عمتك.

وليد جنبلاط: في وفاة عمتي ليندا، وقال له: إنني أملك أسماء الذين قتلوا شقيقتك. قال له كمال: لا أريد أن أعرف خشية أن في هفوة من الهفوات يفصح عن الأسماء فينتقم الدروز كما انتقموا خطأً. عندما قتل كمال جنبلاط، دفنا ليندا في اليوم التالي، وكان الجو مكفهرًا، لكن الحمد لله، الدفن كان سليمًا، الأمر الذي لم يحدث عند اغتيال كمال جنبلاط، حيث حصل الانتقام العشوائي المجرم والغادر لبعض الدروز تجاه المسيحيين.

أحمد منصور: عمتك ليندا كانت لها مكانة في نفسك.

وليد جنبلاط: لعبت دورًا، كانت شخصية كبيرة. تزوجت للمرة الأولى من حكمت جنبلاط، ابن عم والدي، الذي تولى أيام نظيره جنبلاط منصبًا سياسيًا، ثم مات حكمت، وتزوجت الأمير حسن الأطرش من جبل العرب.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: كان دار القرية، أي دار حسن الأطرش، تتقدم على دار… عفوًا… دار عرا. دار حسن الأطرش كانت تتقدم على دار القرية، دار سلطان باشا، وكان رفيقًا لسلطان باشا في الثورة السورية الوطنية. عندما جاء المجاهدون السوريون الدروز من سوريا لنصرة جبل لبنان أو دروز لبنان، نصح كمال جنبلاط الأمير حسن بأن يبتعد، لأنه كان يخشى في مكان ما من المخابرات التي تحدثنا عنها. فقال له: ابتعد. فذهب الأمير حسن، إذا كانت ذاكرتي جيدة، إلى الأردن، فكان للمخابرات السورية ملف عن الأمير حسن وعلاقته مع الأردن.

أحمد منصور: مقتل عمتك، ما ظروفه؟ لم أجد في المصادر التي تحت يدي شيئًا يتحدث عن ذلك.

وليد جنبلاط: لم أسمع من والدي شيئًا أسر به عن مقتل عمتي. أصر على أن يبقى الأمر شخصيًا، ربما هناك ظروف سياسية، لكن لا أستطيع أن أجيب، لأنني لا أعلم شيئًا.

أحمد منصور: كريم بقردوني يقول إنه حينما التقى بك بعد مقتل والدك، ظهرت مترددًا، قلقًا، غير واثق في أحد، تتحسس طريقك، وأخبرته أنك كنت تريد أن تصبح زعيمًا عادياً للدروز ولا تتعاطى السياسة. ما دقة هذا الكلام؟

وليد جنبلاط: يعني، إذا ممكن أن نستغني عن شهادة كريم بقردوني، يكون أفضل.

أحمد منصور: من الممكن أن يرث الإنسان والده في المال والعقار، ولكن إرث الزعامة السياسية، هل هو سهل؟

وليد جنبلاط: لا، ليس سهلًا، ليس سهلًا، لكن الشكر ليس الشكر. القدر جعلني أحاطي بفريق عمل سياسي ولاحقًا عسكري، استطعت به أن أستمر وأن يستمر وجود بني معروف في جبل لبنان.

عزاء النظام السوري في كمال جنبلاط رغم قيامه بقتله!!

أحمد منصور: هل تذكر أول من اتصل بك للعزاء في والدك؟ من القوى السياسية، من داخل لبنان أو من خارجه؟

وليد جنبلاط: كلا، لا أذكر. أذكر أنه في اليوم الثاني بعد الدفن، جاء عضو قيادة… ما اسمها… هيدي قيادة قومية من سوريا، عبد الله الأحمد، دخل عزا وقال… وقال إسرائيل، إسرائيل مو هيك؟؟ قلت له: طبعا، إسرائيل.

أحمد منصور: وأنت على يقين أن الأسد الذي قتل والدك؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: أريد أن أسألك سؤالًا، أرجو ألا يكون افتراضيًا. هل وجود الفلسطينيين على أرض لبنان هو الذي أدى إلى الحرب اللبنانية في 1976 وما بعدها، أم أن هناك خططًا كانت تجري لإدخال لبنان في الحرب سواء وجد الفلسطينيون أم لا؟

وليد جنبلاط: كانوا عاملاً في الحرب، استعان بهم اليسار اللبناني، لكن هناك عوامل أخرى متعددة ومتنوعة للحرب اللبنانية، منها داخلية، منها طائفية، منها سياسية. في النهاية، لبنان بوابة الشرق على الغرب والعكس، وتصارع الشرق والغرب، وتصارعت أمم على لبنان.

