عبد الناصر عيسى ج6: ‏قصة المهندس يحيى عياش وسر المكالمة الأخيرة بينهما والتي تسببت في اعتقاله 

في الحلقة السادسة من شهادته على العصر، يستعرض أحمد منصور، مع الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأحد مؤسسي كتائب القسام، قصة المهندس الأسطوري يحيى عياش، وسر المكالمة الأولى والأخيرة بينهما، والتي اعتقل عبد الناصر بعدها بساعات..
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

في الحلقة السادسة من شهادته على العصر، التي جرى بثها في 7 مايو 2026، يستعرض أحمد منصور، مع الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث قضى هناك أربعة وثلاثين عامًا، وأفرج عنه في الثامن والعشرين من فبراير عام ألفين وخمسة وعشرين، وأحد مؤسسي كتائب القسام، قصة المهندس الأسطوري يحيى عياش، وسر المكالمة الأولى والأخيرة بينهما، والتي اعتقل عبد الناصر بعدها بساعات.

وقال عبد الناصر عيسى، في الحوار إنه التقى القيادي القسامي الراحل يحيى عياش في قطاع غزة وتعلم تصنيع المتفجرات على يديه خلال يومين فقط.

 وكان المهندس وعيسى قد توجها إلى غزة هرباً من الملاحقات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي تزايدت بشكل كبير بعد عمليتي تفجير حافلة ديزنغوف التي أوقعت عشرات القتلى والمصابين، واختطاف الجندي نحشون فاكسمان في عام 1994.

ووصل عيسى إلى القطاع في فبراير 1995، بينما وصل المهندس يحيى عياش للقطاع في مايو 1994 خشية الاعتقال أو التصفية، بعد أن خصص الشاباك وحدة كاملة لاغتياله بتهمة قتل 154 إسرائيليا والتسبب في إصابة 430 آخرين، وكانت أكبر تهمة توجه لفلسطيني في ذلك الوقت.

وساهم يحيى عياش خلال وجوده في غزة في تطوير قدرات القسام على صناعة المتفجرات. وكان المهندس الفلسطيني شغوفا بالكهرباء وتصنيع العبوات الناسفة، وقد ضمه زاهر جبارين -الذي يقود حماس حاليا في الضفة الغربية– للقسام، وطلب منه تصنيع العبوات الناسفة.

رابط الحلقة على الجزيرة 360

وبحسب عبد الناصر عيسى جرى في يونيو 1995، مناقشة أمر عودته أو عياش إلى الضفة لتأثر مقاومتها؛ بسبب غيابهما، واستقر الأمر على عودة عبد الناصر، لصعوبة المخاطرة بعودة عياش.

وقبل عودته، طلب عيسى من عياش تعليمه تصنيع المتفجرات فوافق الأخير وأنهى تعليمه خلال يومين اثنين ثم كتب آلية التصنيع في كبسولة (ورقة يمكن بلعها)، كما يقول.

وبالفعل، عاد عبد الناصر عيسى إلى الضفة عبر معبر بيت حانون (إيريز) مستعينا بهوية مزورة وفرها له القائد السابق للقسام محمد الضيف. وبعد وصوله لمدينة القدس المحتلة، بدأ التواصل مع قيادات قسامية لدعم عمله كونه كان مطلوبا للإسرائيليين. ومن بينهم عثمان بلال، ومحمود المدني (استشهد في عام 2001)، ومحيي الدين الشريف، المعروف بالمهندس رقم 2، أو القنبلة الموقوتة، (استشهد في عام 1998).

وفي يوليو، جهز عبد الناصر عيسى كمية متفجرات، قام الاستشهادي لبيب عازم باستخدامها في تفجير حافلة في بني براك قرب تل أبيب فقتل 6 إسرائيليين وأصاب 50 آخرين.

وبعد العملية، تواصل عيسى هاتفيا مع عياش، الذي كان هاتفه مراقباً ومخترقاً، فاعتقل بعد دقائق من الاتصال، ثم استشهد عياش لاحقا بعدما فخخت إسرائيل هاتفه عبر عميل فلسطيني، كان في ذات الوقت خال حارس عياش الشخصي، وذلك في 5 يناير 1996.

نص حوار عبد الناصر عيسى ج6: ‏ 

قصة المهندس يحيى عياش وسر المكالمة الأخيرة بينهما والتي تسببت في اعتقاله

أحمد منصور وعبد الناصر عيسى
عبد الناصر عيسى ج6: ‏قصة المهندس يحيى عياش وسر المكالمة الأخيرة بينهما والتي تسببت في اعتقاله

أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام. أبو حذيفة، مرحباً بك.

عبد الناصر عيسى:
حياكم الله.

انتقال عبد الناصر عيسى إلى قطاع غزة

أحمد منصور:
بعدما أصبحت مطارداً في الضفة الغربية، انتقلت إلى قطاع غزة وبدأت تعيش هناك ابتداءً من شهر فبراير عام 1995.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
صف لنا باختصار حياتك في غزة قبل أن نتناول الشخصيات الأساسية وعلى رأسها يحيى عياش.

عبد الناصر عيسى:
بالطبع. عندما وصلت إلى غزة في تلك الفترة كنت مطارداً، ولكنني كنت ملتزماً بالدراسة. وكان هذا الالتزام يرافقني دوماً، فاستأجرت شقة، وعلمت أن هناك بعض الطلاب من الضفة الغربية، وهذه كانت حالة نادرة، لأن عادةً لا يدرس كثير من طلاب الضفة في الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة.

أحمد منصور:
العكس هو الذي كان يحدث عادة، أليس كذلك؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، العكس. طلاب قطاع غزة كانوا يدرسون في جامعات الضفة الغربية، أما الطلاب القادمين من الضفة فكان عددهم قليلاً، ربما بعض العشرات مقارنة بألف طالب من غزة، بينما قد يكون هناك عشرون طالباً من الضفة يدرسون في غزة. فقررت التسجيل في الجامعة الإسلامية لتعويض ما فاتني، وكان هناك اتفاق على أن تُحتسب لي المواد في جامعة النجاح. وفعلاً، بدأت الدراسة في الجامعة الإسلامية، وكان الأساتذة يعرفونني باسم عبد الناصر عند التسجيل، لكنهم يستخدمون اسماً مستعاراً هو جمال في السجلات الدراسية، لأن لدي أكثر من اسم مستعار.

كنت أداوم كأي طالب طبيعي، من الساعة الثامنة أو التاسعة صباحاً حتى الواحدة أو الثانية أو الثالثة مساءً حسب جدول المحاضرات. وكنت أقدم امتحانات عادية وتُرفع العلامات إلى جامعة النجاح. هذه كانت حياتي المدنية الطبيعية، كنت أعيش مع الطلاب، وحتى الطلاب الذين كنت أشاركهم السكن كانوا يعرفونني باسم جمال، قائلين: “إنه جمال من نابلس يدرس في الجامعة الإسلامية.” الحمد لله رب العالمين.

كانت أموري على هذا النحو، وبين الحين والآخر كان يزورني الأخ يحيى عياش المعروف بـ أبو البراء، وأخوة آخرون يترددون على سكن الطلاب عندي، أو نخرج إلى البحر أو أماكن اختباء، لنتدارس شؤون العمل العسكري في الضفة الغربية.

أحمد منصور:
كيف كنت تتواصل مع الضفة الغربية؟

عبد الناصر عيسى:
كنت أتواصل مع الأخ عثمان بلال أحياناً عبر الهاتف وبشفرات محددة.

