بقلم: أحمد منصور
ماذا يعني أن يَعِد زعيمٌ شعبَه بأن يصير مصيره مصير إسبرطة؟
في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول 2025، وأمام مؤتمر المحاسب العام في وزارة المالية الإسرائيلية بالقدس، قال بنيامين نتنياهو، كما نقلت كثير من وسائل الإعلام الإسرائيلية، وحتى العالمية، إن إسرائيل في «نوع من العزلة»، وإنها ستضطر تدريجيًا للتكيّف مع اقتصاد ذي سمات انغلاقية، ووصف مصطلح الانغلاق الاقتصادي بأنه الكلمة التي يكرهها أكثر من سواها، ثم ختم حديثه قائلًا بأن على بلاده أن تكون «أثينا وإسبرطة العظمى».
كانت هذه العبارة كالطوفان؛ حيث هبطت مؤشرات بورصة تل أبيب في الدقائق التالية، وتراجع الشيكل أمام الدولار. وردّ منتدى الأعمال الإسرائيلي، الممثل لعاملي مئتي شركة من كبرى الشركات، ببيان من ثلاث كلمات: «لسنا إسبرطة». أما رون تومر، رئيس اتحاد الصناعيين، فقال إن العلامة التجارية الإسرائيلية تضرّرت بشدة في العالم.
لكن يبدو أن أحدًا لم يسأل رئيس الوزراء عمّا انتهت إليه إسبرطة نفسها.
وقد نجحت هذه الوصفة نجاحًا باهرًا، ولكن إلى حين. فقد خرجت إسبرطة منتصرة من حربها الكبرى ضد أثينا، وصارت القوة الأولى في اليونان بلا منازع. ثم، بعد ثلاثة وثلاثين عامًا فقط من ذلك النصر الكامل، سُحق جيشها في معركة واحدة أمام خصم كانت تعدّه أضعف منها، ولم تقم لها بعدها قائمة. فما الذي جرى بين النصر والانهيار؟
المواطنة الكاملة في إسبرطة كانت مشروطة بقدرة الرجل على دفع نصيبه من الطعام في المائدة الجماعية، ومن عجز عن الدفع سقط من السجل، وفقد صفته وحقوقه
أحمد منصور
جرى أن الدولة أكلت مواطنيها. فالمواطنة الكاملة في إسبرطة كانت مشروطة بقدرة الرجل على دفع نصيبه من الطعام في المائدة الجماعية، ومن عجز عن الدفع سقط من السجل، وفقد صفته وحقوقه. وفي الوقت نفسه، انهار توزيع الأرض: أُلغي الحظر القديم على التنازل عنها بالهبة أو الوصية، فصارت تُجمَع بالمصاهرة والميراث في أيدٍ قليلة، حتى قدّر أرسطو في «السياسة» أن خُمسَي أراضي البلاد صارا مملوكين للنساء، وأن بعض السبرطيين يملكون أكثر مما يحتاجون بكثير، بينما لا يملك غيرهم شيئًا. والنتيجة حسابية بسيطة: كلما تركزت الأرض، سقط مزيد من الرجال من عداد المواطنين، وضاق جسد الدولة نفسه. كان عدد المواطنين الكاملين نحو ثمانية آلاف في أوج القوة، ولم يبقَ منهم يوم المعركة الفاصلة سوى بضع مئات.
ولم يكن للدولة، مع كل هذه الحروب، خزانة عامة. يسجّل أرسطو أنها لم تُنشئ صندوقًا مشتركًا، وأن كبار الملّاك لم يكونوا يؤدّون ضرائب الحرب، فكانت تجد نفسها بلا مال حين تحتاج إليه. جيشٌ أسطوري، وخزانة خاوية، ومواطنون يتناقصون: هذه المعادلة انفجرت دفعة واحدة يوم الهزيمة.
ثم جاءت الضربة القاضية: بعد الهزيمة، اجتاح المنتصرون بلادها، وحرّروا الإقليم الذي كان يعيش فيه معظم العبيد الزراعيين. في يوم واحد، فقدت إسبرطة قوة العمل التي قام عليها اقتصادها كله، واكتشفت أن آلتها الحربية كانت تقف على اقتصاد ليس ملكها، ولا صنعته يداها.
ثلاث آليات أسقطت إسبرطة، إذًا:
نزيف بشري في نخبتها.
وانهيار قوة العمل التي قام عليها اقتصادها.
وميزانية ابتلعتها الحروب.
والشاهد في الحالة الإسرائيلية أن هذه العوامل الثلاث تعمل الآن وبقوة، موثقة بالأرقام، في التقارير الإسرائيلية الرسمية نفسها.
