محمد بن سعيد آيت إيدر ج2: تأسيس جيش التحرير المغربي وكواليس مقتل المساعدي

يستعرض أحمد منصور، مع أحد قادة جيش التحرير المغربي، محمد بن سعيد آيت إيدر ج2 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، تأسيس جيش التحرير المغربي وكواليس مقتل عباس المساعدي وتأثير ذلك على جيش التحرير؟؟.
محمد بن سعيد آيت إيدر

يستعرض أحمد منصور، مع أحد قادة جيش التحرير المغربي، محمد بن سعيد آيت إيدر ج2 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في ١8 أبريل ٢٠١٠، تأسيس جيش التحرير المغربي وكواليس مقتل عباس المساعدي وتأثير ذلك على جيش التحرير؟؟.

محمد بن سعيد آيت إيدر ج2:

تأسيس جيش التحرير المغربي وكواليس مقتل المساعدي

أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، نواصل فيها الاستماع إلى شهادة السيد محمد بن سعيد آيت إدر، أحد مؤسسي وقادة جيش التحرير في المغرب خلال فترة الاحتلال الفرنسي، وأحد مؤسسي اتحاد القوى الشعبية المغربي.
أستاذ محمد، مرحباً بك.

محمد بن سعيد آيت إدر:
أهلاً وسهلاً، شكراً.

عودة الملك وبداية التحول السياسي (1955)

أحمد منصور:
دفعت المقاومة في المغرب الاحتلالَ الفرنسي إلى دعوة الأحزاب الوطنية المغربية إلى مدينة إيكس ليبان في فرنسا، في 22 أغسطس عام 1955، للتفاوض حول مستقبل المغرب. وفي نهاية المطاف، تم الاتفاق على عودة السلطان محمد بن يوسف من منفاه في مدغشقر، فعاد إلى المغرب في 16 نوفمبر 1955، وأُعيد إلى عرشه.
ما أثر ذلك على مسيرة المقاومة في المغرب؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
كان ذلك حدثاً بالغ الأهمية والتعقيد في تلك المرحلة التاريخية. فقد أعقبته انفراجة سياسية أقدمت عليها الحكومة الفرنسية بعد شعورها بفشل سياسة العنف.
لقد جرّبت فرنسا عزل الملك محمد بن يوسف لضرب الحركة الوطنية، غير أن العمل المسلح حقق نتائج سريعة، وانتقم من فئات كانت مسؤولة عن تلك المؤامرة. كما أن انطلاق الثورة الجزائرية أثار مخاوف فرنسية حقيقية من التحام الثورة الجزائرية بالمقاومة المغربية، خاصة وأن حكومة الجمهورية الرابعة الفرنسية كانت عاجزة عن مواجهة أزمات متزامنة، بعد خروجها المنهك من حرب فيتنام عقب اتفاقيات جنيف عام 1954.

أحمد منصور (مقاطعاً):
فرنسا كانت متورطة في فيتنام، ومتورطة هنا أيضاً، وفي الجزائر كذلك.

محمد بن سعيد آيت إدر:
لذلك، رأت فرنسا أن من الضروري إيجاد حل للمشكلتين التونسية والمغربية لعزل القضية الجزائرية.
أما على مستوى الحركة السياسية المغربية، فقد كان القرار السياسي في تلك المرحلة هو الدخول في حوار مفتوح مع فرنسا، دون أن يكون المشروع النهائي للحل واضح المعالم.

أحمد منصور:
أي إن الحل لم يكن واضحاً.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، لم يكن واضحاً.

أحمد منصور:
بمعنى أن الحركة السياسية المغربية دخلت المفاوضات مع الفرنسيين دون رؤية واضحة لمستقبل المغرب.

محمد بن سعيد آيت إدر:
صحيح.

غياب التنسيق بين السياسة والمقاومة

أحمد منصور:
بعد المفاوضات التي خاضتها النخبة السياسية المغربية بدعوة من الفرنسيين في إيكس ليبان، عاد الملك إلى العرش في 16 نوفمبر 1955، وكان ذلك مطلباً أساسياً للنخبة السياسية.
لكن ما الذي أدى، رغم ذلك، إلى تأسيس جيش التحرير وانطلاقه في شمال المغرب في أكتوبر 1955؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
أعتقد أن السبب الأساسي هو غياب التنسيق بين القيادة السياسية التي خرجت حديثاً من السجون، وبين عناصر المقاومة التي كانت تنشط في مرحلة تميزت بالمفاوضات السياسية، وفي الوقت نفسه بالتحضير لانطلاقة العمل المسلح في أكتوبر 1955.

