يستعرض أحمد منصور مع مرافق الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وعضو الهيئة التأسيسية ومكتب الإرشاد الأسبق الأستاذ فريد عبد الخالق ج9 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، التي بُثت بتاريخ 01/02/2004 حقيقة علاقة جمال عبد الناصر بحريق القاهرة عام 1952 وتفاصيل علاقة عبد الناصر بالإخوان المسلمين والترتيبات بين الضباط والإخوان للتحضير لثورة يوليو.
تناول فريد عبد الخالق في الحلقة التاسعة من شهادته على العصر مع الإعلامي أحمد منصور، الحديث عن حريق القاهرة وعلاقة عبد الناصر بالإخوان.
وقال عبد الخالق ” إن حريق القاهرة كحدث غير مسبوق كان جزء من المخطط الذي يحكم المنطقة آنذاك فهو لا يُعَالج بنظرة أحادية أو جزئية، لافتا إلى أنه كان هناك تيار وطني شديد جدا ضد القتال، وأضاف: “الحقيقة دي أثرت على الوزارات وسقوطها وأثرت على المواقف، وبناء على ذلك حاول الإنجليز وضع حداً للمقاومة لأن مستقبلهم ومستقبل العلاقات والمعاهدة بات مربوط ومنوط بكبح جماح القوى الشعبية “.
وأضاف أن حادث القاهرة ظل لغز تاريخي، للآن لم يهتد الناس بعد إلى رأي موثق نهائي فيه، مشككا في أن جمال عبد الناصر له اليد بحريق القاهرة، ولكنه استغل الحدث، وخطابه بأن حريق القاهرة بداية الثورة الاجتماعية ليس دليلا على تورطه.
وعن علاقة الإخوان بعبد الناصر، لفت عبد الخالق إلى أن ما يعلمه هو ما تقوله الألسنة أما الضمائر فلا يعلمها إلا الله، موضحا أن عبد الناصر كان مع ورأيه أن الإصلاح يجب أن يكون إصلاح أخلاقي وديني وأنه لا حواجز بيننا وإن حركة الضباط تعبر عن حركة الإخوان حتى ولو نزعت عنها الواجهة الإسلامية لأسباب وتبريرات لاقت قبول عند البعض ومنهم الصاغ محمود لبيب.
وأوضح عبد الخالق أن هدف حركة الضباط الأحرار في البداية كان تهدف إلى تطهير والقضاء على الفساد، إلا أنهم كانت لهم مطامع أخرى وبمجرد الوصول للسلطة تخلصوا من محمد نجيب.
وأشار إلى أنه بالرغم من أن تكوين الضباط الأحرار أغلبه من الإخوان المسلمين إلا أن رأي حسن الهضيبي بالنسبة لهم كان سلبيا، حيث رأى أن التأييد خطأ وهؤلاء لا يؤمن معهم مصير الحركة وأنهم متطلعين للحكم وما قيل حول تطهير الجيش وعمل إصلاحات وتسليم البلد كلام غير صحيح.
نص حوار فريد عبد الخالق ج9:
حريق القاهرة وعلاقة الإخوان بالضباط الأحرار وانقلاب يوليو 1952
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج “شاهد على العصر”، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ فريد عبد الخالق، أحد مرافقي الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وعضو الهيئة التأسيسية وعضو مكتب الإرشاد الأسبق في الجماعة. أستاذ فريد، مرحباً بك.
فريد عبد الخالق: أهلاً.
عبد الناصر وحريق القاهرة
أحمد منصور: في 26 يناير عام 1952، عمّت مظاهرات في القاهرة احتجاجاً على ما وقع في الإسماعيلية في 25 يناير من قيام القوات البريطانية بالهجوم على قوات الشرطة، وقتل العديد من رجال الشرطة المصريين، واندلع حريق القاهرة الذي أتى على مصر بما هي معروفة من محلات عريقة وشوارع وغيرها. أقال الملك حكومة الوفد في 27 يناير التي كانت قد فازت في الانتخابات منتصف يناير 1950، وعين علي ماهر رئيساً للوزراء، واستمر علي ماهر لمدة 35 يوماً. وتحدثنا عن لقائه بالهضيبي. هناك علامات استفهام كثيرة تدور حول حريق القاهرة، لا سيما وأن حسن العشماوي في مذكراته، وهو أحد قيادات الإخوان، وصلاح شادي في مذكراته، وهو أحد قيادات الإخوان، تحدثا عن علاقة بشكل ما لجمال عبد الناصر فيما حدث.
