كواليس شهادة وليد جنبلاط (2): شرط جنبلاط لاستكمال تسجيل شهادته على العصر؟

قمت بتسجيل الحلقات الثماني الأولى من شهادة وليد جنبلاط على العصر في شهر يوليو عام ٢٠٢٤ في إسطنبول حسب طلبه؛ فهو يعشق المدينة وتاريخ العثمانيين، مثل والده وجدّه لأمّه أمير البيان شكيب أرسلان. ثم أصيب بوعكة صحية خفيفة، فاعتذر عن إكمال التسجيل، وعاد إلى بيروت، ووعدني أن نُكمل قريبًا. فبدأت أتواصل معه مرة أخرى وأتفاوض لترتيب موعدٍ جديد. لكنّي فوجئت به يضع شرطًا من الصعب أن يتحقّق!!!
أحمد منصور ووليد جنبلاط

بقلم: أحمد منصور

قمت بتسجيل الحلقات الثماني الأولى من شهادة وليد جنبلاط على العصر في شهر يوليو عام ٢٠٢٤ في إسطنبول حسب طلبه؛ فهو يعشق المدينة وتاريخ العثمانيين، مثل والده وجدّه لأمّه أمير البيان شكيب أرسلان. ثم أصيب بوعكة صحية خفيفة، فاعتذر عن إكمال التسجيل، وعاد إلى بيروت، ووعدني أن نُكمل قريبًا. فبدأت أتواصل معه مرة أخرى وأتفاوض لترتيب موعدٍ جديد. لكنّي فوجئت به يضع شرطًا من الصعب أن يتحقّق، قال:

«لن أُكمل الشهادة حتى أُشاهد الحلقات الثماني الأولى، وتُحذف منها ما أعتقد أنّه قد يسبّب مشكلات.»

ولأنّ إدارة الجزيرة منحتني، منذ أن بدأت العمل في القناة، الصلاحيات الكاملة لإدارة برامجي واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها -حتى إنّي لا أعود إلى الإدارة إلّا حين تكون هناك مشكلة يصعب عليّ حلّها- لأنّ هذا هو دور المنتج المسؤول:

 أن يحلّ المشكلات في عمله ويتحمّل المسؤولية الكاملة، ويُذلّل الصعاب، ويدير الإنتاج البرامجي بسلاسة منذ نشأة الفكرة حتى جاهزية البرنامج للبث على الشاشة دون أن يشغل الإدارة بتفاصيل عمله، لذا فقد اتخذت القرار وقمت بالرد على وليد جنبلاط فورًا بالرفض، وقلت له: «لم يسبق أن منحت الجزيرة أيًّا من الشهود هذا الحق؛ فبعد التسجيل تصبح الشهادة ملكًا للجزيرة وللمشاهدين، وأنا لا أستطيع أن أمنحك أي استثناء.» صحيحٌ أنّنا لا ندفع مالًا للشهود مقابل شهادتهم على العصر، لكنّ هذا لا يعني أن يضعوا لنا شروطًا غير مقبولة تُعقّد الموقف، و بهدوء حاول كلٌّ منا أن يقنع الآخر بوجهة نظره، لكن أيًّا منا لم يتنازل؛ هو أصرّ على مطلبه، وأنا أصررت على الرفض. ومع تصلّب كلٍّ منا في موقفه، قال جنبلاط: «إذاً لن أُكمل تسجيل الشهادة». قلت له: «كما تحب»، وانتهت المكالمة.

وقعت في مأزق، لكنّ المفاوض الحاذق يُبقي خيطًا في يده ولا يتنازل في لحظة الخلاف العميق؛ فالتفاوض في جوهره إدارةٌ للزمن قبل أن يكون إدارةً للكلمات، والزمن نفسه ورقةٌ بيد من يُحسن انتظاره، ومن يملك القدرة على الانتظار يملك زمام إدارة التفاوض، ومن يستعجل الاتفاق يكشف حاجته إليه فيُملي عليه خصمه شروطه. أمّا الخصم الذكيّ فلا يُهزم بالمواجهة المباشرة في لحظة احتدامه، بل يُترك للزمن ليُليّن مواقفه، حتى إذا هدأت العاصفة عاد كلٌّ منّا إلى طاولة الحوار وقد تغيّرت موازين الإلحاح.

أنا أعتبر وليد جنبلاط من أفضل من يمثّلون مدرسة «الواقعية السياسية»، وكسياسي يمارسها كنت وما زلت أحب السماع منه والدردشة
معه، وهذا مستوى علاقتنا من قديم
أحمد منصور

لذلك تركته فترة، ثم عاودت الاتصال به، ولم أُكلّمه عن استكمال الشهادة، وإنّما سألته عن حرب «طوفان الأقصى» وما يجري في المنطقة؛ فأنا أعتبره من أفضل من يمثّلون مدرسة «الواقعية السياسية»، وكسياسي يمارسها كنت وما زلت أحب السماع منه والدردشة معه، وهذا مستوى علاقتنا من قديم، أسمع منه، وأضع ما أسمعه في إطار ما يقوله الآخرون، حتى أبني صورةً تكشف لي الجوانب الخفيّة من المشهد، لأن فهم ما وراء الكواليس هو الذي يكشف حقيقة الصورة، وجنبلاط واحد من هؤلاء الذين يجيدون قراءة ما وراء الكواليس.

كنت أزوره في بيروت حين أذهب إليها منذ أن عرفته عام ١٩٩٩، أتناول معه القهوة أو الشاي أو عشبة المتّة التي عرفتها وشربتها لأول مرة في بيته في كليمنصو، ثم قرأت عن فوائدها، فخرجت من عنده إلى السوق واشتريت المتّة وأدواتها، وداومت على شربها سنوات، ثم توقّفت عن شربها بعد توقّف زياراتي لبيروت -حين رفع نظام الأسد قضيةً ضدّي وأحالني إلى المحاكمة في دمشق عقب بثّ شهادة اللواء عبد الكريم النحلاوي، قائد الانقلاب على الوحدة بين مصر وسوريا، على العصر– وقد توقّفت عن الذهاب إلى بيروت منذ ما يزيد على خمسة عشر عامًا لأسباب أمنية مختلفة، لكنّي لم أتوقّف عن الاتصال بجنبلاط هاتفيًّا من آنٍ لآخر، نتحدّث في السياسة وتقلّباتها.

لذلك حرصت في هذا الاتصال ألّا أتحدّث معه عن استكمال شهادته على العصر؛ إذ تعمّدت أن أترك الخلاف يبرد مع الوقت، ثم أعيد فتح الموضوع مرّةً أخرى دون أن أتطرّق إلى الشرط الذي وضعه. وكلّما سألتني الإدارة العليا للجزيرة عن سبب عدم استكمال شهادة جنبلاط، كنت أقول لهم دون شرح: هناك مشكلة أعمل على حلّها.

لكن كيف قمت بحلّ المشكلة، وتجاوزت هذا الخلاف الجوهري، وأقنعت وليد جنبلاط أن يأتي إلى الدوحة، واستكملت تسجيل شهادته على العصر؟ هذا ما سأكشف عنه في المقال التالي غدًا إن شاء الله…

كواليس شهادة وليد جنبلاط على العصر؟ (١)

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

كواليس شهادة وليد جنبلاط على العصر؟ (١)

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share