تحركات يحيى عياش في غزة

أحمد منصور:
وطبيعة دور يحيى عياش في ذلك الوقت في غزة؟

عبد الناصر عيسى:
كان يحيى عياش يصنع المتفجرات، وقد صنع بعض العبوات التي انفجرت في غزة وأدت إلى مقتل وجرح عشرات من جنود الاحتلال والمستوطنين.

أحمد منصور:
كان يحيى عياش مطلوباً في الضفة الغربية، وانتقل إلى غزة في شهر مايو عام 1994، وكان من المفترض أن يختفي هناك، إذ كان الإسرائيليون يبحثون عنه، وكانت السلطة الفلسطينية تقول دائماً إنه غير موجود. ولكن كيف كان يتحرك يحيى عياش في غزة؟

عبد الناصر عيسى:
كان يتحرك في غزة بسرية عالية جداً، لكنه كان يستفيد من كونه غير معروف لدى السكان والمواطنين. لم يكن معروفاً أنه يحيى عياش، لأنه من نابلس ومن قرية رافات، وهذا ساعده كثيراً لأنه لم يكن معروفاً في المنطقة.

أحمد منصور وعبد الناصر عيسى ويحيى عياش

السيرة الذاتية ليحيى عياش

أحمد منصور:
من هو يحيى عياش؟ عرف لنا يحيى عياش من خلال معرفتك به.

عبد الناصر عيسى:
رحم الله يحيى عياش، إنه قائد فلسطيني كبير ومجاهد عظيم، عظيم بأعماله وثباته وسيرته الفاضلة. كان ابن قرية رافات بالقرب من سلفيت، ودرس في جامعة بيرزيت. كان طالباً عادياً، لم يكن قيادياً في الكتلة الإسلامية، لكنه عرف بهدوئه ودماثة خلقه، وكان يحب الكهربائيات وما شابه ذلك. وكان يُلقب بالعامية بأنه يتعامل مع العبوات والمتفجرات، وقد عرفه على هذا الأخ المجاهد زاهر.

أحمد منصور:
زاهر جبرين.

عبد الناصر عيسى:
نعم، زاهر جبرين نظموا وطلب منه تصنيع العبوات الضخمة.

أحمد منصور:
روي زاهر تفاصيل كثيرة عن هذه الأمور

عبد الناصر عيسى:
زاهر سيعطيك صورة أكبر.

أحمد منصور:
لقد روى تفاصيل كثيرة، حتى حول أول عبوة وكيف رتبوا هذه الأمور. لكنك لم تشارك في التحضيرات، أليس كذلك؟

عبد الناصر عيسى:
في تلك المرحلة لم أشارك، ولم أكن على علم أصلاً بكيفية تحضير المتفجرات. كانت لدي معلومات بسيطة عن العبوة القديمة البسيطة التي كنا نمتلكها.

أحمد منصور:
نعم، إسرائيل بدأت مطاردة يحيى عياش في سنة 1991، واتهمته بأنه مسؤول عن مقتل 154 إسرائيلياً وإصابة 430 آخرين. وكانت هذه أكبر تهمة تُوجَّه لأي فلسطيني في ذلك الوقت.

عبد الناصر عيسى:
صحيح.

أحمد منصور:
هل كان لديك أي ترتيبات عندما كنت في الضفة الغربية لتهريبه إلى غزة وإقامته هناك؟

عبد الناصر عيسى:
لا، لم أكن مشاركاً. كان لدينا دائرة معينة، وعلمت بعد ذلك أنه تم تهريبه ووصل إلى قطاع غزة سالماً.

وحدة خاصة لملاحقة يحيى عياش

أحمد منصور:
تماماً كما كان لدى وكالة المخابرات الأمريكية وحدة لملاحقة أسامة بن لادن، أصبح لدى الموساد الإسرائيلي وحدة خاصة لملاحقة يحيى عياش.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
أنت قارئ جيد، كيف كنت تتابع هذا الموضوع؟

عبد الناصر عيسى:
مرَّ عليّ أكثر من تقرير في هذا الشأن، من أهمها كتاب رئيس جهاز الأمن العام ورئيس الشاباك السابق كارمي غيلون بعنوان الشباك بين الأشلاء، وهو كتاب منشور يتحدث جزئياً عن الموضوع.

أحمد منصور:
ترجمه الشهيد يحيى السنوار.

عبد الناصر عيسى:
نعم، ترجم الكتاب القائد الشهيد يحيى السنوار.

أحمد منصور:
نعم.

عبد الناصر عيسى:
قال لي يحيى: “اقرأ هذا الكتاب، ستجد فيه معلومات مهمة”، فسألته عن مكان الكتاب في العام 2000، فأرشدني وقال إنه موجود، وكان يحتوي على ذكر له عني، و عن الشهيد يحيى عياش.

أحمد منصور:
مكتوب عنك، ستعرف عندما يُكتب عنك.

عبد الناصر عيسى:
نعم، الكتاب كتب عن الشهيد يحيى عياش وذكر بطولاته وثباته وقوته وإصراره. رغم أنه كان شخصاً عادياً في المظهر، إلا أن عظمته كانت في تواضعه وهدوء أعصابه.

أحمد منصور:
ما طبيعة حياته في غزة؟ أنت احتكيت به وكنت تخرج معه.

عبد الناصر عيسى:
بالطبع. كان يعيش في مخابئ مع الإخوة، ويتحرك بشكل محدود ومدروس. كانت هناك جلسات عدة للحديث عن العمل العسكري وتطويره في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، وكذلك لتطوير العبوات الناسفة. كان هذا شغله الشاغل، ونفذ بعض العمليات بالتنسيق مع الأخ أبو خالد الضيف ضد المستوطنين والجنود في غزة. كانت العمليات ناجحة، لأن العمل العسكري والعبوات في غزة كانت أقل جودة مما كان يقدمه يحيى عياش. تبادل الإخوة المعلومات، وطوروا الأمور، فتحسّن أداء أبو البراء وأداء الإخوة في غزة أيضاً.

أحمد منصور:
بقيت في غزة من فبراير حتى يونيو، أليس كذلك؟

عبد الناصر عيسى:
تقريباً حتى يونيو.

أحمد منصور:
حتى شهر يونيو.

عبد الناصر عيسى:
نعم، تقريباً حتى آخر يونيو.

أحمد منصور:
في شهر يونيو، ناقشت قيادة الحركة ضرورة عودة يحيى عياش إلى الضفة الغربية، أو عودتك أنت، لأنكما كنتما القائدين الأساسيين للضفة المقيمين في غزة.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
ما الذي تتذكره عن ذلك الوقت وهذا القرار؟

عبد الناصر عيسى:
كان الوضع في غزة بعد عملية ديزنغوف الشهيرة، وهي عملية خطف الجندي فاكسمان، ثم بعدها مباشرة عملية تل أبيب التي أصيب فيها وقتل خلالها عشرات الأشخاص، حوالي عشرين إلى خمسة وعشرين قتيلاً، ومئات الجرحى. كانت إسرائيل في ذلك الوقت مجنونة وتلاحق بقوة كل المطاردين وكل المقاومين في فلسطين. لذلك انتقل أبو البراء إلى قطاع غزة، وانتقلت أنا بعده إلى هناك. كانت المنطقة آمنة نسبياً كما ذكرت، وكان هناك لقاء ودراسة حول ماذا نفعل في الضفة الغربية، خاصة بعد فترة من الهدوء.