فريد عبد الخالق: نعم، حضرتك، هل تريد رأيي أم ماذا أعلم؟
أحمد منصور: نعم.
فريد عبد الخالق: حريق القاهرة كحدث غير مسبوق، وحدث غير عادي، دخل في المخطط الذي كان يحكم المنطقة آنذاك، فهو لا يُعالج بنظرة أحادية أو جزئية. أساساً كان هناك تيار وطني شديد جداً ضد القنال، وهذه حقيقة أثرت على الوزارات وسقوطها، وأثرت على المواقف كلها، وهي كانت السبب في استحكام القوى، وحين حاول الإنجليز وضع حد للمقاومة، لم يكن بالإمكان مع هذه القوى المقاومة الحادة والشديدة المتنامية.
أحمد منصور [مقاطعاً]: المقاومة هذه كان فيها قوى مختلفة، كانت مدعومة من حكومة الوفد، وكان فؤاد سراج الدين وزير الداخلية آنذاك يدعم المقاومة ضد الاحتلال البريطاني في منطقة السويس، وكان للإخوان دور في هذا، وكذلك كافة الأحزاب والقوى الوطنية الأخرى.
فريد عبد الخالق: وعلي ماهر، أحد الذين يدعمون، كان فعلاً من العناصر الوطنية.
أحمد منصور [مقاطعاً]: هذا سبب إقالة علي ماهر بعد 35 يوماً.
فريد عبد الخالق: نعم، هذه هي المسألة. لذلك أقول لحضرتك، هذه المشكلة الأساسية التي نشأ عنها تداعيات كثيرة لا تُفسر إلا بها.
أحمد منصور: لكن هنا نقطة مهمة، حسن العشماوي في مذكراته وصلاح شادي في مذكراته، ذكروا أن جمال عبد الناصر جاء في يوم حريق القاهرة وهو مضطرب للغاية، وطلب نقل صناديق مليئة بالـ(TNT) والمتفجرات إلى مكان آمن، الذي اختاروه أولاً كان جراج حسن العشماوي، ثم نقل لاحقاً إلى عزبة محمد باشا العشماوي، ودفنت بعد ذلك بمعرفة جمال عبد الناصر.
فريد عبد الخالق [مقاطعاً]: بمعرفة جمال، نعم.
أحمد منصور [متابعاً]: وهذه التي استخدمت ضد الإخوان في سنة 1954، لكن الرواية الحالية يستشف منها ومعهم أحمد أبو الفتح في كتابه “جمال عبد الناصر” أن هناك علاقة لعبد الناصر بحريق القاهرة، واستدلوا على الخطاب الذي ألقاه عبد الناصر سنة 1960 في افتتاح مجلس الأمة، حين قال: “لقد كان حريق القاهرة أول بادرة للثورة الاجتماعية على الأوضاع الفاسدة، وحريق القاهرة هو تعبير شعبي عن سخط الشعب المصري على ما كانت ترزح فيه مصر من إقطاع واحتكار واستبداد رأس المال”.
فريد عبد الخالق: والله الحقيقة، أنا شخصياً وقفت عند هذه النقطة، ووقف كل المؤرخين. السؤال لازال قائماً، والقضية حتى الآن قضية لغز تاريخي، لم يهتد الناس بعد إلى رأي موثق نهائي فيها.
أحمد منصور: لكن المؤرخين وقفوا عند ذكر حسن العشماوي وأحمد أبو الفتح وصلاح شادي، وقالوا إن هذا ليس دليلاً على تورط عبد الناصر في الموضوع.
فريد عبد الخالق: أنا شخصياً أقول: يمكن أن هناك من استغل الحدث ووظفه. إنشاء الحدث شيء، وتوظيفه شيء آخر. جمال وظفه، ربما، لكن إلى أي مدى كان ضالعاً؟ الله أعلم، لا توجد دلائل قاطعة، حتى من رأى يوم حريق القاهرة في الأوبرا أو داخل المحلات، أُشير إليه، فهذا لا يكفي.