أحمد منصور:
هذا أمر بالغ الأهمية لفهم المشهد؛ إذ لا توجد حركة مقاومة مسلحة تنطلق دون غطاء سياسي.
السياسيون في المغرب كانوا في واد، والمقاومة في واد آخر، أليس كذلك؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم.

أحمد منصور:
صف لنا هذا المشهد.

محمد بن سعيد آيت إدر:
لم تكن قيادة جيش التحرير تتوفر على غطاء سياسي واضح، كما أن القيادة السياسية نفسها لم تكن تملك توجهاً يسمح لها بالدخول في المعادلة باعتبارها طرفاً مباشراً في الصراع.

أحمد منصور (مقاطعاً):
وهذا يقودنا من لحظة انطلاق جيش التحرير إلى النتائج التي آل إليها الوضع لاحقاً، في ظل غياب التنسيق بين القيادة السياسية والمقاومة المسلحة.

محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت هناك محاولة محدودة…

أحمد منصور:
متى بدأت؟ ومن قام بها؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
قاد هذه المحاولة المهدي بن بركة، حيث جرى اتصال مع قيادة جيش التحرير في تطوان في سبتمبر 1955.

أحمد منصور:
قبل انطلاق العمل المسلح؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، قبل الانطلاق. وقد فُسّرت تلك المحاولة على أنها دعوة من المهدي بن بركة لإيقاف العمليات المسلحة، وهذا غير صحيح.
ما قام به المهدي هو عرض وجهة نظر حزب الاستقلال وموقفه من المفاوضات، وطلب توضيح موقف قيادة جيش التحرير من ذلك المسار.
وحسب علمي – ولم أحضر تلك اللقاءات – فإن قيادة جيش التحرير كانت تشترط أمرين:
أولاً، عودة الملك إلى عرشه دون تنازل، وثانياً استقلال المغرب، دون تحديد واضح لطبيعة هذا الاستقلال.

أحمد منصور:
أي دون رؤية واضحة لشكل الاستقلال.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، دون رؤية واضحة.

أحمد منصور:
إذن، القيادة العسكرية لجيش التحرير لم تكن تملك تصوراً واضحاً لشكل الاستقلال، والقيادة السياسية بدورها لم تكن توفر غطاءً سياسياً واضحاً، كما أن رؤيتها لمستقبل المغرب كانت ضبابية.

محمد بن سعيد آيت إدر:
هذا صحيح.

جيش التحرير: القيادة والبدايات الميدانية

أحمد منصور:
من هم قادة جيش التحرير الذي تأسس في أكتوبر 1955؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
القيادة الأولى التي حضرت لحظة الانطلاقة وتألفت داخل المجلس الوطني ضمّت خمسة عناصر، وهم:
الدكتور الخطيب، والغالي العراقي، وحسن صفي الدين المعروف بحسن العلج، وسعيد بن عيلات، وحسين برادة.
هؤلاء كانوا مسؤولين عن التحضير والقيادة، إلى جانب شخصيات أخرى لعبت أدواراً مهمة، مثل عبد القادر الفاسي، وعبد اللطيف بن جلون، وعبد الرحمن اليوسفي، وعلال الفاسي، وكلهم اشتغلوا في إطار دعم هذا التوجه.

أحمد منصور:
وما هي التجارب الأولى التي خاضها جيش التحرير؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
التجربة الأولى كانت انطلاقة الريف في أكتوبر 1955، حيث أُقيم معسكر خارج تطوان ضم الفدائيين اللاجئين إلى المنطقة، وتلقوا فيه تكويناً عسكرياً تحت إشراف ضابط من الميليشيا الجزائرية يُدعى عبد القادر بوزار.
وكان هذا التكوين عسكرياً وسياسياً في آن واحد، نظراً لتعقيدات وضع اللجوء السياسي والخلافات القائمة آنذاك.
ومن هذا المعسكر انطلقت العمليات العسكرية في أواخر أكتوبر 1955، أي بعد عودة الملك وتشكيل الحكومة الأولى، لتتوسع دائرة العمل المسلح لاحقاً من مكناس إلى مناطق أخرى، وهي المرحلة التي شهدت تصاعداً واضحاً في حدة المواجهة.