كنا نعتبر أن فترة الهدوء التي امتدت لأربعة أشهر بدون عمليات عسكرية فترة طويلة جداً لا يجب أن تستمر. فقررنا أنه يجب أن يعود أحدنا، فسألت أبو البراء: “ما الذي يمنعك من العودة؟” فقال لي: “لا شيء يمنع”. فقلت له: “حسناً، ارجع واشتغل كما كنت تفعل سابقاً.” قال: “أنا مستعد لذلك، لكن يجب توفير مهرب آمن للتسلل.” فبدأنا نحن بالبحث عن أماكن مناسبة للتسلل، وذهبت معه إلى عدة مناطق.

أحمد منصور:
تسلل من غزة للعودة إلى الضفة الغربية؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، ذهبنا إلى مناطق مثل خزاعة وبيت لاهيا، وتفقدنا عدة مواقع على طول السلك لفحص مناطق الهرب والتسلل. كانت هناك أماكن معينة للتسلل، لكن نسبة المخاطرة فيها عالية. قلنا: إذا عاد يحيى أبو البراء للضفة الغربية، وهو شخصية كبيرة، وإذا اعتُقل، لا سمح الله، حتى لو كان الاحتمال 30%، ستكون مصيبة لنا وللمقاومة الفلسطينية وللرأي العام العالمي.

تمت مناقشة الموضوع مع أبو البراء والأخ أبو خالد الضيف، وكنت أتحدث مع أبو البراء عن تفاصيل ما دار بينه وبين أبو خالد الضيف.

أحمد منصور:
ماذا قال لك؟ طبعاً، أبو خالد محمد الضيف في ذلك الوقت كان قائد الكتائب في قطاع غزة.

عبد الناصر عيسى:
كان المطارد الأول.

أحمد منصور:
وبقي… وبقي؟

عبد الناصر عيسى:
واستمر.

أحمد منصور:
واستمر حتى استشهد؟

عبد الناصر عيسى:
حتى استشهد، رحمه الله.

أحمد منصور:
وأُعلن عن استشهاده في 2025.

عبد الناصر عيسى:
نعم، كان هناك نقاش حول ماذا نفعل وكيف نقوم بالعمل في الضفة الغربية. فقلت له: “ارجع إلى الضفة.” فقال: “أنا مستعد”، وبدأنا نبحث عن أماكن التسلل. وجدنا أن الأمر موجود، لكن المخاطرة عالية، خاصة لشخصية مثل أبو البراء. لا نريد أن يكون هناك احتمال 10% فقط أن يُعتقل.

اقترحت عليه: “إذا رجعت، هل يمكن أن تعلمني المتفجرات؟” فقال: “نعم، هذا ممكن بسهولة.” فبدأت التعلم على يديه. هذا الرأي أعجب الأخ أبو خالد الضيف وأيده ووافق عليه، فبدأت بالتعلم.

أحمد منصور:
فعلاً؟

عبد الناصر عيسى:
فعلاً.

تعلم عبد الناصر عيسى تصنيع المتفجرات

أحمد منصور:
يعني تعلمت على يدي يحيى عياش؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، بدأت التعلم هناك، وكتبت كل شيء في كبسولة صغيرة بخط صغير، معروفة لدى المقاومين وخاصة في السجون. كتبت فيها التفاصيل كلها، ما قاله يحيى، الأهم أنني كنت أثق به تمام الثقة، لأنه مسألة المتفجرات حساسة للغاية، وأي خطأ صغير يكون الأخير.

أحمد منصور:
كم استغرقت لتتعلم؟

عبد الناصر عيسى:
يومين.

أحمد منصور:
يومين فقط؟ الكليات العسكرية بتتعلم في 4 سنوات.

عبد الناصر عيسى:
نعم، يومين، جلستين أو ثلاث على الأكثر.

أحمد منصور:
أكيد تعلمت أنواعاً مختلفة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، علمني خصوصاً الأنواع المستخدمة والممكن توفرها في السوق. تعلمت منه أيضاً مسألة الصواعق والتمديدات وما شابهها.

أحمد منصور:
الوصلات الكهربائية معقدة.

عبد الناصر عيسى:
نعم، لكنها ممكنة، والحمد لله.

أحمد منصور:
وأنت رجل تدرس العلوم الشرعية، ليس لديك علاقة بالدوائر الكهربائية.

عبد الناصر عيسى:
نعم، لكن الحمد لله، المسألة ممكنة لكنها خطيرة جداً، وهناك كثيرون قتلوا أو أصيبوا أو شوهوا.

فعدت بعد التعلم، وقلت له: “أنا سأعود، وأنت استمر حتى نرى.” أتذكر أنه قال لي: “يا رجل، نفسي أطلق النار، كل شغلي أنا المتفجرات.” لكن لم يسمح لي الأخوة بذلك، كانوا يقولون: “ممنوع أن تشارك في العمليات، أنت كنز عندنا، يجب أن تظل تصنع المتفجرات.” مرة واحدة سمح لي الأخ علي عاصي، الشهيد القائد، بالنزول، ولكن دون معرفة الآخرين.

أحمد منصور:
كان علي عاصي من المجموعة الأساسية مع زاهر؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، المجموعة الرئيسية.

أحمد منصور:
هل تعرف علي عاصي؟

عبد الناصر عيسى:
أعرفه عن بعد فقط، لم تكن لي علاقة مباشرة به. أما عدنان مرعي فأعرفه جيداً.. كان أحد المطاردين الشهداء، وكان ركنًا من أركان كتائب القسام في تلك المرحلة.

الشهيد عدنان مرعي

أحمد منصور:
صف لنا عدنان مرعي قبل أن نرجع إلى بقية الأحداث.

عبد الناصر عيسى:
كان عدنان مرعي طالبًا في جامعة النجاح، وكنت أعرفه من خلال الجامعة. كان قليل الحديث، مثل معظم هؤلاء الأشخاص، لا يتحدثون كثيرًا، وإنما يعملون أكثر مما يتحدثون. كان هادئًا، ويتابع القضايا الأمنية كلها، وكان مقاتلًا دائمًا ومسلحًا، وكان مطاردًا وقام بالعديد من العمليات التي لا أتذكر تفاصيلها لأنه لم أعمل معه بشكل مباشر. كنت أساعده أحيانًا، يأتي إلى المنزل أو الجامعة، يطلب أحيانًا المال أو البنزين إذا انقطع من القطاعات، فكنت أحتضنه دائمًا لأنه أخ مقاتل.

أحمد منصور:
كنت تقوم بالتمويل والتخطيط والترتيب؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لأنني لم أكن مطاردًا، فكان الإخوة يعتمدون عليّ، والحمد لله على قدر المسؤولية.

أحمد منصور:
واستشهد علي عاصي.

عبد الناصر عيسى:
نعم، استشهد علي عاصي واستشهد عدنان مرعي.

أحمد منصور:
رحمهم الله.

عبد الناصر عيسى:
رحمهم الله جميعًا.

أحمد منصور:
طيب، الآن نعود إلى يحيى عياش. اتخذت القرار، تعلمت كيفية صناعة المتفجرات، وتم الترتيب لكي تعود للضفة الغربية.

عبد الناصر عيسى:
نعم، كان هناك نقاش حول إنهاء الفصل الدراسي الذي كنت أدرسه في الجامعة، هل أنهي الفصل أم أتركه.

أحمد منصور:
ستستفيد، فأنت تدرس باسم مستعار.