أحمد منصور: صلاح شادي لم يروي لك شيئاً شفوياً؟
فريد عبد الخالق: لا، هو الذي كتبه في كتابه فقط.
علاقة عبد الناصر بالإخوان المسلمين
أحمد منصور: باعتبارك أحد الذين كُلّفوا من الإخوان وكان لك علاقات قوية بجمال عبد الناصر، كيف بدأت علاقات عبد الناصر بالإخوان المسلمين؟
فريد عبد الخالق: هذه علاقات عريقة، وتختلف عراقتها بالنسبة لي وبالنسبة للإخوان والضباط الأحرار. حسين الشافعي وغيره من الضباط دخلوا، لكن واحداً منهم منذ 1941 التحق بالإخوان، واتصل بهم وبايع المرشد وبايع حتى السندي، واشتغل معنا. في أوقات مختلفة قديمة، انتظمت علاقات الضباط مع الإخوان، وبعضهم مارس عملياً كما مارس جمال عبد الناصر عملياً تدريب الإخوان، وهذه نقطة حساسة في التعبئة ضد الحرب في فلسطين، فهم لهم دور سواء على مستوى التقبل أو على مستوى المبايعة.
أحمد منصور: أنت تعرفت على جمال عبد الناصر لأول مرة متى؟
فريد عبد الخالق: والله، عرفته بطريقة ضمنية، ليست مباشرة.
أحمد منصور: كيف؟
فريد عبد الخالق: هو كان قد سبق الاتصال مع حسن العشماوي، وكان مكتب…
أحمد منصور [مقاطعاً]: تعرفت على حسن العشماوي كما ذكر في مذكراته عن طريق صلاح شادي سنة 1951. أنت تعرفت عليه قبل 1951 أم أول مرة في 1951؟
فريد عبد الخالق: لا، تعرفت عليه في الفترة التي تعرفت فيها على حسن، وكانت طبيعية، لأنه كان اجتماع لقاء جمال الأمن في مكتب محمد العشماوي. كنت أذهب معهم، واللقاء كان في المكتب، عرفني به، وتكررت اللقاءات، وبدأت تتكون نوع من التفاهم والثقة، لدرجة أنني كنت أحد الذين عرفوا بساعة الصفر قبلها بأيام.
أحمد منصور: ثورة يوليو، كنت على معرفة بتاريخ اندلاعها؟
فريد عبد الخالق: نعم، قبلها بأيام.
أحمد منصور: قبلها بأيام، وليس يومها.
فريد عبد الخالق: نعم.
أحمد منصور: طيب، الآن سأأتي لك تفصيلاً، لأن محاضر الاجتماعات التي دونها حسن العشماوي فيها اسمك. كمال الدين حسين، عضو مجلس قيادة الثورة، ذكر أنه اجتمع بك أنت مع عبد الناصر قبيل الثورة بيوم واحد. قبل هذه الأحداث، عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد ضباط الإخوان وأحد مؤسسي تنظيم الضباط في الإخوان…
فريد عبد الخالق [مقاطعاً]: صحيح، وأبو المكارم…
أحمد منصور [متابعاً]: لا، أنا أتحدث عن مذكرات عبد المنعم عبد الرؤوف، حيث ذكر أنه أرغم فاروق على التنازل عن العرش، وأنه تعرف على خالد محي الدين في مذكراته.
فريد عبد الخالق [مقاطعاً]: كمال حسين ربما.
أحمد منصور [متابعاً]: كمال الدين حسين، وذكره عبد اللطيف البغدادي، كلهم رجع إلى مذكراتهم. صلاح شادي في مذكراته يقول إن خالد محي الدين تعرف على جمال عبد الناصر سنة 1944 عن طريق ضابط من الإخوان، وهو عبد المنعم عبد الرؤوف. أول نشاط للإخوان في الجيش بدأ سنة 1944، وسُمّي التنظيم “تنظيم الجنود الأحرار”.