أحمد منصور: كل ما جرى في لبنان كان جزءًا من الحرب الباردة التي استمرت حتى العام 1991؟

وليد جنبلاط: معركة سوق الغرب التي ابتدأت خطوط التماس حولها عام 1982 وبقيت حتى العام 1990، نعم كانت جزءًا من الحرب الباردة. تدخل في مرحلة معينة الأمريكيون ببارجة نيوجيرسي وقصفونا والقوى الفلسطينية.

أحمد منصور: ما أنت قمت بقصفهم أيضًا؟

وليد جنبلاط: لا، نحن لم نقصف.

أحمد منصور: وصلت مقذوفات الحزب الاشتراكي إلى قرب…

وليد جنبلاط: وصلت المقذوفات، لم نكن نملك مدافع لنغرق سفينة كبرى من هذا النوع. قصفنا مطار بيروت حيث تجمع الأمريكيون، نعم، وكنت في تلك اللحظة في الأردن، واتصل بي السفير الأمريكي لاحقًا، إدوارد جيرجيان، آنذاك كان ملحقًا في السفارة الأردنية له وظيفة سياسية، وقال لي: “You are a terrorist”، قلت له: لا، نحن لسنا إرهابيين، أنتم تقصفون، فأجبنا.

أحمد منصور: متى عزاك الأسد أو اتصل بك؟

وليد جنبلاط: عندما أرسل عبد الله الأحمد.

استقبال حافظ الأسد لوليد جنبلاط

أحمد منصور: هل اتصل هو مباشرة أم التقيت به؟ متى كان أول مرة بعد مقتل كمال جنبلاط؟

وليد جنبلاط: آنذاك في تلك المرحلة المضطربة تشاورنا ماذا نفعل. تم الرأي بأن أقوم بجولة عربية بعد وفاة كمال جنبلاط.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: وهكذا بدأت الجولة العربية.

أحمد منصور: إلى أين؟

وليد جنبلاط: إلى سوريا أولًا.

أحمد منصور: يعني بعد وفاة كمال جنبلاط، أول لقاء لك مع حافظ الأسد.

وليد جنبلاط: نعم.

زيارة حافظ الأسد قاتل كمال جنبلاط

أحمد منصور: أذكر لنا تفاصيل هذا اللقاء، كيف استقبلك الأسد؟ ماذا دار بينك وبينه، وماذا قال عن كمال جنبلاط؟

وليد جنبلاط: وصلنا إلى دمشق ورافقني عبد الله الأحمد نفسه، الذي كان مكلفًا بالعلاقة بين حزب البعث السوري والحزب الاشتراكي. ذهبنا إلى المتحف، لست أدري، متحف عسكري جميل على ضفاف نهر بردى، ثم المطلوب كان أن نصل إلى اللقاء، الساعة الواحدة، كان دائمًا يستقبل أو 12. دخلت عليه، كان واقفًا، لم أكن بعد أصلع، كان فيه بعض الشعر، نظر إلي وقال: “كم تشبه والدك؟”

أحمد منصور: كم أنت تشبه والدك!

وليد جنبلاط: كم أنت تشبه والدك.

أحمد منصور: كانت المرة الأولى التي تلتقي فيها الأسد؟

وليد جنبلاط: نعم، أول مرة.

أحمد منصور: تراه بعد مقتل أبيك.

وليد جنبلاط: ومن قبل لم أره.

أحمد منصور: لا، أول مرة في حياتك تراه كانت بعد مقتل أبيك.

وليد جنبلاط: نعم، جلسنا أعتقد إلى يمينه، وكان يتحدث. الجلسات كانت طويلة.

أحمد منصور: كل جلساته كانت طويلة.

وليد جنبلاط: ولم يكن يحرك ساكنًا إلا شفتيه، مثل الصنم، مثل أبو الهول.

أحمد منصور: هكذا كان يجلس الأسد.

وليد جنبلاط: ويتحدث.

أحمد منصور: عن أي شيء تحدث معك؟ يقولون إن جلسته تبدأ بالأمويين وتنتهي بالحروب الصليبية مرورًا بالتاريخ.

وليد جنبلاط: اعتقد مررنا بالحروب الصليبية، لكن ذكر أيضًا علاقته ببعض الزعماء اللبنانيين.

أحمد منصور: اذكر لنا ماذا قال؟

وليد جنبلاط: قال أتاني كميل شمعون وبيار الجميل ومدح بهم. أما ريمون إده، ذكره ووصفه نعتًا مشينا.

أحمد منصور: كان مرشحًا وقتًا ما ولم يصبح رئيسًا.

وليد جنبلاط: اعترضت، قاطعته وقلت له: يا سيادة الرئيس، ريمون إده رجل أدمي. تفاجأ الوفد المرافق لي كيف أقاطع حافظ الأسد. كل وفدنا من الحزب قاطعته، لأنني لم أقبل أن تهان شخصية لبنانية بارزة كانت على لائحة الاغتيالات، قبل أن يغتال كمال جنبلاط.