الهدف من تأسيس جيش التحرير

أحمد منصور:
العمل، لا تقول “العنف”، هذه مقاومة، مقاومة في مواجهة الاحتلال. ما الهدف من تأسيس جيش التحرير في المغرب في الوقت الذي كانت فرنسا تتأهب للخروج؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
في الحقيقة، لم يكن متوقعاً أن فرنسا ستغادر، وكان هناك تردد قبل عودة محمد الخامس. وهذا العامل كان أساسياً في دفع تطور جيش التحرير. لأنه بعد انطلاقة أكتوبر بدأت تتغير العلاقات في المفاوضات مع الفرنسيين، وتراجعوا عن قضية عودة محمد الخامس.

أحمد منصور (مقاطعاً):
خلال شهر واحد سمحوا بعودة محمد الخامس؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، سمحوا بعودة محمد الخامس.

أحمد منصور:
إذن كانت الانطلاقة قوية لجيش التحرير.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، كانت قوية.

أحمد منصور:
وما شكل هذه القوة؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت في المنطقة المجاورة للمنطقة الفرنسية والإسبانية. وكان أبناء الريف المشاركون في ثورة عبد الكريم الخطابي يساهمون بشكل كبير. رغم محدودية السلاح، إلا أن التضاريس الجبلية ومشاركة المواطنين أعطت دعماً قوياً للمقاومة.

العفوية في قيادة جيش التحرير

أحمد منصور:
لكنك تقول عن هذه الفترة: “لم تكن قيادة جيش التحرير في البداية تخضع لضوابط قانونية محددة ولا لبرنامج خاص، بل ساد مسيرتها الأولى الكثير من العفوية.”

محمد بن سعيد آيت إدر:
صحيح، لأن تأسيس جيش التحرير في الشمال كان في ظروف صعبة. كنت موجوداً في إفني، أما الجزء الآخر من الجيش فكان في تطوان. في ديسمبر 1955 انتقلت إلى تطوان مع القيادة، وكانت القيادة كلها خارجة من موقعها، بسبب خلل في العلاقات مع إسبانيا. إسبانيا شعرت أن الدعم الذي قدمته للمغرب ضد عزل الملك قد تم تجاهله في المفاوضات مع فرنسا، واعتبرته نوعاً من التنكر.

أحمد منصور:
إذن الاحتلال الإسباني كان يدعم جيش التحرير ضد الاحتلال الفرنسي؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، لكن بعد ذلك تغير موقف السلطات الإسبانية في تطوان، وضايقت المقاومين. القيادة غادرت تطوان، ولم تمارس عملها على الأرض، ما أتاح للمقاومة المحلية التوسع والتطور، متجاوزة القيادة الرسمية.

أحمد منصور:
يعني جيش التحرير تطور وكبر وتجاوز القيادة الرسمية.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، الفدائيون الذين يرأسهم ضابط جزائري تصرفوا بشكل مستقل.

أحمد منصور:
وحدث هذا خلال ثلاثة أشهر فقط؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، في بداية الاستقلال.

المفاوضات بين حزب الاستقلال وجيش التحرير

أحمد منصور:
في بداية الاستقلال، وقع الاتفاق النهائي في 2 مارس 1956. لكن في يناير 1956، دعا علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال إلى مؤتمر في مدريد جمع قيادة المقاومة وجيش التحرير، بما فيهم الإسلاميون.

محمد بن سعيد آيت إدر:
صحيح، كان الهدف توحيد قيادات حزب الاستقلال والمقاومة. البداية كانت بمحاولة المهدي بن بركة للاتصال، ثم دعا علال الفاسي إلى الاتصال في روما، وحضر الأمين العام أحمد برافرنج، لكنه لم يتمكن من الحضور لأنه لم يكن يعرف المشاركين جيداً.

أحمد منصور (مقاطعاً):
كان أمين عام حزب الاستقلال في المنفى هنا؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، في المنفى، وعلال الفاسي كان أيضاً في القاهرة، وكان هو والمهدي بن بركة يحاولان تقريب وجهات النظر بين الأطراف.