هؤلاء الضباط بايعوا على المصحف والمسدس في غرفة مظلمة: النقيب عبد المنعم عبد الرؤوف، النقيب جمال عبد الناصر، الملازم أول كمال الدين حسين، الملازم أول سعد حسن توفيق، الملازم أول خالد محي الدين، الملازم أول حسين حمودة، الملازم أول صلاح الدين خليفة. هذه العلاقة المبكرة بدأت بين 1944–1946، لكن أنت تعرفت على جمال عبد الناصر في سنة 1951…
التنظيم داخل الجيش وعلاقة عبد الناصر بالإخوان
أحمد منصور: خالد محي الدين يقول في مذكراته إن علاقته هو وجمال عبد الناصر بالإخوان المسلمين أصبحت علاقة باهتة سنة 1947. تكاد تُجمِع المصادر، بما فيها عبد المنعم عبد الرؤوف وغيره، على أن هؤلاء كانوا يدربون الشباب الإخوان على القتال في أحد ضواحي القاهرة خلال حرب 1948. يُقال إن هناك تنظيم أسسه حسن البنا في الجيش بقيادة الصاغ محمود لبيب، وكان محمود لبيب القائد الفعلي لهذا التنظيم.
وفي سنة 1949، كما ذكر حسين حمودة في مذكراته، كان هو يزور محمود لبيب، الذي توفي في يناير 1951، هو وحسين حمودة. محمود لبيب، وكيل جماعة الإخوان ونائب المرشد، قال لحسين حمودة وعبد الناصر إنه سيعطيهما تفصيلات بكافة أسماء الضباط.
فريد عبد الخالق [مقاطعاً]: صحيح، ووصلت لجمال عبد الناصر.
أحمد منصور: كافة أسماء الضباط في الجيش أخذها عبد الناصر، وأسس منها تنظيم الضباط الأحرار وفق رواية حسين حمودة.
فريد عبد الخالق: صحيح الكلام ده.
أحمد منصور: المعلومات عندك؟
فريد عبد الخالق: صحيح الكلام، وإضافة بسيطة: في أثناء المشوار بين البدايات المبكرة واقتراب موعد الثورة، حصل تغيير في طريقة التفكير عنده.
أحمد منصور [مقاطعاً]: على فكرة، السادات أيضاً ذكر شيء قريب في كتابه “البحث عن الذات”.
فريد عبد الخالق [متابعاً]: السادات قال إنه صاحب التنظيم، لكنه المهم أن الفكرة أنه اقترب موعد الثورة، وبدأ يفكر بأن أي ولاء للضباط يجب أن يكون له شخصياً، وليس مرتبطاً بأي تيار خارجي.
أحمد منصور: وهذا ما دفع عبد المنعم عبد الرؤوف للخروج من التنظيم سنة 1951 بعدما أصر على ضرورة علاقة التنظيم بالإخوان، لكن عبد الناصر رفض.
فريد عبد الخالق: نعم، فلسفته كانت أن كل مجموعة الضباط تتحرر من أي ولاء غيره. هذا تكتيك ثابت لديه، وحرصه على ألا يكون هناك ولاء بين الضباط لغيره كان نقطة محورية قبل الثورة.
أحمد منصور [مقاطعاً]: ذكاء عنده.
فريد عبد الخالق: نعم، أنا أعتبره ذكاءً كبيراً.
أحمد منصور: طبعاً، لأنه نجح في استغلال الإخوان وكل التيارات السياسية لتحقيق أهدافه.
فريد عبد الخالق: نعم، لكن أقول لك: باعتباري متابع له، التخطيط كان محكماً، ولديه سيناريوهات متعددة، وكان يتعامل مع الجميع بحذر، حتى مع الملك والنظام القائم، بحيث أي كشف للخطط كان سيكون كارثياً.
علاقة عبد الناصر بحسن البنا ومحمود لبيب
أحمد منصور [مقاطعاً]: الروايات تقول إنه بعد أن أخذ قوائم الضباط من محمود لبيب، عبد الناصر دخل في علاقة مع حسن البنا، الذي أعطاه خصوصية كاملة لتنظيم الضباط، لأنه لم تتوافر في الضباط الشروط الأخلاقية التي تشترطها الجماعة.
فريد عبد الخالق [مقاطعاً]: نعم، عبد الناصر قال إنه يريد أكبر عدد ممكن من الضباط، بغض النظر عن المواصفات التقليدية.
أحمد منصور [مقاطعاً]: حسن البنا قال له ذلك؟
فريد عبد الخالق: لا، عبد الناصر هو الذي قال ذلك.