أحمد منصور: لائحة الاغتيالات السورية؟

وليد جنبلاط: نعم، وحاول فريق لبناني يميني اغتيال ريمون إده، وحاولت الصاعقة السورية اغتياله على باب منزله في المنطقة الغربية من بيروت. هذه اللائحة أعطاها ريمون إده لكمال جنبلاط، وكمال جنبلاط وصلته لائحة مماثلة. فضّل ريمون إده السفر إلى فرنسا، وهكذا فعل كمال جنبلاط، سافر إلى فرنسا وعاد، وهكذا كان القدر.

أحمد منصور: هذه كانت أول ردة فعل منك طوال الجلسة على حافظ الأسد؟

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: أنك رديت غيبة ريمون إده، ولم تسمح له أن يواصل في الحديث؟

وليد جنبلاط: صحيح.

أحمد منصور: رد فعل حافظ الأسد على هذا الكلام؟

وليد جنبلاط: صعب أتذكره بدقة، لكن أعلم أنه تفاجأ الوفد اللبناني، أو الجمهور اللبناني، وأعتقد…

أحمد منصور: من كان معك في الوفد؟

وليد جنبلاط: محسن دلول، عباس خلف، توفيق سلطان، أعتقد أنور فطايري… ومن بعد، نسيت من كان هناك.

أحمد منصور: هل جرى الحديث عن والدك، كمال جنبلاط، أثناء النقاش؟

وليد جنبلاط: لا أذكر، اعذرني، لا أذكر.

أحمد منصور: هل عزاك الأسد عندما رأاك؟

وليد جنبلاط: كلا.

أحمد منصور: لم يعزِك؟

وليد جنبلاط: لم يعزِني، قال لي فقط أن أنظر إليه وشاهد الشبه، تفاجأ بالشبه ثم جلس وبدأ الحديث. لأنه إذا عزاني، كأنما يعترف… أعتقد أنه لم يعزِني. كلف عبد الله الأحمد بالتعزية، وانتهى الموضوع.

أحمد منصور: بعد زيارة حافظ الأسد، اتفقت معه على شيء أو وعدك بشيء؟ هل طلبت منه شيئًا؟

وليد جنبلاط: كان همي الأول في أول زيارة، كان همي الأساسي بالتوجه إلى سوريا طلب السلاح، حيث فشل كمال جنبلاط في ذلك. أردت أن أستمر بطلب السلاح لحماية النفس ومخافة من إسرائيل والتدريب. حدث هذا الأمر بعد سنة، فتحت الأبواب بعد سنة. لماذا؟ لأن بعد سنة جرى الصدام بين الجيش اللبناني والجيش السوري في ثكنة الفياضية، وكان هذا بداية التحول السوري التدريجي تجاه دعم الحركة الوطنية في مواجهة اليمين اللبناني.

أحمد منصور: هنا المشهد: كمال جنبلاط اغتيل في 16 مارس…

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: بعد أربعين يومًا، في شهر مايو، ذهبت للقاء حافظ الأسد وقمت بجولة عربية.

وليد جنبلاط: 1977.

تفاصيل أول جولة عربية لوليد جنبلاط

أحمد منصور: بعد سوريا، ذهبت إلى السعودية، التقيت بالأمير عبد الله.

وليد جنبلاط: التقيت بالأمير عبد الله، الذي قال لي: لولا ذهابك إلى دمشق وتصافحك مع حافظ الأسد لما ذهبت أنا. كانت علاقة الأمير عبد الله حميمة آنذاك مع سوريا ومع رفعت الأسد بالتحديد.

أحمد منصور: إذن ذهبت إلى دول عربية أخرى؟

وليد جنبلاط: ذهبت إلى مصر، قابلت الرئيس السادات، وكان معه نائب الرئيس، كان آنذاك حسني مبارك.

أحمد منصور: نعم.

وليد جنبلاط: لا، عفوًا… ذهبت إلى مصر وقابلت الرئيس مبارك.

أحمد منصور: مبارك لاحقًا؟ أم كان نائب الرئيس وقتها قابلت نائب الرئيس؟

وليد جنبلاط: 1977.

أحمد منصور: لأنه ذهب إلى القدس في نوفمبر 1977، فأنت قبليها، كنا في مايو 1977.

وليد جنبلاط: قابلت الرئيس السادات وحسني مبارك، وأعتقد كان وزير الخارجية قبل أن يذهب السادات إلى القدس إسماعيل فهمي.

أحمد منصور: صحيح، إسماعيل فهمي، قابلت إسماعيل فهمي؟

وليد جنبلاط: كانوا ثلاثة معًا.

أحمد منصور: تتذكر ماذا دار في زيارتك لمصر؟

وليد جنبلاط: لا، مش متذكر بصراحة، الذاكرة ضعيفة.