أحمد منصور:
وكان المهدي بن بركة يسافر بين الطرفين.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، لتقريب وجهات النظر حول توحيد عمل المقاومة. في لقاء مدريد تفجر الخلاف، ثم تدخل العباس المسعدي بعد عودته من مصر، بناء على اتفاق على استمرار الكفاح المسلح وفق ما ورد في كتاب فتحي الديب.

أحمد منصور:
كتاب “عبد الناصر والمغرب العربي: دعم حركات المقاومة”.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، كان الاتفاق على استمرار الكفاح المسلح في المغرب وتونس والجزائر، وحضر اللقاء قادة المقاومة مثل عباس المسعدي والمهدي بن عبود، وأيضاً قادة الثورة التونسية.

أحمد منصور:
هؤلاء أسسوا في القاهرة ما يسمى مكتب المغرب العربي لدعم المقاومة.

محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، هذا كان دعم قادة المقاومة لجيش التحرير، لمواجهة التنازلات التي وقعت من الأحزاب السياسية حول استقلال المغرب وتونس.

أحمد منصور:
لأن المغرب وتونس قبلتا بالاستقلال المنقوص من فرنسا.

محمد بن سعيد آيت إدر:
بالضبط، لذلك كان هناك جهد من مصر والجبهة الجزائرية لضمان ألا تبقى الجزائر وحدها في المعركة.

توسيع عمليات جيش التحرير

أحمد منصور:
في 2 مارس 1956، أعلن عن وثيقة الاستقلال التي ألغت الحماية الفرنسية واستقلت المغرب، لكن بقي الاستقلال منقوصاً.

محمد بن سعيد آيت إدر:
في لقاء مدريد طُرحت عدة قضايا: توحيد فصائل المقاومة، قيادة مشتركة، تحرير المناطق المحتلة، ومحاكمة الخونة من العملاء.

أحمد منصور:
لكن الفرنسيون طالبوا بحل جيش التحرير وتسليم سلاحه.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، وكان المقترح أن يكون جيش التحرير والمقاومة هو النواة الأولى للجيش الوطني.

أحمد منصور:
هذه نقطة مهمة.

محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت حاضراً في لقاء مدريد، وأبلغنا عبر المهدي بن بركة أن عبد القادر غوزار تواصل مع وزير الداخلية لتسليم السلاح ودمج جيش التحرير في الدولة.

أحمد منصور:
أه، وضع السلاح وإدخالهم في وزارة الداخلية المغربية.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، لكن العملية لم تكتمل بسبب تدخل ضغوط خارجية من مصر، الجزائر، وأيضاً القصر الملكي، ورفض بعض المشاركين المساومة، واستمرار الكفاح.

أحمد منصور:
إذاً جيش التحرير منذ البداية كان قائمًا على نزاعات داخلية وشقاقات، وأيضاً تأثر بالأيدي الخارجية، مما جعله غير واضح ودورُه مشوش.

محمد بن سعيد آيت إدر:
صحيح، القيادة لم تكن لديها رؤية كاملة للملك الشرعي أو الاستقلال، وكان من السهل التأثير عليها في تلك الفترة.

أحمد منصور:
مع هذا الحماس الشعبي، كان جيش التحرير يتوسع، كما أشرت، فرقة صغيرة مكونة من 153 ضابطاً وجندياً انتقلت إلى جنوب المغرب، وبدأت العمليات تتوسع رغم الضبابية السياسية.

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، هذا نتيجة التطورات، وفي المفاوضات كان من المفترض تصفية المقاومة ودمج جيش التحرير، لكن بعض الفصائل تصرفت بشكل مستقل، وتجاوزت التوجيهات المركزية.

أحمد منصور (مقاطعاً):
ما هي أهم الأخطاء التي وقعت فيها المقاومة الداخلية أو جيش التحرير؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
أهمها كانت في مجال التصفيات الداخلية.

أخطاء جيش التحرير والتصفيات الداخلية

أحمد منصور:
شخصية؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، شخصية، في تصفيات.

أحمد منصور:
وهذا أسوأ ما وقع.