رأي عياش والضيف في استكمال عيسى دراسته

عبد الناصر عيسى:
هذا كان رأي يحيى عياش، أما رأي الأخ أبو خالد الضيف فقال لي: “لا، أكمل.” وكان أبو البراء، أي يحيى عياش، يقول لي: “لماذا تقلق بشأن الفصل الدراسي الآن؟ ربما تستغرق العودة شهرًا أو شهرين، الله أعلم.” وقال أبو خالد الضيف: “اعمل لدنياك كأنك تعيش غدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.” فالتزمت برأي أبو البراء وقلت: “حسنًا، سأرى كم أعيش، وبعدها نتغلب على الدراسة.” كنت مستعجلًا لأعود بسرعة، فإذا أكملت الفصل كنت سأحتاج شهرًا آخر، بينما كان هدفي العودة خلال يومين أو ثلاثة. فعلاً رتبنا الأمور، وقررنا العودة خلال يومين أو ثلاثة.

قام الأخ أبو خالد الضيف، جزاه الله خيرًا، بترتيب موضوع الهوية المزورة وأشرف على الأمر، وكلف أحد مساعديه بأن يوصلني إلى حاجز إيرز. وصلت هناك بهوية مزورة، وبعد عبور الحاجز أخذوا مني الهوية المزورة، وكانت معي هويات مزورة أخرى، وواصلت السير بالسيارة حتى وصلت إلى مدينة القدس.

أحمد منصور:
دخلت بسلام، عدت إلى الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، دخلت بسلام، لم تكن هناك إجراءات معقدة كما أصبحت الآن، كل شيء كان يدويًا تقريبًا.

أحمد منصور:
كنت مرتبًا مع جماعة الضفة الغربية؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، كنت مرتبًا مع إخواننا في الضفة.

أحمد منصور:
مع من كنت مرتبًا تحديدًا؟

عبد الناصر عيسى:
كنت مرتبًا مع الأخ عثمان سعيد بلال، جزاه الله خيرًا، وكان مساعدي الرئيسي، لأنه بما أنني مطارد، كنت بحاجة إلى من يساعدني كما كنت أساعد الإخوة المطاردين سابقًا.

أحمد منصور:
مع المطاردين؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، مع الإخوة المطاردين. وكان عثمان مساعدي الرئيسي والوحيد تقريبًا. ثم تعرفت على الأخ محمود المدني، الشهيد الذي استشهد في العام 2001. بعض الإخوة الذين كانوا يساعدونني في تلك المرحلة لم نعترف بهم في التحقيق، فاستمروا بالعمل سنوات إضافية، والحمد لله، من بينهم محيي الدين الشريف، الذي استشهد بعد اعتقالي.

أحمد منصور:
نعم، محيي الدين الشريف كان من الشخصيات التي تركت أثرًا كبيرًا، واستشهاده أحدث ضجيجًا كبيرًا.

عبد الناصر عيسى:
نعم، كان قائدًا في كتائب القسام في تلك المرحلة، وكان ضمن مجموعتنا التي نظمت للعمل الاستشهادي، وسنتحدث عنه لاحقًا. لكن دعنا نركز على موضوع أخينا يحيى كما طلبت، فبعد النقاش في غزة عدت أنا إلى الضفة الغربية.

سبب اعتقال عبد الناصر عيسى

أحمد منصور:
هل كان هناك أي اتصال بينك وبين يحيى بعد ذلك، أم كان وداعك الأخير معه؟

عبد الناصر عيسى:
لم أتصل به إلا مرة واحدة قبل اعتقالي بيوم، وقد يكون هذا سبب اعتقالي، أي أن اتصالي به قد يكون السبب.

أحمد منصور:
لأنه كان هاتفه مخترقًا.

عبد الناصر عيسى:
يبدو أن هاتفه كان مخترقًا، وبعدها استشهد، عليه رحمة الله.

أحمد منصور:
بالنسبة للأسير حسن يوسف في كتابه الحافلات تحترق، كان في غزة في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى:
أقصد الأسير حسن سلامة.

أحمد منصور:
نعم، حسن سلامة.

عبد الناصر عيسى:
فرج الله عنه وعن باقي إخوانه.

أحمد منصور:
في كتابه الحافلات تحترق، ذكر أنه كان في غزة في ذلك الوقت وقال: “هي لحظات لا أستطيع أن أعبر عنها، ولكن يكفي أن أهل قطاع غزة خرجوا في مسيرة لم يشهد لها القطاع مثيلاً من قبل”.

عبد الناصر عيسى:
وكذلك الضفة الغربية.

أحمد منصور:
فالجميع أراد أن يرى جثمان الشهيد الأسطورة، فبمجرد انتشار الخبر فزع الجميع وخرجوا إلى الشوارع ليتأكدوا من صحة الخبر، وكان الجميع مذهولاً لرؤية جثمان الرجل الذي أعاد لهم عزتهم وكرامتهم التي داسها الاحتلال.

عبد الناصر عيسى:
صدق، صدق أبو علي.

أحمد منصور:
أنت عدت إلى الضفة الغربية في نهاية شهر يونيو عام 1995؟

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
بقي يحيى عياش في غزة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
طوال هذه الفترة وحتى استشهاده في 5 يناير 1996، لم تتواصل معه؟

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
تواصلت معه مرة واحدة فقط؟

عبد الناصر عيسى:
قبل اعتقالي بنصف ساعة أو ربع ساعة.

أحمد منصور:
قبل اعتقالك بربع ساعة.

عبد الناصر عيسى:
أغلقت الخط معه.

أحمد منصور:
معنى ذلك أن هناك علاقة محتملة بين اتصالك به وبين اعتقالك؟

عبد الناصر عيسى:
والله أعلم.

أحمد منصور:
هنا كان هاتفه مخترقًا كما سيظهر لاحقًا؟

عبد الناصر عيسى:
على ما يبدو.

أحمد منصور:
أنت اعتُقلت في 19 أغسطس 1995؟

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
صحيح. قل لي، حتى أصل إلى تلك الحادثة، ما هي أهم الأمور التي رتبت لها عندما عدت إلى الضفة الغربية من يونيو 1995 إلى يناير 1996؟

عبد الناصر عيسى:
طبعًا، عندما عدت من غزة وحتى لحظة اعتقالي… نعم، هذا هو السؤال. عندما عدت من غزة بدأت بالترتيب…

أحمد منصور:
إلى الضفة الغربية؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، إلى الضفة الغربية. كان في استقبالي هناك، نعم، في نابلس، نابلس جبل النار، التي لها دائمًا دور كبير في النضال الفلسطيني. عندما عدت من غزة كان في استقبالي هناك.

أحمد منصور:
إلى الضفة الغربية.

عبد الناصر عيسى:
نعم، إلى الضفة الغربية.

أحمد منصور:
من غزة إلى الضفة الغربية.

عبد الناصر عيسى:
نعم، من غزة إلى الضفة الغربية.

عبد الناصر عيسى:
من غزة إلى الضفة الغربية. أحسنت. كان في استقبالي أخي عثمان سعيد بلال، وبدأنا أولاً بتجميع الأمور اللوجستية، مثل مكان السكن، والطعام، والشراب؛ هذه كانت القضايا الأساسية، وفرناها، والحمد لله رب العالمين. بعد ذلك بدأنا بالإعداد لشراء المواد المطلوبة لتجهيز المتفجرات.

اتصل أخي عثمان، كما قلت، وهو مساعد الرئيس، مع بعض الإخوة. لم أكن أعرف أسماءهم، وقلت له: “لا أريد أن أعرف الأسماء، فقط قم بتدبير الأمور.”

أحمد منصور:
أبو فلان وأبو علان؟

عبد الناصر عيسى:
لا، لا أبو فلان ولا شيء.