أحمد منصور: لا تملك مفكرات تكتب فيها؟

وليد جنبلاط: عندي مفكرات، لكن في هذا الوقت لم أدوّن.

أحمد منصور: طيب، الآن زرت الدول الكبيرة: سوريا، السعودية، مصر. هل ذهبت إلى القذافي؟

وليد جنبلاط: بعدين.

أحمد منصور: بعد 20 نوفمبر 1977، فاجأ أنور السادات الجميع حين ذهب إلى القدس. كيف كان وقع ذلك على لبنان، في ظل الحرب الأهلية والإضرابات والغضب في أماكن كثيرة؟

وليد جنبلاط: استغربنا، لكن ماذا نفعل؟ ذهب إلى القدس في أي عام؟

أحمد منصور: 1978.

وليد جنبلاط: 1978 لم تكن بعد.

الغزو الإسرائيلي للبنان، وإنشاء ميليشيا أنطوان لحد

أحمد منصور: هو ذهب أول مرة في 20 نوفمبر 1977، ثم في 1978 كان عام مليء بالأحداث في لبنان. في 14 مارس، قامت إسرائيل بغزو لبنان فيما أطلق عليه عملية الليطاني.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: أين كان موقعك وموقع الدروز من الغزو الإسرائيلي هذا؟

وليد جنبلاط: كنا مشاركين مع الحركة الوطنية، كانت لنا ميليشيات في الجنوب اللبناني إلى جانب ميليشيات حركة أمل. قاومنا أو قمنا ببعض العمليات والدفاعات، لكن لم نكن نملك آنذاك السلاح المطلوب لمواجهة جيش نظامي.

أحمد منصور: جوني عبده في شهادته يقول إن عملية الليطاني، لو لم يذهب السادات إلى القدس في نوفمبر 1977، ما كانت إسرائيل لتجتاح لبنان، وكأن هذا كان ضوءًا أخضر بين كيسنجر والسادات وإسرائيل.

وليد جنبلاط: لست أدري، قد يملكون معلومات لم أطلع عليها.

أحمد منصور: انسحبت إسرائيل، وأصبحت ميليشيات سعد حداد والقوات الدولية موجودة في الجنوب.

وليد جنبلاط: لكن القوات الدولية لم تكن تغطي كل الجنوب، بقيت فجوة كثغرة بين مرجعيون والنبطية.

أحمد منصور: في شيء عجيب حدث في هذا الاجتياح، لم تتكرر في قرارات مجلس الأمن.

وليد جنبلاط: وما هو؟

أحمد منصور: في 11 مارس، بعدما اجتاحت إسرائيل لبنان، صدر القراران 425 و426 من مجلس الأمن، يقضيان بانسحاب إسرائيل وإحلال قوات الأمم المتحدة محلها. وهذه أول مرة تؤيد فيها أمريكا انسحاب إسرائيل أو تقف في هذا الموضوع. فكان تفسيرك إيه؟

وليد جنبلاط: ليس لدي تفسير لذلك، لأن همّي كان مختلفاً.

أحمد منصور: نعم، همّك كان…

وليد جنبلاط: همّي كان مختلفاً داخلياً. أعرف الخطر الإسرائيلي، لكن كان همّي أيضاً داخلي، وأعتقد آنذاك أن القرارين 425 و426 نصّا فقط على الانسحاب.

أحمد منصور: والقوات الدولية ومجيء القوات الدولية؟ لأن جوني عبدو يقول لي شيئاً غريباً جداً.

وليد جنبلاط: ألم ينص أيضاً على انسحاب القوات السورية أم لا؟

أحمد منصور: انسحاب القوات الأجنبية كلها.

وليد جنبلاط: كنا قد دخلنا في تحالف مع سوريا ورفضنا ذلك الأمر.

أحمد منصور: لأن هذا القرار كان يقضي بانسحاب القوات الأجنبية من سوريا.

وليد جنبلاط: من لبنان.

أحمد منصور: من لبنان، فإسرائيل انسحبت طبعاً، لكن…

وليد جنبلاط: انسحبت نظرياً وبقيت الميليشيات.

أحمد منصور: وبقيت عملياً، وبقي جيش لبنان الجنوبي. جوني عبدو ذكر معلومة غريبة وكأن الأمر كان مرتّباً، قال إنه قبل عملية الاجتياح بأيام جاء ضابط نرويجي إلى لبنان وطلب زيارة جنوب لبنان والاطلاع على المنطقة، فقمنا بترتيب الزيارة له، ثم فوجئنا بالاجتياح الإسرائيلي، وإن القوات النرويجية كانت الأساس في القوات الدولية، كأن كل شيء كان مرتباً مسبقاً.