محمد بن سعيد آيت إدر:
توسع دائرة المقاومين بدون إطار، أي بدون قيادة واضحة ورؤية سياسية واضحة، ومع وجود استقطابات كثيرة في الساحة: المصريون، الجزائريون، الملك، والأحزاب السياسية.

أحمد منصور:
هذه الاستقطابات مزقت الحركة.

محمد بن سعيد آيت إدر:
الصراع السياسي والمناخ الغامض ساعد على زيادة عدد الضحايا أولاً، وضحايا هذا الوضع السياسي الغامض.

كواليس اغتيال عباس المسعدي

أحمد منصور:
خلال هذه الفترة، كانت مقاومتكم ضد الفرنسيين قوية، واتجهتم إلى ورززات وأغادير ومراكش. ما هي أهم المناطق التي دعمت جيش التحرير؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
جميع المناطق التي ذكرتها كان لها مساهمة واسعة، حتى الصحراوية والخاضعة للاستعمار الفرنسي والإسباني وموريتانيا. أما قضية اغتيال عباس المسعدي، فقد استُغلت سياسياً في هذا الإطار.

أحمد منصور:
إذن عباس المسعدي كان من وجوه قيادات جيش التحرير البارزة.

محمد بن سعيد آيت إدر:
إمكانياته محدودة، وكان تقديره متعلقاً بالقبائل، لكنه كان ضمن القيادة.

أحمد منصور:
يقال إن بن بركة كان وراء مقتله، وهناك من نسب لك علاقة بالعملية.

محمد بن سعيد آيت إدر:
هذا جزء من الصراع السياسي في تلك المرحلة. الهدف كان خلق تغيير في موازين القوى بين حزب الاستقلال، قيادة المقاومة، الاتحاد المغربي للشغل، وأطراف أخرى مرتبطة بالقصر الملكي. عباس كان ضحية هذا الصراع.

أحمد منصور:
لكن الحسن الثاني ذكر في “ذاكرة ملك” أن القاتل المدعو حجاج اعترف بأن بن بركة أمره بالقتل.

محمد بن سعيد آيت إدر:
هذا غير صحيح حسب علمي. اللقاء بين المهدي بن بركة وعباس المسعدي كان معي، وكان المهدي يسعى لتقرير وضع جيش التحرير، وليس لتصفية عباس.

أحمد منصور:
إذن الخلاف بين بن بركة والمسعدي أدى إلى مقتله؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
الاغتيال تم من قبل المنظمة السرية المتحالفة مع حزب الاستقلال، بقيادة الفقيه البصري وسعيد بن عيلات، عبر الحجاج.

أحمد منصور:
ما أثر اغتيال عباس المسعدي على المقاومة وجيش التحرير؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
لم يكن معروفاً جيداً داخل جيش التحرير، لكن استُغلت القضية سياسياً من القصر ومن بعض الأطراف لكسب النفوذ على المقاومة.

الأخطاء الاستراتيجية لجيش التحرير

أحمد منصور:
جيش التحرير بدأ يوسع عملياته، واستمر الهجوم على الفرنسيين، ثم فتح جبهة ضد الإسبان ليلة 23 نوفمبر 1957، أي فتح جبهتين في نفس الوقت. ألم يكن هذا خطأ استراتيجياً؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت مواجهة الفرنسيين أساسياً، وحاولوا تحييد الإسبان، لكن اعتُبرت هذه خطوة تكتيكية لتغيير الوضع أمام فرنسا. كما أن الأخطاء ارتبطت بالأزمات الداخلية وعدم وجود رغبة لدى بعض الأطراف في استمرار جيش التحرير بشكل متماسك.

أحمد منصور:
من هم الذين لم يكن لديهم رغبة في استمرار الجيش؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
الدولة، بمعنى الأجهزة الرسمية التي كانت تسعى لإعادة دمج جيش التحرير ضمن مؤسسات الدولة والسيطرة على الساحة بعد الاستقلال.

موقف الحسن الثاني ولي العهد تجاه جيش التحرير

أحمد منصور:
لماذا كان الحسن الثاني يكره جيش التحرير رغم أنه كان يعمل على استقلال المغرب؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
الأمر يتعلق بـ بناء الدولة وبناء الأجهزة. بعد الاستقلال، قرر الملك منع أي شخص يحمل السلاح من الانخراط في الحياة السياسية أو تشكيل قوة موازية. جيش التحرير كان خارج هذه القاعدة، ولهذا رأى ولي العهد ضرورة تصفيته.