فريد عبد الخالق [متابعاً]: عندما التقى جمال بحسن البنا، وجابوا الصاغ محمود لبيب، قال له عبد الناصر: “الولاء يجب أن يكون لي أنا فقط”، ومحمود لبيب اقتنع بذلك تماماً، وأصبح يرى جمال عبد الناصر المؤهل للزعامة.
لقاءات عبد الناصر مع الإخوان قبل الثورة
أحمد منصور: صلاح شادي في مذكراته يقول بعد حريق القاهرة في 26 يناير 1952، نشطت لقاءات عبد الناصر مع الإخوان، وكان يحضرها عادة حسن العشماوي، وصالح أبو رقية، وأحياناً أنت.
فريد عبد الخالق [مقاطعاً]: أحياناً.
أحمد منصور [متابعاً]: بما أنك الوحيد على قيد الحياة من هذه المجموعة، ما الذي كان يدور بينكم وبين عبد الناصر؟
فريد عبد الخالق: ما كان مباحاً، وما لم يكن معروفاً إلا لله. كان يركز على الإصلاح الأخلاقي والديني، ويحافظ على دور الإخوان في حماية الثورة، وكان جزء من العمل خفي.
أحمد منصور [مقاطعاً]: من البداية، كان هناك حديث عن ثورة أو انقلاب؟
فريد عبد الخالق: نعم.
أحمد منصور: منذ جلستك الأولى، كان هناك حديث عن انقلاب؟
فريد عبد الخالق: نعم، مع الانتخابات العسكرية في ديسمبر 1951، بدأت الأمور تتضح.
أحمد منصور [مقاطعاً]: 31 ديسمبر 1951.
فريد عبد الخالق [متابعاً]: وكان الهدف الواضح أن يستخدم الجيش للانقلاب، ويستولي على الحكم، ويصبح السلطة الوحيدة، ولا يسمح بغيره.
أحمد منصور: إنسان ذكي.
فريد عبد الخالق: نعم، ذكاء.
طبيعة دور الإخوان في الثورة
أحمد منصور [مقاطعاً]: هل كان منهج الانقلابات والثورات عندكم إخوانياً؟
فريد عبد الخالق: لا.
أحمد منصور: إذاً لماذا دعمتم الضباط ووقفتوا مع عبد الناصر؟
فريد عبد الخالق: الفكرة الأصلية كانت تطهير الجيش، بعد الفشل في حرب 1948، والسلاح الفاسد، لضمان وصول الأمور إلى المدنيين لاحقاً. الثورة العسكرية استخدمها عبد الناصر لتحقيق أهدافه، وحوّلها من دورها الأصلي.
الانفراد بالسلطة ومسؤولية الإخوان
فريد عبد الخالق: وتخلص من محمد نجيب وتخلص من جميع العناصر وانفرد بالسلطة.
أحمد منصور: أنتم المسؤولون، أنتم تتحملون كإخوان المسؤولية الكبرى إذا كانت هناك مساوئ، لأنكم أنتم من جلبتم الجيش على حساب النظام الديمقراطي، وأنهتمتم النظام، ودعمتم الجيش ليستولي على السلطة.
فريد عبد الخالق: لا، نحن لم نأت بهم. أصلاً كان هناك أكثر من تنظيم داخل الجيش، من بينها الإخوان المسلمون ومن بينهم من سمّوا الضباط الأحرار. في سنة 1948 ظهر هذا التنظيم أخيرًا، ولكن كان هناك حركات متعددة.
أحمد منصور: لكن حسين حمودة يقول إن عبد الناصر أسس تنظيم الضباط الأحرار من ضباط الإخوان الموجودين داخل الجيش ومن غيرهم.
فريد عبد الخالق: نعم، فعل ذلك، وعندما جاءت الحركة، إذا حسبتها بالأعداد، أغلبهم، بحسب اعتراف جمال، كانوا إخوانًا بالفعل.
أحمد منصور: إذن أغلب تنظيم الضباط الأحرار كانوا من الإخوان.
فريد عبد الخالق: نعم، وهذا صحيح، ولكني أؤكد أن مسؤوليتنا محدودة لأن حسن البنا أعلن صراحة أن منهج الثورة ليس من أساليبنا لأنه يؤدي عادة إلى مضار.