وليد جنبلاط: أي عندما تدخل إلى عالم المعلومات أو المخابرات، فإنك تدخل في نفق لا نهاية له. هذه هي نظرية جوني عبدو، ولكن ربما كان ذلك أيضاً نتيجة تمني أصدقاء جوني عبدو بانسحاب الجيش السوري، أوكي، مع التمني، ليس فقط مع التمني بل مع الحفاظ على القوات الدولية.

أحمد منصور: فيسك يقول إن عملية الليطاني قتل فيها ألفان لبناني بينما قتل فلسطيني، بينما قتل عشرون إسرائيلياً، وأصبح هناك جيش يحمي إسرائيل من لبنان يسمى جيش لبنان الجنوبي، علاوة على قوات اليونيفيل التي كانت تعتبر تحمي إسرائيل.

وليد جنبلاط: صحيح، صحيح، لم يتغير شيء.

أحمد منصور: أسست إسرائيل جيش لبنان الجنوبي، وأصبح هناك جيش رسمي، ضباط في الجيش اللبناني رفض إلياس سركيس أن يطردهم، وأصبحوا هم من يحمون إسرائيل.

وليد جنبلاط: لم يُطرد أحد من الجيش اللبناني، من الجنوب إلى الشمال، مع سوريا، ضد سوريا، مع الحزب الاشتراكي أو ضد الحزب الاشتراكي. جميعهم كانوا يتقاضون رواتبهم في نهاية الشهر من الخزينة اللبنانية.

أحمد منصور: قلنا هذه القصة لأنها عجيبة جداً.

وليد جنبلاط: هذا هو الواقع.

أحمد منصور: أي أن كل ضابط في الجيش اللبناني كان يعمل كما يشاء، يقاتل مع هذا أو يحمي إسرائيل، وهو موجود برتبته ويتقاضى راتبه.

وليد جنبلاط: أصبح جزءاً من الشرعية. هذا هو النموذج، ليس نموذجاً لبنانياً فقط، هذه هي السياسة اللبنانية ببعض جوانبها.

أحمد منصور: الموارنة في الوقت نفسه لم يكونوا على قلب رجل واحد. كان هناك ثلاث ميليشيات رئيسية في لبنان، الكتائب تتبع بيار آل الجميل، والمردة، وكتائب المردة في شمال لبنان كان يقودها طوني فرنجية. وأيضاً كان هناك النمور.

وليد جنبلاط: النمور الأحرار.

أحمد منصور: النمور الأحرار آل شمعون.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: كيف كنت تراقب هذا المشهد؟

وليد جنبلاط: كانت تربطني بآل شمعون بالرغم من شراسة الأحرار في تل الزعتر، كان تربطني بهم نوع من الصداقة مع داني، كما ذكر جوني عبدو، وكما أقول لك، لم يكن هناك من مودة أو صداقة بيني وبين بشير الجميل. مع المردة، لم يكونوا من جبل لبنان، كانوا من منطقة الشمال.

أحمد منصور: طرابلس والشمال.

وليد جنبلاط: صراحة، في تلك اللحظة لم يكن هناك أي علاقة بيني وبين طوني فرنجية رحمه الله. التقيت به مرة واحدة فقط، وعرفني عليه جان عبيد، مرة واحدة فقط.

مجزرة إهدن

أحمد منصور: وقع صدام بين المردة والكتائب في 7 يونيو 1978، وكان عام 1978 مليئاً بالأحداث، كما يقول وزير الخارجية والدفاع فؤاد بطرس في مذكراته. قتل جود البايع، أحد قادة الكتائب في زغرتا في 13 يونيو، فردت الكتائب بهجوم سمير جعجع على منزل طوني فرنجية، ووقعت ما يسمى بمجزرة إهدن. قُتل طوني فرنجية وزوجته وابنته، وكان آل فرنجية موالين للسوريين آنذاك.

وليد جنبلاط: تربط آل فرنجية بالنظام السوري وحافظ الأسد علاقة قديمة، تربطهم علاقة من الجد إلى الأستاذ سليمان بيك اليوم، نعم كانت تربطهم علاقة سياسية وشخصية، وما حدث في الكورة من مقتل جود البايع أدى إلى هذا الانتقام. في ذلك الوقت، الذي قام بالمجزرة هو إيلي حبيقة، الذي كان يرافق…

أحمد منصور: سمير جعجع.

وليد جنبلاط: لأن سمير جعجع…

أحمد منصور: سمير جعجع جرح…

وليد جنبلاط: جرحاً سابقاً.

أحمد منصور: في البداية.

وليد جنبلاط: نعم.

أحمد منصور: وأكمل المهمة إيلي حبيقة، واستكملت، جوني عبدو قال إن الذين قاموا بالمهمة، وكذلك جاء في كتابين آخرين، كانوا ألف مقاتل.