أحمد منصور:
ما الوسائل التي استخدمت لتصفية جيش التحرير؟

محمد بن سعيد آيت إدر:

القضايا المالية: وقف التمويل المتفق عليه بين المقاومة والقصر، خصوصاً بعد فتح المعركة مع الإسبان.

إحداث تشتيت داخلي: خلق قطاعات ومؤسسات جديدة لتفريق المقاومة.

الاعتقالات السياسية: اعتقال الفقيه البصري، عبد الرحمن اليوسفي، سعيد القمصي ومجموعة من المقاومين في 14 فبراير 1960 بتهم متعلقة بالسيادة.

الفترتان الرئيسيتان لجيش التحرير

المرحلة الأولى (1956 – نوفمبر 1957): مليئة بالإيجابيات مثل مقاومة الاحتلال الفرنسي، لكنها كانت تحتوي على سلبيات كبيرة بسبب الفوضى الداخلية.

فتح جبهة ضد الإسبان (نوفمبر 1957): أدى إلى وضع جيش التحرير بين ضغط فرنسا وإسبانيا وفي الوقت نفسه ضغط داخلي من ولي العهد الذي كان يسعى لإنهاء الجيش وعدم السماح بوجود قوة مسلحة منافسة للدولة.

أحمد منصور:
لماذا لم يسع الحسن الثاني لإدماج جيش التحرير داخل الجيش الوطني أو الشرطة؟

محمد بن سعيد آيت إدر:

محمد الخامس وافق على انتقال بعض الفصائل إلى الجنوب لتحرير الصحراء من موريتانيا.

الحسن الثاني كان لديه وجهة نظر مختلفة لأنه خشى إدماج عناصر ولاؤها للمهدي بن بركة في الجيش، وهذا كان يمثل خطراً سياسياً بالنسبة له.

ولاء جيش التحرير لابن بركة

أحمد منصور:
هل كل جيش التحرير في الشمال كان ولاؤه للمهدي بن بركة؟

محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، معظم الفصائل في الشمال كانت محلية وليست مرتبطة به سياسياً. الفصائل كانت مستقلة وغالباً من الريف، وما كانش عندها ولاء مركزي للمهدي بن بركة.

أحمد منصور:
هذا يوضح أن جيش التحرير لم يكن جيشاً بالمعنى التقليدي، بل كان تكويـنات محلية منفصلة، وهذا سبب وقوع أخطاء كثيرة وعدم وجود رؤية واضحة للسياسيين أو الجيش نفسه.

محمد بن سعيد آيت إدر:

الجيش لم يكن مضبوطاً وله قيادة سياسية واضحة، بل كان يتكون من مجموعات مقاومة متعددة.

بعد 1955، ظهرت 35 مجموعة مقاومة داخل المغرب، كل واحدة مستقلة وتمتلك القدرة على تشكيل خلايا واستخدام السلاح.

أحمد منصور:
إذن هذه الفوضى كانت نتيجة طبيعية لتكوين الجيش من مجموعات مقاومة مستقلة ومتفرقة.

فوضى جيش التحرير

محمد بن سعيد آيت إدر: الفوضى التي كنا فيها وصلت مع محمد الخامس، حيث كانت هناك المنظمة السرية، ومحمد الخامس حاول مع المقاومة خلق إطار للدولة. تم القيام بهذا العمل بدعم من المقاومة، لكن هذا التوجه اصطدم بالانفلات الأمني، وتم تأسيس ما يُعرف بالقسم السابع في البوليس، الذي تدرب وشارك مع مجموعات من المقاومين ضمن الشرطة، تحت إشراف مدير الأمن محمد الغزاوي ومدير الأمن إدريس السلوي، وبمتابعة مباشرة من الملك.

أحمد منصور: لو طلبت منك أن تحدد أهم السلبيات التي وقع فيها جيش التحرير، ما هي؟

محمد بن سعيد آيت إدر: أولاً، جيش التحرير لم يكن تحت قيادة موحدة ذات رؤية واضحة.