لنبدأ بالنزيف البشري. في دراسة أعدّها الاقتصاديون إيتاي أتير، ونيتاي بيرغمان، ودورون زمير، في جامعة تل أبيب، ونشرتها «تايمز أوف إسرائيل» في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2025، غادر نحو تسعين ألف إسرائيلي البلاد بين يناير 2023 وسبتمبر 2024، بينهم مئات من حملة الدكتوراه والأطباء، وآلاف المهندسين، بالاعتماد على بيانات دائرة الإحصاء، وسلطة السكان والهجرة، وسلطة الضرائب. وفي تقرير أعدّته الدكتورة أيالا إلياهو لمركز البحث والمعلومات في الكنيست، ونشرته «واينت» في الثالث من يونيو/حزيران 2026، بلغ صافي الهجرة السالبة مئةً وأربعين ألفًا بين 2022 و2024، ونصف المغادرين تقريبًا بين العشرين والرابعة والأربعين من العمر، وحملة الشهادات الجامعية بينهم ضعف نسبتهم في السكان. وأخطر ما فيه قول رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب، غلعاد كاريف، إنه لا توجد جهة حكومية واحدة مسؤولة عن الملف، ولا خطة لعكس الاتجاه.
نقلت صحيفة «كالكاليست» الاقتصادية عن نداف تسفرير، القائد الأسبق لوحدة الاستخبارات 8200، قوله إن الخطر المركزي على التقنية العالية والاقتصاد الإسرائيلي ليس الذكاء الاصطناعي، بل هجرة العقول
والنزيف يضرب القطاع الذي بُنيت عليه الأسطورة الاقتصادية كلها. ففي تقرير سلطة الابتكار الإسرائيلية السنوي، الذي عرضته «تايمز أوف إسرائيل» و«واينت» في الحادي والثلاثين من مايو/أيار 2026، تراجع عدد العاملين في البحث والتطوير داخل إسرائيل، للمرة الأولى منذ عقد كامل، بنحو ثلاثة آلاف وخمسمئة وظيفة، وانخفضت نسبة موظفي الشركات التقنية الإسرائيلية الخاصة العاملين داخل البلاد إلى اثنين وستين في المئة في مارس 2026، بعد أن كانت تسعة وستين في المئة سنة 2019، وتراجع عدد كبار المديرين المقيمين في إسرائيل بنحو تسعة ونصف في المئة، مقابل ارتفاع نظرائهم في الولايات المتحدة. أي إن مركز القرار نفسه يهاجر، لا الأيدي العاملة وحدها. ونقلت صحيفة «كالكاليست» الاقتصادية عن نداف تسفرير، القائد الأسبق لوحدة الاستخبارات 8200، قوله إن الخطر المركزي على التقنية العالية والاقتصاد الإسرائيلي ليس الذكاء الاصطناعي، بل هجرة العقول.
أما الآلية الثانية، وهي الأشد شبهًا بالمشهد الإسبرطي، فهي انهيار قوة العمل التي كان الاقتصاد يقوم عليها. فبعد السابع من أكتوبر 2023، ألغت إسرائيل تصاريح العمل لنحو مئتي ألف فلسطيني، بحسب ما أوردته «تايمز أوف إسرائيل» في التاسع عشر من يونيو/حزيران 2026، نقلًا عن تقرير مجموعة الأزمات الدولية. واختفى نحو خمسة وثمانين ألف عامل فلسطيني من قطاع البناء وحده، فتوقفت مواقع كاملة عن العمل، ولم تنجح العمالة الأجنبية في سدّ الفراغ. النتيجة قابلة للعدّ: أعلنت «كوفاس بي دي آي» للمعلومات الائتمانية إغلاق ستة وأربعين ألف مشروع تجاري في الأشهر التسعة الأولى من الحرب وحدها، مع توقّع بلوغ الرقم ستين ألفًا بنهاية 2024. وفي قطاع المقاولات تحديدًا، وبحسب بيانات عرضتها دانييلا راز-فاينريب من الشركة ذاتها في مؤتمر اتحاد المقاولين والبنّائين في مايو/أيار 2026، انهارت أكثر من ثمانمئة شركة خلال 2025، ثم أكثر من مئتين وسبعين شركة تنفيذ في الأشهر الأربعة الأولى من 2026 وحدها.
وعلى البحر تتكرّر القصة. ميناء إيلات، البوابة الجنوبية إلى آسيا، تراجع نشاطه خمسةً وثمانين في المئة بعد بدء الاستهداف اليمني للملاحة، حتى أعلن مديره التنفيذي، غدعون غولبر، إفلاسه في يوليو/تموز 2024، قائلًا إن سفينة واحدة فقط رست فيه خلال شهور، ثم أوقف الميناء نشاطه كله في يوليو/تموز 2025، بحسب سلطة الملاحة والموانئ. وكان نحو نصف واردات إسرائيل من السيارات يدخل عبره. وقبل ذلك، قال شاؤول شنايدر، رئيس ميناء أشدود، لصحيفة «معاريف» جملةً تختصر الهشاشة كلها: إسرائيل، عمليًا، دولة جزيرة؛ تسعة وتسعون في المئة من بضائعها تصل بحرًا.