أحمد منصور:
أيضًا؟

عبد الناصر عيسى:
قلت له فقط جهز المواد التالية، ولا تتحدث عن الأسماء. لماذا؟ لأنني إذا اعتُقلت، لن أضع أحدًا في خطر.

أحمد منصور:
نعم.

عبد الناصر عيسى:
طبعًا علمت لاحقًا، بالخطأ، أسماءهم. كانوا هؤلاء الرجلان عظماء من رجال فلسطين، من الشهداء الكبار: نسيم أبو الروس وجاسر سمارة، من مدينة نابلس، من الإخوة الذين كانوا معنا.

أحمد منصور:
نسيم أبو الروس؟

عبد الناصر عيسى:
وجاسر سمارة.

أحمد منصور:
وجاسر سمارة أيضًا؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، استشهدا في بداية الانتفاضة الأولى، وكانا من مهندسي الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى.

أحمد منصور:
انتفاضة الأقصى كانت سنة 2000.

عبد الناصر عيسى:
نعم، بين 2001 و2002. كانوا من أوائل مهندسي القسام في تلك الانتفاضة، ونحن نفتخر بهم.

أحمد منصور:
أنت علمتهم صناعة المتفجرات؟

عبد الناصر عيسى:
تعلموا شيئًا مني، وشيئًا من آخرين. أهم ما لديهم كان الإصرار والإيمان. لم ألتقِ بهم مباشرة، لكنهم كانوا يساعدوننا بالتفاصيل الكاملة، وكانوا يعرفون عملي وكل شيء. كنت حريصًا على عدم معرفة أسمائهم، حتى إذا اعتُقلت لا أُسِبب اعتقال أحدًا. هذه كانت طريقة أمنية سليمة. عثمان كان يتواصل معهم، والحمد لله نجحوا في توفير جميع المواد المطلوبة. أنا قمت مباشرة بتحضير العبوات، وخلال أربعة إلى خمسة أيام أصبحت لدي كمية كافية من المتفجرات لتجهيز ثلاث عبوات تقريبًا.

أحمد منصور:
في 24 يوليو 1995، أي بعد حوالي شهر من عودتك من غزة، قام الاستشهادي لبيب أنور عازم بتفجير الحافلة رقم 20 في منطقة بني براك قرب تل أبيب، ما أدى إلى مقتل 6 إسرائيليين وجرح 50.

عبد الناصر عيسى:
نعم، هذه كانت العملية الأولى.

أحمد منصور:
أنت الذي رتبتها ومسؤول عنها، أنت الذي صنعت العبوة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
وأنت الذي جندت الاستشهادي؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، أنا من وصلته.

أحمد منصور:
اعترف بذلك.

عبد الناصر عيسى:
معترف. هذه أمور معروفة، وقد حُكمت عليّ بسببها، قضيت 30 سنة.

أحمد منصور:
كيف جرى الموضوع؟ كيف أقنعت الاستشهادي بالقيام بالعملية؟

عبد الناصر عيسى:
الاستشهادي يُقنع بلد. الرجل عظيم، اسمه لبيب أنور عازم، مواليد مدينة الزرقاء بالأردن، أصله من قريوت قضاء نابلس. تعرفت عليه من خلال الشهيد فهمي دوابشة.

عرفني مباشرة وبدأ يتعامل معي بثقة. تحدثنا، وقلت له: “وظيفتك كذا، واستشهادك كذا.” قال لي: “أنا مستعد وجاهز.” جهزنا العبوة، كتب وصيته، وتم تصويره وكل شيء.

نفسية الاستشهادي

أحمد منصور:
نفسية الاستشهادي كانت كيف؟

عبد الناصر عيسى:
الاستشهادي يعيش في السماء، أقدامه على الأرض، لكنه مع الله عز وجل في السماء.

أحمد منصور:
الواحد الذي سيقتل شخصًا عاديًا قلبه يخف، أما الاستشهادي فكيف؟

عبد الناصر عيسى:
هذا سؤال حير الباحثين الإسرائيليين. كيف يريد شخص أن يموت؟ لكن هو عنده إيمان بالقضية وبعدالة ما يفعل، يعلم أنه يموت في سبيل الله ودفاعًا عن شعبه.
هو لم يتردد لحظة رغم أن العملية استغرقت بعض الوقت لأن الأجواء لم تكن مناسبة..

أحمد منصور:
محي الدين الشريف، كان أيضًا مستعدًا؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، نزل في العملية الثانية، كنا نخطط لعمليتين، واحدة في تل أبيب وواحدة في القدس.

أحمد منصور:
العملية كانت مزدوجة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، ثم قررنا التركيز على القدس.

أحمد منصور:
محي الدين كان مفخخ نفسه؟

حماس تؤجل العملية بسبب الإسرائيليين كبار السن

عبد الناصر عيسى:
نعم، كان مستعدًا أيضًا، لكن ربنا قدر أمرًا آخر. نزلوا في العملية، وتوقفوا عند وجود كبار السن، لأن كل العمليات فيها أخلاقيات.

أحمد منصور:
ما هي الأخلاقيات الأساسية؟

عبد الناصر عيسى:
الابتعاد عن الأطفال والكبار والمدنيين، قدر الإمكان، لأن الهدف العسكري لا يشمل المدنيين.

أحمد منصور:
هدفكم الأساسي كان ماذا؟

عبد الناصر عيسى:
رغم أن هناك إشكالية كبيرة فيما يخص المدنيين في إسرائيل، لأن معظم السكان هم جنود احتياط، أي أن الجميع قد يقاتل.

أحمد منصور:
وهذا ظهر في حرب غزة.

عبد الناصر عيسى:
اليوم، في حرب غزة، كلهم يقاتلون.

أحمد منصور:
نساء ورجال؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، كلهم يقاتلون.

أحمد منصور:
حتى شخص يبلغ من العمر 80 سنة كان يقاتل؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لذلك مسألة المدنيين هي مسألة مختلفة في الحالة الصهيونية في فلسطين، لكن مع ذلك كنا نحاول تجنب المدنيين قدر الإمكان.

أحمد منصور:
أنتم كنتم تستهدفون الجنود تحديدًا؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، نستهدف الجنود تحديدًا، ونحاول أن يكون استهدافنا دقيقًا. أحيانًا تحدث أخطاء أو قضايا غير محسوبة تمامًا.

أحمد منصور:
أنت في 24 يوليو نفذت العملية، واعتُقلت في 19 أغسطس.

عبد الناصر عيسى:
نعم، هذه العملية الأولى تمت بنجاح، وبقيت مطاردًا عدة أسابيع قبل العملية الثانية.

أحمد منصور:
هل عرفوا أن أنت وراء العملية؟

عبد الناصر عيسى:
لا، لم يعرفوا.

أحمد منصور:
ولا عرفوا من كان وراءها؟

عبد الناصر عيسى:
بعض التنظيمات الفلسطينية — لا نريد ذكر أسمائها — راحت تبنت العملية.

أحمد منصور:
يعني في تنظيمات إذا أصاب شخصًا، يقولون: نحن من نفذناها؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، للأسف هناك من يفعل ذلك، فكنا نضحك ونسبهم.

أحمد منصور:
وحماس لم تعلن؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، حماس لم تعلن. كنا حريصين على القضايا الأمنية، لضمان استمرار عملنا لأطول فترة ممكنة. وبالمناسبة، مسألة الإعلان كانت إشكالية: إذا أعلنت، فأنت تمنح معلومات مجانية للاحتلال. الاحتلال حين تحدث عملية يبدأ بالبحث عن كل المشاركين. إذا قلت له: نحن الجهاد الإسلامي أو نحن حماس أو نحن الجبهة الشعبية، فهو يركز على تنظيم محدد بدل أن يعتقل مئات أو آلاف. لذلك كان سبب عدم الإعلان أمنيًا بحتًا.