أحمد منصور: إذن أنتم انحرفتم عن منهج حسن البنا؟
فريد عبد الخالق: لا، نحن لم نقم بانقلاب، بل الانقلاب فُرض علينا
أحمد منصور: دعمتم الجيش والانقلاب، وظللتم بجانب عبد الناصر لسنتين، حتى جاء الدور عليكم.
فريد عبد الخالق: الأصل أن هذا الموضوع مرتبط باتفاق تم بيننا، وهو اتفاق صريح.
أحمد منصور: أي اتفاق؟
فريد عبد الخالق: الاتفاق كان أن تنشأ حركة داخل الجيش تصل إلى قيادة الجيش مثل محمد نجيب، وأن يُطهّر الجيش، ثم تُسلم أمور البلاد للمدنيين. هذا كان جوهر الاتفاق بالفعل.
الاجتماعات مع عبد الناصر قبل الثورة
أحمد منصور: حضرت الاجتماع الذي قال فيه عبد الناصر للإخوان، وبحضور صلاح شادي، أننا نعرف أن موقف الأميركيين سيكون مؤيدًا للحركة؟
فريد عبد الخالق: لا، أنا لم أحضر هذا الاجتماع.
أحمد منصور: صلاح شادي يقول إن الإخوان كان لهم علاقة بالمستشار محمد سالم الذي كان على اتصال بالبريطانيين، ويتبادل معهم المعلومات.
فريد عبد الخالق: هذا ممكن، لأنه كان له دور في المعاهدة والاتصال بالإخوان.
أحمد منصور: إذن الإخوان استُخدموا كغطاء؟
فريد عبد الخالق: نعم، بعد أن حصل عبد الناصر على الثقة الأميركية وضمان عدم تحرك القوات البريطانية، انتهى دور الإخوان، وأصبح دورهم شكليًا لا أكثر.
استعدادات الثورة قبل ساعة الصفر
أحمد منصور: كمال الدين حسين ذكر أنكم اجتمعتم مع عبد الناصر قبل يوم الثورة، وأبلغتم الإخوان بقرب موعد قيامها. ما الذي دار بينكم؟
فريد عبد الخالق: لم يكن هناك شيء محدد سوى التركيز على إصلاح الجيش وإصلاح زراعة الأرض، وعدم الحكم العسكري، وجعل الحكم نيابيًا. هذا كان محور الاتفاق، لكن عبد الناصر نقض العهد لاحقًا.
أحمد منصور: إذن قبل الثورة كنت تعرف ساعة الصفر بالتحديد؟
فريد عبد الخالق: نعم.
أحمد منصور: لكن لم تكن مشاركًا في التفاصيل العسكرية؟
فريد عبد الخالق: لا، لم أكن عسكريًا، ولكن حرصت على أن تكون الحركة حرة من الحكم العسكري، وكان هذا هدفي الرئيسي أمام التاريخ وأمام الله.
الفترة ما بين الثورة وحل الإخوان
أحمد منصور: من 23 يوليو 1952 حتى حل الإخوان في يناير 1954، دعمتم الإصلاح الزراعي وحل الأحزاب.
فريد عبد الخالق: نعم، دعمنا الإصلاح الزراعي، أما حل الأحزاب فقد حصل فيه انقسام بيننا.
أحمد منصور: في هذه الفترة، من كان يستطلع الآخر: الإخوان الضباط الأحرار أم الضباط الأحرار الإخوان؟
نقد الذات والانحراف عن الموضوعية
فريد عبد الخالق: بصراحة، وبدون تزييف أو تحسين للصورة، يجب أن يفهم الناس التاريخ كما هو. شخصيًا، أعترف بأننا أخطأنا حين أعطى التوجه الوجداني والعاطفي أكثر من حقه في التعامل مع الانقلاب والملك الفاسد. كان ينبغي أن نكون موضوعيين وعقلانيين أكثر، وألا ننجرف وراء المد العاطفي الذي اجتاح البلاد. هذا هو ما أقف عليه أمام الله والتاريخ، حتى أن حسن الهضيبي اعترض على هذا التوجه في درس الثلاثاء، ما أغضب جمال عبد الناصر.