وليد جنبلاط: لا أعلم بصراحة، لا أعلم، هذه تفاصيل لم أشارك فيها.

أحمد منصور: حسناً، أريد أن أسألك سؤالاً. هؤلاء مرّوا من المناطق التي جاؤوا منها، حتى وصلوا إلى الشمال السوري، مرّوا على نقاط سورية كثيرة، لم يوقفهم أحد، هل لديك معلومات؟

وليد جنبلاط: كلا، سمعت أنهم مرّوا على نقاط سورية، لكن لا أعلم لماذا لم يتم إيقافهم، لم يحدث أي إيقاف لهم على الطريق، لا أعلم بصراحة.

أحمد منصور: سألت جوني عبدو هذا السؤال. قلت له: هل كان هناك تواطؤ؟ تواطؤ سوري للتضحية بفرنجية لسبب ما؟ قال: لا أعلم، ولكن ما أستغرب له هو أن الطريق من جنوب لبنان إلى إهدن في الشمال كان يضم عشرات الحواجز السورية، ولا أعرف كيف سمحت تلك الحواجز بعبور المهاجمين رغم علم السوريين المسبق بتحرك القوات للأخذ بثأر جود البايع.

وليد جنبلاط: أي أن جوني عبدو يؤكد في جوابه على ما يقوله أن هناك تواطؤاً سورياً قواتياً ضد آل فرنجية، ولكن أيضاً هنا نذهب بعيداً في نظرية المؤامرات. هذا رأيي.

أحمد منصور: انعكاس هذه المجزرة كان ماذا على تركيبة ما تسميهم بالانعزاليين؟

وليد جنبلاط: آنذاك، الفريق اليميني الانعزالي انقسم، لأن الرئيس فرنجية، سليمان فرنجية الكبير، فقد ابنه، ودخلت منطقة الشمال في تصفيات كانت بغنى عنها.

أحمد منصور: بين الموارنة…

وليد جنبلاط: بين الميليشيات اليمينية.

أحمد منصور: الثلاث ميليشيات الأساسية.

وليد جنبلاط: لا، ميليشيا الكتائب…

أحمد منصور: الكتائب والمردة.

وليد جنبلاط: والمردة، ولاحقاً…

أحمد منصور: نمور الأحرار، بعد ذلك…

وليد جنبلاط: لاحقاً، أي أصبحت هناك جبهة الشمال في مواجهة الكتائب.

أحمد منصور: في كتابه “ويلات وطن”، يقول فيسك إن بشير أمر بقتل طوني لأن طوني كان موالياً للسوريين، وكان يعارض علاقة الكتائب وبشير بالإسرائيليين.

وليد جنبلاط: لا أعلم، روبرت صديقي، لكن أيضاً روبرت كان له، بهذا الجو المؤامراتي في لبنان، يعني ليس كل شيء نفسره بتفسيرات سياسية كبيرة، في النهاية يمين، شمال، يسار، وفي النهاية أيضاً عشائر بعضها ببعض، وعائلات كذلك.

أحمد منصور: شهادتك، إذاً، أهميتها في أنك تضفي بعداً جديداً في فهم ما يجري في لبنان، ربما يختلف عن كثير مما كتب أو قاله الآخرون.

وليد جنبلاط: نعم، بعد طول تجربة ومواكبة الأحداث، هناك عامل محلي أيضاً، هناك عامل محلي.

أحمد منصور: وهناك عوامل أسرية، وعوامل عشائرية، وعوامل جغرافية، وعوامل عنصرية، أي عوامل كثيرة يجب وضعها في تفسير الحدث، وليس عامل واحد فقط. في كتاب بعنوان “مذبحة إهدن أو لعنة المسيحيين العرب” كتبه صحفي فرنسي اسمه ليفير، قرأته.

وليد جنبلاط: من هو؟

أحمد منصور: اسمه ريتشارد لايفيير.

وليد جنبلاط: لابيفيير.

أحمد منصور: لابيفيير، عفواً.

وليد جنبلاط: أيضاً صحفي لا أثق به، مشبوه.

أحمد منصور: رغم أنه…

وليد جنبلاط: ليس مرجعاً، ليس مرجعاً.

أحمد منصور: رغم أن راوي القصة جمع المعلومات بعد ثلاثين سنة، وكانت حاضرة عند الناس بشكل مليء بالأحقاد، كأنها لم تبرد بعد مرور ثلاثين سنة.

وليد جنبلاط: لم أقرأ الكتاب لأحكم عليه، لكن لا أثق بالشخص.

أحمد منصور: بقي سمير جعجع حراً طليقاً، حتى دخل في نزاع مع السوريين، قبضوا عليه وحاكموه بتهم عديدة، لكن التهمة الرئيسية كانت مقتل طوني فرنجية. حكم عليه بالإعدام، ثم خُفف الحكم، وقضى إحدى عشرة سنة في زنزانة أو غرفة في مبنى وزارة الدفاع في اليرزة.