وأيضًا كانت هناك أسباب مرتبطة بالتنافس أحيانًا، ورغبتنا في تقديم “هدية” للشعب الفلسطيني، أو أن تكون هذه العملية من حماس أو الجهاد أو فتح، أي أن هناك تنافسًا على كسب تأييد الرأي العام الفلسطيني، والعربي، والإسلامي، وكل أحرار العالم يحبون عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال.

أحمد منصور:
أريد أن أسألك هنا: كيف تعلمت صناعة المتفجرات في يومين، ثم صنعت العبوات وانتقلت بشكل سليم جدًا؟

عبد الناصر عيسى:
تم الأمر معنا، ماذا أفعل لك؟ هذا ما حدث بالفعل.

أحمد منصور:
يعني كيف تمكنت في يومين أن تصبح صانع متفجرات؟

عبد الناصر عيسى:
على فكرة، صدقني، ضابط المخابرات أثناء التحقيق معي قال لي: «معقول في يومين؟» فقلت له: «يا أخي…».

أحمد منصور:
نفس السؤال، أعني.

عبد الناصر عيسى:
نعم، نفس السؤال، وقد استغرب، لأنها حقًا عجيبة. فقلت له: «نعم، طبعا يومين»، فقال لي: «لا…» فقلت له: «تريد أسبوعًا؟» فقال لي: «منطقياً»، فقلت له: «حسنًا، ضع أسبوعًا»، فاضطر أن يضع أسبوعًا.

أحمد منصور:
هو لم يقتنع أن الأمر تم في يومين.

عبد الناصر عيسى:
بالضبط، لم يقتنع. قلت له: «بيومين، كتبت كل ما لدي وكل شيء انتهى». كل المعلومات التي أخبرني بها كانت مكتوبة حرفيًا. وعند عودتي للكبسولة في الضفة، فتحتها وكأنها دراسة أمامي.

أحمد منصور:
يعني هذا معناه أن يحيى عياش كان بمثابة بروفيسور، أليس كذلك؟

عبد الناصر عيسى:
ما شاء الله.

أحمد منصور:
يضع الخطوات بشكل دقيق، وفي يومين يعلمك، وبعد يومين تصنع وتجهز وتنفذ. هذا يعني…

عبد الناصر عيسى:
الحمد لله. المسألة ليست كبيرة، ليست صعبة أو معقدة كثيرًا، لعلمك.

أحمد منصور:
كيف لا تكون معقدة؟ أنت تهز كيانًا كاملًا!

عبد الناصر عيسى:
صحيح، نتائجها عظيمة جدًا، لكنها في أحيان كثيرة تستخدم وسائل بسيطة جدًا لها آثار كبيرة.

أحمد منصور:
وربما أيضًا ما حدث في غزة في هذه الحرب من أشياء يمكن اعتبارها معجزات عسكرية.

عبد الناصر عيسى:
أقصد، سلاح المقاومة في غزة بسيط جدًا مقارنة بالترسانة الأمريكية والصهيونية. لديهم ترسانة ضخمة هائلة، أحدث ما توصل إليه العلم البشري موجود بين أيديهم، والقسام يمتلك بعض البنادق وبعض القذائف المطورة، لكن نحن لا نبالغ، هم يكبرون المسألة فقط.

عبد الناصر عيسى يجهز قنبلة جديدة

أحمد منصور:
في 21 أغسطس… أنت اعتُقلت في 19 أغسطس، ولكن في 21 أغسطس 1995 قام الاستشهادي سفيان سالم جبارين بتفجير في حي راموت في القدس، وقتل تسعة إسرائيليين وأصيب 107. أنت من أعددت القنبلة ورتبت لهذا الاستشهادي، صحيح؟

عبد الناصر عيسى:
صحيح.

أحمد منصور:
لكن أنت كنت في السجن حينها، قبضوا عليك…

عبد الناصر عيسى:
نعم، قبضوا علي.

أحمد منصور:
وبقيت صامدًا تحت التعذيب يوميًا…

عبد الناصر عيسى:
صحيح.

أحمد منصور:
حتى تم التفجير…

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
احكِ لنا الحكاية.

عبد الناصر عيسى:
من البداية إلى النهاية.

أحمد منصور:
من البداية إلى النهاية.

عبد الناصر عيسى:
اللهم صلِّ على سيدنا محمد. كان المخطط كما قلنا، أن يشارك محيي الدين الشريف مع سفيان وليبيب في العملية، لكن بعد ذلك قررنا بالتشاور – أنا وعثمان وعبد المجيد دودين – أن محيي الدين الشريف لا يصلح أن يكون استشهاديًا بنفسه، فهو قائد كادر تنظيمي في القدس، وقد نستفيد منه في مهام أخرى أهم في العمل العسكري، أي في قضايا لا يستطيع أن يقوم بها إلا هو. لذلك ركزنا عليه في هذه المهام وأخبرناه بذلك. وقلنا لعبد المجيد أبو همام – رحمه الله – أننا بحاجة إلى استشهادي آخر، ويفضل أن يكون من الجنوب لكي لا يظهر مركز العمل في الشمال، نظرًا لأننا نعمل في نابلس، وحاولنا جلب شخص من مناطق أخرى لتشتيت انتباه الاحتلال.

أحمد منصور:
نعم.

عبد الناصر عيسى:
وبالفعل، بعد أيام، قال لي: لدينا أحد الإخوة العظام، أخونا سفيان، مستعد ويريد بشدة أن يقوم بعملية استشهادية.

أحمد منصور:
كم كان عمر سفيان؟

عبد الناصر عيسى:
أعتقد أن عمره في تلك الفترة كان حوالي 25 سنة تقريبًا، لا أذكر العمر بالضبط، ربما 25 أو 26.

أحمد منصور:
كنت أظن أنه أكبر، كنت أظنه في الأربعينيات تقريبًا.

عبد الناصر عيسى:
لا، هو كبير بأفعاله، فقد شاهدت بعض المواقف منه.

أحمد منصور:
مثل ماذا؟

عبد الناصر عيسى:
لأنني رأيت أنه كان مبتسمًا دائمًا ويحثنا باستمرار: «هيا يا إخوتي، لقد أطِلنا، يجب أن نعمل، يجب أن ننزل، يجب أن نفعل كذا». كان دائمًا يحثنا على القيام بالعملية الاستشهادية، وكان هو الذي يدفعنا للسرعة في العمل. لذلك قلت عنه كبير، فقد رأيته متحمسًا لهذه الدرجة، فقلت له: «والله يا أخي الكريم، جزاك الله ألف خير، أنت أفضل منا». وقلت له مازحًا: «لكنك الآن لن تنزل»، فقال لي: «لماذا لن أنزل؟ ما السبب؟ ماذا حدث؟» قلت له: «لأننا نريد أن نضمن أنك تشفع لي وأكون واحدًا من المشفوع لهم». فقال لي: «يا سيدي، توكل على الله، يشهد الله أنك ستكون واحدًا من الذين نشفع لهم»، كما قال.

الحافز الديني للاستشهاد

أحمد منصور:
نحن هنا…

عبد الناصر عيسى:
هذا الجانب الديني هو الذي يعطي حوافز هائلة.

أحمد منصور:
بالضبط، الحافز الأساسي هو هذا الحافز الروحي.