أحمد منصور: متى حدث هذا؟
فريد عبد الخالق: بعد الثورة بأيام، وتم إبلاغ عبد الناصر، الذي أخبر حسن الهضيبي أن هذه الحركة ليست إسلامية، بل حركة إصلاحية إذا كانت النية حسنة.
موقف الإخوان من الثورة والصدام معها
أحمد منصور: إذًا، بحسب كلامك، الإخوان هم من بدأوا الصدام مع الثورة؟
فريد عبد الخالق: لا، الحقيقة هي أن الأمور تكشفت بعد الثورة، وأصبح هناك أمر واقع، حيث بدأ الجيش يمارس سلطته، وأصبح الصدام واقعًا بعد أن انتهى دورنا. نحن أعلنا موقفنا بوضوح أمام الشعب، موضحين أننا لسنا مع هذا التوجه العسكري، وحددنا المعالم التي نختلف فيها.
أحمد منصور: إذن، أبرأتم ذمتكم؟
فريد عبد الخالق: نعم، أبرأنا ذمتنا، وصرحنا رسميًا من داخل السجن الحربي، ونشرت الصحف أن الإخوان لا يقرون بالحكم العسكري، ويطالبون بحكم مدني.
دور الإخوان في الأحداث وتضارب الروايات
أحمد منصور: لكن أنتم دعمتم الانقلاب وشاركتكم في نجاحه؟
فريد عبد الخالق: ما دعمناه كان نتيجة الظروف، وكان هناك دعم شعبي من غيرنا أيضًا. ليس صحيحًا أن الإخوان هم من تولوا كل المهام، مثل حماية السفارات أو الطريق إلى الإسماعيلية، هذا مجرد تضخيم في المذكرات.
أحمد منصور: إذن استُغفلتم؟
فريد عبد الخالق: لا، لم نستُغفل، الخديعة لها مسؤولية، ومن خدعنا يتحمل وزر ذلك.
جلسات الترتيب لقيام الثورة
أحمد منصور: قبل الثورة، كان هناك اجتماعات لترتيب قيام الثورة، مثل جلسة 18 يوليو 1952. هل حضرت هذه الجلسات؟
فريد عبد الخالق: لا حضرت 18 يوليو، لكن حضرت جلسة 21 يوليو، وكان اسمي مدونًا من قبل حسن العشماوي.
أحمد منصور: وماذا عن الجلسات بعد الثورة، مثل 23 و26 و27 يوليو؟
فريد عبد الخالق: في تلك الجلسات، كان المرشد الهضيبي موجودًا، وطلب عبد الناصر بعجرفة تطبيق الاتفاق، فرد المرشد بأن لا اتفاق بيننا، وهذا ما أدى إلى توتر العلاقات.
فريد عبد الخالق: ما حدث بعد الثورة من تطبيق قانون الإصلاح الزراعي كان له آثار، وسبب تفتيت الملكية، وقد اختلفنا مع بعض جوانبه، مثل عدم تفتيت الملكية الكبيرة جدًا.
أحمد منصور: إذًا، أصبح كل شخص يملك قيراطًا أو قيراطين، وهذه آثار الثورة؟
فريد عبد الخالق: نعم، هذا ما حدث نتيجة تطبيق الإصلاح الزراعي.
مسؤولية الإخوان والانعكاسات بعد الثورة
أحمد منصور: وتفتت الأرض الزراعية.
فريد عبد الخالق: لا، هذا موضوع آخر، يمكنك أن تطرح سؤالاً آخر.
أحمد منصور [مقاطعًا]: كل هذا من آثار الثورة.
فريد عبد الخالق: لا، اسألني هل الثورة حققت وعودها أم لا؟ هذا ليس من مسؤوليتي، فهل أنا من كان يحكم البلاد؟
أحمد منصور [مقاطعًا]: لكن أنت دعمت… سأقول لك تهمة كبيرة.
فريد عبد الخالق [مقاطعًا]: دعمت إنسانًا فيه الخير، لكنه نكث العهد وقلب ظهر المجن. ماذا كان بوسعي أن أفعل؟
الاتفاقات والخطأ في التقدير
أحمد منصور: هل كانت هناك اتفاقات مكتوبة بينك وبين عبد الناصر؟
فريد عبد الخالق: لا، أنا أقول هذا الكلام، وأعيب على الذين تصدوا للاتفاق لأنهم لم يضمنوا بجدية عدم انحراف الضباط عن ما تم الاتفاق عليه.