وليد جنبلاط: وأيضاً حكم عليه باغتيال داني شمعون.

أحمد منصور: داني شمعون، سنة 1990 هنجي له.

وليد جنبلاط: قبل أن يُغتال داني شمعون بأسبوع، أرسل مرافقه إلى المختارة وقابلته، وكان خائفاً، أي شعرت من المرافق أن داني كان خائفاً على حياته.

أحمد منصور: هل كانت علاقتك بداني قريبة؟

وليد جنبلاط: نعم، وقلت له: طيب، ليأتِ إلى المختارة بحماية. بعد أسبوع، قُتل.

أحمد منصور: لماذا كان خائفاً؟

وليد جنبلاط: يبدو أن مؤشرات أو معلومات وصلت إليه بأنه كان على لائحة التصفية.

أحمد منصور: من الكتائب؟

وليد جنبلاط: هكذا تقول المحكمة، حكم المحكمة التي كان رئيسها آنذاك من دير القمر، رئيس القضاء الأعلى ورئيس التمييز فيها من آل حنين، نسيت اسمه الصغير.

أحمد منصور: واتهم فيها سمير جعجع. هل كانت لك أي علاقة بسمير جعجع أو التقيت به حتى ذلك الوقت؟

وليد جنبلاط: لا، لم ألتقِ به.

أحمد منصور: بعد خروجه من السجن في 2006.

وليد جنبلاط: يعني ساهمت في إطلاق سراحه بعد مقتل الحريري، عندما كانت المعارضة الوطنية العريضة بعد مقتل الحريري، وساهمنا في قانون العفو.

أحمد منصور: كنت مرة أزورك في بيتك في المصيطبة، وكنت أجلس على كرسي، وفي الساحة خارجاً، ثم أشرت إليك، فقال لي: كان يجلس سمير جعجع في هذا المكان، زارك سمير جعجع؟

وليد جنبلاط: زارني مرة، ليس في المصيطبة، بل في كليمنصو.

أحمد منصور: في كليمنصو، عفواً.

وليد جنبلاط: كليمنصو.

أحمد منصور: وكان خائفاً من الجلوس في المكان، خاف من القناصة.

وليد جنبلاط: لست أدري. طيب، لنرجع إلى نفس النظرية، هو عادةً، مرة جاء إلى المختارة وكان معه موكب هائل، فودعته مع نورا، وكان ينتظر أن نبتعد أنا ونورا ونعود إلى البيت، خوفاً من أن نُرصد بأي سيارة.

أحمد منصور: هو سيركب؟

وليد جنبلاط: كل شخص لديه عاداته.

محاولة بشير الجميل توحيد البندقية المسيحية

أحمد منصور: أي هاجس غريب. الصراع بين ميليشيات الموارنة، هل كان صراعاً عقائدياً أم على النفوذ والسيطرة؟

وليد جنبلاط: كان صراعاً سياسياً. بشير الجميل قرر في مرحلة معينة من الحرب أن يوحد ما سماه “توحيد البندقية المسيحية”. كانت هناك عدة ميليشيات، منها نمور الأحرار، فاصطدم بالأحرار وجرى ما جرى في ما يسمونه الصفراء.

أحمد منصور: في حادثة غريبة جداً رواها لي الرئيس أمين الجميل، يقول إنه حينما خرج عشرون نعشاً من بيت آل فرنجية بعد مقتل طوني وكثير من حرسه، كان هذا المشهد شبيهاً لما حدث قبل عشرين عاماً في كنيسة مزيارة في بلدة مزيارة القريبة من زغرتا. قال إن الأمر كان عكس ما حدث الآن، إذ كان سليمان فرنجية الأب موجوداً في الكنيسة، وصارت حادثة، وقام هو وبعض أنصاره بقتل عشرين شخصاً من أهل الدويهي، فخرج هؤلاء، فتكرر المشهد بالعكس، وكأن القدر يجري الأحداث بشكل عجيب جداً.

وليد جنبلاط: يمكن أن تقول القدر، لكن تؤكد، تؤكد لي ما قلته في هذه اللحظة، عادات العشائر في الانتقام، عادات العائلات، عادات العائلات في الثأر كانت موجودة، ليس فقط عند المسيحيين، بل عند الدروز أيضاً، نعم كانت موجودة، وقد اعتمدنا على عقل الرأي ثم تناسينا، أي تطورنا إلى ألا ننتقم من أنفسنا بهذا الشكل، هذه عادات قديمة عشائرية.

أحمد منصور: الشائع عند العرب ما يحدث في صعيد مصر من عمليات انتقام بين العائلات، لكن نحن الآن نرى في لبنان انتقاماً بالجملة، عائلات تقتل عائلات، موضوع الثأر موجود في العقلية اللبنانية.