أحمد منصور: لا يوجد قيادة موحدة. وثانياً؟

محمد بن سعيد آيت إدر: ثانياً، العوامل الداخلية. الجيش كان تطوعياً بالكامل، ولا يخضع لأيديولوجيا محددة أو توجيه سياسي واضح، مما جعل أفراده عرضة للتأثيرات والتدخلات المختلفة، وكان الجيش غير محمي من أي نظام سياسي أو أيديولوجي.

أحمد منصور: ثالثاً؟

محمد بن سعيد آيت إدر: ثالثاً، التصرفات المتعلقة بالتصفيات الداخلية. لم يكن هناك روح حوارية أو آلية لحل المشاكل، وكانت التصفيات تتم بين أطراف مختلفة ضمن المقاومة، لأسباب حسابية أو شخصية.

أحمد منصور: رابعا؟

محمد بن سعيد آيت إدر: رابعاً، الاختيارات السياسية. كان هناك صراع بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، وهذا أثر بشكل مباشر على جيش التحرير، حيث تحالفت بعض الأطراف مع ولي العهد، بينما اتجهت جهات أخرى نحو توجيهات خارجية غربية، في سياق دعم مصر وحركة عدم الانحياز بقيادة عبد الناصر.

أحمد منصور: الحسن الثاني كان يخشى تأثير عبد الناصر على جيش التحرير، خاصة من خلال دعم مصر عبر الجزائر، وكانت شخصيات مثل بن بركة وعلال الفاسي تلعب دوراً في ذلك.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، هذا صحيح. عبد الناصر كان يمد جيش التحرير بالسلاح، والولي العهد لاحظ ذلك عن كثب، وكان هناك متابعة دقيقة لكل ما يحدث، بما في ذلك لقاءات مع المخابرات المصرية في مدريد والقاهرة.

أحمد منصور: واستُخدم هذا الخوف كسلاح لضرب المقاومة داخلياً.

محمد بن سعيد آيت إدر: بالفعل، لكن الدعم المصري كان موجهًا لمواجهة الفرنسيين وليس النظام المغربي، رغم أن التنازلات الفرنسية والتسريبات المتعلقة بالمفاوضات خلقت وجهة نظر أخرى لدى الملك والولي العهد.

معركة إتفيون (المكنسة) وتأثيرها على جيش التحرير

أحمد منصور: استمرت معارككم مع الإسبان من 23 نوفمبر 1957 إلى 10 فبراير 1958، حيث توحد الإسبان والفرنسيون ضدكم في معركة واحدة، معركة إتفيون أو “المكنسة”. كيف أثر ذلك على جيش التحرير؟

محمد بن سعيد آيت إدر: المعركة كان لها أسباب متعددة لفشل جيش التحرير. أولاً، رغم وحدة الصف السابقة في المناطق الصحراوية، حدثت اختراقات من الأجهزة الإسبانية والفرنسية، بل وحتى بعض الاختراقات الداخلية من طرف السلطات المغربية. ثانيًا، انضم بعض المواطنين الصحراويين للجيش الإسباني أو الفرنسي أثناء المعركة، ما أضعف جيش التحرير.

أحمد منصور: لكن الهجوم بدأ من قبل؟

محمد بن سعيد آيت إدر: بدأ الهجوم على الجيش الإسباني بتاريخ 23 نوفمبر 1957، نتيجة خرقهم شروط الاتفاقيات السابقة، وحقق جيش التحرير بعض الانتصارات الأولية، لكنه واجه ضعفاً عسكرياً واضطرابات داخلية، ما أدى في النهاية إلى هزيمته في معركة إتفيون.

أحمد منصور: إذن، كان هناك خيانات داخلية أيضًا؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، خيانات من بعض الأطراف داخل الجيش وفي صفوف السكان، والتي أضافت إلى صعوبة المعركة.

بعد الاستقلال وتمرد الريف

أحمد منصور: بعد الإعلان عن الاستقلال في 2 مارس 1956، وقعتم اتفاقية مع الفرنسيين في 7 أبريل 1956، وتم تشكيل حكومة مبارك البكاري. وبعد كل هذه التضحيات، جاء ضابط من الجيش الفرنسي ليصبح رئيساً لحكومة المغرب الأولى بعد الاستقلال.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، وفي 2 أكتوبر 1958، بمناسبة مرور ثلاث سنوات على مقتل عباس المسعدي، حرص الدكتور الخطيب وأحردان مؤسس الحركة الشعبية على نقل رفاته من فاس إلى مسقط رأسه في قرية إجير، المعقل الجبلي للمقاومة.

