كواليس شهادة وليد جنبلاط على العصر؟ (١)

لدى المشاهدين شغفٌ بمعرفة كواليس ما يجري مع الضيوف الذين أُجري معهم حوارات في برامجي التليفزيونية، لا سيّما برنامج «شاهد على العصر». وما يدور في الكواليس ليس سهلًا من أيّ ناحية، وأصعبه المفاوضات مع الشهود؛ فكلّهم من الزعماء والرؤساء والوزراء وصُنّاع القرار، الذين تعوّدوا أن يكونوا في مواقع السلطة والزعامة، والأوامر و النواهي
أحمد منصور ووليد جنبلاط

بقلم: أحمد منصور

لدى المشاهدين شغفٌ بمعرفة كواليس ما يجري مع الضيوف الذين أُجري معهم حوارات في برامجي التليفزيونية، لا سيّما برنامج «شاهد على العصر». وما يدور في الكواليس ليس سهلًا من أيّ ناحية، وأصعبه المفاوضات مع الشهود؛ فكلّهم من الزعماء والرؤساء والوزراء وصُنّاع القرار، الذين تعوّدوا أن يكونوا في مواقع السلطة والزعامة، والأوامر و النواهي، وهي المواقع التي تتميز في العالم العربي بأنها  تسأل وتُحقّق ولا يسألها أحد عما تفعل،  أمّا أن يجلس أحدهم في موقع المساءلة المفتوحة أمام محقق صحفي، ويعطي إجابات يجب أن تكون صحيحة عما فعل، فذلك أمرٌ يصعب على كثيرين تقبّله. وهنا أكشف بعض ما دار بيني وبين وليد بك جنبلاط، أشهر زعيمٍ درزيّ في تاريخ الدروز الحديث بعد والده كمال جنبلاط.

قرأت خلال أشهر الإعداد ما يزيد على خمسةٍ وعشرين ألف صفحة من مذكرات السياسيين اللبنانيين وغيرهم، ومئاتِ التقارير الإخبارية والدراسات، غرقتُ خلالها في تفاصيل التاريخ اللبناني الحديث
أحمد منصور

بعد مفاوضاتٍ وترتيباتٍ وتحضيراتٍ استمرّت ستّ عشرة سنة، بدأت تحديدًا في عام ٢٠١٠، انتهيت في الأسبوع الماضي -يوم الخميس الحادي عشر من يونيو ٢٠٢٦- من تسجيل الحلقة الأخيرة من شهادة وليد جنبلاط على العصر، بعد جلسات تصويرٍ على أكثر من فترة بدأت في يوليو ٢٠٢٤.

قرأت خلال أشهر الإعداد ما يزيد على خمسةٍ وعشرين ألف صفحة من مذكرات السياسيين اللبنانيين وغيرهم، ومئاتِ التقارير الإخبارية والدراسات، غرقتُ خلالها في تفاصيل التاريخ اللبناني الحديث الذي أعتبره الأكثر تعقيدًا واضطرابًا في العالم العربي، لكني مع ذلك كنت عاجزاً عن إدراك كثير من الحقائق التي تحتاج إلي سنوات، وبعضها ضاع بمقتل أو موت من صنعوه.

رغم حرصي الشديد على الدقّة، التبست عليّ بعض الأحداث؛ فقد كنت كمن يسير في حقلٍ من الألغام، أحاول فهم الصراعات والتحالفات والربط بينها، في محاولةٍ لبناء الصورة الكاملة من مربّعاتها المتناثرة
أحمد منصور

ورغم أنّي سجّلت شهادة الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميّل، ومدير الاستخبارات العسكرية اللبنانية جوني عبده، وأجريت حوارات مع معظم الزعماء اللبنانيين البارزين في برنامجي الآخر «بلا حدود» -مثل حسن نصر الله أمين عام حزب الله، والرئيس اللبناني الأسبق ميشيل عون، ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس حركة أمل نبيه بري، وآخرين كُثُر- إلّا أنّي هذه المرّة درست وفهمت للمرة الأولي  تفاصيل مثيرة عن تاريخ لبنان الحديث. ورغم حرصي الشديد على الدقّة، التبست عليّ بعض الأحداث؛ فقد كنت كمن يسير في حقلٍ من الألغام، أحاول فهم الصراعات والتحالفات والربط بينها، في محاولةٍ لبناء الصورة الكاملة من مربّعاتها المتناثرة.

لم أكن أدرس تاريخ لبنان بشكل عام، ولكني كنت أدرس تاريخ لبنان الحديث من خلال دور وليد جنبلاط تحديدًا، منذ احترف السياسة بعد مقتل والده في السادس عشر من مارس ١٩٧٧ وحتى الآن. وقد غُصت في بعض تفاصيل الدروز ومذهبهم وعقيدتهم الغامضة، وفي فترة من التحضير قررت الخوض في مزيد من القراءة عن تلك العقيدة الغامضة، لكني قررت التوقف بعدما سألت وليد جنبلاط بوضوح ” هل قرأت كتب الحكمة السرية التي تكشف عن حقيقة عقيدة الدروز” فقال بصراحة تامة ” لا لم أقرأها ” وكشف عن أنها غير مطبوعة وإنما تتداول مخطوطة ” فقلت لنفسي إذا كان الزعيم السياسي للدروز غير مهتم منذ بلغ الأربعين كما تنص عقدتهم علي قراءتها فلم أشغل نفسي بها واكتفيت بالمعلومات العامة وبعض التفاصيل التي ذكرها جنبلاط في إجابته علي أسئلتي رغم أنّه يَعدّ نفسه من «الجُهّال» لا من «العُقّال»، وهما القسمان اللذان ينقسم إليهما الدروز.

لكن حرصت وركزت في جوهر ومسار الحوار علي أن أقدم للمشاهدين شيئًا متميزًا من خلال شهادته يقوم على، كيف استطاعت طائفةٌ لا تزيد على خمسةٍ في المئة من سكّان لبنان أن تصبح بزعامته لها ذات تأثيرٍ كبير في لبنان والمنطقة، وأن أكشف من خلال صراحته عن مخططات استخدام الأقليات لتدمير هوية المنطقة وتاريخها وحاضرها، والدور الإسرائيلي ومحاولات حافظ الأسد لترسيخ ذلك .

سجّلنا نصف الحلقات فقط، ثم مرض وطلب التأجيل. لكنّي، حين كنت أتفاوض معه في تلك المسيرة الطويلة لاستئناف تسجيل شهادته على العصر، وضع شرطًا صعب التحقيق لاستكمالها، كما يفعل في مفاوضاته السياسية تمامًا  يضع شروطا تعجيزية، لكني لم أستسلم حيث قررت  بعد دراسة حياته ومسيرته أن أستخدم معه نفس الأدوات التي تستخدم في فن التفاوض الصعب، و سأكشف في المقال القادم غدًا شرطه الصعب لاستكمال الشهادة .

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور

متى تنتهي هذه الحرب؟

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share