وليد جنبلاط: كان موجوداً، موجود، ليس فقط في العقلية اللبنانية، بل العقلية العربية، ولكن في لبنان؟ هل هناك أحد لا يحمل عقلية ثأر؟ لو.

انقلاب حافظ الأسد على الموارنة !!

أحمد منصور: ظل حافظ الأسد يدعم الموارنة حتى وقعت حادثة المدرسة الحربية في الفياضية في 7 شباط فبراير.

وليد جنبلاط: إذاً يدعم الانعزال اليميني اللبناني، أفضل، لأن هذا أفضل.

أحمد منصور: حين وقع صدام بين الجنود السوريين وميليشيات مارونية، أدى ذلك إلى مقتل ثلاثين من الجنود، أغلبهم من الجيش السوري. هنا ثارت ثائرة الأسد وطالب بالقبض على الضباط اللبنانيين الذين قاموا بهذا الأمر. كيف تابعت حادث الفياضية؟

وليد جنبلاط: عليك أن تسأل جوني عبدو، ولا يزال على قيد الحياة.

أحمد منصور: سألته.

وليد جنبلاط: كيف قتل ضابط من الجيش اللبناني آنذاك من آل الأشقر، واتهم بأنه وراء حادثة الفياضية؟ أعتقد أن الجيش اللبناني أو قسم من المخابرات صفّ الأشقر في بيته لتفادي الأكبر.

أحمد منصور: لكن انهار التحالف بين الموارنة، أو بين الانعزاليين الموارنة، وما بين حافظ الأسد في ذلك الوقت.

وليد جنبلاط: صحيح، صحيح، ورسمت خطوطاً حمراء جديدة في بيروت وضواحيها، نعم.

أحمد منصور: بدأت ميليشيات الموارنة الانعزالية، كما تقول أنت، بهجوم ضد القوات السورية الموجودة في الأحياء، وبدأت حرب المائة يوم بين حافظ الأسد وبين…

وليد جنبلاط: وجرى القصف الرهيب للجيش السوري على الأشرفية، على الأبرياء في الأشرفية وعلى الميليشيات، لكن بالطبع عندما تُقصف مدينة لا تستطيع التمييز، وتشمل المناطق المسيحية، وكانت هناك ضجة عالمية بعد ذلك بمئة يوم، صحيح.

أحمد منصور: حافظ الأسد ادعى أنه تدخل للحفاظ على الموارنة، بينما كان جيشه يقصف المناطق المسيحية بقسوة.

وليد جنبلاط: أي أن قصف المناطق المسيحية وغير المسيحية كان يحدث، كما ترى ما جرى مع أحمد جبريل والجيش السوري في مواجهة عرفات في طرابلس، قصفوا حيّاً كبيراً في باب التبانة، حي سنّي، القضية ليست مسيحية أو مسلمة، القضية من يواجه يحاول أن يواجه النظام السوري فيقصف.

أحمد منصور: المشهد…

وليد جنبلاط: في سورية، قصفوا حماة.

أحمد منصور: حتى داخل سوريا، نعم. المشهد اللبناني في منتصف 78، إسرائيل تحتل الجنوب، الجيش السوري يدك الأشرفية ومناطق الموارنة، في الشمال قتال بين الكتائب والمردة. أنتم الدروز، ماذا كنتم تفعلون في المشهد؟

وليد جنبلاط: كنا هناك في جبهة صغيرة، وكانت جبهة نتفاداها، لأننا لم نكن نمتلك السلاح. كان همي التدريب والتسليح عبر سوريا. كانت هناك مخيمات، مخيم في الشوف أتى فيه ضباط سوريون، ومخيم آخر إلى جانب، على الحدود.

أحمد منصور: حرب الأسد مع الانعزاليين الموارنة، الذين كانوا حلفاءه، جعلكم، جعل التحالفات تتغير، ثم أصبحتم بعد ذلك حلفاء لسوريا وللأسد، وبدأتم تشكلون، كما تقول، قوات مسلحة درزية كان لها دور بعد ذلك في الحرب مع المسيحيين أو مع الانعزاليين في العام 73 وغيرها. أبدأ معك الحلقة القادمة في التحالفات الجديدة وتحالفك مع السوريين. أشكرك جزيل الشكر، كما أشكر مشاهدينا الكرام على حسن متابعتهم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بيك جنبلاط، رئيس الحزب الاشتراكي وزعيم الدروز في لبنان. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج6: ‏قصة المهندس يحيى عياش وسر المكالمة الأخيرة بينهما والتي تسببت في اعتقاله 

التالي
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج7: اغتيال يحيى عياش..وتحديه للشاباك وتسببه في اغتيال رابين

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share