عبد الناصر عيسى:
صحيح، الحافز الأساسي.

أحمد منصور:
الأحياء عند ربهم يرزقون، إذًا هذا الشخص لن يموت، أليس كذلك؟

عبد الناصر عيسى:
هو يعلم أنه لن يموت، إنه يعلم أنه ذاهب ولن يموت.

أحمد منصور:
حقًا، هذا الإحساس…

عبد الناصر عيسى:
وبعد التفجير يكون الأمر سهلاً، تضغط على الزر ولا تشعر بالألم بعدها، كما والله أعلم، لم أجرب بنفسي. لكن منطقيًا، لا تشعر بالألم، فأنت في أجزاء من الثانية عند ربك، وأنت من قررت لحظة موتك، وأنت من قررت متى تموت ومتى تعيش، أخذت شرفًا من شؤون الله عز وجل. وكرمك الله في تحديد متى وكيف تموت هذه الميتة الشريفة العظيمة. كان أخونا سفيان متقبلًا، فلما قال: «لا بأس، أنت من السبعين يشفع الشهيد، يشفع لسبعين من أهله». بالمناسبة، كان هناك تركيز على فكرة أننا نموت لنذهب للحور العين. وكان لديه إدراك أن بعض الإسرائيليين الصهاينة يطرحون الأمر بطريقة جنسية من غبائهم وتفاهتهم، فقلنا لهم: «الأخ يستطيع أن يتزوج ويفعل ما يريد لو أراد، لكنه يريد تحرير وطنه، ويعلم أن الاحتلال هو السبب». الدين يعطيك القوة الهائلة لتقاوم، لكنه لا يأمرك بأن تفجر نفسك في أي مكان، بل يمنحك القوة للمقاومة، وإذا قتلت في سبيل الله فأنت شهيد ولك النعيم المقيم.

استبعاد محيي الدين الشريف

أحمد منصور:
كيف رتبتم لهذه العملية؟

عبد الناصر عيسى:
بالطبع، العبوة كانت جاهزة. قلنا لمحي: «تراجع»، والآن الأخ سفيان سيقوم بالعملية. وكانت العملية الأولى قد نجحت، وهي عملية لبيب. قررنا أولًا، بدل العملية المزدوجة، أن تتم عمليتان منفصلتان: ينزل لبيب أولًا، وبعدها محيي. كان الأصل أن يكون محيي، لكن قررنا أن يكون سفيان هو الأفضل للعمل. ومن مصلحة العمل العسكري أن يكون هذا الترتيب. فعلا تراجع محيي قليلًا، وتقدم سفيان، وصار التواصل مع سفيان من خلال محيي الدين الشريف، وليس مباشرة مني، رحمة الله عليهم جميعًا.

أحمد منصور:
من أوصله؟

عبد الناصر عيسى:
محي الدين الشريف هو من وصل سفيان، لكني أنا من وصلت المتفجرات لمحي الدين في القدس، خرجت بها من نابلس ووصلت إلى القدس واتصلت به.

أحمد منصور:
وأنت مطارد.

عبد الناصر عيسى:
نعم، وكنت مطاردًا، الحمد لله رب العالمين، مخاطرة عالية جدًا، لم أفعلها مرة أخرى، لكن قمنا بها تلك المرة. وصلتها إلى القدس، وكثيرًا ما كان الجيش يمر بنا، نراهم ونتحدث معهم، لكن بهدوء أعصاب تام. فوصّلنا المتفجرات لمحي الدين الشريف في القدس، ورتبنا معه كل الأمور، وقلنا له تصور الاستشهادي على أساس أن يكون للتاريخ والذاكرة، ورتبنا هذه الأمور. وعند عودتي، رجعت للشقة ووجدت أن عثمان قد وفر لي ما طلبته منه، فقد كان عثمان في مهمة أرسلت له إلى أريحا قبلها، فجلب المسدس الذي اشتريناه.

أحمد منصور:
كنت ستفعل ماذا بعد ذلك؟

عبد الناصر عيسى:
المسدس كان ضروريًا، يجب أن يكون معك مسدس صغير، كان لدينا قطعة كبيرة لا نستطيع التحرك بها بسهولة.

أحمد منصور:
هذا المسدس الذي أردته لكي لا تُعتقل.

عبد الناصر عيسى:
نعم.

أحمد منصور:
في حالة الهجوم عليك أن تقاوم…

المكالمة الأخيرة مع يحيى عياش

عبد الناصر عيسى:
نعم، أنا أحكي لك الملخص، وبعد ذلك يمكننا العودة لبعض التفاصيل. أخذت المسدس من عثمان وقلت له، أنا مطارد، وأنت غير مطارد، يجب أن تذهب. فقلت له: «لا، أنت تستحق الآن توصيلة، يجب أن أوصلك». فقد كان لو ذهب لوحده قد يحدث أمر آخر، لكني قررت أن أوصله. فوصلته إلى بيته في نابلس، على بعد حوالي أربعة كيلومترات تقريبًا عن شقتي. وبعد أن أوصلته، عدت وقلت إنه يجب أن أبلغ إخوتي، فنزلت إلى هاتف عمومي، واتصلت وطلبت رقم الشهيد أبو البراء، وقلت: «السلام عليكم، كيف الحال؟» فقال: «تمام».

أحمد منصور:
هل هذه هي المرة الأولى التي تتواصل معه فيها؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، هذه المرة الأولى.

أحمد منصور:
وأيضًا المرة الأخيرة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، المرة الأخيرة. أعطيته الكود أو كلمة السر، وكانت كلمة سر بسيطة، لكنها كانت مناسبة في ذلك الوقت.

أحمد منصور:
وماذا قلت له؟

اعتقال عبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى:
قلت له: «الحجة غدًا يجب أن تخرج من المستشفى، أنزلها أنت تهنئة، أنا لا أستطيع». فهم أنه سيكون هناك عملية غدًا، وأنت أبلغت عنها، فقال: «لا تقلق، توكل على الله، الحمد لله على سلامتها». ثم أغلقت الهاتف، وأمسكت بالمسدس والطلقة في بيت النار، وكنت مستعدًا. كانت الساعة حوالي التاسعة مساءً. حركة الناس في نابلس كانت بطيئة نسبيًا بعد العشاء، لم تكن كثيرة.

دخلت السيارة، نظرت حولي، ووضعت المسدس بجانبي، تمامًا كما في بيت النار. لم يكن هناك أمان، لكنني كنت مستعدًا، وكأنني أضغط على الزناد بحذر شديد، خوفًا من الاعتقال، مستعدًا للمواجهة أو الاستشهاد، هذا كان هاجسي. حاولت تشغيل السويتش الذي كان مخصصًا لمواجهة القوات الخاصة، لكن لم أرهم، لم أر وجوههم، ليس لأنهم ملثمون، بل لأن العملية كانت سريعة جدًا. تم اعتقالي، وبدأ الضرب، وربطوا يدي بالأصفاد، وبدأوا يسألونني: «ما اسمك؟ من أنت؟» فأخبرتهم باسم مستعار على الهوية المزورة.

أحمد منصور:
حسب الهوية المزورة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، حسب الهوية المزورة. هذا المقطع سنعود له لاحقًا. أما فيما يخص تنفيذ وترتيب العمليات، فكان هناك كما قلت خطة لنزول مزدوج، لكننا تراجعنا عنها، وأصبح كل واحد يعمل بمفرده.

