كواليس شهادة جنبلاط (4): إدارة أزمة اعتذار وليد جنبلاط

بعدما تناولت فنجان القهوة الصباحية، وأيقظتُ حواسي، جلست أفكّر بهدوء: كيف سأعالج هذا المأزق الصعب؟ فاليوم ستُبثّ على شاشة الجزيرة الحلقة الثامنة والأخيرة ممّا تمّ تسجيله مع جنبلاط حتى الآن. والمشكلة أنّ كلّ ما سجّلناه توقّف عند حرب الدروز والموارنة عام ١٩٨٣، بينما ما أعددته وحضّرته يمتدّ من العام ١٩٨٣ حتى اليوم..
أحمد منصور ووليد جنبلاط

بقلم: أحمد منصور

بعدما تناولت فنجان القهوة الصباحية، وأيقظتُ حواسي، جلست أفكّر بهدوء: كيف سأعالج هذا المأزق الصعب؟ فاليوم ستُبثّ على شاشة الجزيرة الحلقة الثامنة والأخيرة ممّا تمّ تسجيله مع جنبلاط حتى الآن.
والمشكلة أنّ كلّ ما سجّلناه توقّف عند حرب الدروز والموارنة عام ١٩٨٣، بينما ما أعددته وحضّرته يمتدّ من العام ١٩٨٣ حتى اليوم..
أكثر من مائتين وعشرين صفحةً من الأسئلة أعددتها عن تلك المرحلة، ولم أطرحها عليه بعد، والمشاهدون بحاجة إلى الإجابات عليها.

شعرتُ في ذلك الوقت، وأنا غارقٌ في التفكير، كمن اتّخذ قرار الحرب دون ذخيرةٍ كافية، على أمل أن يأتيه الإمداد وهو في منتصف المعركة، ثم فوجئ بأنّ الإمداد لن يصل لأسبابٍ لوجستية. 

ولأن قرارات الحروب وإدارتها تحتاج إلى أعصابٍ فولاذية، لا إلى ردود أفعال، وإلى مناوراتٍ محسوبة، لا إلى انسحابٍ مفاجئ يتحوّل به ما أُنجز إلى هزيمة. تكون هذه هي اللحظة التي تُختبر فيها معادن أصحاب القرار: لا حين تجري الأمور وفق ما خُطّط لها، بل حين تنقلب الخطّة رأسًا على عقب، فيثبت القائد أو ينهار، ويُقاس رِباطة جأشه بقدرته على أن يصنع من الارتباك خطةً جديدة.

اتّصلت بوليد بك جنبلاط عدّة مرّات، فوجدت هاتفه مغلقًا أو أنه لا يُجيب. وعند الظهيرة، جاءني صوته من الجانب الآخر ضعيفًا، لكنّه لا ينمّ عن مرضٍ بقدر ما ينمّ عن تعبٍ وإرهاق. تمنّيت له دوام الشفاء والعافية، ولم أُحدّثه مطلقًا عن السفر أو تسجيل الشهادة، وإنّما طلبت منه أن ينتبه إلى صحّته وأن يرتاح، واستأذنته في أنّ أتّصل به لاحقًا للاطمئنان عليه، فرحّب بذلك.

وفي العمل مع كبار الساسة تتعلّم أنّ ما يقولونه ليس دائمًا ما يقصدونه؛ فالاعتذار قد يكون اختبارًا، والتمنّع قد يكون مساومةً صامتة، والمرض قد يكون غطاءً لتردّدٍ أو لإعادة حساب.
أحمد منصور

في الوقت نفسه، تحدّثت مع مدير البرامج في قناة الجزيرة، عمر عبد القادر، حتى أُرتّب السيناريوهات البديلة في حالة عدم مجيء جنبلاط، ومن بينها أنّي قد أُضطرّ لتأجيل بثّ حلقة الأسبوع القادم؛ من أجل أن أترك مجالًا للمناورة، وأُعطي مساحةً من الوقت لإعادة الترتيب مع جنبلاط على موعدٍ آخر. وطلبت من فريق العمل أن يُعيد ترتيب كلّ أمور التسجيل ويُبقيها مفتوحة.

ثم اتّصلت بجنبلاط مرّةً أخرى فوجدت صوته قد تحسّن، ومرّةً ثالثة في المساء فوجدته بحال أفضل. هنا أدركت أنّ قرار إلغاء السفر ربّما كان نتاج حالةٍ مزاجيةٍ صباحيةٍ غير صافية، مع إرهاقٍ بدنيّ، أكثر منه حالةً مرضية. وفي العمل مع كبار الساسة تتعلّم أنّ ما يقولونه ليس دائمًا ما يقصدونه؛ فالاعتذار قد يكون اختبارًا، والتمنّع قد يكون مساومةً صامتة، والمرض قد يكون غطاءً لتردّدٍ أو لإعادة حساب. وفطنة المفاوض أن يقرأ ما وراء الكلمات، فلا يأخذ كلّ قولٍ على ظاهره، ولا يبني قراره على لحظةٍ عابرةٍ من مزاج خصمه. 

لذلك قرّرت أن أُحدّثه عن التسجيل، وإمكانية تعديل موعد السفر الذي كان مقرّرًا اليوم. ويبدو أنّه كانت لديه ترتيباتٌ أخرى أيضًا، وحسابات لا علم لي بها فتجاوب معي ثم أرسل لي رسالة في الليل وأبلغني أنّه يستطيع المجيء بعد غدٍ، فاتصلت به بعدما استلمت الرسالة؛ حتى أستوثق، فأكد لي..

قرّرتُ ألّا أُزعج فريق العمل متأخّرًا، أو أيًّا من المسؤولين، وأن أترك الأمور تستقرّ؛ حتى لا أفاجأ في الصباح بقرارٍ آخر أو باعتذارٍ جديد. ولمّا وجدتُ الأمور في الصباح مستقرّة، أبلغتُ الجميع بعودة جميع الترتيبات مرّةً أخرى.

أعدنا ترتيب كلّ شيء، لكنّي أبقيت على كلّ البدائل قائمة ؛ فطبيعتي أنّي لا أثق في شيءٍ إلّا ما هو تحت يدي، وأُجهّز دائمًا سيناريوهات بديلة، ولا أعمل على سيناريو واحد. فالعمل مع كبار السياسيين يحتاج إلى أعصابٍ فولاذية وصبرٍ وتحمّلٍ واستعدادٍ للمفاجآت. 

هذا بالنسبة لعموم السياسيين، أما التعامل مع السياسيين اللبنانيين بشكل عام ووليد بك جنبلاط، بشكل خاص، فإنه بحاجة إلي المزيد. و بالفعل بقيت في حالةٍ من الترقّب حتى وصلت طائرة جنبلاط إلى الدوحة قُرب منتصف الليل، ثم بدأت مرحلةٌ أخرى من المناورات والتجاذبات والمفاجآت، كادت أن تؤدي إلى عدم إكمال الشهادة !! .
وهو ما سوف أفصّله في المقال القادم، إن شاء الله.

كواليس شهادة وليد جنبلاط على العصر؟ (١)

كواليس شهادة وليد جنبلاط (2): شرط جنبلاط لاستكمال تسجيل شهادته على العصر؟

كواليس شهادة جنبلاط (3): دعوة وليد جنبلاط إلى الدوحة؟

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج10 من شهادته على العصر: حرب الدروز ضد السنة وحركة أمل ضد الفلسطينيين 

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share