أحمد منصور: وهنا اندلعت ثورة الريف أو تمرد الريف في عام 1958، والتي كانت بداية للقضاء على جيش التحرير من قبل ولي العهد الحسن الثاني وقائد القوات الملكية آنذاك محمد أوفقير.

محمد بن سعيد آيت إدر: بالضبط، وهذه المرحلة تمثل خاتمة مرحلة جيش التحرير بعد كل ما شهدته من انتصارات وهزائم وصراعات سياسية داخلية وخارجية.

أحمد منصور: أشكر حضرتك على هذه الشهادة القيمة، وأشكر جمهور المشاهدين الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة سنواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد بن سعيد آيت إدر، أحد قادة جيش التحرير المغربي وأحد مؤسسي اتحاد القوى الشعبية في المغرب.
ختام: تحيات فريق البرنامج، مع السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار

00:00 مقدمة
01:00 مؤتمر إكس ليبان و عودة السلطان وأثر ذلك على المقاومة
04:46 تأسيس جيش التحرير وانطلاقته في أكتوبر عام 1955
05:55 المقاومة لم يكن عندها غطاء سياسي والقيادة السياسية لم يكن عندها توجه مقاوم
06:50 محاولة المهدي بن بركة الاتصال مع قيادة جيش التحرير
07:56 القيادة العسكرية لا يوجد لديها رؤية لشكل الاستقلال والقيادة السياسية رؤيتها ضبابية
08:55 1955قادة جيش التحرير بعد انطلاقه في أكتوبر
11:20 الهدف من تأسيس جيش التحرير
12:11 انطلاقة قوية وعفوية لجيش التحرير
14:12 الاحتلال الإسباني يدعم جيش التحرير ضد الاحتلال الفرنسي
14:58 تطور جيش التحرير ومؤتمر في مدريد بين المقاومة وقادة الجيش
18:33 توقيع وثيقة الاستقلال وإلغاء الحماية مارس 1956
19:25 مطالبة الفرنسيين بحل جيش التحرير وتسليم سلاحه
21:02 جيش التحرير من البداية قائم على شقاقات ونزاعات وأيدي خارجية
21:47 حماس المغاربة لمقاومة الاحتلال الفرنسي
23:07 أهم أخطاء جيش التحرير
25:30 اتهام بن بركة بقتل عباس المسعدي أحد قادة جيش التحرير
27:10 رواية الحسن الثاني و رواية جيل بيرو حول مقتل السعدي
29:00 المسعدي أمر أحد الضباط باعتقال المهدي ورفض الضابط
29:35 الملك الحسن الثاني اتهم بن بركة باستخدام جيش التحرير لأهداف سياسية
31:29 المنظمة السرية المتحالفة مع بن بركة هي التي قتلت المسعدي
32:02 رواية جيل بيرو لقتل المسعدي
32:34 روايته بناء على المعلومات التي يعرفها
33:11 أثر اغتيال المسعدي علي المقاومة وجيش التحرير

34:04 توسيع عمليات جيش التحرير ضد الفرنسيين والهجوم على القوات الإسباني
35:17 أسباب كره الحسن الثاني لجيش التحرير وسعيه لتصفيته
37:35 لماذا لم يسع لإدماج جيش التحرير داخل الجيش المغربي أو الشرطة ؟
40:11 هل كان ولاء جيش التحرير في الشمال لبن بركة ؟
42:35 أهم السلبيات التي وقع فيها جيش التحرير
44:38 دعم عبد الناصر جيش التحرير عن طريق الجزائر
46:07 توحد الإسبان والفرنسيون على محاربة جيش التحرير وآثار هزيمته 

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ومحمد بن سعيد آيت إيدر

محمد بن سعيد آيت إيدر ج1: بدايات العمل المسلح في المغرب ضد الاستعمار

التالي
محمد بن سعيد آيت إيدر

محمد بن سعيد آيت إيدر ج3: ثورة الريف والصدام مع الملك الحسن الثاني

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share