كان هناك نقاش بيني وبين الأخ لبيب، وهذا يدل على ذكاء الأخ لبيب الاستراتيجي، فهو ليس مجرد شخص يريد تنفيذ عملية بسيطة، بل كان على درجة عالية من العقل والذكاء، ومع ذلك أراد الاستشهاد. فقال لي أبو حذيفة: «ما رأيك لو نفذنا قبل العملية الاستشهادية بعض عمليات التجاوز، مثل إطلاق النار، إلى آخره؟» فقلت له: «دعنا نفعل ذلك»، لكنه أصر، فقلت له: «لا، نحن جئنا بمهمة محددة، هي عمليات استشهادية». فناقشني، وقلت له: «انتهى الموضوع، لا مجال لذلك، إذا أردت الاستمرار بهذه الطريقة، فهذه هي الخيارات أمامك». فقال: «طالما لا خيار لإطلاق النار وعمليات التجاوز، أنا مصر على النزول بالعملية الاستشهادية»، وفعلاً نفذ العملية.

أحمد منصور:
وهو الاستشهادي الأول، أليس كذلك؟

عبد الناصر عيسى:
هو الاستشهادي، نعم، ولكنه الأول ضمن مجموعتنا في تلك المرحلة.

أحمد منصور:
في مجموعتكم؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، في تلك المرحلة.

أحمد منصور:
نعم، لبيب أنور عازم؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لبيب أنور عازم. لو كنت أنا من استدبرت الأمر لما استطعت أن أراه، كان لديه نظر ثاقب وربما أكثر مني.

أحمد منصور:
كيف ذلك؟

عبد الناصر عيسى:
كان بإمكاننا تنفيذ عمليات تجاوز، وهي هجمات على الجنود، وكان لها رونقها وطعمها الخاص.

أحمد منصور:
يعني تجاوز بأن تهاجم الجنود الإسرائيليين؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، تهاجم الجنود بالرصاص، في عملية تجاوز.

أحمد منصور:
تطلق عليهم النار؟

عبد الناصر عيسى:
تمر على سيارة جيش، تطلق النار عليهم، وتعود إلى قواعدك سالمًا مرة، مرتين، ثلاثًا، وبعد ذلك يمكن تنفيذ العملية الاستشهادية.

أحمد منصور:
أي أنك تعمل استشهادي؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، هذا كان اقتراحه، لكني كنت أملك فكرة محددة وهدفًا محددًا، وكنت مصرًا على تنفيذه. إداريًا ربما كان الاقتراح صحيحًا، لكن استراتيجيًا كان الأخ لبيب أذكى.

أحمد منصور:
يعطي الجرأة والخبرة والممارسة، شيء من هذا القبيل.

عبد الناصر عيسى:
نعم، هذا يعطي جرأة ويعود إلى قواعده سالمًا، وتأثيراته على الاحتلال قد تكون أحيانًا كبيرة، لا تقل عن العمليات الاستشهادية الكبرى. فكنت دائمًا، سبحان الله، أقول: لو أنني رددت على أخونا لبيب بعد سنوات، لكن سبحان الله، قدر الله وما شاء فعل.

أحمد منصور:
كثير من الأمور نقول: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا.

عبد الناصر عيسى:
حتى لنتعلم.

أحمد منصور:
حتى الرسول ﷺ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت».

عبد الناصر عيسى:
نعم، من باب أخذ الدروس والعبر للأجيال. فكان لبيب ليس مجرد استشهادي، بل كان عقلية ذكية، وكان على فكرة خطيب جمعة، يخطب للناس، وكان على درجة عالية من العلم والاحترام والذكاء، رحمه الله.

أحمد منصور:
بعد اعتقالك في 19 أغسطس 1995، ما الذي جرى معك؟

عبد الناصر عيسى:
بالطبع، أثناء الاعتقال…

أحمد منصور:
هل كانوا يعلمون أنهم سيعتقلون عبد الناصر عيسى؟

عبد الناصر عيسى:
أكيد، أعتقد ذلك، في اللحظة التي اتصلت فيها بأخونا أبو البراء. صوته مميز، وكان يبدو أن هاتفه مخترق من أجهزة المخابرات، كما تبين لاحقًا. بعد أن اتصلت به، سكرت الهاتف، وتم اعتقالي. الآن، ماذا حدث؟ العبوة كانت موجودة عند الأخ محيي، ويجب أن يتواصل مع سفيان.

أحمد منصور:
محي الشريف؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، سفيان جبارين، وكانت العملية مقررة لليوم التالي، يوم الأحد. أنا اعتُقلت ليلة السبت، وكان يجب أن تتم العملية يوم الأحد قبل الساعة العاشرة صباحًا، هكذا كان التخطيط.

أحمد منصور:
لأن يوم الأحد تكون محطات الحافلات مزدحمة بالجنود؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، وكان هناك جنود يذهبون ويأتون. فكان التخطيط أن يتم التنفيذ صباح الأحد، حوالي الساعة 7 – 8 – 9. حين اعتُقلت، انقطعت عن العالم، لكنني كنت أتوقع أن العملية ستتم غدًا. وخلال الاعتقال، تعرضت للضرب والتعذيب الشديد لمعرفة من أنا، فهم تمادوا بالتحقيق في التحقق من إسمي.

أحمد منصور:
فضلت الإنكار؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، فضلت إنكار اسمي، بينما هم تمادوا باسمي. أعتقد أن تكتيكهم كان خاطئًا، وربما لو استخدموا شيئًا آخر لنجحوا، لكن على الأقل استنفدوا الوقت معي. بقيت في التحقيق حوالي 10 – 12 ساعة على الاسم، من الساعة التاسعة مساءً حتى الساعة التاسعة صباح اليوم التالي، على ما أعتقد.

أحمد منصور:
صباحًا؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، صباحًا.

أحمد منصور:
ولم تنم؟

عبد الناصر عيسى:
لا، أي نوم؟ لم أنم أيامًا. بقيت في التحقيق حوالي 21 يومًا بلا نوم.

أحمد منصور:
في هذه المرة؟

عبد الناصر عيسى:
نعم، لم أنم سوى ساعة واحدة فقط، وربما لم أنم على الإطلاق خلال الـ 21 يومًا.

أحمد منصور:
بدون نوم، عقلك متعطل.

عبد الناصر عيسى:
عقلي أصبح كأنني أنام وهم يتحدثون معي ويضربونني أثناء النوم من شدة الإرهاق.

أحمد منصور:
سأبدأ معك بالتفصيل.

عبد الناصر عيسى:
كنت أحاول الصلاة، ولم أكمل صلاة واحدة، الله أكبر. وأنا جالس على الكرسي مكلبش، أردد: «الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم». حدث ذلك من كثرة التعذيب والإرهاق، وعقلي مشغول بكيفية الحفاظ على إخوتي، كيف لا أعترف على الناس الآخرين، وكيف أرتب إذا اضطررت للاعتراف. عقلك يصبح كمبيوتر عملاق، وهذا يخلق فيك طاقات هائلة لا تكتشفها إلا في الأزمات. سبحان الله العظيم.

أحمد منصور:
في الحلقة القادمة، سأبدأ معك من مرحلة التحقيق بعد اعتقالك في 19 أغسطس 1995، وبقاؤك في سجون إسرائيل ثلاثين عامًا متواصلة.
شكرًا جزيلًا لك، كما أشكر مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، أحد مؤسسي كتائب  الشهيد عز الدين القسام.
في الختام، أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج5: العلاقة بين كتائب القسام والسلطة الفلسطينية

التالي
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج4 من شهادته على العصر: زيارة حافظ الأسد قاتل كمال جنبلاط، ومجزرة إهدن، وتبدل التحالفات في لبنان

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share