أحمد منصور [مقاطعًا]: هل أخطأ صلاح شادي وحسن عشماوي؟
فريد عبد الخالق: نعم، أخطأوا. وحتى حسن الهضيبي لاحقًا اعترف بأن الأمور كشفت عن نفسها، وأن كل ما تم لم يكن بمستوى الاتفاق المعتبر. كانت هناك سذاجة وأغراء، وأخطأوا في التقدير.
فريد عبد الخالق: أيام حسن البنا، كان هناك شرخ في الدعوة عندما تمرد الجهاز واستقل، وكان البعض يريد القيام بانقلاب، بينما حسن البنا كان يفضل الصبر والتربية، لأنه يرفض النتائج العاجلة وغير المأمونة.
وبعد الثورة، وقع شرخ آخر بين حسن الهضيبي والإخوان من جهة، وأعضاء الهيئة من جهة أخرى، حيث تأثر البعض بجمال عبد الناصر أكثر من اللازم، ورأوا أن للثورة مطامع خاصة، بينما موقف الإخوان كان مبدئيًا وموضوعيًا.
أحمد منصور: أنت كنت مع حسن الهضيبي أم مع الآخرين؟
فريد عبد الخالق: مع حسن الهضيبي مئة بالمئة.
أحمد منصور: لماذا حضرت الاجتماعات مع عبد الناصر؟
فريد عبد الخالق: لم أكن صديقًا له بعد الثورة، انتهت الصداقة منذ اليوم الذي بدأت فيه التوترات قبل الثورة، خصوصًا مع قانون الأحزاب وحلها.
مشاركة الإخوان في ثورة 23 يوليو
أحمد منصور: حسب حسين حمودة، الإخوان شاركوا في الثورة بواسطة الضباط المنتمين للجماعة الذين شكلوا أغلبية في تنظيم الضباط الأحرار.
فريد عبد الخالق: صحيح.
أحمد منصور: أي أن معظم الضباط المشاركين كانوا من الإخوان، كما أن الجهاز السري للإخوان شارك في حماية السفارات والمنشآت. وبالتالي، إذا تدهور الوضع من حيث الحرية أو الديمقراطية، أنتم مسؤولون.
فريد عبد الخالق: نعم، ولكني أؤكد الحقيقة دون دفاع عن رأي أو أشخاص. كان هناك خطأ في تقديرنا للواقع، وحتى في اجتماع مع منير دله وصلاح تاج وعبد القادر حلمي، أصررت على أن عرض اندماج الإخوان في هيئة التحرير كان خاطئًا، لأن الهيئة كانت تعمل كحزب حكومي، وهذا يضر بالدعوة.
أحمد منصور: إذًا، الإخوان سلموا رقابهم لجمال عبد الناصر بعد الثورة حتى حل الجماعة في يناير 1954.
فريد عبد الخالق: إن شاء الله، هذا ما سنوضحه.
أحمد منصور: أشكرك جزيل الشكر.
فريد عبد الخالق: عفوًا، بالعكس، البحث عن الحقيقة لا يرهقني. الأيام المتبقية من عمري نذرتها لله، وكل يوم أستطيع أن أقول فيه شيئًا ينفع الناس ويكشف الحقائق، لأن خلط الأمور يفسد الحكم والرؤية.
أحمد منصور: شكرًا لك، وشكرًا مشاهدينا الكرام على المتابعة. في الحلقة القادمة سنواصل الاستماع لشهادة الأستاذ فريد عبد الخالق حول علاقة الإخوان بالثورة وجمال عبد الناصر، من بعد 23 يوليو حتى حادث المنشية ومحاكمات الإخوان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
00:00 – المقدمة –
00:45 – عبد الناصر وحريق القاهرة -
06:32 – علاقة عبد الناصر بالإخوان المسلمين -
16:49 – حقيقة ما كان يدور بين عبد الناصر والإخوان -
26:45 – أوجه الاتفاق وبداية الصدام -
38:47 – جلسات الترتيب لقيام الثورة -
44:35 – الإخوان والثورة -