والآلية الثالثة هي الميزانية. فقد قفزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي من نحو ستين في المئة قبل الحرب إلى نحو تسعة وستين، وبلغ الإنفاق الدفاعي ذروته عند قرابة ثمانية في المئة من الناتج سنة 2024، ويستقر بنيويًا عند نحو ستة في المئة، بحسب وكالة «موديز» في تقييمها المنشور في يوليو/تموز 2026. وبحسب بنك إسرائيل، في الثلاثين من مارس/آذار 2026، أقرّ الكنيست موازنة رفعت سقف العجز إلى 4.9 في المئة من الناتج، بعد زيادة ميزانية الدفاع اثنين وثلاثين مليار شيكل، واحتياطي إضافي بثلاثة عشر مليارًا. وقد خفّضت وكالة «موديز» التصنيف الإسرائيلي مرتين، من A1 إلى A2 في فبراير 2024، ثم إلى Baa1 في السابع والعشرين من سبتمبر/أيلول 2024، وخفّضته «فيتش» من A+ إلى A في الثاني عشر من أغسطس/آب 2024. أما الناتج، فقد انكمش 3.3 في المئة على أساس سنوي في الربع الأول من 2026، بتراجع 4.5 في المئة للفرد، وفق دائرة الإحصاء المركزية. وخفّض صندوق النقد الدولي، في بيان مشاوراته السنوية في الأول من يوليو/تموز 2026، توقعات النمو لعام 2026 إلى 3.5 في المئة، بعد أن كانت 4.8 قبل الحرب.
يبقى بُعد رابع لا يظهر في جداول الناتج: الثقة. ففي الحادي عشر من أغسطس/آب 2025، أعلن صندوق الثروة السيادية النرويجي، أكبر صندوق في العالم بنحو تريليوني دولار، بيع حصصه في إحدى عشرة شركة إسرائيلية، وإنهاء جميع عقوده مع مديري الأصول العاملين في إسرائيل، ثم استبعد شركة «كاتربيلر» الأمريكية في السادس والعشرين من أغسطس/آب 2025. حين يبدأ أكبر مستثمر مؤسسي في العالم بتصفية مراكزه في سوق ما، فإن ما يُباع ليس الأسهم، بل التصنيف الأخلاقي للسوق، وهي خسارة لا تُسترد بخفض الفائدة.
الاستنتاج الذي تفرضه الوقائع أن ما يجري ليس انهيارًا وشيكًا، ولا أزمة عابرة، بل تحوّلًا في طبيعة الاقتصاد نفسه: من اقتصاد مفتوح يعيش على المواهب والانفتاح والثقة، إلى اقتصاد محمول على الإنفاق العسكري، ومقاسٍ بمعايير الصمود، لا معايير النمو.
أحمد منصور
وليست إسبرطة النموذج التاريخي الوحيد؛ ففي التاريخ الإسرائيلي نفسه سابقة أقرب. ففي أعقاب اجتياح لبنان سنة 1982، بلغ الإنفاق الدفاعي نحو خمسة وعشرين في المئة من الناتج المحلي في مطلع الثمانينيات، وقفز التضخم السنوي إلى نحو أربعمئة وخمسة وأربعين في المئة سنة 1984، ولم تنجُ العملة إلا بخطة التثبيت الاقتصادي في يوليو/تموز 1985، وهي خطة لم تكن لتصمد، بشهادة الأدبيات الاقتصادية، لولا منحة أمريكية طارئة بمليار ونصف المليار دولار. وهنا تكمن المفارقة الأشدّ: ففي يناير/كانون الثاني 2026، أعلن نتنياهو نيّته إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية خلال نحو عقد، أي إنه يَعِد بإسبرطة، ويسحب، في الوقت نفسه، شبكة الأمان التي أنقذت البلاد آخر مرة سلكت فيها هذا الطريق.
الاستنتاج الذي تفرضه الوقائع أن ما يجري ليس انهيارًا وشيكًا، ولا أزمة عابرة، بل تحوّلًا في طبيعة الاقتصاد نفسه: من اقتصاد مفتوح يعيش على المواهب والانفتاح والثقة، إلى اقتصاد محمول على الإنفاق العسكري، ومقاسٍ بمعايير الصمود، لا معايير النمو. وقد يمنح هذا التحوّل أرقامًا محترمة سنةً أو سنتين، لأن الحرب تُنعش الصناعات الحربية، وتحرّك الإنفاق الحكومي، لكن ثمنه يُدفع بعد ذلك: فالمهندس الذي غادر لا يعود، والشركة التي نقلت مركز قرارها لا ترجع، والميزانية التي التهمها الدفاع لا يبقى فيها ما يُنفق على التعليم والبنية التحتية، وهو التحذير الذي كرّره محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، بنفسه.
لقد كان أرسطو دقيقًا حين قال إن خطأ إسبرطة أنها نظّمت كل شيء للحرب، ولم تنظّم شيئًا للسلم، فلما جاء السلم لم تعرف ماذا تفعل به. وهذا هو الفخ الذي وضع نتنياهو بلاده فيه، وهو يظن أنه يصف لها الدواء.
إسبرطة لم تُهزم لأن أعداءها كانوا أقوى منها، بل لأنها أفرغت نفسها من الداخل، وتفرّغت للحروب التي اعتقدت أنها تصنع الرخاء والبقاء.